التاج والإكليل لمختصر خليلصفحات 576-624
أهل الأثرالأرشيف العلمي

خِيَارِ التَّرَوِّي

صفحات 576-624

إلَّا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ يَكُونُ مِنْ الِاحْتِرَاقِ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مِنْ احْتِرَاقِ مَنْزِلِهِ أَوْ حَانُوتِهِ فَيَأْتِي بِبَعْضِ ذَلِكَ مُحْتَرِقًا فَيُصَدَّقُ.
رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الْبَاجِيُّ: وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ سَبَبَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِنْ جَاءَ بِهِ مُحْرَقًا وَإِنْ عَلِمَ سَبَبَهُ كَاحْتِرَاقِ مَنْزِلِهِ أَوْ حَانُوتِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ الثَّوْبَ كَانَ فِيمَا احْتَرَقَ مِنْ حَانُوتِهِ أَوْ مَنْزِلِهِ فَلَا خِلَافَ فِي تَصْدِيقِهِ، أَتَى بِبَعْضِهِ مُحْرَقًا أَوْ لَا.
ابْنُ زَرْقُونٍ: قَالَ مُحَمَّدٌ: وَيُعْلِمُ أَنَّ النَّارَ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ.
الْبَاجِيُّ: وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِيمَا احْتَرَقَ، فَإِنْ أَتَى بِبَعْضِهِ مُحْرَقًا صُدِّقَ أَنَّهُ كَانَ فِي حَانُوتِهِ الَّذِي احْتَرَقَ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَادَّعَى احْتِرَاقَ جَمِيعِهِ فَظَاهِرُ.
الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ، وَعِنْدِي إنْ كَانَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بِدَفْعِهِ مِنْ الرَّهْنِ فِي الْحَوَانِيتِ حَتَّى يَكُونَ مُتَعَدِّيًا يَنْقُلُهُ عَنْهُ كَأَهْلِ حَوَانِيتِ التُّجَّارِ الَّذِينَ تِلْكَ عَادَتُهُمْ لَا يَكَادُونَ يَنْقُلُونَ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ حَوَانِيتِهِمْ فَأَرَى أَنْ يُصَدَّقُوا فِي احْتِرَاقِ ذَلِكَ فِيمَا عُرِفَ مِنْ احْتِرَاقِ حَانُوتِهِ، وَبِذَلِكَ أَفْتَيْتُ فِي طَرْطُوشَةَ عِنْدَ احْتِرَاقِ أَسْوَاقِهَا، وَظَنِّي أَنَّ بَعْضَ الطَّلَبَةِ أَظْهَرَ لِي رِوَايَةً عَنْ ابْنِ أَيْمَنَ بِذَلِكَ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ صَانِعٍ فِي مَصْنُوعٍ وَغَابَ ".

(وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ارْتَهَنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَشَرَطَ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ مُصَدَّقٌ لَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُهُ وَضَمِنَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ ضَاعَ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي حُكْمَ أَصْلِ الْعَقْدِ (أَوْ عُلِمَ احْتِرَاقُ مَحَلِّهِ إلَّا بِبَقَاءِ بَعْضِهِ مُحْرَقًا وَأَفْتَى بِعَدَمِهِ فِي الْعِلْمِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ بِهَذَا كُلِّهِ (وَإِلَّا فَلَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ رَهْنٍ لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ رَبْعٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ رَقِيقٍ فِي الْمُرْتَهِنِ مُصَدَّقٌ فِيهِ، وَلَا يَضْمَنُ مَا زَعَمَ أَنَّهُ هَلَكَ أَوْ عَطِبَ أَوْ أَبَقَ أَوْ دَخَلَهُ عَيْبٌ وَيَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْ الرَّاهِنِ (وَلَوْ اشْتَرَطَ ثُبُوتَهُ) ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ شَرَطَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَنْ

يَضْمَنَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ وَيَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْ رَبِّهِ (إلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ عُدُولٌ فِي دَعْوَاهُ مَوْتَ دَابَّةٍ) أَشْهَبُ: إذَا زَعَمَ أَنَّ الدَّابَّةَ انْفَلَتَتْ مِنْهُ أَوْ الْعَبْدَ كَابَرَهُ فَحَضَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ فَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ ادَّعَى حُضُورَهُمْ غَيْرَ عُدُولٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ يُرِيدُ لَا إذَا كَانُوا غَيْرَ عُدُولٍ فَلَمْ يَثْبُتْ كَذِبُهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ ادَّعَى مَوْتَهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ بِدَعْوَاهُ ذَلِكَ بِمَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ أَهْلُهُ.
وَلَوْ قَالُوا مَاتَتْ دَابَّةٌ لَا نَعْلَمُ مِمَّنْ هِيَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ: إنْ وَصَفُوهَا فَعَرَفُوا الصِّفَةَ أَوْ لَمْ يَصِفُوهَا قُبِلَ قَوْلُهُ إنَّهَا هِيَ وَيَحْلِفُ.
ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا إذَا ضَاعَ الرَّهْنُ الَّذِي لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْلَمْ بِهَلَاكِهِ إلَّا بِقَوْلِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ فِي عَارِيَّةِ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَالشَّيْءُ الْمُسْتَأْجَرُ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ وَالْقَرْضِ مِنْ رَسْمِ بَاعَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: سَاوَى يَعْنِي فِي هَذَا السَّمَاعِ فِي دَعْوَى التَّلَفِ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ بَيْنَ الَّذِي يَشْتَرِي الْعَبْدَ بِالْخِيَارِ أَوْ يَرْتَهِنُهُ، أَوْ يَشْتَرِيهِ لِرَجُلٍ فِيمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ بِأَمْرِهِ وَمَا يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِأَمْرِهِ وَهُوَ فِيهِ مُؤْتَمَنٌ كَالْمُودَعِ سَوَاءً، فَدَلَّ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي هَذَا كُلِّهِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ كَدَعْوَاهُ ذَلِكَ فِي حَاضِرَةٍ وَلَهُ جِيرَانٌ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَهَلْ السُّلْطَانُ يَسْتَخْبِرُ الْجِيرَانَ وَلَا يُكَلِّفُهُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَوْلَانِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلُهُمَا.
قَالَ فِي السَّمَاعِ: وَإِذَا ادَّعَى إبَاقَهُ أَوْ أَنَّهُ مَاتَ بِفَلَاةٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، مَعْنَاهُ وَيَحْلِفُ فِي الْوَجْهَيْنِ (وَحَلَفَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَلِفَ بِلَا دُلْسَةٍ وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ ادَّعَى الرَّاهِنُ تَغَيُّبَ الرَّهْنِ يَعْنِي الَّذِي يُغَابُ عَلَيْهِ فَقَالَ الْعُتْبِيُّ: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الرَّاهِنُ عِلْمَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ وَثِقَ بِهِ، فَإِنْ حَلَفَ حَلَفَ لَهُ الْمُرْتَهِنُ.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ: يَحْلِفُ لَقَدْ ضَاعَ وَمَا دَلَّسَ فِيهِ وَلَا يَعْلَمُ لَهُ مَوْضِعًا.
وَأَنْكَرَ قَوْلَ الْعُتْبِيِّ وَقَالَ: يَمِينٌ تُوجِبُ يَمِينًا هَذَا لَا يَكُونُ عِيَاضٌ: عَلَى قَوْلِ ابْنِ مُزَيْنٍ حَمَلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ.

(وَاسْتَمَرَّ ضَمَانُهُ إنْ قُبِضَ الدَّيْنُ أَوْ وُهِبَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَبَضَ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ فَقَبَضَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ أَوْ وَهَبَهُ لِلرَّاهِنِ ثُمَّ ضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى الدَّيْنِ (إلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ أَوْ يَدْعُوَهُ لِأَخْذِهِ فَيَقُولَ اُتْرُكْهُ عِنْدِي) اللَّخْمِيِّ: الرَّهْنُ مَضْمُونٌ وَإِنْ قَضَى مَا رَهَنَ فَهِيَ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُمَا إلَّا أَنْ يَقُولَ لِلرَّاهِنِ اُتْرُكْهُ عِنْدَك وَدِيعَةً فَيَكُونَ ذَلِكَ تَصْدِيقًا أَنَّهُ كَانَ وَقْتَ الْقَضَاءِ مَوْجُودًا، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا بَيْنَ أَيْدِيهِمَا فَقَضَى مَا رَهَنَ فِيهِ ثُمَّ قَامَ الرَّاهِنُ وَتَرَكَهُ كَانَ وَدِيعَةً وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ إنْ قَالَ ضَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ.

(وَإِنْ جَنَى الرَّهْنُ وَاعْتَرَفَ رَاهِنُهُ لَمْ يُصَدَّقْ إنْ أَعْدَمَ وَإِلَّا بَقِيَ إنْ فَدَاهُ وَإِلَّا أُسْلِمَ بَعْدَ الْأَجَلِ وَدَفْعِ الدَّيْنِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّ الْعَبْدَ جَنَى جِنَايَةً أَوْ اسْتَهْلَكَ مَالًا وَهُوَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَلَمْ تَقُمْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُعْدَمًا لَمْ يُصَدَّقْ، وَإِنْ كَانَ مَلِيًّا قِيلَ لَهُ أَتَفْدِيهِ أَمْ تُسَلِّمُهُ؟ فَإِنْ فَدَاهُ بَقِيَ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ أَسْلَمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، فَإِذَا حَلَّ أَدَّى الدَّيْنَ وَدَفَعَ الْعَبْدَ بِجِنَايَتِهِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا وَإِنْ فَلِسَ قَبْلَ الْأَجَلِ فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْجِنَايَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَثُبُوتِ الْجِنَايَةِ بِبَيِّنَةٍ (وَإِنْ ثَبَتَتْ أَوْ اعْتَرَفَا وَأَسْلَمَهُ فَإِنْ أَسْلَمَهُ مُرْتَهِنُهُ أَيْضًا فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِمَالِهِ) أَمَّا إذَا ثَبَتَتْ الْجِنَايَةُ وَأَسْلَمَهُ مُرْتَهِنُهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا فَجَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً خُيِّرَ السَّيِّدُ أَوَّلًا، فَإِنْ فَدَاهُ كَانَ عَلَى رَهْنِهِ، وَإِنْ أَسْلَمَهُ خُيِّرَ الْمُرْتَهِنُ أَيْضًا، فَإِنْ أَسْلَمَهُ كَانَ لِأَهْلِ الْجِنَايَةِ بِمَالِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَبَقِيَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ بِحَالِهِ.
وَإِنْ فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ حَتَّى يَدْفَعَ مَا فَدَاهُ بِهِ مَعَ الدِّينِ وَلَا يَكُونُ مَالُهُ رَهْنًا بِأَرْشٍ وَلَا دَيْنٍ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الدَّيْنِ أَوَّلًا، وَإِنْ أَبَى سَيِّدُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِيعَ بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِ الدَّيْنِ لَا قَبْلَهُ فَفَدَى بِمَا فَدَاهُ بِهِ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ سَاوَتْ رَقَبَتُهُ أَقَلَّ مِمَّا فَدَاهُ بِهِ لَمْ يَتْبَعْ السَّيِّدُ بِمَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فَدَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَتَبِعَهُ بِدَيْنِهِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ كَانَ الْفَضْلُ مِنْ رَقَبَتِهِ فِي الدَّيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الرَّاهِنَ لَا يُصَدَّقُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ " أَوْ اعْتَرَفَا " قَبَضَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ (وَإِنْ فَدَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفِدَاؤُهُ فِي رَقَبَتِهِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَرْهَنْ بِمَالِهِ وَلَمْ يَبِعْ إلَّا فِي الْأَجَلِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ أَسْلَمَهُ السَّيِّدُ خُيِّرَ الْمُرْتَهِنُ بَيْنَ ثَلَاثٍ: بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُ، أَوْ يَفْتَدِيَهُ فَيَكُونَ رَهْنًا إلَى أَجَلٍ، أَوْ يَفْتَكَّهُ بِزِيَادَةٍ وَلَوْ بِدِرْهَمٍ وَيَكُونَ لَهُ الْعَبْدُ بَتْلًا وَيَتْبَعُ السَّيِّدَ بِحَقِّهِ إلَّا

ذَلِكَ الدِّرْهَمَ وَيَفْتَرِقُ الْجَوَابُ إذَا افْتَدَاهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فِي تَعَلُّقِ الْفِدَاءِ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ وَفِي بَيْعِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ وَفِي مَالِ الْعَبْدِ، هَلْ يَكُونُ مَعَهُ فِيمَا فَدَى بِهِ؟ فَإِنْ فَدَاهُ بِإِذْنِهِ كَانَ سَلَفًا فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ وَلَا يُبَاعُ قَبْلَ الْأَجَلِ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يَكُونُ رَهْنًا بِمَا فَدَى بِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: يَكُونُ رَهْنًا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَكُونُ رَهْنًا وَإِنْ افْتَدَاهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يَكُنْ سَلَفًا فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ إنْ هَلَكَ وَكَانَ مُعَلَّقًا بِعَيْنِ الْعَبْدِ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُبَاعُ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: يُبَاعُ قَبْلَ الْأَجَلِ لِأَنَّ الرَّاهِنَ أَسْلَمَهُ وَهُوَ أَحْسَنُ، وَلَا مَقَالَ لِلرَّاهِنِ فِي تَأْخِيرِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِسْلَامِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَالِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتْبَعُهُ وَالْمَالُ لِسَيِّدِهِ.
وَقَالَ مَرَّةً يَتْبَعُهُ وَيَكُونُ رَهْنًا فِيمَا فَدَى بِهِ وَهُوَ أَبْيَنُ لِأَنَّهُ افْتَدَى مَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ أَحَقَّ بِهِ فَيُبَاعُ بِمَالِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ لَا يَكُونُ رَهْنًا إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ (وَإِنْ بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ رَهْنًا بِهِ) عِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ أَتْبَعَهُ بِمَا فَدَاهُ بِهِ وَبِالدَّيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ: " اُخْتُلِفَ هَلْ يَكُونُ رَهْنًا بِمَا فَدَى بِهِ " فَانْظُرْهُ أَنْتَ مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ.

(وَإِذَا قُضِيَ بَعْضُ الدَّيْنِ أَوْ سَقَطَ فَجَمِيعُ الرَّهْنِ فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ رَهَنَ امْرَأَتَهُ رَهْنًا بِكُلِّ الْمَهْرِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخْذُ نِصْفِ الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ أَجْمَعُ رَهْنٌ بِنِصْفِ الْمَهْرِ كَمَنْ قَضَى بَعْضَ الدَّيْنِ أَوْ وَهَبَ لَهُ فَكُلُّ الرَّهْنِ رَهْنٌ بِمَا بَقِيَ (كَاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ارْتَهَنَ دَابَّةً أَوْ دَارًا أَوْ ثَوْبًا فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ ذَلِكَ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الْحَقِّ.

(وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي نَفْيِ الرَّهْنِيَّةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا كَانَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ عَبْدَانِ وَادَّعَى أَنَّهُمَا رَهْنٌ وَقَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُك أَحَدَهُمَا وَأَوْدَعْتُكَ الْآخَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ لِأَنَّ مَنْ ادَّعَى فِي سِلْعَةٍ بِيَدِهِ أَوْ

عَبْدٍ أَنَّ ذَلِكَ رَهْنٌ وَقَالَ رَبُّهُ بَلْ عَارِيَّةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ صُدِّقَ رَبُّهُ مَعَ يَمِينِهِ (وَهُوَ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي مَبْلَغِ الدَّيْنِ فَالرَّهْنُ كَشَاهِدٍ لِلْمُرْتَهِنِ إذَا حَازَهُ وَثِيقَةٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ وَالتَّدَاعِي لَا يَوْمَ التَّرَاهُنِ مِثْلَ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ فَأَكْثَرَ صُدِّقَ الْمُرْتَهِنُ مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي مَا قَالَ الرَّاهِنُ فَأَقَلَّ لَمْ يَحْلِفْ إلَّا الرَّاهِنُ وَحْدَهُ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَأَمَّا إنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ وَيُصَدَّقُ فِي قِيمَتِهِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ كَذَّبَهُ رَبُّهُ، وَيُصَدَّقُ أَيْضًا فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْحَقِّ إلَى مَبْلَغِ تِلْكَ الْقِيمَةِ تَكُونُ قِيمَتُهُ مَكَانَهُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ رَهْنٌ قَائِمٌ يَشْهَدُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إلَى مَبْلَغِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ.

