الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ، وَأَمَّا فِي وَضْعِهَا عَلَى نَعْلَيْهِ أَوْ حَمْلِهَا مِنْ مَوْضِعِ أُودِعَهَا إلَى دَارِهِ فِي يَدِهِ أَوْ كُمِّهِ فَهُوَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي ذَلِكَ، فَنِسْيَانُهُ إيَّاهَا فِي مَوْضِعٍ أَوْ نِسْيَانُهُ إيَّاهَا فِي كُمِّهِ حَتَّى سَقَطَتْ أَمْرٌ يُعْذَرُ بِهِ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ.
(وَبِدُخُولِهِ الْحَمَّامَ بِهَا) سَحْنُونَ: مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَصَيَّرَهَا فِي كُمِّهِ مَعَ نَفَقَتِهِ ثُمَّ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَضَاعَتْ ثِيَابُهُ بِمَا فِيهَا فَإِنَّهُ ضَامِنٌ.
ابْنُ يُونُسَ: لَعَلَّهُ إنَّمَا ضَمِنَهُ لِدُخُولِهِ الْحَمَّامَ بِهَا (وَبِخُرُوجِهِ بِهَا يَظُنُّهَا لَهُ فَتَلِفَتْ لَا إنْ نَسِيَهَا فِي كُمِّهِ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَبِنِسْيَانِهَا ".
(وَبِإِيدَاعِهَا وَإِنْ بِسَفَرٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: مُوجِبُ ضَمَانِهِ الْوَدِيعَةَ تَصَرُّفُهُ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنٍ عَادِيٍّ أَوْ حَجْرُهَا فَمَا فَوْقَهَا فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا إيدَاعُهُ إيَّاهَا لَا لِعُذْرٍ فِي غَيْبَةِ رَبِّهَا يُوجِبُ ضَمَانَهُ إيَّاهَا.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: وَإِنْ
أَوْدَعْت لِمُسَافِرٍ مَالًا فَأَوْدَعَهُ فِي سَفَرِهِ فَضَاعَ ضَمِنَ.
(لِغَيْرِ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ اُعْتِيدَا بِذَلِكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَوْدَعْته مَالًا فَدَفَعَهُ إلَى زَوْجَتِهِ أَوْ خَادِمِهِ لِتَرْفَعَهُ لَهُ فِي بَيْتِهِ وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُرْفَعَ لَهُ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ مَا هَلَكَ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إنْ دَفَعَهُ إلَى عَبْدِهِ أَوْ أَجِيرِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ أَوْ دَفَعَهُ فِي صُنْدُوقِهِ أَوْ بَيْتِهِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَ: وَيَصْدُقُ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَى أَهْلِهِ أَوْ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ.
ابْنُ يُونُسَ: وَكَانَ الْمُودَعُ عَلَى ذَلِكَ أَوْدَعَهُ فَصَارَ كَالْإِذْنِ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ تَرْفَعَ لَهُ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَثِقُ بِمَالِهِ إلَيْهِمْ فَدَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَظَاهِرُ الْكِتَابِ يُؤَيِّدُهُ.
هَذَا وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَرَفَعَهَا
عِنْدَ غَيْرِ مَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ مَالُهُ وَالْقِيَامُ لَهُ بِهِ ضَمِنَ.
(إلَّا لِعَوْرَةٍ حَدَثَتْ) اللَّخْمِيِّ: إذَا خَافَ الْمُودَعُ عَوْرَةَ مَنْزِلِهِ أَوْ جَارَ سُوءٍ وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا حَدَثَ بَعْدَ الْإِيدَاعِ جَازَ لَهُ أَنْ يُودِعَهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَوْفُ مُتَقَدِّمًا قَبْلَ الْإِيدَاعِ وَالْمُودِعُ عَالِمٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُودِعَهَا، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ.
(أَوْ لِسَفَرٍ عِنْدَ عَجْزِ الرَّدِّ) ابْنُ عَرَفَةَ: سَفَرُهُ وَخَوْفُ عَوْرَةِ مَنْزِلِهِ عُذْرٌ.
أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَضْمَنُهَا وَلَوْ دَفَعَهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
ابْنُ يُونُسَ: كَدَفْعِهِ لِزَوْجَتِهِ وَخَادِمِهِ وَيَنْبَغِي عَلَى أُصُولِهِمْ إنْ لَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ أَنْ يَضْمَنَ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَى غَيْرِ مَنْ دَفَعَ إلَيْهِ لَكِنَّهُمْ لَمْ يُضَمِّنُوهُ لِلْعُذْرِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَرَادَ سَفَرًا أَوْ خَافَ عَوْرَةَ مَنْزِلِهِ وَرَبُّهَا غَائِبٌ فَلْيُودِعْهَا إلَى ثِقَةٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ دُونَهُ فِي ثِقَتِهِ (وَإِنْ أَوْدَعَ بِسَفَرٍ وَوَجَبَ الْإِشْهَادُ بِالْعُذْرِ) اللَّخْمِيِّ: إذَا ثَبَتَ الْإِيدَاعُ وَالْوَجْهُ الَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ وَهُوَ خَوْفُ مَوْضِعِهِ أَوْ السَّفَرُ بَرِئَ الْمُودَعُ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُصَدَّقُ فِي إرَادَةِ السَّفَرِ أَوْ خَوْفِ عَوْرَةِ الْمَنْزِلِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
(وَبَرِئَ إنْ رَجَعَتْ سَالِمَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً عِنْدَ غَيْرِهِ ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا مِنْهُ فَضَاعَتْ لَمْ يَضْمَنْ كَقَوْلِ مَالِكٍ إنْ أَنْفَقَ مِنْهَا ثُمَّ رَدَّ مَا أَنْفَقَ لَمْ يَضْمَنْ.
(وَعَلَيْهِ اسْتِرْجَاعُهَا إنْ نَوَى الْإِيَابَ) اللَّخْمِيِّ: إنْ أَوْدَعَهَا عِنْدَ حُدُوثِ السَّفَرِ ثُمَّ عَادَ مِنْ سَفَرِهِ؛ فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ لِيَعُودَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَحْفَظَهَا؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حِفْظَهَا حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا الْقَدْرُ الَّذِي سَافَرَهُ، وَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ عَلَى وَجْهِ الِانْتِقَالِ ثُمَّ عَادَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ.
اُنْظُرْ هَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ مَنْ بَعَثَ مِنْ رَجُلٍ بِضَاعَةً بِمِصْرٍ فَعَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى الْمَدِينَةِ فَبَعَثَ بِهَا مَعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَمَنْ بَعَثَ مَعَ رَجُلٍ بِنَفَقَةٍ يَشْتَرِي لَهُ بِهَا مَتَاعًا فَدَفَعَهَا الْمُرْسَلُ إلَيْهِ لِمَنْ يَشْتَرِي لَهُ.
وَمِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: إنَّ الَّذِي وَقَعَتْ بِهِ الْفَتْوَى إذَا خَبَّأَ الْقِرَاضَ أَوْ غَيْرَهُ خَوْفَ مَغْرَمِ السُّلْطَانِ فَاطُّلِعَ عَلَيْهِ وَأُخِذَ كُلُّهُ أَنَّهُ ضَامِنٌ بِخِلَافِ مَا فِي الرِّوَايَةِ إذَا رَأَى الْعَدُوَّ فَأَلْقَى الْوَدِيعَةَ فِي شَجَرَةٍ فَضَاعَتْ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى أَمْرٌ مَدْخُولٌ عَلَيْهِ وَإِخْبَاؤُهُ يُؤَدِّي إلَى جَائِحَتِهِ.
اُنْظُرْ رَسْمَ شَكَّ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ دَفْعُهَا لِفَارِسٍ يَنْجُو بِهَا أَوْ يَبْعَثُ بِالْبِضَاعَةِ مَعَ غَيْرِهِ لِإِقَامَتِهِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ لِسَفَرِهِ لِمَوْضِعٍ آخَرَ.
(وَبِبَعْثِهِ بِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ قَالَ فِي الْوَدِيعَةِ وَالْقِرَاضِ قَدْ رَدَدْت ذَلِكَ مَعَ رَسُولِي إلَى رَبِّهِ ضَمِنَ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَبُّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَسَوَاءٌ أَوْدَعْتَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُودَعِ يَأْتِيهِ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّ رَبَّهَا أَمَرَهُ بِأَخْذِهَا فَصَدَّقَهُ وَدَفَعَهَا إلَيْهِ فَضَاعَتْ مِنْهُ: إنَّ الدَّافِعَ ضَامِنٌ لَهَا ثُمَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي قَبَضَهَا فَيَأْخُذَهَا مِنْهُ.
وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: مَنْ أَبْضَعَ مَعَهُ بِضَاعَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُودِعَهَا وَلَا أَنْ يَبْعَثَ بِهَا مَعَ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ تَحْدُثَ لَهُ إقَامَةٌ وَلَا يَجِدُ صَاحِبَهَا وَيَجِدُ مَنْ يَخْرُجُ إلَى حَيْثُ هُوَ صَاحِبُهَا فَلَهُ تَوْجِيهُهَا.
(وَبِإِنْزَائِهِ عَلَيْهَا فَمُتْنَ وَإِنْ مِنْ الْوِلَادَةِ كَأَمَةٍ زَوَّجَهَا فَمَاتَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَوْدَعْتَهُ بَقَرًا أَوْ أُتُنًا أَوْ نُوقًا فَأَنْزَى عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ فَمُتْنَ مِنْ الْوِلَادَةِ، أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَزَوَّجَهَا فَحَمَلَتْ فَمَاتَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ، فَهُوَ ضَامِنٌ وَكَذَلِكَ لَوْ عَطِبَتْ تَحْتَ الْفَحْلِ.
(وَبِجَحْدِهَا إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ ثُمَّ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الرَّدِّ خِلَافٌ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا أَنْكَرَ الْإِيدَاعَ فَلَمَّا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ أَقَامَ بَيِّنَتَهُ أَنَّهُ رَدَّهَا، فَقِيلَ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا بِقَوْلِهِ مَا أَوْدَعْتَنِي وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ مَا اشْتَرَيْت مِنْكَ فَلَمَّا أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِالشِّرَاءِ أَقَامَ هُوَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِالدَّفْعِ وَقِيلَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ أَرَدْت أَنْ لَا أَتَكَلَّفَ بَيِّنَةً.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: مَنْ اُسْتُوْدِعَ وَدِيعَةً بِبَيِّنَةٍ فَجَحَدَهَا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ رَدَّهَا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِرَدِّهَا فَإِنَّهُ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ بَيِّنَتَهُ إذْ قَالَ لَمْ أَجِدْهَا يُرِيدُ أَوْ قَالَ مَا أَوْدَعْتَنِي شَيْئًا.