(لَا الْعَكْسُ) قَالَ أَصْبَغُ: مَنْ رَهَنَ رَهْنًا بِأَلْفِ دِينَارٍ فَجَاءَ لِيَقْبِضَهُ فَأَخْرَجَ الْمُرْتَهِنُ رَهْنًا يُسَاوِي مِائَةَ دِينَارٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ لَيْسَ هَذَا رَهْنِي وَقِيمَةُ رَهْنِي أَلْفُ دِينَارٍ وَذَكَرَ صِفَةً تُسَاوِي أَلْفًا، فَالرَّاهِنُ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ مَا لَا يُشْبِهُ، فَإِذَا حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ مِنْ الدَّيْنِ مِقْدَارُ قِيمَةِ رَهْنِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا.
وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ نَحْوَ قَوْلِ أَشْهَبَ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِهِ أَقُولُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
ابْنُ يُونُسَ: كَمَا لَوْ قَالَ لَمْ تَرْهَنِّي شَيْئًا (إلَى قِيمَتِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالرَّاهِنُ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ إلَى مَبْلَغِ قِيمَتِهِ مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الرَّاهِنِ فَيَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ وَيَأْخُذُهُ إنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَإِنْ زَادَ حَلَفَ الرَّاهِنُ مَا لَمْ يُنْقِصْ عَنْهَا، فَإِنْ نَقَصَ حَلَفَا وَأَخَذَهُ إنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ بِقِيمَتِهِ وَقِيلَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ.

(وَلَوْ بِيَدِ أَمِينٍ عَلَى الْأَصَحِّ) ابْنُ يُونُسَ: اُخْتُلِفَ إنْ كَانَ الرَّهْنُ قَائِمًا بِيَدِ الْأَمِينِ هَلْ يَكُونُ شَاهِدًا أَمْ لَا؟ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ شَاهِدٌ كَانَ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ غَيْرِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَصَوَّبَهُ اللَّخْمِيِّ.

(مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الرَّاهِنِ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الرَّاهِنُ إذَا أَخَذَ رَهْنَهُ خَرَجَ

مِنْ الرَّهْنِ وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ مَا يَكُونُ شَاهِدًا لَهُ عَلَى دَعْوَاهُ.
اُنْظُرْ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى (وَحَلَفَ مُرْتَهِنُهُ وَأَخَذَهُ إنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ فَإِنْ زَادَ حَلَفَ الرَّاهِنُ وَإِنْ نَقَصَ حَلَفَا وَأَخَذَهُ إنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ) بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ (بِقِيمَتِهِ) وَانْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَلَوْ بِيَدِ أَمِينٍ ". وَقَالَ الْبَاجِيُّ: وَإِذَا اُخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَبْدَأُ الْمُرْتَهِنُ بِالْيَمِينِ لِأَنَّ الرَّهْنَ شَاهِدٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ عِشْرِينَ الَّتِي ادَّعَاهَا الْمُرْتَهِنُ فَهُوَ لِلْمُرْتَهِنِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا قَالَ الرَّاهِنُ هُوَ فِي مِائَةٍ وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ هُوَ فِي مِائَتَيْنِ وَالرَّهْنُ قَائِمٌ صُدِّقَ الْمُرْتَهِنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَةِ الرَّهْنِ يَوْمَ الْحُكْمِ، فَإِنْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ لَمْ يُصَدَّقْ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا وَحَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى مَا قَالَ فَإِنْ حَلَفَ فَإِنَّمَا يَبْدَأُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ وَيُؤَدِّي مَبْلَغَ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَيَأْخُذُهُ إنْ أَحَبَّ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي عَشَرَةً وَهِيَ الَّتِي ادَّعَاهَا الْمُرْتَهِنُ أَوْ كَانَ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ دَعْوَاهُ لَمْ يَكُنْ الْيَمِينُ إلَّا عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ الرَّاهِنُ وَأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُرْتَهِنُ فَهَاهُنَا يَحْلِفَانِ، يَبْدَأُ الْمُرْتَهِنُ بِالْيَمِينِ لِأَنَّ الرَّهْنَ كَشَاهِدٍ لَهُ عَلَى قِيمَتِهِ، فَإِنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ الْآخَرُ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ كُلُّ مَا ادَّعَاهُ الْمُرْتَهِنُ، وَإِنْ حَلَفَ الرَّاهِنُ بَرِئَ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِالرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الرَّاهِنُ قِيمَتَهُ وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَلَا حُجَّةَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَقُولَ وَلَا أَدْفَعُهُ إلَيْك إلَّا بِحَقِّي كُلِّهِ.

(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ تَالِفٍ تَوَاصَفَاهُ ثُمَّ قُوِّمَ فَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا ضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ تَوَاصَفَاهُ وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي الصِّفَةِ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ ثُمَّ يَدَّعِي لِتِلْكَ الصِّفَةِ الْمُقَوِّمُونَ، ثُمَّ إنْ اخْتَلَفَا فِي الدَّيْنِ صُدِّقَ الْمُرْتَهِنُ إلَى مَبْلَغِ قِيمَةِ تِلْكَ الصِّفَةِ.

[هَلَكَ الرَّهْنُ وَجُهِلَتْ صِفَتُهُ]

(فَإِنْ تَجَاهَلَا فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ هَلَكَ الرَّهْنُ وَجُهِلَتْ صِفَتُهُ كَانَ بِمَا رَهَنَ فِيهِ وَلَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَدْرِي هَلْ يَفْضُلُ لَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ شَيْءٌ أَمْ لَا، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَشْهَبَ (وَاعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ إنْ بَقِيَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَهُوَ كَالشَّاهِدِ ". وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ قُبِضَ عَشَرَةً وَيَوْمَ الْحُكْمِ عِشْرِينَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ فِي عَشَرَةٍ (وَهَلْ يَوْمَ التَّلَفِ أَوْ الْقَبْضِ أَوْ الرَّهْنِ إنْ تَلِفَ؟ أَقْوَالٌ) أَمَّا ابْنُ يُونُسَ فَإِنَّمَا قَالَ مَا نَصُّهُ: إنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ.
وَسَمِعَ عِيسَى: قِيمَةُ مَا ضَاعَ مِنْ رَهْنِ حُلِيٍّ أَوْ ثِيَابٍ يَوْمَ ضَاعَ لَا يَوْمَ رُهِنَ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَقَالَ بَعْدَ هَذَا قِيمَتُهُ يَوْمَ رُهِنَ.
عِيسَى: وَلَيْسَ بِخِلَافٍ، رَاجِعْهُ فِيهِ.

(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مَقْبُوضٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ عَنْ دَيْنِ الرَّهْنِ وُزِّعَ بَعْدَ حَلِفِهِمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ مِائَتَانِ فَرَهَنَك بِمِائَةٍ مِنْهَا رَهْنًا ثُمَّ قَضَاك مِائَةً وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ الَّتِي فِيهَا الرَّهْنُ وَقُلْتَ أَنْتَ هِيَ الَّتِي لَا رَهْنَ فِيهَا وَقَامَتْ الْغُرَمَاءُ أَوْ لَمْ يَقُومُوا، فَإِنَّ الْمِائَةَ يَكُونُ نِصْفُهَا عَنْ الْمِائَةِ الرَّهْنِ وَنِصْفُهَا عَنْ الْمِائَةِ الْأُخْرَى، يُرِيدُ بَعْدَ التَّحَالُفِ إذَا ادَّعَيَا الْبَيَانَ.

(كَالْحَمَالَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ قَرْضٍ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ كَفَالَةٍ فَقَضَاهُ أَلْفًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا الْقَرْضُ وَقَالَ الْمُقْتَضِي بَلْ هِيَ الْكَفَالَةُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَادَّعَيَا أَنَّهُمَا بَيَّنَا فَلْيُقْضَ بِنِصْفِهَا عَنْ الْقَرْضِ وَنِصْفِهَا عَنْ الْكَفَالَةِ، يُرِيدُ وَيَحْلِفَانِ أَنَّهُمَا بَيَّنَا.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا إذَا كَانَ الْكَفِيلُ وَالْغَرِيمُ مُوسِرَيْنِ.
ابْنُ شَاسٍ.

[كِتَابُ التَّفْلِيسِ]

[أَحْكَام الْحَجَر عَلَى الْمُفْلِس]

وَلِلْحَجْرِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ: الْأَوَّلُ مَنْعُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ الْمَوْجُودِ.
الثَّانِي بَيْعُ مَالِهِ وَقِسْمَتُهُ.
الثَّالِثُ حَبْسُهُ إلَى ثُبُوتِ إعْسَارِهِ.
الرَّابِعُ الرُّجُوعُ إلَى عَيْنِ الْمَالِ (لِلْغَرِيمِ مَنْعُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مِنْ تَبَرُّعِهِ) اُنْظُرْ قَوْلَهُ " لِلْغَرِيمِ " سَيَأْتِي لِابْنِ رُشْدٍ إتْلَافُهُ الْمَالَ قَبْلَ التَّفْلِيسِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ: أَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ الرُّوَاةِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ الَّذِي لَا وَفَاءَ عِنْدَهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا كُلُّ مَا فَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ وَلَا إقْرَارُهُ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ فَإِذَا ضَرَبَ عَلَى يَدَيْهِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ.
اللَّخْمِيِّ: مِنْ حَقِّ الْغُرَمَاءِ إذَا تَبَيَّنَ فَلَسُ غَرِيمِهِمْ الْحَجْرُ عَلَيْهِ وَانْتِزَاعُ مَا فِي يَدَيْهِ، ابْنُ شَاسٍ: وَمِنْ أَحْكَامِ الْحَجْرِ مَنْعُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ خَوْفِ الْحَجْرِ بِوُجُوهِ التَّبَرُّعِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَالْبَيْعُ بِالْمُحَابَاةِ فِي مَعْنَى التَّبَرُّعِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ مُحَابَاةٍ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْغُرَمَاءِ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ: مَنْ نَحَلَ بِنْتَه ثُلُثَ مَالِهِ عِنْدَ نِكَاحِهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ثُمَّ مَاتَ إنْ كَانَ الدَّيْنُ قَبْلَ النِّحْلَةِ فَالدَّيْنُ مُبْدَأٌ أَوْ لِلْمَنْحُولِ لَهَا ثُلُثُ مَا يَبْقَى.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النِّحْلَةِ فَلِلْمَنْحُولِ لَهَا ثُلُثُ الْجَمِيعِ وَالدَّيْنُ بَعْدَهَا.
وَفِي الْمُفِيدِ مَا نَصُّهُ: مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ هِبَةٌ وَلَا عِتْقٌ وَلَا صَدَقَةٌ، فَإِنْ تَصَدَّقَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ كَثِيرَةٌ وَبِيَدِهِ مَالٌ لَا يَدْرِي أَيَفِي بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ أَمْ لَا فَالصَّدَقَةُ جَائِزَةٌ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَلْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَهُ طَالِبٌ مُعَيَّنٌ أَوْ مُطْلَقًا، وَسَيَأْتِي لِابْنِ رُشْدٍ إنْ فَرَّقَا فِي عِتْقِ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ طَالِبٌ مُعَيَّنٌ أَوْ لَا.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَصِيَّةُ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ غَيْرُ جَائِزَةٍ وَعِتْقُهُمْ مَرْدُودٌ، وَيُرَشِّحُ هَذَا نَقْلُ ابْنِ عَرَفَةَ فِي الْحَبْسِ فِقْهًا مُسَلَّمًا أَنَّ مَنْ قَبِلَ وَدِيعَةً مِنْ مُسْتَغْرَقِ ذِمَّةٍ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ ضَمِنَهَا لِلْفُقَرَاءِ، وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيِّ هَذَا ثُمَّ قَالَ: وَلِبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَأَظُنُّهُ الصَّائِغَ وَنَقَلَ عِيَاضٌ فِي مَدَارِكِهِ أَنَّ دُرَّةً جَلِيلَةً خَرَجَتْ مِنْ دَارِ السُّلْطَانِ بِبَغْدَادَ لِبَعْضِ الْأُمَرَاءِ فَوَصَلَتْ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ فَاسْتَحْسَنَهَا كُلُّ مَنْ حَضَرَ وَجَعَلَ يُقَبِّلُهَا، وَفِي الْمَجْلِسِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ سَحْنُونٍ فَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَيْهَا وَامْتَنَعَ مِنْ تَقْبِيلِهَا.
فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: أَخْبِرْنِي لِمَ لَمْ تَفْعَلْ؟ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مُرَادَهُ فَقَالَ: هِيَ لِغَيْرِ مَالِكِهَا وَحُكْمُهَا حُكْمُ اللُّقَطَةِ يَلْزَمُ ضَمَانُهَا مُلْتَقِطَهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا إلَى مَالِكِهَا فَلَوْ أَخَذْتُهَا لَضَمِنْتهَا، وَنَحْوُ هَذَا مِنْ الْكَلَامِ، فَاسْتَحْسَنَهُ الْقَاضِي وَدَلَّ عَلَى فَضْلِ قَائِلِهِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا فُتْيَا ابْنِ إبْرَاهِيمَ لِلْأَمِيرِ بِالْكَفَّارَةِ بِالصَّوْمِ لِفَقْرِهِ بِاسْتِغْرَاقِ ذِمَّتِهِ، وَعَلَى هَذَا صَدَرَتْ فُتْيَا ابْنِ رُشْدٍ فِي الْعُمَّالِ الظَّلَمَةِ أَنَّهُ يَضُمُّ مَا وَجَدَ لَهُمْ لِبَيْتِ الْمَالِ.
قَالَ: وَأَمَّا مَا فَاتَ بِبَيْعٍ فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ لِفَوْتِهِ.
وَعُرِفَ عِيَاضٌ بِعَبْدِ الْجَبَّارِ الْمَشْهُورِ بِالْوَرَعِ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ جُنْدِيٌّ فَرَسَهُ فَرَكِبَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: مَا لَكُمْ إمَّا وَرَعٌ نَقَصَ وَإِمَّا عِلْمٌ زَادَ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَعَلَّهُ تَصَدَّقَ بِقَدْرِ انْتِفَاعِهِ بِهِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عُرِفَ بِهِ عِيَاضٌ أَيْضًا وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ قَالَ: ذَهَبَ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ لِيَزُورَهُ بِالزَّهْرَاءِ قَالَ: وَكَانَ صَدِيقَهُ