وَأَمَّا لَوْ قَالَ مَالَكَ عِنْدِي شَيْءٌ فَالْبَيِّنَةُ بِالْبَرَاءَةِ تَنْفَعُهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْقِرَاضِ وَالْبِضَاعَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ مَنْ مَلَكَ امْرَأَتَهُ بِكَلَامٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ فَقَضَتْ بِالثَّلَاثِ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ الطَّلَاقَ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت وَاحِدَةً.
ثُمَّ قَالَ فِيمَنْ أَنْكَرَ دَعْوَى، فَلَمَّا أَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ جَاءَ بِالْمَخْرَجِ مِنْهَا مِمَّا لَوْ جَاءَ بِذَلِكَ قَبْلَ الْإِنْكَارِ لَقُبِلَتْ مِنْهُ؛ فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَقِيلَ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَقِيلَ إلَّا فِي اللِّعَانِ، وَقِيلَ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْأَمْوَالِ.
اُنْظُرْ قَبْلَ رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ.
وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ: يَتَحَصَّلُ فِيمَنْ أَنْكَرَ أَمَانَةً ثُمَّ ادَّعَى ضَيَاعَهَا أَوْ رَدَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ضَيَاعِهَا أَوْ رَدِّهَا فَإِنَّ تِلْكَ الْبَيِّنَةَ تَنْفَعُهُ بَعْدَ إنْكَارِهِ.
(وَبِمَوْتِهِ وَلَمْ يُوصِ بِهَا وَلَمْ تُوجَدْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ هَلَكَ وَقِبَلَهُ قِرَاضٌ وَوَدَائِعُ لَمْ تُوجَدْ وَلَمْ يُوصِ بِهَا فَذَلِكَ فِي مَالِهِ وَيُحَاصُّ بِذَلِكَ غُرَمَاؤُهُ، وَمِثْلُهُ سَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ ابْنَ رُشْدٍ وَهَذَا صَحِيحٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
(إلَّا لِكَعَشْرِ سِنِينَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَتَى مَاتَ وَلَمْ يُوصِ بِهَا وَلَمْ تُوجَدْ ضَمِنَ.
قَالَ مَالِكٌ: مَا لَمْ تَتَقَادَمْ كَعَشْرِ سِنِينَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَبِلَ هَذَا شَارِحَاهُ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْوَدِيعَةَ يُقِرُّ بِهَا الَّذِي هِيَ عِنْدَهُ دُونَ بَيِّنَةٍ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: لِهَذِهِ الْأُمُورِ وُجُوهٌ.
أَرَأَيْت لَوْ مَرَّ عَلَيْهَا عِشْرُونَ سَنَةً ثُمَّ مَاتَ رَبُّهَا فَقَامَ يَطْلُبُهَا مَا رَأَيْت لَهُ شَيْئًا، وَكَأَنِّي رَأَيْته يَرَى إنْ كَانَ قَرِيبًا أَنَّ ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ رَأْيٌ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا لِذَلِكَ السَّنَةَ وَشِبْهَهَا ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ طَلَبَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ لَرَأَيْته فِي مَالِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ مَنْ أَقَرَّ بِوَدِيعَةٍ دُونَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ بِهَا ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُوجَدْ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا وَادَّعَى رَدَّهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَقَالَ: الطُّولُ عِشْرُونَ سَنَةً وَكَذَا عَشْرُ سِنِينَ عَلَى مَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فَيَقِلُّ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلُ مَالِكٍ مَا لَمْ يَتَقَادَمْ دُونَ ثُبُوتِ تَقْيِيدِ الْوَدِيعَةِ بِإِقْرَارِهِ الْمُودَعِ غَفْلَةٌ أَوْ غَلَطٌ، وَالتَّعَقُّبُ عَلَى شَارِحَيْهِ أَشَدُّ.
وَأَخَذَ ابْنُ سَهْلٍ مِنْ قَوْلِهَا فِي الْوَدِيعَةِ أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِثِيَابٍ وَأَرَاهَا الشُّهُودَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ تُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ أَنَّهُ يُقْضَى لِابْنِهِ بِقِيمَتِهَا فِي تَرِكَتِهِ.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(وَأَخَذَهَا إنْ ثَبَتَ بِكِتَابَةٍ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَهُ أَنَّ ذَلِكَ خَطُّهُ أَوْ خَطُّ الْمَيِّتِ) سَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ هَلَكَ وَتَرَكَ وَدَائِعَ وَلَمْ يُوصِ فَتُوجَدُ صُرَرٌ فِيهَا وَدِيعَةُ فُلَانٍ وَفِيهَا كَذَا وَكَذَا دِينَارًا وَلَا بَيِّنَةَ أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهَا إيَّاهُ إلَّا بِقَوْلِهِ وَوَجَدُوهَا عِنْدَ الْهَالِكِ كَمَا ادَّعَى، لَا شَيْءَ لَهُ فِيهَا.
ابْنُ رُشْدٍ: لَا يُقْضَى لِمَنْ وَجَدَ عَلَيْهَا اسْمَهُ إنْ لَمْ تَكُنْ بِخَطِّهِ وَلَا بِخَطِّ الْمُودَعِ، فَإِنْ كَانَتْ بِخَطِّ الْمُتَوَفَّى الَّذِي وُجِدَتْ عِنْدَهُ فَهِيَ لِمَنْ وُجِدَ اسْمُهُ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا إلَّا عَلَى مَنْ لَا يَرَى الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ.
وَإِنْ كَانَ بِخَطِّ مُدَّعِي الْوَدِيعَةَ فَقَالَ أَصْبَغُ: إنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِهَا مَعَ كَوْنِهَا فِي حَوْزِ الْمُسْتَوْدَعِ.
قَالَ ابْنُ دَحُونَ: لَا يُقْضَى لَهُ بِهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ أَخْرَجَهَا لَهُ فَكَتَبَ عَلَيْهَا اسْمَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا.
اُنْظُرْ فِي ابْنِ عَرَفَةَ هُنَا الْمَبْعُوثُ مَعَهُ بِمَالٍ يَقُولُ دَفَعْته لَهُ وَالْآخَرُ يُنْكِرُ (وَبِسَعْيِهِ بِهَا لِمُصَادِرٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ " لَوْ سَعَى بِهَا لِمُصَادِرٍ ضَمِنَهَا " وَاضِحٌ لِتَسَبُّبِهِ فِي تَلَفِهَا وَلَا أَعْلَمُ نَصَّ الْمَسْأَلَةِ إلَّا لَلْغَزَالِيِّ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَضْمَنُ إذَا أَخْفَاهَا مِنْ ظَالِمٍ خَوْفَ الْمَغْرَمِ.
(وَبِمَوْتِ الْمُرْسَلِ مَعَهُ بِبَلَدٍ إنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ بَعَثَ بِمَالٍ إلَى رَجُلٍ بِبَلَدٍ فَقَدِمَهَا الرَّسُولُ ثُمَّ مَاتَ بِهَا وَزَعَمَ الرَّجُلُ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ شَيْئًا، فَلَا شَيْءَ لَكَ فِي تَرِكَةِ الرَّسُولِ وَلَكَ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ يَحُوزُ أَمْرَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ لَكَ شَيْئًا.
وَلَوْ مَاتَ الرَّسُولُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْبَلَدَ فَلَمْ يُوجَدْ لِلْمَالِ أَثَرٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ.
اللَّخْمِيِّ: وَجْهُ هَذَا أَنَّهُ فِي الطَّرِيقِ مُودَعٌ وَهُوَ يَقُولُ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا مَاتَ الْمُودَعُ وَلَمْ تُوجَدْ الْوَدِيعَةُ أَنَّهَا فِي مَالِهِ وَبَعْدَ الْوُصُولِ وَكِيلٌ عَلَى الدَّفْعِ، وَمَحْصُولُهُ أَنَّهُ امْتَثَلَ مَا وُكِّلَ عَلَيْهِ وَقَدْ يَخْفَى عَلَى وَرَثَتِهِ مَنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى دَفْعِهَا فَلَا يَضْمَنُ بِالشَّكِّ.
ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَقْوَالُ فِي هَذَا خَمْسَةٌ.
(وَبِكَلُبْسٍ الثَّوْبِ وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ هَلَكَ مَا لَبِسَهُ الْمُودَعُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ رَكِبَهُ مِنْ دَابَّةٍ فَفِي تَصْدِيقِهِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ هَلَكَ بَعْدَ رَدِّهِ إنْ ثَبَتَ، وَإِنْ أَنْكَرَ وَقَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ وَتَضْمِينُهُ مُطْلَقًا إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ نَزَلَ عَنْهَا وَهِيَ سَالِمَةٌ ثَالِثُهَا يَضْمَنُ حَتَّى بِرَدِّهَا لِمُحَمَّدٍ قَائِلًا:
هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَكِتَابُ ابْنِ سَحْنُونٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِ ابْنِ يُونُسَ.
اُنْظُرْ نَصَّ ابْنِ يُونُسَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَبِانْتِفَاعِهِمَا ".
(وَالْقَوْلُ لَهُ أَنَّهُ رَدَّهَا سَالِمَةً إنْ أَقَرَّ بِالْفِعْلِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ: إنْ أَقَرَّ الْمُسْتَوْدَعُ بِرُكُوبِ الدَّابَّةِ وَلِبَاسِ الثَّوْبِ وَقَالَ هَلَكَ بَعْدَ أَنْ رَدَدْته هُوَ مُصَدَّقٌ.