فَدَعَاهُ إلَى الْأَكْلِ مَعَهُ فَأَكَلَ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ إلَّا مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ، فَقِيلَ لِابْنِ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ أَمْسَكْتُ عَنْ طَعَامِهِ لَكَانَ جَفَاءً عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَوَّمْتُ مَا أَكَلْت وَأَجْمَعْت عَلَى الصَّدَقَةِ بِهِ وَثَوَابُ ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ، وَرَأَيْت هَذَا أَفْضَلَ مِنْ الشُّهْرَةِ وَالْجَفَاءِ عَلَى الرَّجُلِ.
وَسُئِلَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ عَنْ مُسْتَغْرَقِ الذِّمَّةِ بِالْحَرَامِ، هَلْ تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ؟ فَقَالَ: فِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ أَنَّ الْفُقَرَاءَ لَمْ يَسْتَحِقُّوا عَيْنَ مَا بِيَدِهِ إنَّمَا اسْتَحَقُّوا قَدْرَهُ خَاصَّةً لَا عَيْنَهُ، فَإِذَا بَذَلَ لَهُ مِثْلَهُ فَلَا مَضَرَّةَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بَلْ رُبَّمَا كَانَ خَيْرًا إذَا كَانَ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ مِمَّا يُخْفِيهِ وَكَانَ الَّذِي بَذَلَ لَهُ مِمَّا يُظْهِرُهُ إذْ قَدْ يُقَامُ عَلَيْهِ فَيُوجَدُ لَهُ مَا يُؤْخَذُ لَهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَذَا أَيْضًا هَلْ هُوَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَإِنَّ الْحَرَامَ إذَا تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ صَارَ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مَالًا مِنْ مَالِهِ يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَهُ لَهُ.
وَقَدْ بَالَغَ فِي الْإِحْيَاءِ فِي هَذَا وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ: لَا يَجُوزُ لَك أَنْ تَسْرِقَ مَالَ ظَالِمٍ وَلَا لَك أَنْ تُخْفِيَ وَدِيعَتَهُ وَتُفَرِّقَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ لَهُ بِشِرَاءٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنَّ كَوْنَ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ تَحْتَ يَدِهِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ " فِي ذِمَّتِهِ " مَذْهَبُنَا نَحْنُ أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا اشْتَرَى مُطْلَقًا إذَا لَمْ يُكْرِهْ الْبَائِعَ عَلَى الْبَيْعِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَى ذَلِكَ الشِّقْصَ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مَغْصُوبَةً فَلَكَ أَنْتَ أَنْ تَشْفَعَ فِي ذَلِكَ الشِّقْصِ لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ، وَإِذَا قَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهَا أَتْبَعَهُ بِهَا وَلَا يُنْقَضُ الْبَيْعُ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى الشِّقْصَ بِعَبْدٍ مَغْصُوبٍ فَلَا شُفْعَةَ لَك حَتَّى يَفُوتَ الْعَبْدُ وَيَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ.
وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ إذَا تُوُفِّيَ هَذَا الْمُسْتَغْرِقُ الذِّمَّةَ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى وَرَثَتِهِ مِنْ مَالِهِ إلَّا مَا كَانَ حَرَامًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَفُتْ أَوْ كَانَ لَهُ طَالِبٌ مُعَيَّنٌ، وَهَكَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ عَمَّنْ هَلَكَ وَتَرَكَ مَالًا حَرَامًا فَقَالَ مَا نَصُّهُ: أَجَازَ وِرَاثَتَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبَاهُ الْقَاسِمُ وَغَيْرُهُ، وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ يَعْرِفُ أَهْلَهُ فَيَرُدَّ إلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَهْلَهُ فَلَا يَقْضِي عَلَى الْوَرَثَةِ بِأَنْ يَتَصَدَّقُوا بِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُمْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ هِيَ فُتْيَا الْأَشْيَاخِ فِي أَشْخَاصِ الْمَسَائِلِ دُونَ كَلَامِهِمْ الْعَامِّ فِي طُرُرِ ابْنِ عَاتٍ فِيمَنْ عَمِلَ لِلسَّلَاطِينِ فَظَلَمَ النَّاسَ أَوْ كَانَ قَاهِرًا غَاصِبًا أَوْ قَاطِعًا لِلسُّبُلِ أَوْ سَارِقًا أَوْ تَاجِرًا عَمِلَ بِالرِّبَا ثُمَّ مَرِضَ وَأَرَادَ التَّنَحِّيَ مِمَّا نَالَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ فِي مَرَضِهِ إنِّي نِلْت مِنْ

أَمْوَالِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَالِي فَأَنَا أُوصِي بِجَمِيعِ مَالِي.
قَالَ: فَأَفْتَى بَعْضُ فُقَهَاءِ الشُّورَى: إنْ أَبَى الْوَرَثَةُ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْفُقَرَاءِ إلَّا الثُّلُثُ خَاصَّةً، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ طَالِبًا مُعَيَّنًا وَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ فَذَلِكَ كَالدَّيْنِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ إنْ قَامَ السُّلْطَانُ عَلَى مِثْلِ هَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فُتْيَا ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ كَالطَّالِبِ الْمُعَيَّنِ إلَّا إنْ كَانَ مَا بَاعَ مَضَى.
وَنَحْوُ هَذَا قَبْلَ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ تَرْجَمَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: الشُّورَى فِيمَا خَلَفَهُ ابْنُ السَّقَّاءِ قَيِّمُ دَوْلَةِ ابْنِ جَوْهَرٍ، وَأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَتْ اسْتِطَالَتُهُ فِي الْأَمْوَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَتَفَاهَةٍ وَفَرَهٍ يَوْمَ وَلِيَ النَّظَرَ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ هُذَيْلٍ وَابْنُ مَالِكٍ أَنَّ جَمِيعَ مَا خَلَّفَهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَمِنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: مَا تَرَكَهُ مُسْتَغْرَقُ الذِّمَّةِ لِبَيْتِ الْمَالِ لَا حَقَّ فِيهِ لِلْغُرَمَاءِ، فَإِنْ كَانَ فِي تَرِكَتِهِ أَكْثَرُ ضَرَبَ الْغُرَمَاءُ فِيمَا يَبْقَى بَعْدَ أَخْذِ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَجِبُ لَهُ.
وَمِنْ وَثَائِقِ ابْنِ سَلْمُونَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَفَادَهُ الْعُمَّالُ كَمَا «فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ مِنْ الْعَامِلِ الْهَدِيَّةَ الَّتِي قَالَ هَذَا أُهْدِيَ لِي وَقَالَ: هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرَ مَا يُهْدَى إلَيْهِ» . وَقَدْ فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَكُلُّ مَا اسْتَفَادَهُ وَالٍ مِنْ مَالٍ سِوَى رِزْقِهِ وَقَاضٍ فِي قَضَائِهِ فَلِلْإِمَامِ أَخْذُهُ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ.
وَشَاطَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا مُوسَى وَغَيْرَهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَانْظُرْ قَضِيَّتَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ شَاطَرَ بَنِيهِ فِي الرِّبْحِ الَّذِي رَبِحَاهُ فِيمَا سَلَّفَهُمَا أَبُو مُوسَى.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَاسْتَسْهَلَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الشَّكْوَى بِاَلَّذِينَ يُرْسِلُونَ الْبَهَائِمَ فِي الْكُرُومِ إلَى حَاكِمِ الْفَحْصِ فَيُلْزِمُهُمْ عَلَيْهَا شَيْئًا مَدْخُولًا عَلَيْهِ، وَكُنْت أَنَا أَسْتَحْسِنُ هَذَا وَأَحْتَجُّ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُفْسِدِينَ مُسْتَغْرِقُو الذِّمَّةِ، فَكُلُّ مَا أَغْرَمَهُمْ فَسَائِغٌ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَالَ مُسْتَغْرَقِ الذِّمَّةِ سَائِغٌ لِكُلِّ النَّاسِ كَالْفَيْءِ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيِّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَانْظُرْ أَيْضًا مُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ هَلْ يَسُوغُ لَهُ إمْسَاكُ مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنْ مَالٍ بِإِرْثٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ يَصْرِفُهُ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ التَّبَاعَاتِ.
فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ حُكْمُ اللُّقَطَةِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا لَهُ أَنْ يَمْسِكَهَا كَمَا قَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ الَّذِي وُجِدَ فِي الْكِفَّةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَغْنَمِ مَالًا كَثِيرًا وَقَدْ وَقَعَ لَهُ.
وَلِابْنِ الْحَاجِّ أَيْضًا فِي نَوَازِلِهِمَا فِي

أَمْوَالِ الْبَرْبَرِ الْمُجْتَمِعَةِ مِنْ الْغَارَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مَا حُكْمُ الْوَرَثَةُ؟ فَقَالَ: حُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَالِ كَاللُّقَطَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ بِهَا وَلَا تَجِبُ لَا سِيَّمَا إنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ الْأَمْوَالُ الْمَغْصُوبَةُ وَإِنَّمَا هِيَ نَسْلُهَا فَيَجُوزُ شِرَاؤُهَا لِمَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا.
وَفِي نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ فِي الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ زَوْجَةِ الرَّجُلِ الظَّالِمِ يَأْبَى طَلَاقَهَا، لَهَا أَنْ تَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ وَإِثْمُهَا فِي عُنُقِهِ وَكَذَلِكَ الْمَمْلُوكُ انْتَهَى.
وَهَذَا لَا شَكَّ مَا لَمْ يَكُنْ عَيْنَ الْمَغْصُوبِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ قَدْ صَارَ مَالُهُ بِيَدِهِ كَالصَّنَمِ فِي كَبَّةِ الْخُيُوطِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الدَّاوُدِيُّ وَقِيلَ: هُوَ كَالْمِدْيَانِ قَبْلَ الضَّرْبِ عَلَى يَدَيْهِ يَجُوزُ تَرْكُهَا بِلَا مُحَابَاةٍ.
تَزَوَّجَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِنْتَ عَمِّهِ وَقَالَ لَهَا: رُدِّي حُلِيَّك لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: وَانْظُرْ عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ ظَفِرَ بِمَالِ مَنْ جَحَدَهُ، هَلْ لِلْفَقِيرِ الْأَخْذُ مِنْ مَالِ مُسْتَغْرِقِ الذِّمَّةِ؟ أَفْتَى شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَمْنَعُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً.
هَذَا هُوَ الَّذِي شَافَهَنِي بِهِ ثُمَّ بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ لِجَوَازِ ذَلِكَ كَمَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ إلَى مَالِ الْغَيْرِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ مَنْ بِيَدِهِ مَالٌ حَرَامٌ فَاشْتَرَى بِهِ دَارًا أَوْ ثَوْبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ أَحَدًا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَشْتَرِيَ أَنْتَ تِلْكَ الدَّارَ أَوْ الثَّوْبَ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِالْمَالِ الْحَرَامِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا اشْتَرَى الشِّقْصَ بِالدَّنَانِيرِ الْمَغْصُوبَةِ أَنَّ لَك أَنْ تَشْفَعَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَجَازَ قَبُولَ هَذَا الْمُشْتَرِي هِبَةً ابْنُ سَحْنُونٍ وَابْنُ حَبِيبٍ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَا اشْتَرَاهُ هَؤُلَاءِ الْعُمَّالُ فِي الْأَسْوَاقِ فَأَهْدَوْهُ لَك طَابَ لَك أَكْلُهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ الْحَرَامَ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ وَالْمُهْدِي فَهُمَا الْمَأْخُوذَانِ بِهِ وَالْمَسْئُولَانِ عَنْهُ، وَنَحْوُ هَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إذْ قَالَ: لَك الْمَهْنَأُ وَعَلَى غَيْرِك الْمَأْثَمُ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَوْدَعْته دَنَانِيرَ فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً فَلَيْسَ لَك فِي السِّلْعَةِ شَيْءٌ إنَّمَا تُتْبِعُهُ بِدَنَانِيرِك.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: كَرِهَ مَالِكٌ الشِّرَاءَ مِنْ لَحْمِ شَاةٍ تَلَقَّى الْجَزَّارُ شِرَاءَهَا مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ، وَالْقِيَاسُ عَلَى قَوْل مَنْ يَقُولُ هَذَا جَوَازُ الشِّرَاءِ لِأَنَّ بِذَبْحِهَا فَاتَ بَيْعُهَا الْفَاسِدُ وَوَجَبَتْ لَهُ بِقِيمَتِهَا فَالْمُشْتَرِي مِنْ لَحْمِهَا إنَّمَا اشْتَرَى لَحْمَ شَاةٍ قَدْ صَحَّ مِلْكُ بَائِعِهِ لِدُخُولِ الشَّاةِ فِي ضَمَانِهِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا غَصَبَ قَمْحًا فَطَحَنَهُ ضَمِنَ مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُمَكَّنُ رَبُّ الْقَمْحِ مِنْ أَخْذِ الدَّقِيقِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ إلَّا إنْ طَحَنَ الْقَمْحَ سَوِيقًا وَلَتَّ بِسَمْنٍ فَيَتَّفِقُ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ لَيْسَ لِرَبِّ الْقَمْحِ أَخْذُهُ كَذَلِكَ، وَلَا أَخْذُ بَعْضِهِ عَنْ قَمْحٍ لِأَنَّهُ رِبًا.
قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي مُعَامَلَةِ الْمُسْتَغْرَقِ الذِّمَّةِ بِالْحَرَامِ: إنَّ مُعَامَلَتَهُ فِي غَيْرِ عَيْنِ الشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ تَكُونُ كَمُعَامَلَةِ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ وَلَمْ يُفْلِسْ لَا حُكْمَ الْمُفْلِسِ فَيُعَامَلُ بِالْقِيمَةِ اهـ. وَحَكَى ابْن رُشْدٍ هَذَا أَيْضًا وَشَهَرَ مَنْعَ مُعَامَلَتِهِ قَائِلًا.
لِأَنَّ الدُّيُونَ قَدْ

اغْتَرَقَتْ ذِمَّتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إتْلَافُ شَيْءٍ مِمَّا بِيَدِهِ وَلَوْ بِبَيْعٍ، لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَكُّ مِنْ الْمُغَابَنَةِ وَقَدْ تَغْلُو السِّلْعَةُ الَّتِي تُشْتَرَى مِنْهُ وَتَرْخُصُ السِّلْعَةُ الَّتِي تُبَاعُ مِنْهُ فَيَكُونُ قَدْ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ تَبَاعَتِهِ نَقْصًا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ.
قَالَ: أَمَّا لَوْ اغْتَصَبَ هَذَا الْمُسْتَغْرِقُ الذِّمَّةِ رَجُلًا مِثْلِيًّا فَغَابَ عَلَيْهِ لَسَاغَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ فِي ذَلِكَ مِثْلَهُ إذْ لَمْ يُدْخِلْ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَتِهِ بِمَا أَخَذَ نَقْصًا، وَكَذَلِكَ لَوْ اغْتَصَبَ مِنْهُ سِلْعَةً فَجَحَدَهَا لَسَاغَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا لِأَنَّهُ لَا يُدْخِلُ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَتِهِ نَقْصًا.
أَمَّا لَوْ جَنَى عَلَى دَابَّةٍ فَقَتَلَهَا أَوْ عَلَى ثَوْبٍ فَأَفْسَدَهُ لَسَاغَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يُغْرِمَهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ يُدْخِلُ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَتِهِ نَقْصًا، وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَسُوغُ لِأَجِيرٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ أُجْرَةً فِي خِدْمَتِهِ إيَّاهُ وَلَا لِحَجَّامٍ إجَارَةً فِي حِجَامَتِهِمْ لِأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَتِهِ نَقْصًا.
وَلِابْنِ رُشْدٍ: عِتْقُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَرْبَابُ الدُّيُونِ مَعْلُومِينَ أَوْ مَجْهُولِينَ، فَإِنْ كَانُوا مَعْلُومِينَ فَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمُوا بِالْعِتْقِ بِالْفَوْرِ أَوْ بَعْدَ طُولٍ.

(وَسَفَرِهِ إنْ حَلَّ بِغَيْبَتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَك مَنْعُ غَرِيمِك مِنْ بَعِيدِ السَّفَرِ الَّذِي يَحِلُّ دَيْنُك قَبْلَ قُدُومِهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ قَرِيبِهِ الَّذِي يَئُوبُ فِيهِ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ (وَإِعْطَاءِ غَيْرِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ) اُنْظُرْ أَنْتَ مَا مَعْنَى هَذَا.

(أَوْ كُلَّ مَا بِيَدِهِ) نَقَلَ بَهْرَامَ عَنْ السُّيُورِيِّ أَنَّهُ إذَا قَضَى جَمِيعَ مَا بِيَدِهِ لِبَعْضِ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ أَنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي رَدِّهِ.
وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: رَهْنُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ جَائِزٌ مَا لَمْ يُفْلِسْ وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِالرَّهْنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ، سَوَاءٌ قَامَ بَقِيَّةُ غُرَمَائِهِ بِأَثَرِ ذَلِكَ أَوْ تَأَخَّرَ قِيَامُهُمْ إذَا كَانَ يَبِيعُ وَيَتَأَخَّرُ النَّاسُ بِبَيْعِهِ، وَقَضَاؤُهُ وَرَهْنُهُ جَائِزٌ.
ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ لَوْ فَطِنَ أَحَدُ الْغُرَمَاءِ بِاسْتِغْرَاقِهِ وَبَادَرَ الْغُرَمَاءَ فَهُوَ أَحَقُّ مَا لَمْ يَكُنْ الْغُرَمَاءُ قَدْ تَشَاوَرُوا كُلُّهُمْ عَلَى تَفْلِيسِهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: هُوَ أَحَقُّ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ تَشَاوَرُوا وَبِهِ أَقُولُ (كَإِقْرَارِهِ لِمُتَّهَمٍ عَلَيْهِ عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيِّ: إقْرَارُهُ قَبْلَ الْحَجِّ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ جَائِزٌ، وَلِغَيْرِهِ كَالْأَبِ وَالزَّوْجِ وَالْأَخِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَأَنْ لَا يَجُوزَ أَحْسَنُ (وَالْأَصَحُّ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ:

إقْرَارُهُ مَا دَامَ قَائِمَ الْوَجْهِ مُنْبَسِطَ الْيَدِ فِي مَالِهِ جَائِزٌ إلَّا إذَا قَرُبَ تَفْلِيسُهُ وَخَافَ قِيَامَ الْغُرَمَاءِ فَأَقَرَّ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ فَإِنِّي أُبْطِلُ إقْرَارَهُ وَأَرَاهُ تَوْلِيجًا، وَأَمَّا إقْرَارُهُ لِلْأَجْنَبِيِّينَ فَجَائِزٌ.
(لَا بَعْضِهِ وَرَهْنِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ عِتْقٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا هِبَةٌ، وَأَمَّا رَهْنُهُ وَقَضَاؤُهُ لِبَعْضِ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ فَجَائِزٌ مَا لَمْ يُفْلِسْ اهـ. اُنْظُرْ مَا عَنَى بِقَوْلِهِ " بَعْضٍ ".

(وَفِي كِتَابَتِهِ قَوْلَانِ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي

الْكِتَابَةِ فَقِيلَ هِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِتْقِ فَتُرَدُّ، وَقِيلَ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْعِ فَتُمْضَى ثُمَّ ذَكَرَ مُخْتَارًا لِنَفْسِهِ (وَلَهُ التَّزَوُّجُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا دَامَ قَائِمَ الْوَجْهِ فَإِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ جَائِزٌ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ مَالِهِ مَا لَمْ يُفْلِسْ (وَفِي تَزَوُّجِهِ أَرْبَعًا وَتَطَوُّعِهِ فِي الْحَجِّ تَرَدُّدٌ) مُقْتَضَى مَا يَتَقَرَّرُ أَنَّ التَّرَدُّدَ فِي حَجَّةِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا حَجُّ التَّطَوُّعِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إتْلَافُهُ الْمَالَ قَبْلَ التَّفْلِيسِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَجُوزُ إلَّا فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ كَالْكِسْرَةِ يُعْطِيهَا السَّائِلَ، وَالضَّحِيَّةِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْعِيدَيْنِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ، وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِفِعْلِهِ مِنْ الْكِرَاءِ فِي الْحَجِّ التَّطَوُّعِ.
وَانْظُرْ هَلْ لَهُ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ أَمْ لَا؟ ، وَإِنْ كَانَ يَأْتِي ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَجِّ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعَ زَوْجَاتٍ، وَتَدَبَّرْ ذَلِكَ؟ اهـ مِنْ ابْنِ رُشْدٍ.

(وَفُلِّسَ حَضَرَ) ابْنُ يُونُسَ: الْقَضَاءُ إذَا طَلَبَ الْغُرَمَاءُ الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْجُرُ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَامَ رَجُلٌ وَاحِدٌ بِالْمِدْيَانِ فَلَهُ تَفْلِيسُهُ كَقِيَامِ الْجَمَاعَةِ وَيَبِيعُ الْإِمَامُ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ مَالِهِ فَيُوَزِّعُهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالْحِصَصِ وَيَحْبِسُهُ فِيمَا بَقِيَ إنْ تَبَيَّنَ

لَدَدَهُ وَاتُّهِمَ.
وَلِابْنِ مُحْرِزٍ: إنْ قَامَ بِهِ مَنْ حَلَّ دَيْنُهُ وَمَنْ لَمْ يَحِلَّ لَمْ يُفْلِسْ إلَّا أَنْ يَغْتَرِقَ مَا حَلَّ بِيَدِهِ وَلَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ إلَّا يَسِيرٌ لَا يُرْجَى فِي حَرَكَتِهِ لَهُ أَدَاءُ حُقُوقِ الْآخَرِينَ.

(أَوْ غَابَ إنْ لَمْ يُعْلَمْ مَلَاؤُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ قَامَ بِدَيْنٍ عَلَى غَائِبٍ وَلَعَلَّهُ كَثِيرُ الْمُدَايَنَةِ لِغَيْرِ مَنْ حَضَرَ فَأَرَى أَنْ تُبَاعَ عَرُوضُهُ لِمَنْ حَضَرَ وَيَقْضِي.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْغَائِبِ يَقُومُ بِهِ بَعْضُ غُرَمَائِهِ وَلَيْسَ فِيمَا حَضَرَ مِنْ مَالِهِ وَفَاءٌ.
فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا كَالْأَيَّامِ الْيَسِيرَةِ فَلْيَكْتُبْ فِيهِ لِيُكْشَفَ مَلَاؤُهُ مِنْ عَدَمِهِ، وَأَمَّا فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ لَا يُعْرَفُ فِيهَا مَلَاؤُهُ مِنْ عَدَمِهِ وَلَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ فَهُوَ كَالْمُفْلِسِ وَيَحِلُّ الْمُؤَجَّلُ مِنْ دَيْنِهِ.
وَمَنْ بَاعَ مِنْهُ سِلْعَةً فَوَجَدَهَا فَلَهُ أَخْذُهَا، وَأَمَّا إنْ عُرِفَ فِيهَا مَلَاؤُهُ فَلَا يُفْلِسُ وَيَقْضِي مَنْ حَلَّ دَيْنُهُ وَيَبْقَى الْمُؤَجَّلُ وَلَا يَأْخُذُ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ.

(بِطَلَبِهِ وَإِنْ أَبَى غَيْرُهُ) مِنْ

الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَرَادَ وَاحِدٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ تَفْلِيسَ الْغَرِيمِ وَحَبْسَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نَدَعُهُ يَسْعَى حُبِسَ لِمَنْ أَرَادَ حَبْسَهُ إنْ تَبَيَّنَ لَدَدُهُ (وَدَيْنًا حَلَّ زَادَ عَلَى مَالِهِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَيْرِ مَنْ قَامَ بِهِ وَدَيْنُهُ حَالٌّ كَانَ لَهُ أَنْ يُفَلِّسَهُ إنْ ادَّعَى الْغَرِيمُ فَقْرَهُ (أَوْ بَقِيَ مَا لَا يَفِي بِالْمُؤَجَّلِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ مُحْرِزٍ: لَا يُفَلَّسُ إلَّا أَنْ يَغْتَرِقَ مَا حَلَّ بِيَدِهِ وَلَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ إلَّا يَسِيرٌ لَا يُرْجَى فِي حَرَكَتِهِ أَدَاءُ حُقُوقِ الْآخَرِينَ فَانْظُرْهُ مَعَ هَذَا (فَيُمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا بَعْدَ التَّفْلِيسِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالِهِ بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ وَلَا أَخْذٌ وَلَا إعْطَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لِقَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ (لَا فِي ذِمَّتِهِ)

ابْنُ الْحَاجِبِ: تَصَرُّفُهُ شَارِطًا أَنْ يَقْضِيَ مِنْ غَيْرِ مَا حَجَرَ عَلَيْهِ فِيهِ صَحِيحٌ (كَخُلْعِهِ وَطَلَاقِهِ وَقِصَاصِهِ وَعَفْوِهِ) ابْنُ شَاسٍ: تَصَرُّفُ الْمُفْلِسِ فِي غَيْرِ الْمَالِ كَطَلَاقِهِ وَخُلْعِهِ وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَعَفْوِهِ وَاسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ وَنَفْيِهِ بِلِعَانٍ وَقَبُولِ الْوَصِيَّةِ.

(وَعِتْقِ أُمِّ وَلَدِهِ وَتَبِعَهَا مَالُهَا إنْ قَلَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يُجْبِرُوا الْمُفْلِسَ عَلَى انْتِزَاعِ مَالِ أُمِّ وَلَدِهِ أَوْ مُدَبَّرِهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي عِتْقِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أُمَّ وَلَدِهِ فَأَمْضَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ مَسْأَلَةَ إعْتَاقِ أُمِّ الْوَلَدِ مَنْصُوصَةً فِي الْمُفْلِسِ نَفْسِهِ اهـ. وَانْظُرْ إذَا أَعْتَقَ الْمَحْجُورُ أُمَّ وَلَدِهِ وَقُلْنَا بِإِمْضَاءِ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَتْبَعُهَا مَالُهَا، وَرَوَى مُحَمَّدٌ يَتْبَعُهَا.

(وَحَلَّ بِهِ وَبِالْمَوْتِ مَا أُجِّلَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ حُلُولُ دَيْنِ الْمُؤَجِّلِ الْمُفْلِسِ بِتَفْلِيسِهِ كَالْمَوْتِ مُطْلَقًا.
وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: مَا كَانَ عَلَى مُفْلِسٍ أَوْ مَيِّتٍ مِنْ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ إلَى أَجَلِهِ وَلِغُرَمَائِهِ تَأْخِيرُهُ إلَى أَجَلِهِ

أَوْ بَيْعُهُ الْآنَ (وَلَوْ دَيْنَ كِرَاءٍ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا: وَأَخَذَ الْمُكْرِي دَابَّتَهُ وَأَرْضَهُ وَأَخَّرَ النَّقْلَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْكِرَاءَ يَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ وَيَحِلُّ كِرَاءُ مَا مَضَى إنْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَيُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ.

(أَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ مَلِيًّا) ابْنُ يُونُسَ: فِي تَفْلِيسِ الْغَائِبِ كَلَامٌ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَمِنْهُ مَا نَصُّهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ قَدِمَ بِمَالٍ فَأَرَادَ الَّذِينَ لَمْ يَخْلُ دَيْنُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا بَقِيَّةَ دُيُونِهِمْ حَالَّةً وَآجَالُهَا لَمْ تَحِلَّ وَحِصَاصُهُمْ إنَّمَا كَانَتْ لِلضَّرُورَةِ فَالْأَشْبَهُ أَنْ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَشْهَبَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ ذَلِكَ حَالًّا وَكَأَنَّهُ حُكْمٌ قَدْ مَضَى بِحُلُولِ الدَّيْنِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ فَلَّسَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ إلَى أَجَلٍ فَتَحَاصَّ الْغُرَمَاءُ فِي مَالِهِ فَوَقَعَ لِكُلِّ رَجُلٍ نِصْفُ حَقِّهِ، ثُمَّ وَرِثَ مَالًا أَنَّ الَّذِينَ لَمْ تَحِلَّ دُيُونُهُمْ يَأْخُذُونَهَا حَالَّةً، وَإِنْ كَانَتْ آجَالُهُمْ لَمْ تَنْقَضْ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مَضَى بِحُلُولِ الدَّيْنِ، وَالْأَشْبَهُ فِي هَذَا أَنْ تَبْقَى بَقِيَّةٌ مَا لَمْ يَحِلَّ مِنْ دُيُونِهِمْ إلَى أَجَلِهِ لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ حَلَّتْ دُيُونُهُمْ إنَّمَا هُوَ خَلَاءُ ذِمَّتِهِ.

(وَإِنْ نَكَلَ الْمُفَلِّسُ حَلَفَ كُلٌّ كَهُوَ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ وَلَوْ نَكَلَ غَيْرُهُ عَلَى الْأَصَحِّ) .

اللَّخْمِيِّ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَوْ نَكَلَ الْمُفَلِّسُ مِنْ الْحَلِفِ مَعَ شَاهِدٍ لَهُ بِدَيْنٍ قَبْلَ الضَّرْبِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِغُرَمَائِهِ الْحَلِفُ مَعَهُ، فَإِنْ ضَرَبَ عَلَى يَدَيْهِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَ شَاهِدَيْهِ وَيَسْتَحِقُّونَ، وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ شَاهِدُهُ حَقٌّ وَيَحْلِفُ عَلَى جَمِيعِ الْحَقِّ وَلَيْسَ عَلَى مَا يَنُوبُهُ، وَمَنْ نَكَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحَاصَّ مَنْ حَلَفَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَنْ حَلَفَ كَانَ لَهُ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَهُ جَمِيعُ حَقِّهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إذَا نَكَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَانَ لِمَنْ حَلَفَ بِقَدْرِ حَقِّهِ (وَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِالْمَجْلِسِ وَقُرْبُهُ) الْمُتَيْطِيُّ: إقْرَارُهُ عِنْدَ الْقَاضِي إنَّمَا يُثْبِتُ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَجْلِسِهِ أَوْ قُرْبِهِ.
رَوَاهُ مُحَمَّدٌ.
وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ لَغْوٌ فِي ذَلِكَ الْمَالِ لِأَنَّهُ بِتَمَامِ إقْرَارِهِ حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ.
اللَّخْمِيِّ: الصَّوَابُ إنْ بَادَرَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ دُيُونِهِمْ فَيَثْبُتُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا قَوْلُ مَنْ رَفَعَهُ لِلْحَاكِمِ بَطَلَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ لِأَنَّ أَكْثَرَ بَيْعِهِمْ دُونَ بَيِّنَةٍ.
وَإِنْ قَالَ بَعْدَ أَنْ كَشَفَ عَنْ دُيُونِهِ أُنْسِيت كَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ بِالْقُرْبِ وَقَدْ قَبِلُوا قَوْلَ عَامِلِ الْقِرَاضِ قُرْبَ تَسْلِيمِ مَالِهِ: أُنْسِيتُ النَّفَقَةَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مَا اسْتَصْوَبَهُ اللَّخْمِيِّ هُوَ نَقْلُ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ (إنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِإِقْرَارِهِ لَا بِبَيِّنَةٍ وَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ) عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ عَنْ قُرْبٍ ثُمَّ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ خَلِيلٍ فَانْظُرْهُ.
وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ قَبْلَ التَّفْلِيسِ يُرِيدُ أَوْ وَقْتَ الْقِيَامِ عَلَيْهِ بِمَالٍ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ مَنْ دَايَنَهُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ

أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ فَلَا يَدْخُلُ فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ مَالٍ وَيَتَحَاصُّ فِي هَذَا الْمَالِ أَهْلُ دَيْنِهِ دُونَ الْمُقَرِّ لَهُ، فَإِنْ أَفَادَ مَالًا بَعْدَ ذَلِكَ دَخَلَ فِيهِ هَذَا الْمُقَرُّ لَهُ حِينَ التَّفْلِيسِ، وَمَنْ بَقِيَ أَيْ مِنْ الْأَوَّلِينَ شَيْءٌ لِأَنَّ التُّهْمَةَ إنَّمَا كَانَتْ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ (وَقُبِلَ تَعْيِينُهُ لِلْقِرَاضِ وَلِلْوَدِيعَةِ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَصْلِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ قَالَ هَذَا قِرَاضُ فُلَانٍ أَوْ وَدِيعَتُهُ لَقَبِلْت قَوْلَهُ.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ إذَا تَقَدَّمَ إقْرَارُهُ قَبْلَ التَّفْلِيسِ أَنَّ بِيَدِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ قِرَاضًا أَوْ وَدِيعَةً.

(وَالْمُخْتَارُ قَبُولُ قَوْلِ الصَّانِعِ بِلَا بَيِّنَةٍ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي الصَّانِعِ يُفْلِسُ فَيُقِرُّ فِيمَا بِيَدَيْهِ أَنَّ هَذَا لِفُلَانٍ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحْسَنُ لِأَنَّ الصُّنَّاعَ مُنْتَصِبُونَ لِمِثْلِ هَذَا وَلَيْسَتْ الْعَادَةُ الْإِشْهَادَ عِنْدَ الدَّفْعِ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ قَوْلِهِمْ.
ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا قَبِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَ الصَّانِعِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ أَمْتِعَةُ النَّاسِ فَلَا يُتَّهَمُ أَنْ يَصْرِفَهُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى وَاحِدٍ.
اُنْظُرْ رَسْمَ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ.