(وَإِنْ أَكْرَاهَا لِمَكَّةَ وَرَجَعَتْ بِحَالِهَا إلَّا أَنَّهُ حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا فَلَكَ قِيمَتُهَا يَوْمَ كِرَائِهِ وَلَا كِرَاءَ أَوْ أَخْذُهُ وَأَخْذُهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَوْدَعْتَهُ إبِلًا فَأَكْرَاهَا إلَى مَكَّةَ وَرَجَعَتْ بِحَالِهَا إلَّا أَنَّهُ حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا، وَمَنَافِعُكَ بِهَا، فَأَنْتَ مُخَيَّرٌ فِي تَضْمِينِهِ قِيمَتَهَا يَوْمَ تَعَدِّيهِ وَلَا كِرَاءَ لَكَ، أَوْ تَأْخُذُهَا وَتَأْخُذُ كِرَاءَهَا، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَعِيرُ يَزِيدُ فِي الْمَسَافَةِ أَوْ الْمُكْتَرِي.
(وَبِدَفْعِهَا مُدَّعِيًا أَنَّكَ أَمَرْته بِهِ وَحَلَفْتَ وَإِلَّا حَلَفَ وَبَرِئَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَوْدَعْته وَدِيعَةً فَادَّعَى أَنَّكَ أَمَرَتْهُ بِدَفْعِهَا إلَى فُلَانٍ فَفَعَلَ وَأَنْكَرْت أَنْتَ أَنْ تَكُونَ أَمَرْته، فَهُوَ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّكَ أَمَرْته بِذَلِكَ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَسَوَاءٌ أَوْدَعْته بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَيَحْلِفُ رَبُّهَا فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُودَعُ وَبَرِئَ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْآمِرِ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا فَهُوَ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّكَ أَمَرْته بِذَلِكَ (وَرَجَعَ عَلَى الْقَابِضِ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: إنَّ الدَّافِعَ ضَامِنٌ لَهَا ثُمَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي قَبَضَهَا فَيَأْخُذُهَا مِنْهُ.
اُنْظُرْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبِبَعْثِهِ بِهَا ".
(وَإِنْ بَعَثْت إلَيْهِ بِمَالٍ فَقَالَ: تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَيَّ وَأَنْكَرْتَ حَلَفَ وَالرَّسُولُ شَاهِدٌ وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إنْ كَانَ الْمَالُ بِيَدِهِ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ بَعَثْتَ إلَى رَجُلٍ بِمَالٍ فَقَالَ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَيَّ وَصَدَّقَهُ الرَّسُولُ وَأَنْتَ مُنْكِرٌ لِلصَّدَقَةِ وَتَقُولُ بَلْ هُوَ إيدَاعٌ، فَالرَّسُولُ شَاهِدٌ يَحْلِفُ مَعَهُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ وَيَكُونُ الْمَالُ صَدَقَةً عَلَيْهِ.
قِيلَ لِمَالِكٍ: كَيْفَ يَحْلِفُ وَلَمْ يَحْضُرْ؟ قَالَ: كَمَا يَحْلِفُ الصَّبِيُّ مَعَ شَاهِدِهِ فِي دَيْنِ أَبِيهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّسُولِ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ الضَّمَانَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ أَشْهَبُ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ عَدِيمٌ قَدْ أَتْلَفَ الْمَالَ وَلَا بَيِّنَة لِلرَّسُولِ عَلَى الدَّفْعِ، فَأَمَّا وَهُوَ مَلِيءٌ حَاضِرٌ فَشَهَادَةُ الرَّسُولِ جَائِزَةٌ مَعَ يَمِينِ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَامَتْ لِلرَّسُولِ بَيِّنَةٌ بِالدَّفْعِ فِي عَدَمِ الْمَشْهُودِ لَهُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ قَوْلُ أَشْهَبَ وِفَاقًا لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ عَلَّلَ مُحَمَّدٌ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَّلَ غَيْرُهُ قَوْلَ أَشْهَبَ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ دَفْعًا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْآمِرَ إنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَلَى جِهَةِ الْإِيدَاعِ فَدَفَعَ هُوَ عَلَى جِهَةِ التَّمْلِيكِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَا يُؤْخَذُ الْآمِرُ بِغَيْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الدَّفْعِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا أَجَازَ شَهَادَتَهُ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الدَّفْعِ فَدَفَعَهُ وَالْمَأْمُورُ حَاضِرٌ فَلَمْ
يُسْتَهْلَكْ بِدَفْعِهِ عَلَى بَابِ التَّمْلِيكِ.
رَاجِعْ ابْنَ يُونُسَ.
(وَبِدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِكَ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا دَعْوَاهُ الرَّدَّ عَلَى غَيْرِ مَنْ ائْتَمَنَهُ كَدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِ الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَكَذَلِكَ دَعْوَى وَارِثِ الْمُودَعِ عَلَى الْمَالِكِ يَفْتَقِرُ إلَى الْبَيِّنَةِ أَيْضًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَبْضُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ قَالَ الْمُودَعُ أَوْ الْعَامِلُ رَدَدْنَا الْمَالَ لِوَصِيِّ الْوَارِثِ لِمَوْتِ رَبِّ الْمَالِ لَمْ يُصَدَّقَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِ الْوَصِيِّ وَلَوْ كَانَ قَبَضَهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا دَفَعَاهَا إلَى غَيْرِ مَنْ قَبَضَهَا مِنْهُمَا.
(أَوْ الْمُرْسَلِ إلَيْهِ الْمُنْكِرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ دَفَعْتَ إلَيْهِ مَالًا لِيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ فَقَالَ دَفَعْتُهُ إلَيْهِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ الدَّافِعُ إلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ ضَمِنَ.
قَبَضَ ذَلِكَ مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ كَالْوَصِيِّ يَدَّعِي الدَّفْعَ إلَى الْأَيْتَامِ.
وَلَوْ شَرَطَ الرَّسُولُ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ إلَى مَنْ أَمَرْتَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِالدَّفْعِ إذَا ثَبَتَ هَذَا الشَّرْطُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» . عَبْدُ الْحَقِّ: وَهَذَا بِخِلَافِ لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَمْ يُفِدْهُ شَرْطُ نَفْيِهَا " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " إلَّا إنْ شَرَطَ الدَّفْعَ " فَالْفَرْعَانِ مَعًا مِنْ
تَمَامِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
(كَعَلَيْكَ إنْ كَانَتْ لَكَ بَيِّنَةٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بِيَدِهِ وَدِيعَةٌ أَوْ قِرَاضٌ لِرَجُلٍ فَقَالَ لَهُ: رَدَدْتُ ذَلِكَ إلَيْكَ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَلَوْ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ فَقَالَ ضَاعَ مِنِّي أَوْ سُرِقَ صُدِّقَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْأَمَانَاتُ الَّتِي بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ أَمَرَهُمْ اللَّهُ فِيهَا بِالتَّقْوَى وَالْأَدَاءِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِشْهَادِ كَمَا فَعَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْتَمَنُونَ فِي الرَّدِّ إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُمْ دُونَ إشْهَادٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُصَدَّقَ الْمُسْتَوْدَعُ فِي دَعْوَاهُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ كَذَّبَهُ الْمُودِعُ كَمَا تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِيمَا ائْتَمَنَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِمَّا خُلِقَ فِي رَحِمِهَا مِنْ الْحَيْضَةِ وَالْحَمْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَفَعَهَا إلَيْهِ بِإِشْهَادٍ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ إنَّمَا ائْتَمَنَهُ عَلَى حِفْظِهَا وَلَمْ يَأْتَمِنْهُ عَلَى رَدِّهَا فَيُصَدَّقُ فِي الضَّيَاعِ الَّذِي ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ الَّذِي اُسْتُوْثِقَ مِنْهُ وَلَمْ يَأْتَمِنْهُ عَلَيْهِ.
هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ.
(مَقْصُودَةٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَيَّدَ اللَّخْمِيِّ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَالصَّقَلِّيُّ الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهُ قَصَدَ بِهَا التَّوَثُّقَ مِنْهُ.
قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: مَنْ أَخَذَ وَدِيعَةً بِحَضْرَةِ قَوْمٍ لَمْ يَقْصِدْ إشْهَادَهُمْ عَلَيْهِ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي الرَّدِّ وَلَيْسَ كَمَنْ أَخَذَهَا بِبَيِّنَةٍ، وَكَذَا إنْ أَقَرَّ الْمُودَعُ عِنْدَ بَيِّنَةٍ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ فُلَانٍ وَدِيعَةً.
(لَا بِدَعْوَى التَّلَفِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَبَضَ قِرَاضًا أَوْ وَدِيعَةً بِبَيِّنَةٍ
لَا يَبْرَأُ بِقَوْلِهِ رَدَدْتُ وَيُصَدَّقُ إذَا قَالَ ضَاعَ مِنِّي.
(أَوْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالرَّدِّ أَوْ الضَّيَاعِ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ لَوْ قَالَ لِمُودِعِهَا مَا أَدْرِي أَرَدَدْتُهَا إلَيْكَ أَمْ تَلِفَتْ، لَمْ يَضْمَنْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَوْدَعَهُ إيَّاهَا بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِهَا.
ابْنُ رُشْدٍ: وَيَحْلِفُ مَا هِيَ عِنْدَهُ وَلَقَدْ دَفَعْتُهَا إلَيْكَ أَوْ تَلِفَتْ (وَحَلَفَ الْمُتَّهَمُ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَقْبَضَهُ الْوَدِيعَةَ أَوْ الْقِرَاضَ بِبَيِّنَةٍ فَقَالَ ضَاعَ مِنِّي صُدِّقَ، يُرِيدُ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ فَيَحْلِفَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَإِنْ نَكَلَ الْمُتَّهَمُ عَنْ الْيَمِينِ ضَمِنَ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا.
ابْنُ يُونُسَ: الْفَرْقُ بَيْنَ دَعْوَى الرَّدِّ وَدَعْوَى الضَّيَاعِ أَنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ فِي دَعْوَاهُ الرَّدَّ يَدَّعِي يَقِينًا أَنَّهُ كَاذِبٌ فَيَحْلِفُ، كَانَ مُتَّهَمًا أَوْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ.
وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ لَا عِلْمَ لَهُ بِحَقِيقَةِ دَعْوَاهُ وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْمُودَعِ، فَلَا يَحْلِفُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ (وَلَمْ يُفِدْهُ شَرْطُ نَفْيِهَا) لَيْسَ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْفَرْعِ قَبْلَهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ دَفَعْتَ لَهُ مَالًا لِيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
عَبْدُ الْحَقِّ: فَلَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَعْهُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يُنْظَرُ فِيهَا حِينَ تَعَلُّقِهَا فَكَأَنَّهُ شَرَطَ إسْقَاطَ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ
بَعْدُ بِخِلَافِ لَوْ شَرَطَ دَفْعَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ وَلَوْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ.
اُنْظُرْ تَصَوُّرَ هَذَا فِي الْخَارِجِ (فَإِنْ نَكَلَ حَلَفْت) مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ فِي الْمُتَّهَمِ إذَا نَكِلَ إلَّا عَدَمَ رَدِّ الْيَمِينِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْأَظْهَرُ أَنْ تُلْحَقَ الْيَمِينُ إذَا قَوِيَتْ التُّهْمَةُ وَتَسْقُطُ إذَا ضَعُفَتْ وَأَنْ لَا تَرْجِعَ إذَا لَحِقَتْ، فَيَبْقَى النَّظَرُ هَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ: " فَإِنْ نَكِلَ حَلَفْت " رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ " وَلَمْ يُفِدْهُ شَرْطُ نَفْيِهَا " أَوْ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى دَعْوَى الرَّدِّ فَانْظُرْهُ أَنْتَ (وَلَا إنْ شَرَطَ الدَّفْعَ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ: لَوْ شَرَطَ الرَّسُولُ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَمْ يَضْمَنْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .
(وَبِقَوْلِهِ تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ تَلْقَانِي بَعْدَ مَنْعِهِ دَفْعَهَا) رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ مَالُ وَدِيعَةٍ فَطَلَبَهُ مِنْهُ فَاعْتَذَرَ بِشَغْلٍ وَأَنَّهُ يَرْكَبُ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ فَتَصَايَحَا فَحَلَفَ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا كَانَ فِي غَدٍ قَالَ ذَهَبْتَ قَبْلَ أَنْ تَلْقَانِي، ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهَا.
وَإِنْ قَالَ لَا أَدْرَى مَتَى ذَهَبَتْ حَلَفَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَيَحْلِفُ مَا عَلِمَ بِذَهَابِهَا حِينَ مَنَعَهُ (كَقَوْلِهِ بَعْدَهُ بِلَا عُذْرٍ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ قَالَ ذَهَبَتْ بَعْدَمَا حَلَفْتُ وَفَارَقْتُكَ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ مَنَعَهَا إيَّاهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَانَ عَلَى أَمْرٍ لَا يَسْتَطِيعُ فِيهِ أَنْ يَرْجِعَ وَيَكُونَ عَلَيْهِ فِيهِ ضَرَرٌ فَلَا يَضْمَنُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إذَا قَالَ: أَنَا مَشْغُولٌ إلَى غَدٍ فَرَجَعَ إلَيْهِ فَقَالَ تَلِفَتْ قَبْلَ مَجِيئِكَ الْأَوَّلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَا أَدْفَعُهَا إلَيْكَ إلَّا بِالسُّلْطَانِ فَتَرَافَعَا إلَيْهِ فَضَاعَتْ بَيْنَ سُؤَالِهِ إيَّاهُ وَبَيْنَ إتْيَانِهِ السُّلْطَانَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ عُذْرًا يَقُولُ خِفْتُ شَغَبَهُ وَأَذَاهُ (لَا إنْ قَالَ لَا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ) اُنْظُرْهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: " بَعْدَهُ ".
(وَبِمَنْعِهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْحَاكِمُ إنْ لَمْ تَكُنْ بِبَيِّنَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ أَبَى مِنْ دَفْعِهَا إلَّا بِالسُّلْطَانِ فَهَلَكَتْ فِي تَرَافُعِهِمَا فَفِي ضَمَانِهِ
فِيهَا وَفِي الرَّهْنِ وَإِنْ كَانَ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ وَنَفْيُهُ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهَا ثَالِثُهَا إنْ كَانَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لِابْنِ دَحُونَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ إلَّا قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ خَاصَّةً حَسْبَمَا نَقَلْته قَبْلَ قَوْلِهِ " لَا إنْ قَالَ لَا أَدْرِي ". وَأَمَّا نَصُّ ابْنِ الْقَاسِمِ فَهُوَ سَمَاعُ أَبِي زَيْدٍ فِي رَبِّ الْوَدِيعَةِ يَطْلُبُهَا وَالرَّاهِنُ يَطْلُبُ فِكَاكَهُ فَيَأْبَى الَّذِي ذَلِكَ فِي يَدَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ حَتَّى يَأْتِيَ السُّلْطَانُ فَيَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالدَّفْعِ فَهَلَكَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَضِيَّةِ وَبَعْدَ طَلَبِ أَرْبَابِهِ قَالَ: إنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ بِلَا بَيِّنَةٍ فَهُوَ ضَامِنٌ.
(لَا إنْ قَالَ ضَاعَتْ مُنْذُ سِنِينَ وَكُنْت أَرْجُوهَا وَلَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا كَالْقِرَاضِ) . ابْنُ يُونُسَ: قَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ طَلَبْتَ مِنْهُ وَدِيعَةً فَقَالَ ضَاعَتْ مُنْذُ سِنِينَ إلَّا أَنِّي كُنْت أَرْجُو أَنْ أَجِدَهَا وَأَطْلُبَهَا وَلَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ هَذَا قَبْلَ ذَلِكَ وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ قَالَ: هُوَ مُصَدَّقٌ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ: وَالْقِرَاضُ مِثْلُهُ.
(وَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا لِمَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا) هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي فَصْلِ الدَّعْوَى.
وَلِابْنِ عَرَفَةَ هُنَا: مَنْ ظَفِرَ بِمَالٍ لِمَنْ جَحَدَهُ مِثْلَهُ فِيهِ اضْطِرَابٌ.
وَقَالَ فِي فَصْلِ الدَّعْوَى: فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْمَنْعُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ.
وَقَدْ قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ هَذَا: وَإِنْ قَدَرَ عَلَى شَيْئِهِ فَلَهُ أَخْذُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ عُقُوبَةٍ وَأَمْنَ فِتْنَةٍ وَرَذِيلَةٍ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَنْ غُصِبَ مِنْهُ شَيْءٌ وَقَدَرَ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ تَحْرِيكِ فِتْنَةٍ أَوْ سُوءِ عَاقِبَةٍ بِأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، جَازَ لَهُ أَخْذُهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ.
وَأَمَّا الْعُقُوبَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَاكِمِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: وَأَمَّا إنْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِ شَيْئِهِ فَثَالِثُهَا إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ جَازَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ شَاسٍ: وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ جِنْسِ مَالِهِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ أَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً فَجَحَدَهُ إيَّاهَا ثُمَّ اسْتَوْدَعَهُ وَدِيعَةً أَوْ ائْتَمَنَهُ عَلَى شَيْءٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجْحَدُهُ.
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ لَهُ أَخْذُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنْ كَانَ فَبِقَدْرِ حِصَاصِهِ مِنْهُ.
الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَغُرَمَاؤُهُ عَالِمُونَ بِفَلَسِهِ أَوْ شَاكُّونَ وَتَرَكُوهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي جَازَ لَهُ حَبْسُ جَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ عِنْدَهُمْ الْيُسْرَ وَلَوْ عَلِمُوا ضَرَبُوا عَلَى يَدَيْهِ جَازَ لَهُ أَخْذُ مَا لَا يَشُكُّ أَنَّهُ
يَصِيرُ لَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ عَرَضًا جَازَ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَحْسِبَ الثَّمَنَ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَلَا يَأْخُذُ الْعَرَضَ يَتَمَلَّكُهُ عِوَضَ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إلْزَامٌ لِلْمَانِعِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ أَنْ يُعَوَّضَ عَنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَسَامَحَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا لِلضَّرُورَةِ قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ إنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ رَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي كَلَّفَهُ إثْبَاتَ دَيْنِهِ؟ اخْتَارَ بَعْضُ أَشْيَاخِي هَذَا وَيَبِيعُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَبَّهْنَا عَلَيْهَا.
ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ مَا يَنُوبُهُ وَإِنْ كَانَ لِلْغُرَمَاءِ الدُّخُولُ مَعَهُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ لَوْ أَظْهَرَ ذَلِكَ، فَمَتَى لَمْ يَضُرَّ بِالْغُرَمَاءِ بِأَخْذِ مَا يَنُوبُهُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: فَإِنْ حُلِّفَ فَحَلَفَ مَا ضَرَّهُ ذَلِكَ كَالْمُكْرَهِ عَلَى الْيَمِينِ فِي أَخْذِ مَالِهِ فَيَحْلِفُ وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْحَدَهُ إذَا أَمَرَ أَنْ يُحَلِّفَهُ كَاذِبًا يُرِيدُ أَنَّ الْمُودِعَ يَقُولُ لَهُ احْلِفْ لِي أَنِّي مَا أَوْدَعْتُكَ.
وَقِيلَ: يَحْلِفُ مَا أَوْدَعْتنِي شَيْئًا يَنْوِي يَلْزَمُنِي رَدُّهُ.
وَقِيلَ يَنْوِي مِثْلَهُ أَنْ يُحَرِّكَ بِهِ لِسَانَهُ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْحَدَ مَا أَوْدَعَهُ مَكَانَ حَقِّهِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ [النحل: 126] الْآيَةَ.
وَلِحَدِيثِ هِنْدٍ " خُذِي مِنْ مَالِهِ ". وَقِيلَ: مَعْنَى: «وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» أَنْ تَأْخُذَ فَوْقَ حَقِّكَ انْتَهَى.
وَقَدْ نَقَلْت مِنْ كَلَامِ كُلِّ إمَامٍ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ أَحْكَامِ هَذَا الْفَرْعِ.
وَحَاصِلُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ يُونُسَ وَابْنِ رُشْدٍ وَالْمَازِرِيِّ تَرْجِيحُ الْأَخْذِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْحَجْرِ مِنْ حَبْسِ وَدِيعَةِ الظَّالِمِ وَقَدْ نَصُّوا فِي الْوَصِيِّ إذَا عَلِمَ بِالدَّيْنِ دُونَ غَيْرِهِ أَنَّهُ إنْ خَفِيَ لَهُ دَفْعُهُ دُونَ مُغَلِّبٍ فَعَلَ وَإِلَّا كَانَ شَاهِدًا.
وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ فِي مَيِّتٍ أَوْصَى لِصَغِيرٍ بِدَنَانِيرَ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا الْوَصِيُّ، فَإِنْ خَفِيَ لَهُ دَفْعُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يُتْبَعُ بِهِ فَلَهُ دَفْعُ ذَلِكَ دُونَ السُّلْطَانِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ السُّلْطَانُ ثُمَّ خَفِيَ لَهُ دَفْعُ ذَلِكَ فَلَهُ ذَلِكَ.
وَقَدْ كُنْت أَفْتَيْت زَمَنَ الْقَائِدِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ السِّرَاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يَأْخُذَ الْمُجَاهِدُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَدْرَ حَقِّهِ لِقِلَّةِ الِاهْتِبَالِ بِجَمْعِ الْغَنَائِمِ وَقَسْمِهَا، وَمَا كَانَ أَحَدٌ وَقَفَنِي عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ وَجَدْت النَّصَّ بِمَا أَفْتَيْتُ بِهِ فِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مُسْتَنَدِي مَعَ مَا تَقَدَّمَ مَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ أَجَازَ مَالِكًا بِثَلَاثَةِ آلَافٍ، فَقِيلَ لِمَالِكٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ تَأْخُذُهَا مِنْ هَذَا كَأَنَّهُ يَسْتَكْثِرُهَا؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ مِقْدَارَ مَا لَوْ كَانَ إمَامَ عَدْلٍ فَأَنْصَفَ أَهْلَ الْمُرُوءَةِ أَصَابَهُ سَيْبُهُ بِذَلِكَ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا.
وَسَأَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ جَائِزَةِ السُّلْطَانِ فَقَالَ لَهُ: لَا تَأْخُذْهَا.
فَقَالَ لَهُ: لَا بَلْ نَقْبَلُهَا.
فَقَالَ مَالِكٌ: أَتُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَ مَالِكٍ هَذَا إنَّمَا هُوَ؛ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْفِقْهِ لِمِثْلِ هَذَا السَّائِلِ مُوحِشٌ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ حِينَ مَنَعَ مِنْ قَبَالَةِ مِصْرَ وَقِيلَ لَهُ أَشْهَبُ يَقْبَلُهَا فَقَالَ لِلرَّجُلِ: قُمْ أَنْتَ بِبَعْضِ مَا يَقُومُ أَشْهَبُ وَحِينَئِذٍ خُذْ مَا يَأْخُذُ أَشْهَبُ أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ.
وَكَمَا حَكَى عَنْ زِيَادَةِ اللَّهِ عَامِلِ إفْرِيقِيَّةَ أَنَّهُ أَجَازَ الْعُلَمَاءُ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ الْجَائِزَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهَا، فَاسْتَنْقَصَ زِيَادَةُ اللَّهِ كُلَّ مَنْ قَبِلَ فَبَلَغَ ذَلِكَ أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ وَكَانَ مِمَّنْ قَبِلَ فَقَالَ: لَا عَلَيْهِ إنَّمَا أَوْصَلَنَا إلَى بَعْضِ حَقِّنَا وَاَللَّهُ حَسِيبُهُ فِيمَا يُمْسِكُهُ عَنَّا.
وَقَدْ نَصُّوا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسُ مَالًا لِيُرَتِّبُوا مِنْهُ الْجُنْدَ وَحَمَلَةَ الْعِلْمِ أَعْنِي عِلْمَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ الَّذِي سُئِلَ مَالِكٌ عَنْهُ أَهُوَ فَرْضٌ؟ فَقَالَ: أَمَّا عَلَى كُلِّ النَّاسِ فَلَا.
قَالُوا: وَاَلَّذِي
يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ هَذَا الْعِلْمُ هُوَ مَنْ جَادَ حِفْظُهُ وَحَسَّ إدْرَاكُهُ وَطَابَتْ سَجِيَّتُهُ وَسَرِيرَتُهُ، فَمِثْلُ هَذَا هُوَ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ هَذِهِ الْجَائِزَةِ، وَمَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ، وَرُبَّمَا كَانَ طَلَبُهُ الْعِلْمَ مِنْ بَابِ الْعَبَثِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَصْلَحَةِ الْمُجْتَلَبَةِ وَمِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ فِي حَقِّهِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ شَرْعًا، فَكَيْفَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى ذَلِكَ مُرَتَّبًا أَوْ أَجْرًا؟ .
(وَلَا أُجْرَةَ حِفْظِهَا بِخِلَافِ مَحَلِّهَا) . ابْنُ رُشْدٍ: لَا أَجْرَ لِلْمُودَعِ عَلَى حِفْظِ الْوَدِيعَةِ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَشْغَلُ مَنْزِلَهُ فَطَلَبَ أَجْرَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى غَلْقٍ أَوْ قُفْلٍ فَذَلِكَ عَلَى رَبِّهَا.
وَقَيَّدَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وُجُوبَ أُجْرَةِ الْمَحَلِّ بِكَوْنِ طَالِبِهَا مِمَّنْ يَقْتَضِي حَالُهُ ذَلِكَ وَعَدَمُ أُجْرَةِ حِفْظِهَا بِنَقِيضِهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهَا: مَنْ رَكِبَ دَابَّةَ رَجُلٍ إلَى بَلَدٍ وَقَالَ إنَّمَا أَعَارَهُ إيَّاهَا وَقَالَ رَبُّهَا بَلْ بِكِرَاءٍ قُبِلَ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَيْسَ مِثْلُهُ يُكْرِي الدَّوَابَّ لِشَرَفِهِ وَقَدْرِهِ.
(وَلِكُلٍّ تَرْكُهَا) . ابْنُ شَاسٍ: الْوَدِيعَةُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا لِلْفَاعِلِ وَالْقَابِلِ مُبَاحَةٌ، وَقَدْ يَعْرِضُ وُجُوبُهَا كَخَائِفٍ فَقْدَهَا الْمُوجِبُ هَلَاكَهُ أَوْ فَقْرَهُ إنْ لَمْ يُودِعْهَا مَعَ وُجُودِ قَابِلٍ لَهَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَعْرِضُ حُرْمَتُهَا كَإِيدَاعِ مَغْصُوبٍ لَا يَقْدِرُ الْقَابِلُ عَلَى جَحْدِهِ لِيَرُدَّهُ عَلَى رَبِّهِ كَنَقْلِ عِيَاضٍ: مَنْ قَبِلَ وَدِيعَةً مِنْ مُسْتَغْرَقِ ذِمَّةٍ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ ضَمِنَ لِلْفُقَرَاءِ قِيمَتَهَا.
مِنْ الْبُرْزُلِيُّ قُلْتُ: لِبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَأَظُنُّهُ الصَّائِغَ: إنْ خَفِيَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا فَعَلَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: مَنْ سُئِلَ قَبُولَ وَدِيعَةٍ لَيْسَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ قَبُولُهَا لِهَلَاكِهَا إنْ لَمْ يَقْبَلْهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى حِفْظِهَا كَرُفْقَةٍ فِيهَا مَنْ يَحْتَرِمُهُ مَنْ أَغَارَ عَلَيْهَا أَوْ ذِي حُرْمَةٍ بِحَاضِرَةِ يَعْرِضُ ظَالِمٌ لِبَعْضِ أَهْلِهَا انْتَهَى.
وَنَحْوُ هَذَا لِابْنِ رُشْدٍ قَالَ: يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ فِيهِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ دُعِيَ إلَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَشْهَدُ غَيْرُهُ.
(وَإِنْ أَوْدَعَ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا أَوْ أَقْرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ فَأَتْلَفَ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ بِإِذْنِ أَهْلِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَوْدَعَ صَبِيًّا صَغِيرًا وَدِيعَةً بِإِذْنِ أَهْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَضَاعَتْ لَمْ يَضْمَنْ، يُرِيدُ وَكَذَلِكَ السَّفِيهُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ ذَلِكَ سَلَّطُوا يَدَيْهِ عَلَى إتْلَافِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ بَاعَ مِنْهُ سِلْعَةً فَأَتْلَفَهَا فَلَيْسَ لَهُ إتْبَاعُهُ بِثَمَنٍ وَلَا قِيمَةٍ، وَلَا ابْتَاعَ مِنْ الصَّبِيِّ سِلْعَةً وَدَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ فَأَتْلَفَهُ فَالْمُبْتَاعُ ضَامِنٌ لِلسِّلْعَةِ وَلَا شَيْءَ لَهُ قِبَلَ الصَّبِيِّ مِنْ الثَّمَنِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: الْجَوَابُ فِي إتْلَافِهِ صَوَابٌ وَالسُّؤَالُ فِي ضَيَاعِهَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَالرَّشِيدِ.
اللَّخْمِيِّ: وَلَا تَبَاعَةَ عَلَى الصَّبِيِّ وَلَا عَلَى
السَّفِيهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَا أَنَّهُمَا أَنْفَقَا ذَلِكَ فِيمَا لَا غِنَى لَهُمَا عَنْهُ فَيُتْبَعَا فِي الْمَالِ الَّذِي صَرَفَاهُ، فَإِنْ أَذْهَبَا ذَلِكَ الْمَالَ وَأَفَادَا غَيْرَهُ لَمْ يُتْبَعَا فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: مَنْ أَوْدَعَ عِنْدَ صَبِيٍّ شَيْئًا بِإِذْنِ أَهْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَأَتْلَفَهُ الصَّبِيُّ أَوْ ضَيَّعَهُ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ، وَكَذَلِكَ السَّفِيهُ.
وَمِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: أَفْتَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ بِضَمَانِ رَجُلٍ أَعْطَاهُ صَبِيٌّ مَالًا وَدِيعَةً ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ لِمَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطَاهُ.
(وَتَعَلَّقَتْ بِذِمَّةِ الْمَأْذُونِ عَاجِلًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا أَتْلَفَ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مِنْ وَدِيعَةٍ فِي يَدِهِ فَذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ لَا فِي رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَوْدَعَهُ مُتَطَوِّعٌ بِالْإِيدَاعِ وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَفْسَخَ ذَلِكَ مِنْهُ.
(وَبِذِمَّةِ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُسْقِطَهُ السَّيِّدُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَوْدَعْت عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَدِيعَةً فَأَتْلَفَهَا فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ إنْ عَتَقَ يَوْمًا إلَّا أَنْ يَفْسَخَهُ عَنْهُ السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ فِي الرِّقِّ فَذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَعِيبُهُ فَيَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْ الْعَبْدِ فِي رِقِّهِ وَبَعْدَ عِتْقِهِ.
(وَإِنْ قَالَ هِيَ لِأَحَدِكُمَا وَنَسِيَتْهُ تَحَالَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: فِيمَنْ بِيَدِهِ وَدِيعَةٌ مِائَتَا دِينَارٍ فَأَتَى رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ يَدَّعِيهَا وَلَا يَدْرِي لِمَنْ هِيَ مِنْهُمَا قَالَ: تَكُونُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، فَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمَا فَلَا شَيْءَ لَهُ وَهِيَ كُلُّهَا لِمَنْ حَلَفَ، وَأَمَّا فِي الدَّيْنِ فَيَغْرَمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً.
(وَإِنْ أَوْدَعَ اثْنَيْنِ جُعِلَتْ بِيَدِ الْأَعْدَلِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قُلْت: فَالرَّجُلُ يَسْتَوْدِعُ الرَّجُلَيْنِ أَوْ يُبْضِعُهُمَا عِنْدَ مَنْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْوَصِيَّيْنِ: إنَّ الْمَالَ يُجْعَلُ عِنْدَ أَعْدَلِهِمَا.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلَيْنِ وَضَعَهُ السُّلْطَانُ عِنْدَ غَيْرِهِمَا وَتَبْطُلُ وَصِيَّتُهُمَا إذَا لَمْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْوَدِيعَةِ وَالْبِضَاعَةِ شَيْئًا وَأَرَاهُ مِثْلَهُ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَإِنْ اقْتَسَمَ الْمُودَعَانِ أَوْ الْعَامِلَانِ الْمَالَ فِي الْقِرَاضِ لَمْ يَضْمَنَا.
قَالَ يَحْيَى: وَلَا يَضْمَنُ الْوَصِيَّانِ إذَا اقْتَسَمَاهُ.
وَقَالَهُ أَشْهَبُ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَضْمَنُ مَا سُلِّمَ وَمَا صَارَ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ مَا سُلِّمَ بِالتَّسْلِيمِ وَمَا صَارَ بِيَدِهِ بِرِضَاهُ بِرَفْعِ يَدِ الْآخَرِ عَنْهُ.
اُنْظُرْ إيدَاعَ الْمُحْرِم.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ» وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ لِمَنْ ادَّعَى أَمَةً وَأَقَامَ شَاهِدًا وَضَعَ قِيمَتَهَا وَيُسَافِرُ بِهَا إنْ كَانَ مَأْمُونًا، وَمَنَعَهُ أَصْبَغُ.
وَانْظُرْ مَسْأَلَةً نَزَلْت فِي كَافِرٍ حَمَلَ أَمَانَةً فَادَّعَى ضَيَاعَهَا.
وَفِي الزَّاهِي: لَا يُؤْتَمَنُ الْكَافِرُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَظْهَرُ جَوَازُهُ إنْ كَانَ مَأْمُونًا.
وَمِنْ الِاسْتِغْنَاءِ: الْمُسْلِمُ يَسْتَحْمِلُ النَّصْرَانِيَّ مَالًا لِيَدْفَعَهُ إلَى مَنْ يَأْمُرُهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أُحِبُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُبْضِعَ مَعَ كَافِرٍ وَلَا يَأْمَنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ.
وَمِنْ الِاسْتِغْنَاءِ أَيْضًا: إنْ ادَّعَى تَلَفَ الْوَدِيعَةِ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ أَيْ مُتَّهَمًا بِالْخِيَانَةِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَا فَرَّطَ وَلَا ضَيَّعَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ سَبَبِهَا شَيْءٌ وَبَرِئَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ شِرِّيبًا أَوْ زَانِيًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْفِسْقِ غَيْرَ الْخِيَانَةِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ادَّعَى رَبُّ الْوَدِيعَةِ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ أَمَانَتَهُ.
ابْنُ شَاسٍ.
[كِتَابُ الْعَارِيَّةِ]
[فِي أَرْكَانِ الْعَارِيَّةِ وَأَحْكَامِهَا وَفَصْلِ الْخُصُومَةِ فِيهَا]
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ.
وَالنَّظَرِ فِي أَرْكَانِهَا وَأَحْكَامِهَا وَفَصْلِ الْخُصُومَةِ فِيهَا.
أَمَّا الْأَرْكَانُ فَالْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَعَارُ وَالصِّيغَةُ.
وَأَمَّا أَحْكَامُهَا فَأَرْبَعَةٌ وَهِيَ: الضَّمَانُ وَالتَّسَلُّطُ عَلَى الِانْتِفَاعِ وَاللُّزُومُ وَالْحُكْمُ الدَّافِعُ لُزُومَ الْخُصُومَةِ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْعَرِيَّةُ بِالتَّشْدِيدِ كَأَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إلَى الْعَارِ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا عَارٌ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَنْكَرَ هَذَا عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ.
قِيلَ: إنَّهَا مِنْ التَّعَاوُرِ الَّذِي هُوَ التَّدَاوُلُ وَزْنُهَا فَعِيلَةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَرَاهُ يَعْرُوهُ إذَا قَصَدَهُ وَيَكُونُ وَزْنُهَا " فَاعُولَةٌ " أَوْ " فَعِيلَةٌ " عَلَى الْقَلْبِ وَهِيَ مَصْدَرًا: تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لَا بِعِوَضٍ فَيَدْخُلُ الْعُمْرَى وَالْإِخْدَامُ لَا الْحَبْسُ.
وَاسْمًا: مَالٌ ذُو مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ مُلِّكَتْ لَا بِعِوَضٍ.
(وَصَحَّ وَنُدِبَ إعَارَةُ) سَيَأْتِي لِابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ تَصِحُّ مِنْ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ بِلَا حَجْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ:
الْعَارِيَّةُ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» . ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَعْرِضُ وُجُوبُهَا كَغَنِيٍّ عَنْهَا لِمَنْ يَخْشَى بِعَدَمِهَا هَلَاكًا، وَحُرْمَتُهَا كَكَوْنِهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَكَرَاهَتُهَا وَإِبَاحَتُهَا.
(مَالِكٌ مَنْفَعَةً بِلَا حَجْرٍ وَإِنْ مُسْتَعِيرًا) ابْنُ عَرَفَةَ: مَا مُنِعَ فِي الْإِجَارَةِ فَأَحْرَى فِي الْعَارِيَّةِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْبًا لَا تُعْطِهِ
غَيْرَكَ وَإِنْ اكْتَرَيْت دَابَّةً لَا تُكْرِهَا غَيْرَكَ.
وَفِي الزَّاهِي: مَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً فَلَا يُرْكِبُهَا غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي الْخِفَّةِ.
وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ " الْمُعِيرُ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فَتَصِحُّ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ " يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمَا لِلرَّجُلِ أَنْ يُؤَاجِرَ مَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ مِنْ سُكْنَى دَارٍ أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْعَبْدِ نَاحِيَةَ الْكَفَالَةِ وَالْحَضَانَةِ.
(لَا مَالِكَ انْتِفَاعٍ) اُنْظُرْ فِي الشَّرِكَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَبُدِئَ فِي بِنَاءٍ بِطَرِيقٍ " أَنَّ أَصْحَابَ حَبْسِ الْمَدَارِسِ لَا تَجُوزُ لَهُمْ عَارِيَّةٌ.
(مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُسْتَعِيرُ قَابِلُ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ فَلَا يُعَارُ كَافِرٌ عَبْدًا مُسْلِمًا وَلَا وَلَدٌ وَالِدَهُ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ " الْمُسْتَعِيرُ أَهْلٌ لِلتَّبَرُّعِ عَلَيْهِ " قَاصِرٌ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ وَالْوَلَدَ أَهْلٌ لِلتَّبَرُّعِ عَلَيْهِ.
(عَيْنًا لِمَنْفَعَةٍ) اللَّخْمِيِّ: الْعَارِيَّةُ هِبَةُ الْمَنَافِعِ دُونَ الرِّقَابِ.
ابْنُ شَاسٍ: فَلَا تُعَارُ الْمَكِيلَاتُ وَلَا الْمَوْزُونَاتُ وَإِنَّمَا يَكُونُ قَرْضًا؛ لِأَنَّهَا لَا تُرَادُ إلَّا لِاسْتِهْلَاكِ أَعْيَانِهَا، وَكَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ إذَا أُخِذَتْ لِيَتَصَرَّفَ فِيهَا.
اللَّخْمِيِّ: وَلَوْ اُسْتُعِيرَتْ لِتَبْقَى أَعْيَانُهَا كَالصَّيْرَفِيِّ يَجْعَلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ لِيُرَى أَنَّهُ ذُو مَالٍ فَيَقْصِدُهُ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي، فَهَذِهِ تُضْمَنُ إذَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى تَلَفِهَا وَلَا تُضْمَنُ مَعَ الشَّهَادَةِ عَلَى تَلَفِهَا.
(مُبَاحَةٍ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شَرْطِ الْمُسْتَعَارِ أَنْ يَكُونَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُبَاحًا فَلَا يُسْتَعَارُ الْجَوَارِي لِلِاسْتِمْتَاعِ، وَيُكْرَهُ اسْتِخْدَامُ الْإِمَاءِ إلَّا مِنْ الْمَحْرَمِ وَالنِّسْوَانِ أَوْ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْإِصَابَةَ مِنْ الصِّبْيَانِ.
(لَا كَذِمِّيٍّ مُسْلِمًا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ: لَا يُعَارُ كَافِرٌ عَبْدًا مُسْلِمًا.
(وَجَارِيَةً لِوَطْءٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ: لَا يُسْتَعَارُ الْجَوَارِي لِلِاسْتِمْتَاعِ.