(وَحَجَرَ أَيْضًا إنْ تَجَدَّدَ مَالٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ " الْمَالُ الْمُتَجَدِّدُ يَحْتَاجُ إلَى حَجْرَتَيْنِ " وَاضِحٌ فِيمَا عُلِمَ تَجَدُّدُهُ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: إنْ زَادَتْ الْمُدَّةُ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْنَافِ عَدَمِ آخَرَ إلَّا أَنْ يَطْرَأَ لَهُ مَالٌ فَلِغَرِيمِهِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي أَقَلِّ مُدَّةٍ (وَانْفَكَّ وَلَوْ بِلَا حُكْمٍ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ لَمْ يَبْقَ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ الْغُرَمَاءُ انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ وَلَا يَحْتَاجُ لِفَكِّ الْقَاضِي.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ دَايَنَ النَّاسَ بَعْدَ التَّفْلِيسِ ثُمَّ فَلَّسَ ثَانِيَةً فَمَنْ دَايَنَهُ أَخِيرًا أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِينَ، فَظَاهِرُ قَوْلِهِ " دَايَنَ النَّاسَ " ارْتِفَاعُ الْحَجْرِ عَنْهُ دُونَ حُكْمِ حَاكِمٍ، وَكَذَا قَوْلُهَا: لَيْسَ لِلْمُفْلِسِ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي الْمَالِ الَّذِي فَلَّسَ فِيهِ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِيمَا أَفَادَ بَعْدَ ذَلِكَ (وَلَوْ مَكَّنَهُمْ الْغَرِيمُ فَبَاعُوا وَاقْتَسَمُوا ثُمَّ دَايَنَ غَيْرَهُمْ فَلَا دُخُولَ لِلْأَوَّلِينَ كَتَفْلِيسِ حَاكِمٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ " لَوْ مَكَّنَهُمْ

الْغَرِيمُ مِنْ مَالِهِ فَاقْتَسَمُوهُ ثُمَّ تَدَايَنَ فَلَيْسَ لِلْأَوَّلِينَ دُخُولُهُ فِيمَا بِيَدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ فَضْلُ رِبْحٍ كَتَفْلِيسِ السُّلْطَانِ " هُوَ نَصُّ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَمَاعُ أَصْبَغَ (إلَّا كَإِرْثٍ وَصِلَةٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ كَلَامٍ مَا نَصُّهُ: إذَا فَلَّسَ ثَانِيَةً كَانَ الْمُقَرُّ لَهُمْ آخِرًا أَوْلَى بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ شَيْءٌ عَنْ دَيْنِهِمْ لِأَنَّ مَا بِيَدِهِ هُوَ مِنْ الْمُعَامَلَةِ الثَّانِيَةِ إذَا كَانَ قَدْ عُومِلَ بَعْدَ التَّفْلِيسِ وَبَاعَ وَاشْتَرَى لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الَّذِي أَفَادَهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ إنَّمَا أَفَادَهُ بِإِرْثٍ أَوْ صِلَةٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَدْخُلُونَ فِيهِ.

(وَبِيعَ مَالُهُ بِحَضْرَتِهِ) ابْنُ شَاسٍ: الْحُكْمُ الثَّانِي بَيْعُ مَالِهِ وَقِسْمَتُهُ وَيَبِيعُ الْحَاكِمُ بِحَضْرَةِ الْمُفْلِسِ (بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: يَسْتَأْنِي فِي بَيْعِ رَبْعِ الْمُفْلِسِ يَتَسَوَّقُ بِهِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ يَتَسَوَّقُ بِهَا يَسِيرًا وَالْحَيَوَانُ أَسْرَعُ بَيْعًا.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمِنْ شَأْنِ بَيْعِ السُّلْطَانِ عِنْدَنَا أَنْ يَبِيعَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
قَالَ سَحْنُونَ: يَبِيعُ بِالْخِيَارِ لَعَلَّ زَائِدًا يَأْتِيهِ (وَلَوْ كُتُبًا) مُحَمَّدٌ.
قَالَ مَالِكٌ: يُبَاعُ عَلَيْهِ سَرِيرُهُ وَمُصْحَفُهُ وَلَا تُبَاعُ الْكُتُبُ فِي دَيْنِ الْمَيِّتِ وَالْوَارِثُ وَغَيْرُهُ فِيهَا سَوَاءٌ مِمَّنْ هُوَ لَهَا أَهْلٌ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ سَحْنُونَ.
أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يُجِيزُ بَيْعَهَا.
بِيعَتْ كُتُبُ ابْنِ وَهْبٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَأَصْحَابُهُ حِينَئِذٍ مُتَوَافِرُونَ فَمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ (وَثَوْبَيْ جُمُعَتِهِ إنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يَبِيعُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ عُرُوضَهُ كُلَّهَا وَدَارَهُ وَخَادِمَهُ وَسَرْجَهُ وَسِلَاحَهُ وَخَاتَمَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ إلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ثِيَابِ جَسَدِهِ، وَيَبِيعُ عَلَيْهِ ثَوْبَيْ جُمُعَتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُمَا قِيمَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا تِلْكَ الْقِيمَةُ فَلَا.

[بَيْعُ آلَةِ الصَّانِعِ إذَا فَلَّسَ]

(وَفِي بَيْعِ آلَةِ الصَّانِعِ تَرَدُّدٌ) قَالَ أَبُو حَفْصٍ: الصَّانِعُ إذَا فَلَّسَ تُرِكَ لَهُ آلَةُ الْبِنَاءِ إنْ كَانَ بَنَّاءً وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصُّنَّاعِ تُتْرَكُ لَهُمْ الْآلَةُ لِأَنَّهُمْ بِهَا يَتَمَعَّشُونَ لَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَهَا فِي الزَّكَاةِ فِي مُقَابَلَةِ دُيُونِهِمْ إذَا لَمْ يُفْلِسُوا.
الْبُرْزُلِيِّ: حَكَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِبَيْعِهَا فَذَكَرْت لَهُ فُتْيَا أَبِي حَفْصٍ فَقَالَ: إنَّمَا بِعْتهَا لِأَنَّهُ يَنْتَصِبُ بِهَا لِلنَّاسِ يَغُرُّهُمْ بِذِمَّتِهِ فَأَقْطَعُ عَنْهُمْ مَادَّتَهُ حَتَّى يَكُونَ أَجِيرًا تَابِعًا.

(وَأُوجِرَ رَقِيقُهُ بِخِلَافِ مُسْتَوْلَدَتِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ أَنْ يُؤَاجِرُوا أُمَّ

وَلَدِهِ، وَلَهُمْ أَنْ يُؤَاجِرُوا مُدَبَّرَهُ وَيَبِيعُوا كِتَابَةَ مُكَاتَبِهِ.
اللَّخْمِيِّ: وَتُبَاعُ خِدْمَةُ مُعْتَقَةٍ إلَى أَجَلٍ وَإِنْ طَالَتْ، وَإِنْ فَلَّسَ الْمُخْدَمُ بِيعَ مَا قَرُبَ وَمَا اكْتَرَى وَنَفَذَ بِيعَ لَهُ (وَلَا يُلْزَمُ بِتَكَسُّبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْحُرَّ إذَا فَلَّسَ لَا يُؤَاجِرُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُسْتَعْمَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: 280] اللَّخْمِيِّ: هَذَا إنْ كَانَ تَاجِرًا وَإِنْ كَانَ صَانِعًا يُدَايَنُ لِيَقْضِيَ مِنْ عَمَلِهِ، فَإِنْ عَطِلَ أُجْبِرَ عَلَى الْعَمَلِ فَإِنْ أَبَى اُسْتُؤْجِرَ فِي صَنْعَتِهِ (وَتَسَلُّفٍ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِدَنَانِيرَ يُؤَدِّيهَا فِي دَيْنِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ بَدَّلَ وَسَلَّفَ أَوْ مَعُونَةً إلَى أَجَلٍ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ (وَاسْتِشْفَاعٍ وَعَفْوٍ لِلدِّيَةِ وَانْتِزَاعِ مَالِ رَقِيقِهِ أَوْ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِغُرَمَاء الْمُفْلِسِ أَنْ يُجْبِرُوهُ عَلَى اعْتِصَارِ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ أَوْ نَحَلَهُ وَلَا عَلَى شُفْعَةٍ لَهُ فِيهَا فَضْلٌ، وَكَذَلِكَ شُفْعَةُ الْمَيِّتِ وَالْوَرَثَةُ أَوْلَى مِنْهُمْ.
وَانْظُرْ الْخِيَارَ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ " وَلِغَرِيمٍ وَلَا كَلَامَ لِوَارِثٍ " ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا تُؤَاجَرُ مُسْتَوْلَدَتُهُ بِخِلَافِ مُدَبَّرَتِهِ وَلَا يُنْزَعُ مَالُهُمَا.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " كَسَلَفٍ " وَعِنْدَ قَوْلِهِ " كَعِتْقِ أُمِّ وَلَدِهِ " (وَعُجِّلَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ وَاسْتُؤْنِيَ بِعَقَارِهِ كَالشَّهْرَيْنِ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ".

(وَقُسِمَ بِنِسْبَةِ الدُّيُونِ) ابْنُ شَاسٍ: الْحُكْمُ الثَّانِي بَيْعُ مَالِهِ وَقَسْمُهُ عَلَى نِسْبَةِ الدُّيُونِ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا مِنْ الْعَيْنِ وَالْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فِيهِ قُوِّمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ قِيمَةُ دَيْنِهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَهُ حِينَ الْفَلَسِ أَوْ الْمَوْتِ، وَقُسِمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحِصَصِ وَاشْتَرَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ الْمُحَاصَّةِ سِلْعَتَهُ أَوْ مَا بَلَغَ مِنْهَا، وَلَا يُدْفَعُ لِأَحَدٍ مِنْ أَرْبَابِ الطَّعَامِ ثَمَنٌ، وَكَذَلِكَ أَرْبَابُ الْعُرُوضِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ عَرْضًا فِي عَرْضَيْنِ (بِلَا بَيِّنَةِ حَصْرِهِمْ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يُكَلَّفُ الْغُرَمَاءُ حُجَّةً عَلَى أَنْ لَا غَرِيمَ سِوَاهُمْ وَيَكُونُ الْمُعَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَظَهَرَ (وَاسْتُؤْنِيَ بِهِ إنْ عُرِفَ بِالدَّيْنِ فِي الْمَوْتِ فَقَطْ) ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ حَدِيثِ عُمَرَ تَعْجِيلُ قَسْمِ مَالِ الْمُفْلِسِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بَعْدَ إشْهَارِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إنَّا نَقْسِمُ مَالَهُ بِالْغَدَاةِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ شَيْءٌ فَلْيَأْتِنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْتَأْنَى بِقَسْمِ مَالِ الْمَيِّتِ الْمَعْرُوفِ

بِالدَّيْنِ لِاجْتِمَاعِ بَقِيَّةِ غُرَمَائِهِ (وَقُوِّمَ مُخَالِفُ النَّقْدِ يَوْمَ الْحِصَاصِ وَاشْتَرَى لَهُ بِمَا خَصَّهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِهَذَا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَعْرِفَةُ وَجْهِ التَّحَاصِّ أَنْ يُصْرَفَ مَالُ الْغَرِيمِ مِنْ جِنْسِ دُيُونِ الْغُرَمَاءِ إنْ كَانَتْ دُيُونُهُمْ دَرَاهِمَ أَوْ طَعَامًا إنْ كَانَتْ دُيُونُهُمْ طَعَامًا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ دُيُونُهُمْ مُخْتَلِفَةً دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ أَوْ دَرَاهِمَ وَطَعَامًا أَوْ عُرُوضًا وَدَنَانِيرَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ صُرِفَ مَالُ الْغَرِيمِ عَيْنًا، إمَّا دَنَانِيرَ وَإِمَّا دَرَاهِمَ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ وَيُبَاعُ مَالُهُ مِنْ الدُّيُونِ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ الْغُرَمَاءُ عَلَى تَرْكِهَا حَتَّى تُقْبَضَ عِنْد حُلُولِهَا، ثُمَّ يُحَصِّلُ جُمْلَةَ دُيُونِهِمْ إنْ كَانَتْ صِفَةً وَاحِدَةً، أَوْ قِيمَتَهَا إنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً، حَلَّتْ أَمْ لَمْ تَحِلَّ لِأَنَّ التَّفْلِيسَ مَعْنًى يُفْسِدُ الذِّمَّةَ وَيَقْتَضِي حُلُولَ الدَّيْنِ كَالْمَوْتِ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ سَحْنُونَ: إنَّ الْعَرْضَ الْمُؤَجَّلَ يُقَوَّمُ يَوْمَ التَّفْلِيسِ عَلَى أَنْ يُقْبَضَ إلَى أَجَلِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ، لِأَنَّ الْمَالَ لَوْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ لَعَجَّلَ لَهُ حَقَّهُ أَجْمَعَ وَيَلْزَمُهُ مِثْلُهُ فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّلِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ.
وَيَنْظُرُ مَا يَقَعُ مِنْ ذَلِكَ جَمِيعُ مَالِ الْمُفْلِسِ فَإِنْ كَانَ النِّصْفُ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ نِصْفُ دَيْنِهِ وَأُتْبِعَ الْغَرِيمُ

بِالنِّصْفِ الْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ الرُّبُعَ كَانَ الرُّبُعَ وَأُتْبِعَ الْغَرِيمُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ دَيْنِهِ بِمَنْ كَانَ دَيْنُهُ مِنْهُمْ مِنْ صِنْفِ مَالِ الْغَرِيمِ دَفَعَ إلَيْهِ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنُهُ مِنْ صِنْفِ مَالِ الْغَرِيمِ اُبْتِيعَ لَهُ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ صِنْفِ عَرْضِهِ إنْ كَانَ دَيْنُهُ عَرْضًا، أَوْ صِنْفِ طَعَامِهِ إنْ كَانَ دَيْنُهُ طَعَامًا، فَإِنْ غَلَا السِّعْرُ أَوْ رَخُصَ فَلَا تَرَاجُعَ لَهُ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَإِنَّمَا التَّحَاسُبُ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرِيمِ يَتْبَعُهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ (وَمَضَى إنْ رَخُصَ أَوْ غَلَا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرِيمِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ بِجَمِيعِ مَا بَقِيَ لَهُ (وَهَلْ يُشْتَرَى فِي شَرْطٍ جَيِّدٍ أَدْنَاهُ أَوْ وَسَطَهُ قَوْلَانِ) الْبَاجِيُّ: يُعْتَبَرُ فِيمَا يُشْتَرَى لَهُ الصِّفَاتُ الَّتِي اشْتَرَطَهَا، فَإِنْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ جَيِّدٌ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُشْتَرَى لَهُ أَدْنَى مَا تَقَعُ تِلْكَ الصِّفَةُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ أَوْسَطَ تِلْكَ الصِّفَةِ (وَجَازَ الثَّمَنُ إلَّا لِمَانِعٍ كَالِاقْتِضَاءِ) ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنُهُ مِنْ صِنْفِ مَالِ الْغَرِيمِ اُبْتِيعَ لَهُ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ صِنْفِ دَيْنِهِ وَلَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ دَنَانِيرَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا وَلَا يَشْتَرِي لَهُ بِهَا شَيْئًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إنْ كَانَ الَّذِي لَهُ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ إنْ كَانَ الَّذِي صَارَ لَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ أَقَلَّ مِمَّا يَنُوبُ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ سَوَاءٌ دَخَلَهُ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ.
وَإِنْ كَانَ الَّذِي لَهُ الطَّعَامُ مِنْ قَرْضٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ بِكُلِّ حَالٍ لَا يَدْخُلُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي لَهُ عَرْضٌ مِنْ سَلَمٍ لَمْ يَجُزْ وَقَدْ قِيلَ إنَّ التَّفْلِيسَ يَرْفَعُ التُّهْمَةَ يَعْنِي فَيَجُوزُ فِي التَّفْلِيسِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الِاقْتِضَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: الْحَاصِلُ أَنَّ فِي هَذَا رِوَايَتَيْنِ.

(وَحَاصَّتْ الزَّوْجَ بِمَا أَنْفَقَتْ وَبِصَدَاقِهَا كَالْمَوْتِ لَا بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ) ابْنُ عَرَفَةَ فِي ثَانِي نِكَاحِهَا: تَضْرِبُ الْمَرْأَةُ مَعَ غُرَمَاءِ زَوْجِهَا بِمَا أَنْفَقَتْهُ فِي سَيْرِهِ عَلَى

نَفْسِهَا لَا عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَفِي ثَانِي زَكَاتِهَا تُحَاصِصُ الْمَرْأَةُ بِمَهْرِهَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ خِلَافًا لِلْجَلَّابِ.

(وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وَإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رَجَعَ بِالْحِصَّةِ) عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: إذَا ظَهَرَ غَرِيمٌ رَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَخُصُّهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ.
وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا فَلَّسَ رَجُلٌ أَوْ مَاتَ فَاقْتَسَمَ غُرَمَاؤُهُ ثُمَّ طَرَأَ غَرِيمٌ لَهُ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَنُوبُهُ فِي الْمُحَاصَّةِ أَنْ لَوْ حَضَرَ وَيُتْبَعُ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فِي مَلَائِهِ وَعَدَمِهِ، وَلَا يَأْخُذُ مَلِيًّا أَوْ حَاضِرًا عَمَّنْ مَاتَ أَوْ أُعْدِمَ وَلْيَتْبَعْ ذِمَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلَ أَنْ يَكُونُوا ثَلَاثَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةٌ غَابَ أَحَدُهُمْ وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِ وَبِيَدِ الْمُفْلِسِ مِائَةٌ فَاقْتَسَمَهَا الْحَاضِرَانِ فَإِنَّ الْقَادِمَ يَتْبَعُ ذِمَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ بِسَبْعَةَ عَشَرَ إلَّا ثُلُثًا.
ابْنُ شَاسٍ: وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا لَرَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ يَقْتَضِيهِ الْحِسَابُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَمِثْلُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ أَنْتَ قَوْلَهُ " وَإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ " الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ هُوَ ظُهُورُ دَيْنٍ.
وَانْظُرْ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ طَرَأَ عِبَارَةُ خَلِيلٍ وَإِنْ ظَهَرَ.
وَفِي نَوَازِلِ عِيسَى.
وَانْظُرْ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا قُسِمَتْ تَرِكَةُ مَيِّتٍ وَلِإِنْسَانٍ دَيْنٌ عَلَى تِلْكَ التَّرِكَةِ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ حَتَّى قُسِمَتْ الْمَنْصُوصُ أَيْضًا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ أَنَّ حُضُورَهُ وَسُكُوتَهُ يُبْطِلُ دَعْوَاهُ ذَلِكَ الدَّيْنَ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ خَوْفٍ أَوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ عَقْدًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا كَانَ تَرَكَهُ لِلْقِيَامِ إلَّا لِمَا يَذْكُرُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ (كَوَارِثٍ أَوْ مُوصًى لَهُ عَلَى مِثْلِهِ) رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلُهُ وَقَوْلُ أَصْبَغَ إنْ طَرَأَ لِوَارِثٍ عَلَى الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُمْ كَالْغَرِيمِ يَطْرَأُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مَلِيًّا عَنْ مُعْدِمٍ بِخِلَافِ الْغَرِيمِ يَطْرَأُ عَلَى وَارِثٍ أَوْ مُوصًى لَهُمْ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَلِيءَ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ مَا صَارَ إلَيْهِ إلَى مَبْلَغِ حَقِّهِ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ يَبْدَأُ عَلَيْهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مَعَهُ شَيْءٌ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ هُوَ دَيْنَهُ فَهُوَ بِخِلَافِ وَارِثٍ يَطْرَأُ عَلَى وَرَثَةٍ أَوْ غَرِيمٍ يَطْرَأُ عَلَى غُرَمَاءَ.

(وَإِنْ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ أَوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وَأَقْبَضَ رَجَعَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدِمٍ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَلَى الْغَرِيمِ وَفِيهَا الْبُدَاءَةُ بِالْغَرِيمِ وَهَلْ خِلَافٌ أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ؟ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُسْتَأْنَى بِقَسْمِ مَالِ الْمَيِّتِ الْمَعْرُوفِ بِالدَّيْنِ لِاجْتِمَاعِ بَقِيَّةِ غُرَمَائِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ فِي غَيْبَتِهِ.
قَالَ

فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا.
فَإِنْ قَضَى الْوَصِيُّ أَوْ الْوَرَثَةُ بَعْضَ الْغُرَمَاءِ يَعْنِي جَمِيعَ مَا خَلَفَهُ الْمَيِّتُ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِبَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ وَلَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ مَوْصُوفًا بِالدَّيْنِ فَلَا شَيْءَ عَلَى وَارِثٍ وَلَا عَلَى وَصِيٍّ وَيَرْجِعُ الْغُرَمَاءُ الْقَادِمُونَ عَلَى الَّذِينَ اقْتَضَوْا بِمَا كَانَ يَنُوبُهُمْ فِي الْمُحَاصَّةِ مِنْ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ أَوْ الْوَصِيُّ قَدْ عَلِمَ بِالدَّيْنِ أَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مَوْصُوفًا بِالدَّيْنِ رَجَعَ الْغُرَمَاءُ الْقَادِمُونَ عَلَى الْوَرَثَةِ أَوْ الْوَصِيِّ بِحِصَصِهِمْ وَيَرْجِعُ الْوَرَثَةُ أَوْ الْوَصِيُّ بِذَلِكَ عَلَى الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ اقْتَضَوْا أَوَّلًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي بَابٍ آخَرَ: إنَّ لِلْغُرَمَاءِ الْقَادِمِينَ إنْ وَجَدُوا الْغُرَمَاءَ مُعْدِمِينَ رَجَعُوا عَلَى الْوَرَثَةِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الْوَرَثَةِ وَالْوَصِيِّ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ.
وَقِيلَ: إنَّهُ اخْتِلَافُ قَوْلٍ وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ انْتَهَى.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْفِقْهُ الَّذِي اخْتَصَرَ خَلِيلٌ، فَقَوْلُهُ " وَأَخَذَ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدِمٍ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ " مُقْحَمٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ إذْ لَيْسَ مِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْعُ طُرُوُّ غَرِيمٍ عَلَى وَارِثٍ أَوْ مُوصًى لَهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَلِيءُ عَنْ الْمُعْدِمِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ وَمَا لَمْ يَزِدْ عَلَى حَقِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا الْفَرْعِ.
اُنْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَظَهَرَ دَيْنٌ " مَا الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَلِيءِ وَالْمُعْدِمِ أَدْرَكَنِي وَهْمٌ فَقُلْت مَا قُلْت إذْ بَيَّنَ قَوْلُهُ " وَأَخَذَ مَلِيءٌ " أَنَّهُ يَعْنِي فِي رُجُوعِ الْغَرِيمِ عَلَى الْوَرَثَةِ.

(فَإِنْ تَلِفَ نَصِيبُ غَائِبٍ عُزِلَ فَمِنْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَعْزِلَ لِمَنْ غَابَ مِنْ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ حِصَّتَهُ، ثُمَّ إنْ هَلَكَ مَا عُزِلَ كَانَ مِمَّنْ عُزِلَ لَهُ.
وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّهُ مِنْ الْغَرِيمِ (كَعَيْنٍ وُقِفَ لِغُرَمَائِهِ لَا عَرْضٍ وَهَلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِكَدَيْنِهِ؟ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ يُونُسَ: إذَا أَوْقَفَ الْإِمَامُ مَالَ مُفْلِسٍ لِيَقْضِيَهُ غُرَمَاءَهُ فَهَلَكَ فِي الْإِيقَافِ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعُرُوضَ وَشِبْهَهَا مِنْ الْمُفْلِسِ وَالْعَيْنَ مِنْ الْغُرَمَاءِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَرْضَ لَمَّا كَانَ لِلْمُفْلِسِ نَمَاؤُهُ كَانَ عَلَيْهِ تَوَاهُ، وَأَنَّ الْعَيْنَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَمَاءٌ كَانَ مِنْ الْغُرَمَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ:

وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمَازِرِيُّ وَالْبَاجِيُّ هَذَا بِشَيْءٍ، وَعَزَا عَبْدُ الْحَقِّ لِبَعْضِهِمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ " أَنَّ الْعَرْضَ مِنْ الْمَدِينِ " أَنَّ دَيْنَ الْغُرَمَاءِ لَيْسَ مُمَاثِلًا لَهُ وَلَوْ كَانَ مُمَاثِلًا لَهُ لَكَانَ مِنْهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ مَا يُحْتَاجُ لِبَيْعِهِ هُوَ مِنْ الْمَدِينِ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ يُبَاعُ وَمَا لَا يُحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ فَهُوَ مِنْ الْغُرَمَاءِ.

(وَتُرِكَ لَهُ قُوتُهُ وَالنَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ لِظَنِّ يَسْرَتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ مَا يَعِيشُ بِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ الْأَيَّامَ.
قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ: الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: هُوَ وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ الصَّغِيرُ انْتَهَى.
نَقْلُ ابْنِ رُشْدٍ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: التَّحْقِيقُ فِي قَدْرِ مَا يُتْرَكُ لِعَيْشِهِ اعْتِبَارُ حَالِ الْمُفْلِسِ فِي كَسْبِهِ، فَيُتْرَكُ لَهُ قَدْرُ مَا يُرَى أَنْ يُبَلِّغَهُ لِتَحْصِيلِ مَعِيشَتِهِ، فَإِنْ كَانَ صَانِعًا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ خِدْمَتِهِ لَمْ يُتْرَكْ لَهُ شَيْءٌ.
وَمِنْ الْأَشْيَاخِ مَنْ قَالَ: يُتْرَكُ لَهُ نَفَقَةُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ خَوْفَ مَرَضِهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: لَيْسَ هَذَا بِبَيِّنٍ لِأَنَّ الْمَرَضَ نَادِرٌ وَالْغَالِبُ أَنَّ الْمُفْلِسَ يَدَّخِرُ وَيَكْتُمُ (وَكِسْوَتُهُمْ) ابْنُ حَبِيبٍ: يُتْرَكُ لَهُ كِسْوَةٌ لَهُ وَلِأَهْلِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَشَكَّ مَالِكٌ فِي كِسْوَةِ زَوْجَتِهِ.
ابْنُ يُونُسَ: إنْ كَانَ قَدْ كَسَاهَا إيَّاهَا قَبْلَ التَّفْلِيسِ وَلَيْسَ فِيهَا فَضْلٌ فَلَا تُنْزَعُ عَنْهَا.
قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: الْأَشْبَهُ أَنْ تُتْرَكَ لِزَوْجَتِهِ كِسْوَتُهَا لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ إنَّمَا عَامَلُوهُ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ الصِّغَارِ وَنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَكِسْوَتِهَا فَيَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ ذَلِكَ لَهَا (كُلٌّ دَسْتًا مُعْتَادًا) قَالَ فِي الِاسْتِغْنَاءِ: لَا يُتْرَكُ عَلَيْهِ إلَّا مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَتَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ

فِي الشِّتَاءِ وَيُخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فَيُتْرَكُ عَلَيْهِ مَا يَقِيهِ الْبَرْدَ (وَلَوْ وَرِثَ أَبَاهُ بِيعَ لَا وُهِبَ لَهُ إنْ عَلِمَ وَاهِبُهُ أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) سَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنَ الْقَاسِمِ: إنْ وَرِثَ أَبَاهُ فَالدَّيْنُ أَوْلَى بِهِ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَوْ وُهِبَ لَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا وُهِبَ لَهُ لِعِتْقِهِ لَا لِلْغُرَمَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَهِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْعِتْقِ بِالْقَرَابَةِ هَلْ يَفْتَقِرُ لِحُكْمٍ أَمْ لَا.

[حَبَسَ الْمُفْلِس]

(وَحُبِسَ لِثُبُوتِ عُسْرِهِ إنْ جُهِلَ حَالُهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: مِنْ أَحْكَامِ الْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ حَبْسُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: حَبْسُ الْغَرِيمِ إنَّمَا يَكُونُ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَدَمُهُ وَيَظْهَرْ فَقْرُهُ.
وَحَبْسُ الْمِدْيَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: حَبْسُ تَلَوُّمٍ وَاخْتِبَارٍ فِي جَهْلِ حَالِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يُسْتَبْرَأُ أَمْرُهُ وَيَكْشِفُ عَنْ حَالِهِ فَإِرْسَالُ هَذَا الْمَحْبُوسِ لِلتَّلَوُّمِ وَالِاخْتِبَارِ أَنْ يُعْطِيَ حَمِيلًا حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ أَمْرِهِ وَلَا يُحْبَسُ.
فَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذَا الْوَجْهِ يُحْبَسُ أَوْ يُؤْخَذُ عَلَيْهِ حَمِيلٌ.
فَقَالَ التُّونِسِيُّ: يُرِيدُ بِالْوَجْهِ لَا بِالْمَالِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِإِحْضَارِهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا سَجْنُهُ لِاخْتِبَارِ حَالِهِ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ، وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ غَرِمَ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَدِيمٌ مِنْ أَجْلِ الْيَمِينِ اللَّازِمَةِ لَهُ (وَلَمْ يَسْأَلْ الصَّبْرَ بِحَمِيلٍ بِوَجْهِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: إنْ سَأَلَ هَذَا الْمَحْبُوسُ أَنْ يُعْطَى حَمِيلًا حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ عَلَيْهِ حَمِيلٌ بِوَجْهِهِ (يَغْرَمُ إنْ لَمْ يَأْتِ وَلَوْ أُثْبِتَ عَدَمُهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: إنْ لَمْ يُحْضِرْهُ غَرِمَ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَدِيمٌ (أَوْ ظَهَرَ مَلَاؤُهُ إنْ تَفَالَسَ) سَيَأْتِي

إنْ عُرِفَ بِالْوَفْرِ لَا يُؤَجَّلُ وَلَا يُؤَخَّرُ (وَإِنْ وَعَدَ بِقَضَاءٍ وَسَأَلَ تَأْخِيرًا كَالْيَوْمَيْنِ أَعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا إذَا حَلَّ الدَّيْنُ وَلَمْ يَتَفَالَسْ وَلَمْ يَقُلْ لَا شَيْءَ لِي وَسَأَلَ أَنْ يُؤَخَّرَ وَيُوعَدَ بِالْقَضَاءِ فَلْيُؤَخِّرْهُ الْإِمَامُ حَسْبَمَا يَرْجُو لَهُ.
قَالَ سَحْنُونَ: يُؤَخِّرُهُ يَوْمًا أَوْ نَحْوَهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ تَعَذُّرَ الْقَضَاءِ قَدْ يَتَّجِهُ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ قَدْ عُرِفَ بِالْوَفْرِ وَأَنَّ عِنْدَهُ النَّاضَّ فَلَا يُؤَجَّلُ وَلَا يُؤَخَّرُ (وَإِلَّا سُجِنَ) ابْنُ رُشْدٍ: الْوَجْهُ الثَّانِي حَبْسُ مَنْ أَدَانَ وَاتُّهِمَ أَنَّهُ خَبَّأَ مَالًا وَغَيَّبَهُ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَوْ يُثْبِتَ عَدَمَهُ فَيَحْلِفُ وَيُسَرَّحُ، فَإِنْ سَأَلَ هَذَا الْمَحْبُوسُ لِلَّدَدِ وَالتُّهْمَةِ أَنْ يُعْطَى حَمِيلًا بِوَجْهِهِ إلَى أَنْ يُثْبِتَ عَدَمَهُ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّضْيِيقَ بِالسَّجْنِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِلتُّهْمَةِ اللَّاحِقَةِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يُسْجَنَ أَعْطَى حَمِيلًا غَارِمًا.

[حَبْسُ مَنْ تَقَعَّدَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ وَادَّعَى الْعَدَمَ فَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ]

(كَمَعْلُومِ الْمَلَاءِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْوَجْهُ الثَّالِثُ حَبْسُ مَنْ تَقَعَّدَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ وَادَّعَى الْعَدَمَ فَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ أَبَدًا حَتَّى يُؤَدِّيَ أَمْوَالَ النَّاسِ أَوْ يَمُوتَ فِي السِّجْنِ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَيُضْرَبُ بِالدَّرَّةِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ السِّجْنِ وَالضَّرْبِ إلَّا حَمِيلٌ غَارِمٌ (وَأُجِّلَ لِبَيْعِ عَرْضِهِ إنْ أَعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ وَعَدَ الْمَدِينُ بِالْقَضَاءِ وَسَأَلَ أَنْ يُؤَخَّرَ أُخِّرَ حَسْبَمَا يُرْجَى لَهُ وَلَا يُعَجَّلُ عَلَيْهِ بَيْعُ عَرْضِهِ لِلْحِينِ، الرِّوَايَاتُ بِذَلِكَ مَسْطُورَةٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا (وَفِي حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ النَّاضِّ تَرَدُّدٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: مَنْ طَلَبَ التَّأْخِيرَ لِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ فَفِيهِ طُرُقٌ عِيَاضٌ فِي تَحْلِيفِهِ أَنَّهُ مَا أَخْفَى نَاضًّا إنْ لَمْ يُعْرَفْ بِهِ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ مِنْ التُّجَّارِ لِابْنِ دَحُونَ وَأَبِي عَلِيِّ الْحَدَّادِ وَابْنِ زَرْبٍ وَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَيْمَانِ التُّهَمِ (وَإِنْ عُلِمَ بِالنَّاضِّ لَمْ يُؤَخَّرْ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا قَدْ عُرِفَ بِالْوَفْرِ وَأَنَّ عِنْدَهُ النَّاضَّ فَإِنَّهُ لَا يُؤَخَّرُ (وَضُرِبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ سَحْنُونٍ بِهَذَا.

(وَإِنْ شُهِدَ بِعُسْرِهِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ حَلَفَ كَذَلِكَ وَزَادَ وَإِنْ وَجَدَ لَيَقْضِيَنَّ) وَانْظُرْ أَيْضًا قَدْ نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ إذَا أَثْبَتَ عُدْمَ الْغَرِيمِ أَوْ انْقَضَى أَمَدُ سِجْنِهِ فَلَا يُطْلَقُ حَتَّى يُسْتَحْلَفَ مَا لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ، وَإِنْ وَجَدَ مَالًا لَيُؤَدِّيَنَّ إلَيْهِ حَقَّهُ وَإِنَّمَا وَجَبَ اسْتِحْلَافُهُ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تَشْهَدُ عَلَى الْعِلْمِ لَا الْقَطْعِ.
الْمُتَيْطِيُّ: وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّي مِنْهُ فَهُوَ فِي نَظِرَةِ اللَّهِ لَا يُؤَاجَرُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ لِأَنَّ الدَّيْنَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
قَالَهُ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ.

(وَحَلَّفَ الطَّالِبَ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ عِلْمَ الْعُدْمِ) الْمُتَيْطِيُّ إنْ زَعَمَ الْمَدِينُ عِلْمَ رَبِّ الدَّيْنِ عُدْمَهُ لَزِمَهُ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا عَلِمَ عُدْمَهُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَدِينُ.
قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي ابْنُ الْفَخَّارِ وَثَبَتَ عُدْمُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: كَانَ بَعْضُ قُضَاةِ بَلَدِنَا لَا يَحْكُمُ بِهَذِهِ الْيَمِينِ وَهُوَ حَسَنٌ فِيمَا لَا يُظَنُّ بِهِ عِلْمُ حَالِ الْمَدِينِ لِبُعْدِهِ عَنْهُ (وَإِنْ سَأَلَ تَفْتِيشَ دَارِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ) حَكَى ابْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ شَاهَدَ الْفَتْوَى بِطُلَيْطِلَةَ إذَا ادَّعَى الطَّالِبُ تَفْتِيشَ

مَسْكَنِ الْمَطْلُوبِ عِنْدَ ادِّعَائِهِ الْعُدْمَ، فَالْحَقُّ أَنْ يُفَتِّشَ مَسْكَنَهُ فَمَا أَلْفَى فِيهِ مِنْ مَتَاعِ الرَّجُلِ بِيعَ عَلَيْهِ وَأَنْصَفَ الطَّالِبُ مِنْهُ وَأَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْهُ.
وَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ابْنَ عَاتٍ فَأَنْكَرَهُ وَأَنْكَرَ أَيْضًا ابْنُ مَالِكٍ وَقَالَ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الَّذِي يُلْفَى بِبَيْتِهِ وَدَافَعَ قَالَ: وَأَعْلَمْت ابْنَ الْقَطَّانِ بِعَمَلِ أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ وَأَنَا أَرَاهُ حَسَنًا فِيمَنْ ظَاهِرُهُ " الْإِلْدَادُ وَالْمَطْلُ.

(وَرُجِّحَتْ بَيِّنَةُ الْمَلَاءِ إنْ بَيَّنَتْ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ شَهِدَ قَوْمٌ بِالْعُدْمِ وَشَهِدَ آخَرُونَ بِالْمَلَاءِ وَلَمْ يُعَيِّنُوا مَالًا فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمَلَأِ أَعْمَلُ وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ عَدَالَةً وَيُحْبَسُ بِشَهَادَتِهِمْ وَهَذَا عِنْدِي بَعِيدٌ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ ذَلِكَ تَكَاذُبٌ وَبَيِّنَةُ الْعُدْمِ أَعْمَلُ لِأَنَّهَا أَثْبَتُ حُكْمًا وَهُوَ تَحْلِيفُهُ وَتَسْرِيحُهُ وَالْأُخْرَى نَفَتْ الْحُكْمَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فِي هَذَا طَرِيقَانِ، وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ إنْ بَيَّنَتْ إنْ كَانَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ وَلَمْ يُعَيِّنُوا مَالًا.

(وَأُخْرِجَ الْمَجْهُولُ إنْ طَالَ حَبْسُهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا حَبْسُ التَّلَوُّمِ وَالِاخْتِبَارِ فِي الْمَجْهُولِ الْحَالِ فَبِقَدْرِ مَا يُسْتَبْرَأُ أَمْرُهُ وَيُكْشَفُ عَنْ حَالِهِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّيْنِ.
وَعَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: يُحْبَسُ فِي الدُّرَيْهِمَاتِ الْيَسِيرَةِ قَدْرَ نِصْفِ شَهْرٍ وَفِي الْكَثِيرِ مِنْ الْمَالِ قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَفِي الْمُتَوَسِّطِ مِنْهُ شَهْرَيْنِ.

(وَالشَّخْصِ وَحُبِسَ النِّسَاءُ عِنْدَ أَمِينَةٍ أَوْ ذَاتِ أَمِينٍ) اللَّخْمِيِّ: وَحُبِسَ النِّسَاءُ بِمَوْضِعٍ لَا رِجَالَ فِيهِ، وَالْأَمِينُ عَلَيْهِنَّ امْرَأَةٌ مَأْمُونَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا أَوْ لَهَا زَوْجٌ مَأْمُونٌ مَعْرُوفٌ بِالْخَيْرِ (وَالسَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُحْبَسُ السَّيِّدُ فِي دَيْنِ مُكَاتَبِهِ.
سَحْنُونَ: هَذَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ مِمَّا عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ الْكِتَابَةِ (وَالْجَدُّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُحْبَسُ لِلْوَلَدِ غَيْرُ أَبَوَيْهِ مِنْ الْأَجْدَادِ وَالْأَقَارِبِ (وَالْوَلَدُ لِأَبِيهِ لَا عَكْسُهُ كَالْيَمِينِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُحْبَسُ فِي الدَّيْنِ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ وَالْوَلَدُ فِي دَيْنِ الْأَبَوَيْنِ وَلَا يُحْبَسَانِ فِي دَيْنِهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يَحْلِفَ الْأَبُ لِلِابْنِ فِي دَعْوَاهُ عَلَيْهِ فَالْيَمِينُ أَيْسَرُ شَأْنًا مِنْ السِّجْنِ قَالَ: وَإِنْ لَمْ أَحْبِسْ الْأَبَوَيْنِ لِلْوَلَدِ فَلَا أَظْلِمُ الْوَلَدَ لَهُمَا وَيَأْمُرُهُمَا الْإِمَامُ فِيمَا ثَبَتَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَقْضِيَاهُ.
قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَيُحْبَسُ الْأَبُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهِمْ وَيَقْتُلُهُمْ بِخِلَافِ دَيْنِ الْوَلَدِ عَلَى أَبَوَيْهِ.

(إلَّا الْمُنْقَلِبَةَ وَالْمُتَعَلِّقَ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ ادَّعَى الْأَبُ عَلَى ابْنِهِ دَعْوَى فَرَدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ أَوْ كَانَ لَهُ شَاهِدٌ عَلَى حَقِّهِ قُضِيَ بِيَمِينِهِ اتِّفَاقًا فِيهِمَا، وَكَذَلِكَ إنْ تَعَلَّقَ بِيَمِينِهِ حَقٌّ لِغَيْرِ ابْنِهِ كَالْأَبِ يَدَّعِي تَلَفَ صَدَاقِ ابْنَتِهِ، وَالزَّوْجُ يَطْلُبُهُ بِالْجِهَازِ.
وَالرَّجُلُ يَدَّعِي عَلَى أَبِي زَوْجَتِهِ نِحْلَةً فِي عَقْدِ نِكَاحِهِ.
وَانْظُرْ لَوْ طَلَبَ الْأَبُ ابْنَهُ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَأَثْبَتَ الْعُدْمَ، هَلْ يُقْضَى لَهُ بِالنَّفَقَةِ دُونَ الْيَمِينِ؟ وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ حَلِفِهِ.
اهـ مِنْ ابْنِ رُشْدٍ (وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ كَالْأَخَوَيْنِ) مُحَمَّدٌ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ فِي السِّجْنِ وَلَا بَيْنَ الْإِخْوَةِ.

(وَالزَّوْجَيْنِ إنْ خَلَا) ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا حُبِسَ الزَّوْجَانِ فِي دَيْنٍ فَطَلَبَ الْغَرِيمُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَطَلَبَ

الزَّوْجَانِ أَنْ يَجْتَمِعَا فَذَلِكَ لَهُمَا إنْ كَانَ السِّجْنُ خَالِيًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِجَالٌ غَيْرُهُمَا حُبِسَ مَعَهُمْ وَحُبِسَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ النِّسَاءِ.

(وَلَا يَمْنَعُ مُسَلِّمًا أَوْ خَادِمًا) ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ فِي الْحُقُوقِ مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ أَوْ يُحَدِّثُهُ وَإِنْ اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَاحْتَاجَ إلَى أَمَةٍ تُبَاشِرُ مِنْهُ مَا لَا يُبَاشِرُ غَيْرُهَا وَتَطَّلِعُ عَلَى عَوْرَتِهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تُجْعَلَ مَعَهُ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ (بِخِلَافِ زَوْجَةٍ) سَحْنُونَ: مَنْ سُجِنَ فِي دَيْنٍ لِامْرَأَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ تَدْخُلَ إلَيْهِ امْرَأَةٌ لِأَنَّهُ سُجِنَ لِلتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يُمْنَعْ لَذَّتَهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ.
ابْنُ يُونُسَ: إلَّا أَنْ تَشَأْ الْوُصُولَ إلَيْهِ امْرَأَتُهُ إذَا سُجِنَ فِي دَيْنِهَا فَذَلِكَ لَهَا لِأَنَّهَا لَوْ شَاءَتْ لَمْ تَسْجُنْهُ فِيهِ.

(وَأُخْرِجَ لِحَدٍّ أَوْ ذَهَابِ عَقْلِهِ لِعَوْدِهِ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَإِذَا قَذَفَ أَحَدًا أُخْرِجَ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُرَدُّ وَإِذَا مَرِضَ لَمْ يُخْرَجْ إلَّا أَنْ يَذْهَبَ عَقْلُهُ فَيُخْرَجُ بِحَمِيلٍ فَإِذَا عَادَ عَقْلُهُ إلَيْهِ رُدَّ (وَاسْتُحْسِنَ بِكَفِيلٍ لِوَجْهِهِ لِمَرَضِ أَبَوَيْهِ وَوَلَدِهِ وَأَخِيهِ وَقَرِيبٍ جِدًّا لِيُسَلِّمَ) ابْنُ سَحْنُونٍ: اُسْتُحْسِنَ إذَا اشْتَدَّ مَرَضُ أَبَوَيْهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ وَمَنْ يَقْرُبُ مِنْ قَرَابَتِهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ أَنْ يَخْرُجَ فَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ بِالْوَجْهِ، وَلَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ فِي غَيْرِهِمْ مِنْ قَرَابَتِهِ.
الْبَاجِيُّ: وَهَذَا

اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي (لَا جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) ابْنُ سَحْنُونٍ: وَيُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ الْخُرُوجَ إلَى الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ (وَعَدُوٍّ إلَّا لِخَوْفِ قَتْلِهِ أَوْ أَسْرِهِ) ابْنُ يُونُسَ: لَا يَخْرُجُ لِيُغِيرَ عَلَى الْعَدُوِّ إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ الْأَسْرُ أَوْ الْقَتْلُ بِمَوْضِعِهِ فَيَخْرُجُ إلَى غَيْرِهِ.

[مِنْ أَحْكَامِ الْحَجْرِ الرُّجُوعُ إلَى عَيْنِ الْمَالِ]

(وَلِلْغَرِيمِ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ الْمُحَازَ عَنْهُ فِي الْفَلَسِ لَا الْمَوْتِ) ابْنُ شَاسٍ: الْحُكْمُ الرَّابِعُ يَعْنِي مِنْ أَحْكَامِ الْحَجْرِ الرُّجُوعُ إلَى عَيْنِ الْمَالِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا رَجُلٍ فُلِّسَ فَأَدْرَكَ رَجُلٌ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» وَبِذَلِكَ أَخَذَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنَّ بَائِعَ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِهَا فِي الْفَلَسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ غَيْرُهَا.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: بِجَمِيعِ الثَّمَنِ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ فِي سُوقٍ أَوْ بَدَنٍ (وَلَوْ مَسْكُوكًا) ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ فَلَّسَ

وَقَدْ أَسْلَمَ إلَيْهِ رَجُلٌ مَالًا فِي طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَرَّفَ الثَّمَنَ بِعَيْنِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ لَمْ تُفَارِقْهُ مُنْذُ قَبَضَهُ فَدَافِعُهُ أَحَقُّ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَهُ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي سِلْعَةٍ فَفَلَّسَ الْعَبْدُ فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِثَمَنِهِ إذَا عَرَّفَ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لَمْ تُفَارِقْهُ أَنَّ الدَّنَانِيرَ هِيَ بِعَيْنِهَا.
وَأَجَازَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ الشَّهَادَةَ عَلَى دَنَانِيرَ بِأَعْيَانِهَا أَنَّهَا كَانَتْ غُصِبَتْ لِفُلَانٍ.
ابْنُ يُونُسَ: فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الدَّنَانِيرِ الْمَغْصُوبَةِ وَبَيْنَ الدَّنَانِيرِ الَّتِي أَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ أَوْ أَقَالَ مِنْهُ فَقَالَ فِي هَذِهِ: لَا يَجُوزُ إنْ فَارَقَتْهُ الْبَيِّنَةُ وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَى أَعْيَانِ الدَّنَانِيرِ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبَةِ لِأَنَّ هَذِهِ خَرَجَتْ مِنْ يَدِ رَبِّهَا بِالطَّوْعِ وَالْمَغْصُوبَةَ بِالْجَبْرِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ عِنْدِي اهـ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ إنْ اُسْتُحِقَّ الْمِثْلِيُّ شَفَعَ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ، وَإِنْ غَصَبَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِهَا شِقْصًا شَفَعَ بِمِثْلِهَا لِأَنَّهَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ غَرِمَ مِثْلَهَا.

(أَوْ آبِقًا وَلَزِمَهُ إنْ لَمْ يَجِدْهُ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا فَأَبَقَ مِنْ الْمُشْتَرِي ثُمَّ فَلَّسَ فَطَلَبَ الْبَائِعُ الْمُحَاصَّةَ بِثَمَنِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ وَجَدَ الْعَبْدَ أَخَذَهُ وَرَدَّ مَا حَاصَّ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، إمَّا أَنْ يَرْضَى بِطَلَبِ الْعَبْدِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ وَإِلَّا فَيُحَاصَّ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يَدْفَعُوا الثَّمَنَ إلَيْهِ وَيَطْلُبُوا الْآبِقَ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَلَا يُقَالُ إنَّ هَذَا مِنْ شِرَاءِ الْآبِقِ.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا رَدُّوا عَنْ الْمُفْلِسِ ثَمَنَهُ وَالْعَبْدُ لِلْمُفْلِسِ نَمَا أَوْ نَقَصَ.

(إنْ لَمْ يَفْدِهِ غُرَمَاؤُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً فَمَاتَ الْمُبْتَاعُ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ ثَمَنَهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ بِيَدِهِ فَالْبَائِعُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي ثَمَنِهَا، وَإِنْ فَلَّسَ الْمُبْتَاعُ وَهِيَ قَائِمَةٌ بِيَدِهِ كَانَ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ غَيْرُهَا إلَّا أَنْ يَرْضَى الْغُرَمَاءُ بِدَفْعِ ثَمَنِهَا إلَيْهِ فَذَلِكَ لَهُمْ.

(وَلَوْ بِمَالِهِمْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَجَدَ أَمَتَهُ الَّتِي بَاعَ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ بَعْدَ أَنْ فَلَّسَ كَانَ أَحَقَّ بِهَا إلَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: أَوْ يُضَمِّنُوهُ لَهُ وَهُمْ ثِقَاتٌ أَوْ يُعْطُوهُ بِهِ حَمِيلًا ثِقَةً، وَكَانَ ابْنُ كِنَانَةَ يَقُولُ: لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَفْدُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ

ابْنُ يُونُسَ.

(وَأَمْكَنَ الْبُضْعُ وَعِصْمَةٌ وَقِصَاصٌ) ابْنُ الْحَاجِبِ: مِنْ أَحْكَامِ الْحَجْرِ الرُّجُوعُ إلَى عَيْنِ الْمَالِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ فَلَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْعِوَضِ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ شَاسٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فِي هَذَا نَظَرٌ اُنْظُرْهُ فِيهِ.

(وَلَمْ يَنْتَقِلْ لَا إنْ طُحِنَتْ الْحِنْطَةُ) ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ شُرُوطِ الرُّجُوعِ فِي عَيْنِ الْمَالِ فِي التَّفْلِيسِ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ لِعِوَضٍ كَطَحْنِ الْحِنْطَةِ.
قَالَ أَصْبَغُ: مَنْ اشْتَرَى قَمْحًا فَزَرَعَهُ أَوْ طَحَنَهُ ثُمَّ فَلَّسَ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ أَخْذُهُ.
اُنْظُرْ إنْ كَانَ هَذَا الْقَمْحُ الَّذِي طَحَنَهُ كَانَ مَغْصُوبًا (أَوْ خُلِطَ بِغَيْرِ مِثْلٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ ابْتَاعَ زَيْتًا فَصَبَّهُ عَلَى زَيْتٍ آخَرَ لَهُ، أَوْ دَفَعَ إلَى صَرَّافٍ دَنَانِيرَ فَصَبَّهَا فِي كِيسِهِ، أَوْ اشْتَرَى بَزًّا فَرَّقَهُ وَخَلَطَهُ بِبَزٍّ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِمَحْضَرِ بَيِّنَةٍ ثُمَّ فَلَّسَ الْمُبْتَاعُ فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِمِقْدَارِ زَيْتِهِ وَوَزْنِ دَنَانِيرِهِ وَأَخْذِ بَزِّهِ وَهُوَ كَعَيْنٍ قَائِمَةٍ، وَلَيْسَ خَلْطُ الْمُبْتَاعِ إيَّاهُ يَمْنَعُ الْبَائِعَ مِنْ أَخْذِهِ.
قَالَ أَصْبَغُ: إلَّا أَنْ يَخْلِطَهُ بِغَيْرِ نَوْعِهِ مِثْلَ أَنْ يَصُبَّ زَيْتَ الْفُجْلِ عَلَى زَيْتِ الزَّيْتُونِ أَوْ الْقَمْحَ الْمُنَقَّى عَلَى الْمَغْلُوثِ أَوْ الْمُسَوَّسِ حَتَّى يُفْسِدَهُ فَيَكُونُ كَمَا قَدْ فَاتَ.
الدَّاوُدِيِّ: مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مُغْتَرِقِ الذِّمَّةِ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَضِيَ شَيْئًا مِنْ دَيْنِهِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْوَدِيعَةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ مَا يَصِيرُ لَهُ بِالْمُحَاصَّةِ (أَوْ سُمِّنَ زُبْدُهُ أَوْ فُصِّلَ ثَوْبُهُ أَوْ ذُبِحَ كَبْشُهُ) أَصْبَغُ: مَنْ اشْتَرَى زُبْدًا فَعَمِلَهُ سَمْنًا، أَوْ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ قَمِيصًا، أَوْ خَشَبَةً فَعَمِلَ مِنْهَا بَابًا، أَوْ كَبْشًا فَذَبَحَهُ، أَنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ وَلَيْسَ لِبَائِعِهِ غَيْرُ الْمُحَاصَّةِ بِخِلَافِ الْعَرْصَةِ تُبْنَى وَالْغَزْلُ يُنْسَجُ لِأَنَّ هَذَا عَيْنٌ قَائِمَةٌ زِيدَ فِيهَا غَيْرُهَا.
ابْنُ يُونُسَ: وَقِيلَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّسْجُ تَفْوِيتًا.

(أَوْ تَتَمَّرَ رُطَبُهُ) قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ ثَمَرَةَ حَائِطِهِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ ثُمَّ فَلَّسَ مُبْتَاعُهَا بَعْدَ يُبْسِهَا الْأَخِيرِ أَخَذَهَا بَائِعُهَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَخَذَ أَصْبَغُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ (كَأَجِيرِ رَعْيٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْأَجِيرُ عَلَى رِعَايَةِ الْإِبِلِ أَوْ عَلَى رَحَى الْمَاءِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَلِكَ أَجِيرٌ لَك يَبِيعُ لَك فِي حَانُوتِك بَزًّا أَوْ غَيْرَهُ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَدْرُسُ لَهُ بِبَقَرِ الْأَجِيرِ فَفَلَّسَ صَاحِبُ الْأَنْدَرِ فَصَاحِبُ الْبَقَرِ أَحَقُّ بِالْأَنْدَرِ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ بِهِ صَاحِبُهُ وَلَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ بِخِلَافِ صَانِعٍ اسْتَعْمَلْته فِي حَانُوتِك، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ انْصَرَفَ هَذَا لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ فِي فَلَسٍ وَلَا مَوْتٍ (وَذِي حَانُوتٍ فِيمَا بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَرْبَابُ الْحَوَانِيتِ وَالدُّورِ أُسْوَةُ

غُرَمَاءِ مُشْتَرِيهَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ وَلَيْسُوا أَحَقَّ بِمَا فِيهَا مِنْ مَتَاعٍ.

(وَرَادٍّ لِسِلْعَةٍ بِعَيْبٍ) ابْنُ رُشْدٍ: عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ نَقْضُ بَيْعٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ رَدَّ عَبْدًا بِعَيْبٍ فَفَلَّسَ بَائِعُهُ وَالْعَبْدُ بِيَدِهِ قَبْلَ قَبْضِ الرَّادِّ ثَمَنَهُ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَعَلَى أَنَّهُ ابْتِدَاءُ بَيْعٍ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ بَعْدَ الرَّدِّ وَنَحْوُهُ لَفْظُ النَّوَادِرِ خِلَافًا لِقَوْلِ الْمَازِرِيِّ وَاللَّخْمِيِّ اُخْتُلِفَ إنْ لَمْ يَرُدَّ الْبَيْعَ حَتَّى فَلَّسَ الْبَائِعُ (وَإِنْ أُخِذَتْ عَنْ دَيْنٍ) اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَفِي كَوْنِ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِالسِّلْعَةِ تُفْسَخُ " وَعِبَارَةُ ابْنِ يُونُسَ: أَمَّا لَوْ أَخَذَ السِّلْعَةَ عَنْ دَيْنٍ أَخْذًا فَاسِدًا فَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا.
قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ.

(وَهَلْ الْقَرْضُ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ مُقْتَرِضُهُ أَوْ كَالْبَيْعِ خِلَافٌ) ابْنُ الْمَوَّازِ: أَمَّا لَوْ أَسْلَفَهُ مَالًا عَيْنًا أَوْ عَرْضًا فَعَرَفَ عَيْنَهُ فِي الْفَلَسِ فَرَبُّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَسَوَاءٌ قَبَضَ السَّلَفَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ وَإِنَّمَا الْأَثَرُ فِي الْبَيْعِ اهـ. وَمَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ وَلَا الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ خِلَافَ هَذَا.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: قَوْلُهُ أَمْ لَمْ يَقْبِضْهُ قَدْ يَسْبِقُ إلَى النَّفْسِ اعْتِرَاضُهُ لِأَنَّ مَنْ بِيَدِهِ سِلْعَةٌ لَمْ يُسَلِّمْهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ.

ثُمَّ وَجَّهَهُ الْمَازِرِيُّ: وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُقْرِضَ أَحَقُّ بِقَرْضِهِ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ هُوَ الْمَشْهُورُ (وَلَهُ فَكُّ الرَّهْنِ وَحَاصَّ بِفِدَائِهِ لَا بِفِدَاءِ الْجَانِي) ابْنُ شَاسٍ: إذَا وَجَدَ الْعَبْدَ الَّذِي بَاعَهُ مَرْهُونًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَدَعَهُ وَيُحَاصَّ بِالثَّمَنِ، أَوْ يَفْدِيَهُ وَيَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ زَادَ أَوْ نَقَصَ، وَيُحَاصُّ بِمَا فَدَاهُ بِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهُ جَانِيًا فَفَدَاهُ وَأَخَذَهُ بِالثَّمَنِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِمَّا فَدَاهُ بِهِ، وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ مَسْأَلَةَ الرَّهْنِ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَسْأَلَةَ الْجِنَايَةِ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الرَّهْنَ مِنْ سَبَبِ الْمُشْتَرِي، وَالْجِنَايَةُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهِ لِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ (وَنَقْضُ الْمُحَاصَّةِ إنْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ وَرَدُّهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ حَاصَّ لِعَدَمِهَا.
ثُمَّ رُدَّتْ بِعَيْبٍ فَلَهُ رَدُّ الْمُحَاصَّةِ وَأَخْذُهَا.
وَاَلَّذِي لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا فَفَلَّسَ مُشْتَرِيهِ بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ فَحَاصَّ الْبَائِعُ بِثَمَنِهِ ثُمَّ رَدَّ الْعَبْدَ بِعَيْبٍ فَقَالَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ أَنَا آخُذُهُ وَأَرُدُّ مَا أَخَذْت، فَذَلِكَ لَهُ انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَعَلَى أَشْهَرِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الرَّدَّ

بِالْعَيْبِ ابْتِدَاءً بَيْعٌ لَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ.

(وَالْمُحَاصَّةِ بِعَيْبٍ سَمَاوِيٍّ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَالرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ بَاعَ أَمَةً فَعَمِيَتْ أَوْ اعْوَرَّتْ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ ثُمَّ فَلَّسَ الْمُبْتَاعُ، فَإِمَّا أَخَذَهَا الْبَائِعُ بِجَمِيعِ حَقِّهِ أَوْ يَدَعُهَا انْتَهَى.
وَمَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ خِلَافُ هَذَا.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: هُوَ مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ (أَوْ مِنْ مُشْتَرِيهِ) الرِّوَايَةُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَلَبِسَهُ حَتَّى خَلِقَ فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ كُلِّهِ وَإِنْ شَاءَ أَسْلَمَهُ وَحَاصَّ.
وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ (أَوْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَأْخُذْ أَرْشَهُ أَوْ أَخَذَهُ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ وَإِلَّا بِنِسْبَةِ نَقْصِهِ) أَمَّا مَسْأَلَةُ إذَا كَانَ النَّقْصُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَلَمْ يَأْخُذْ أَرْشَهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ قَدْ أَخَذَ لَهُ أَرْشًا وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ النَّقْصُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَأَخَذَ لَهُ أَرْشًا وَعَادَ ثُمَّ ذَهَبَ ذَلِكَ الْعَيْبُ كَالْمُوضِحَةِ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ كَانَ لِلْبَائِعِ عَبْدُهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْأَرْشِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ إذَا لَمْ يَعُدْ لِهَيْئَتِهِ وَكَانَ قَدْ أَخَذَ لَهُ أَرْشًا فَاَلَّذِي نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ بَاعَ أَمَةً فَاعْوَرَّتْ بِجِنَايَةِ جَانٍ فَأَخَذَ الْمُبْتَاعُ نِصْفَ قِيمَتِهَا ثُمَّ فَلَّسَ، فَلِلْبَائِعِ أَخْذُهَا بِنِصْفِ حَقِّهِ وَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ، أَوْ يُسَلِّمُهَا الْغُرَمَاءُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.

(وَرُدَّ بَعْضٌ مِمَّنْ قَبَضَ وَأَخَذَهَا) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: إذَا وَجَدَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ بِيَدِ الْمُفْلِسِ وَقَدْ قَبَضَ بَعْضَ ثَمَنِهَا أَوْ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْهُ إلَّا دِرْهَمٌ لَمْ يَأْخُذْهَا إلَّا بِرَدِّ جَمِيعِ مَا قَبَضَ أَوْ يَتْرُكُهَا وَيُحَاصُّهُمْ بِمَا

بَقِيَ لَهُ (وَأَخَذَ بَعْضَهُ وَحَاصَّ بِالْفَائِتِ) ابْنُ شَاسٍ: إذَا وَجَدَ بَعْضَ الْمَبِيعِ كَأَحَدِ عَبْدَيْنِ أَخَذَهُ وَضَرَبَ بِمَا يَخُصُّ الْفَائِتَ مِنْ الثَّمَنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ فِيمَنْ بَاعَ رَاوِيَتَيْنِ زَيْتًا بِعِشْرِينَ دِينَارًا فَقَبَضَ عَشَرَةً ثُمَّ فُلِّسَ الْمُبْتَاعُ وَقَدْ بَاعَ رَاوِيَةً فَأَرَادَ الْبَائِعُ أَخْذَ الرَّاوِيَةِ الَّتِي بَقِيَتْ قَالَ: تُفَضُّ الْعَشَرَةُ الَّتِي قَبَضَ عَلَى الرَّاوِيَتَيْنِ فَيَرُدُّ مَا قَابَلَ إحْدَاهُمَا وَذَلِكَ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، ثُمَّ يَأْخُذُ الَّتِي بَقِيَتْ يُرِيدُ وَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ بِخَمْسَةٍ بَقِيَتْ ثَمَنُ الْأُخْرَى.
قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ عَشَرَةً فَلَمْ يَجِدْ إلَّا وَاحِدَةً فَلْيَرُدَّ عُشْرَ مَا قَبَضَ وَيَأْخُذُهُ إنْ شَاءَ فَعَلَى هَذَا تُحْسَبُ.

(كَبَيْعِ أُمٍّ وَلَدَتْ) اللَّخْمِيِّ: وِلَادَةُ الْجَارِيَةِ لَيْسَ بِفَوْتٍ، فَإِنْ بَاعَ الْأُمَّ دُونَ الْوَلَدِ كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ الْوَلَدَ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ الثَّمَنِ أَنْ لَوْ كَانَا جَمِيعًا يَوْمَ الْبَيْعِ (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَاعَ الْوَلَدَ فَلَا حِصَّةَ) أَمَّا إنْ مَاتَتْ الْأُمُّ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ وَبَقِيَ الْوَلَدُ أَوْ مَاتَ الْوَلَدُ وَبَقِيَتْ الْأُمُّ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ابْتَاعَ أَمَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ فَلَّسَ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُ الْأَمَةِ وَوَلَدِهَا، فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ قَدْ مَاتَتْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ وَبَقِيَ الْوَلَدُ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ إلَّا الْمُحَاصَّةُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ أَخْذُ الْوَلَدِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ: وَكَذَلِكَ أَيْضًا إنْ كَانَ الْوَلَدُ هُوَ الَّذِي مَاتَ وَبَقِيَتْ الْأُمُّ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْبَاقِي مِنْهُمَا إلَّا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَتْرُكُ وَيُحَاصُّ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ الْوَلَدَ وَبَقِيَتْ الْأُمُّ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَيْضًا وَالْعُتْبِيَّةُ أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْأُمَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَحَاصَّ بِثَمَنِهَا قَالَ: لِأَنَّ الْأُمَّ هِيَ الْمُشْتَرَاةُ بِعَيْنِهَا وَالْوَلَدُ كَالْغَلَّةِ بِخِلَافِ إذَا بَاعَ الْأُمَّ وَبَقِيَ الْوَلَدُ فَلْيَقْسِمْ الثَّمَنَ كَمَا تَقَدَّمَ (وَأَخَذَ الثَّمَرَةَ وَالْغَلَّةَ إلَّا صُوفًا تَمَّ أَوْ ثَمَرَةً مُؤَبَّرَةً) مُوقِنٌ أَنَّهُ نَقَصَ هُنَا شَيْءٌ وَمَا كَانَ خَلِيلٌ بِتَارِكٍ حُكْمَ الْوَلَدِ إذَا لَمْ تَفُتْ الْأُمُّ وَلَا هُوَ، وَعِبَارَةُ

فصول الكتاب · 7 فصل · 674 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التاج والإكليل لمختصر خليل · 674 صفحة
المقدمة
ٍ: زَكَاةُ النَّعَمِ
ِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ)
َ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
خِيَارِ التَّرَوِّي
َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ
ضَمَانِ سِرَايَةِ الْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِي عَيْنِهِ أَوْ جِنْسِهِ
جارٍ التحميل