(أَوْ خِدْمَةٍ لِغَيْرِ مَحْرَمٍ) وَاللَّخْمِيُّ شَرْطُ عَارِيَّةِ خِدْمَةِ الْإِمَاءِ كَوْنُهُ لِمَنْ لَا تُخْشَى مُتْعَتُهُ بِهِنَّ فَتَجُوزُ لِلنِّسَاءِ وَلِغَيْرِ بَالِغٍ وَلِذِي مَحْرَمٍ مِنْهُنَّ كَالِابْنِ وَالْأَبِ وَالْأَخِ وَابْنِ الْأَخِ وَالْجَدِّ وَالْعَمِّ، هَؤُلَاءِ بِالِانْتِفَاعِ بِالْخِدْمَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَصِحُّ مِنْهُ مِلْكُ رَقَبَةِ الْمَخْدُومِ جَازَ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ، وَمَنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَتَكُونُ مَنَافِعُ ذَلِكَ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ لَهُمَا دُونَ مَنْ وُهِبَتْ لَهُ.
وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: إجَارَةُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: فَإِنْ كَانَ عَزَبًا لَمْ يَجُزْ مَأْمُونًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَأْمُونٍ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ وَهُوَ مَأْمُونٌ جَازَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ فِي هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا جَازَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ شَابَّةً وَهُوَ شَيْخٌ فَانٍ
(أَوْ لِمَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ وَهِيَ لَهُمَا) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ: مَنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ وَيَكُونُ مَنَافِعُ ذَلِكَ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ لَهُمَا دُونَ مَنْ وُهِبَتْ لَهُ (وَالْأَطْعِمَةُ وَالنُّقُودُ قَرْضٌ) هَذَا نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَتَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: " عَيْنًا ".
(بِمَا يَدُلُّ) ابْنُ شَاسٍ: الصِّيغَةُ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنَى الْعَارِيَّةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: بِحَسَبِ اللَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ قَالَ أَسْرِجْ لِي دَابَّتَكَ لِأَرْكَبَهَا فِي حَاجَةٍ
فَيَقُولُ ارْكَبْهَا حَيْثُ أَحْبَبْت، فَهَذَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُسْرِجْهَا لَهُ إلَى الشَّامِ.
(وَجَازَ أَعِنِّي بِغُلَامِكَ لِأُعِينَكَ بِغُلَامِي إجَارَةً) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ قَالَ أَعِنِّي بِغُلَامِكَ يَوْمًا وَأُعِينُكَ بِغُلَامِي يَوْمًا فَلَيْسَ بِعَارِيَّةٍ بَلْ تَرْجِعُ إلَى حُكْمِ الْإِجَارَةِ لَكِنْ أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَآهُ مِنْ الرِّفْقِ.
وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَعِنِّي بِغُلَامِكَ أَوْ ثَوْرِكَ فِي حَرْثِي يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَأُعِينُكَ بِغُلَامِي أَوْ ثَوْرِي يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلرِّفْقِ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا فِي الْخِيَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَأَجِيرٌ تَأَخَّرَ شَهْرًا ".
(وَضَمِنَ الْمَغِيبُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُرُوضِ، فَإِنْ ادَّعَى الْمُسْتَعِيرُ أَنَّ ذَلِكَ هَلَكَ أَوْ سُرِقَ أَوْ تَحَرَّقَ أَوْ انْكَسَرَ فَهُوَ ضَامِنٌ وَعَلَيْهِ فِيمَا أَفْسَدَ فَسَادًا يَسِيرًا مَا نَقَصَهُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ كُلَّهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّ ذَلِكَ هَلَكَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ تَضْيِيعٌ أَوْ تَفْرِيطٌ بَيِّنٌ فَيَضْمَنُ.
(وَهَلْ وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَهُ تَرَدُّدٌ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ شَرَطَ الْمُسْتَعِيرُ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَهُوَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْمُدَوَّنَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَقَلَهُ الْجَلَّابُ عَنْ الْمَذْهَبِ وَفِي غَيْرِ نُسْخَةٍ مِنْ اللَّخْمِيِّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: إنْ شَرَطَ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي تَلَفِ الثِّيَابِ وَشِبْهِهَا لَهُ شَرْطُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (لَا غَيْرَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ مَا عُلِمَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ هَلَكَ أَوْ نَقَصَ فِيمَا اُسْتُعِيرَ لَهُ فَلَا يَضْمَنُهُ، وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي تَلَفِهِ، وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا مِمَّا أَصَابَهُ عِنْدَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِتَعَدِّيهِ.
(وَلَوْ بِشَرْطٍ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ اشْتَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الضَّمَانَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَقَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ حَاشَا مُطَرِّفٍ.
(وَحَلَفَ فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ بِلَا سَبَبِهِ كَسُوسٍ أَنَّهُ مَا فَرَّطَ وَبَرِئَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: مَا عُلِمَ أَنَّهُ بِغَيْرِ سَبَبِهِ كَالسُّوسِ فِي الثَّوْبِ يَحْلِفُ مَا أَرَادَ فَسَادًا وَيَبْرَأُ.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ هُنَا فَإِنَّ فِي هَذَا كَلَامًا يَطُولُ.
وَانْظُرْ أَوَّلَ تَرْجَمَةٍ مِنْ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ: وَكُلُّ مَا فِي الرُّهُونِ وَتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي الْعَارِيَّةِ.
(وَبَرِئَ فِي كَسْرٍ كَسَيْفٍ إنْ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ مَعَهُ فِي اللِّقَاءِ أَوْ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَ مِثْلِهِ) فَضَمِنَهُ وَحَلَفَ فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ بِلَا سَبَبِهِ وَفِي كَسْرٍ كَسَيْفٍ إلَخْ.
وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَعَارَ سَيْفًا لِيُقَاتِلَ بِهِ فَضَرَبَ بِهِ فَانْكَسَرَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَوْ عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي اللِّقَاءِ وَإِلَّا ضَمِنَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَلَعَلَّهُ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبًا أَخْرَقَ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إذَا اسْتَعَارَ ثَوْبًا أَوْ مِنْشَارًا أَوْ فَأْسًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ فَيَأْتِي بِهِ مَكْسُورًا يَقُولُ نَابَهُ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَعَرْتُهُ لَهُ إنَّهُ ضَامِنٌ وَلَا يُصَدَّقُ.
وَقَالَ عِيسَى: وَلَا يَضْمَنُ إذَا ذَكَرَ مَا يُشْبِهُ وَيَرَى أَنَّهُ يُصِيبُهُ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ فَذَلِكَ لَا يَخْفَى.
وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ مِثْلَ قَوْلِ عِيسَى.
وَمِثْلُ الْفَأْسِ فِي ذَلِكَ السَّيْفُ وَالصَّحْفَةُ وَمَا يُغَابُ عَلَيْهِ لَا يَضْمَنُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا جَاءَ بِمَا يُشْبِهُ.
وَابْنُ الْقَاسِمِ يَضْمَنُهُ وَبِمِثْلِ قَوْلِ مُطَرِّفٍ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهُوَ عِنْدِي أَبْيَنُ.
ابْنُ رُشْدٍ: هُوَ أَصْوَبُ الْأَقْوَالِ وَيَحْلِفُ.
(وَفَعَلَ الْمَأْذُونَ وَمِثْلَهُ وَدُونَهُ لَا أَضَرَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً فَجَعَلَ عَلَيْهَا حِجَارَةً فَكُلُّ مَا حُمِلَ مِمَّا هُوَ أَضَرُّ بِهَا مِمَّا اسْتَعَارَهَا لَهُ فَعَطِبَتْ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي الضَّرَرِ لَمْ يَضْمَنْ كَحَمْلِهِ عَدَسًا فِي مَكَانِ حِنْطَةٍ أَوْ كَتَّانًا أَوْ قُطْنًا فِي مَكَانِ بُرٍّ.
وَكَذَلِكَ مَنْ اكْتَرَاهَا لِحَمْلٍ أَوْ رُكُوبٍ فَأَكْرَاهَا مِنْ غَيْرِهِ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهَا لَهُ فَعَطِبَتْ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ اكْتَرَاهَا لِحَمْلِ حِنْطَةٍ فَرَكِبَهَا فَعَطِبَتْ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَضَرَّ وَأَثْقَلَ ضَمِنَ وَإِلَّا لَمْ يَضْمَنْ انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " مَالِكُ مَنْفَعَةٍ " (وَإِنْ زَادَ مَا تَعْطَبُ بِهِ فَلَهُ قِيمَتُهَا أَوْ كِرَاؤُهُ) ابْنُ يُونُسَ: وَإِذَا اسْتَعَارَهَا لِحَمْلِ شَيْءٍ فَحَمَلَ غَيْرَهُ أَضَرَّ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي زَادَهُ مِمَّا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَعَطِبَتْ، خُيِّرَ رَبُّ الدَّابَّةِ فِي أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ تَعَدِّيهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ فَضْلِ الضَّرَرِ أَخَذَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَمَعْرِفَتُهُ أَنْ يُقَالَ كَمْ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا فِيمَا اسْتَعَارَهَا لَهُ؟ فَإِنْ قِيلَ: عَشْرَةً قِيلَ لَهُ: كَمْ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا فِيمَا حُمِلَ عَلَيْهَا؟ فَإِنْ قِيلَ خَمْسَةَ عَشَرَ دَفَعَ إلَيْهِ الْخَمْسَةَ الزَّائِدَةَ عَلَى كِرَاءِ مَا اسْتَعَارَهَا لَهُ.
وَإِنْ كَانَ مَا حَمَلَهَا بِهِ لَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَلَيْسَ لَهُ الْإِكْرَاءُ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ عَطَبَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ لِأَجْلِ الزِّيَادَةِ.
(كَرَدِيفٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اسْتَعَارَهَا الرَّدِيفُ لِيَرْكَبَ إلَى مَوْضِعٍ فَرَكِبَ وَأَرْدَفَ رَدِيفًا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَعَطِبَتْ، فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ كِرَاءٍ لِرَدِيفٍ فَقَطْ أَوْ تَضْمِينِهِ قِيمَةَ الدَّابَّةِ يَوْمَ أَرْدَفَهُ (وَاتُّبِعَ إنْ أَعْدَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْإِعَارَةِ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: إنْ عَلِمَ الرَّدِيفُ أَنَّهَا مُسْتَعَارَةٌ فَهُوَ كَالْمُسْتَعِيرِ لِرَبِّهَا أَنْ يُضَمِّنَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَنْ أَشْهَبَ لَا يَلْزَمُ الرَّدِيفَ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ
عَدِيمًا.
وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: هَذَا خِلَافٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ بَلْ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ فِي عَدَمِ الْمُسْتَعِيرِ كَمَنْ غَصَبَ سِلْعَةً فَوَهَبَهَا فَهَلَكَتْ أَنَّ الْمَوْهُوبَ يَضْمَنُ فِي عَدَمِ الْغَاصِبِ (وَإِلَّا فَكِرَاؤُهُ) تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِ: " كَرَدِيفٍ " أَنَّهُ إنْ كَانَ مَا حَمَلَهَا بِهِ لَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا كِرَاءُ الزِّيَادَةِ.
(وَلَزِمَتْ الْمُقَيَّدَةُ بِعَمَلٍ أَوْ أَجَلٍ لَا بِقَضَائِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَفَاءُ بِالْعَارِيَّةِ لَازِمٌ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَعْرُوفًا لَزِمَهُ.
وَمِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ: قَالَ مَالِكٌ فِي السَّائِلِ يَقِفُ بِالْبَابِ فَيُؤْمَرُ لَهُ بِالْكِسْرَةِ فَيُوجَدُ قَدْ ذَهَبَ: فَأَرَى أَنْ يُعْطَى لِغَيْرِهِ وَمَا هُوَ بِالْوَاجِبِ.
وَمَنْ قَالَ لِمِدْيَانٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنَا أُعِيرُكَ أَنَا أَهَبُكَ فَلَا يَلْزَمُهُ وَقَدْ رَغِبَ عَنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
وَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ،.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا مَا أَدْخَلَهُ بِوَعْدِهِ فِي لَازِمٍ فَذَلِكَ الْوَعْدُ يَلْزَمُ.
قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُعْطِي قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَمِنْ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ: مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ فِي الْمُشْتَرِي يَخَافُ الْوَضِيعَةَ فَيَقُولُ لَهُ الْبَائِعُ لَا تَأْسَ قَدْ حَطَّ اللَّهُ عَنْكَ مِنْ ثَمَنِهِ كَذَا، ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِي بَاعَ بِرِبْحٍ قَالَ: لَا تَلْزَمُ الْحَطِيطَةُ.
ابْنُ رُشْدٍ: صَارَ السَّبَبُ شَرْطًا لَهَا فَوَجَبَ بُطْلَانُهَا بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ مِثْلُ مَا فِي سَمَاعِ يَحْيَى فِي الَّذِي أَرَادَ سَفَرًا فَيَنْتَظِرُ صَاحِبَهُ دَيْنَهُ فَيُنْظِرُهُ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ عَنْ السَّفَرِ قَالَ: تَسْقُطُ النَّظِرَةُ.
اللَّخْمِيِّ: إنْ أُجِّلَتْ الْعَارِيَّةُ بِزَمَنٍ أَوْ انْقِضَاءِ عَمَلٍ لَزِمَتْ إلَيْهِ.
(وَإِلَّا فَالْمُعْتَادُ) هَذِهِ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ لِيَبْنِيَ وَيَسْكُنَ وَلَمْ يَضْرِبَا أَجَلًا فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُ حَتَّى يَبْلُغَ مَا يُعَارُ لِمِثْلِهِ مِنْ الْأَمَدِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا صَوَابٌ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ.
(وَلَهُ الْإِخْرَاجُ فِي كَبِنَاءٍ إنْ دَفَعَ مَا أُنْفِقَ وَفِيهَا أَيْضًا قِيمَتُهُ وَهَلْ خِلَافٌ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَشْتَرِهِ أَوْ إنْ طَالَ أَوْ إنْ اشْتَرَاهُ بِغَبْنٍ كَثِيرٍ تَأْوِيلَاتٌ) تَقَدَّمَ النَّقْلُ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَنُدِبَ إعَارَةُ دَارِهِ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ
إنْ دَفَعَ مَا أُنْفِقَ أَوْ قِيمَتَهُ " اُنْظُرْ هُنَاكَ.
(وَإِنْ انْقَضَّتْ مُدَّةُ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فَكَالْغَصْبِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَرَدْت إخْرَاجَهُ بَعْدَ أَمَدٍ يُشْبِهُ أَنَّكَ أَعَرْتَهُ إلَى مِثْلِهِ، فَلَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ مَقْلُوعًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: بَعْدَ طَرْحِ أُجْرَةِ الْقَلْعِ وَإِلَّا أَمَرْتُهُ بِقَلْعِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ وَلَا نَفْعَ فِيهِ إذَا قُلِعَ مِثْلُ الْجِصِّ وَنَحْوِهِ فَلَا شَيْءَ لِلْبَانِي فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبْتَ لِعَارِيَّتِهِ أَجَلًا يَبْلُغُهُ فَلَيْسَ لَكَ هَاهُنَا إخْرَاجُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ وَإِنْ أَعْطَيْتَهُ قِيمَةَ ذَلِكَ قَائِمًا.
(وَإِنْ ادَّعَاهَا الْآخِذُ وَالْمَالِكُ الْكِرَاءَ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ إلَّا أَنْ يَأْنَفَ مِثْلُهُ عَنْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ رَكِبَ دَابَّةَ رَجُلٍ إلَى بَلَدٍ
وَادَّعَى أَنَّهُ أَعَارَهُ إيَّاهَا وَقَالَ رَبُّهَا بَلْ: اكْتَرَيْتَهَا مِنِّي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهَا.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَعْرُوفًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ لَيْسَ يُكْرِي الدَّوَابَّ لِشَرَفِهِ وَقَدْرِهِ.
(كَزَائِدِ الْمَسَافَةِ إنْ لَمْ يَزِدْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَجَدْتُ فِي مَسَائِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً فَرَكِبَهَا إلَى مَوْضِعِهِ فَلَمَّا رَجَعَ زَعَمَ رَبُّهَا أَنَّهُ أَعَارَهَا إيَّاهُ إلَى دُونِ مَا رَكِبَهَا إلَيْهِ أَوْ إلَى بَلَدٍ آخَرَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ إنْ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَكَذَلِكَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ نَصًّا سَوَاءً قَالَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ إذَا رَكِبَ وَرَجَعَ وَإِنْ لَمْ يَرْكَبْ بَعْدُ فَالْمُعِيرُ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ.
وَكَمَنْ أَسْكَنْتَهُ دَارًا أَوْ أَخَدَمْتَهُ عَبْدًا فَبَعْدَ سَنَةٍ قَالَ هُوَ: الْمُدَّةُ سَنَةً، وَقُلْت أَنْتَ: سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُصَدَّقٌ عَلَيْكَ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْكَ مَا لَا يُشْبِهُ، وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْ الْمَسْكَنَ وَلَا الْعَبْدَ فَأَنْتَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِكَ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ يُرِيدُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي رَفْعِ الضَّمَانِ وَالْكِرَاءِ؛ لِأَنَّ مُسْتَعِيرَ الدَّارِ لَوْ ثَبَتَ عَدَاؤُهُ بِمُجَاوَزَةِ الْمُدَّةِ الَّتِي اسْتَعَارَهَا إلَيْهَا فَانْهَدَمَتْ الدَّارُ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَعَدَّى عَلَى السُّكْنَى فَلَا يَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنْ غَاصِبِ السُّكْنَى، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَدَاؤُهُ؟ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا لَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي السُّكْنَى وَدَفْعِ الْكِرَاءِ.
(وَإِلَّا فَلِلْمُسْتَعِيرِ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ وَالْكِرَاءِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إذَا رَدَّ الْمُسْتَعِيرُ الدَّابَّةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي رَفْعِ الضَّمَانِ وَالْكِرَاءِ.
(وَإِنْ بِرَسُولٍ مُخَالِفٍ) لِأَشْهَبَ: مَنْ بَعَثَ رَسُولًا إلَى رَجُلٍ يُعِيرُهُ دَابَّةً إلَى بُرْقَةَ فَأَعَارَهُ فَرَكِبَهَا الْمُسْتَعِيرُ إلَى بُرْقَةَ فَعَطِبَتْ فَقَالَ الْمُعِيرُ إنَّمَا أَعَرْته إلَى فِلَسْطِينَ وَقَالَ الرَّسُولُ بَلْ إلَى بُرْقَةَ، فَشَهَادَةُ الرَّسُولِ هَاهُنَا لَا تَجُوزُ لِلْمُسْتَعِيرِ وَلَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَيَحْلِفُ الْمُسْتَعِيرُ أَنَّهُ مَا اسْتَعَارَهَا مِنْهُ إلَّا إلَى بُرْقَةَ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ.
(كَدَعْوَاهُ رَدَّ مَا لَمْ يَضْمَنْ) مُطَرِّفٌ: يُصَدَّقُ الْمُسْتَعِيرُ مَعَ يَمِينِهِ إذَا ادَّعَى رَدَّ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ إلَّا إنْ كَانَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يُصَدَّقُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ إذَا ادَّعَى رَدَّ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُعِيرِ مَعَ يَمِينِهِ
عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَسَوَاءٌ أَخَذَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ حَقِّ الْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الْمُعِيرِ فِي رَدِّ الْعَارِيَّةِ وَإِنْ كَانَ دَفَعَهَا إلَيْهِ بِلَا إشْهَادٍ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ.
(وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ لِاسْتِعَارَةِ حُلِيٍّ وَتَلِفَ ضَمِنَهُ مُرْسِلُهُ إنْ صَدَّقَهُ) سَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ تَأْتِي قَوْمًا لِتَسْتَعِيرَ مِنْهُمْ حُلِيًّا لِأَهْلِهَا وَتَقُولُ: هُمْ بَعَثُونِي فَتَلِفَ، فَإِنْ صَدَّقَهَا أَهْلُهَا فَهُمْ ضَامِنُونَ وَبَرِئَ الرَّسُولُ، وَإِنْ جَحَدُوا حَلَفُوا وَبَرِئُوا وَيَحْلِفُ الرَّسُولُ لَقَدْ: بَعَثُونِي وَيَبْرَأُ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ صَدَّقُوهُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ.
وَإِنْ أَقَرَّ الرَّسُولُ أَنَّهُ تَعَدَّى وَهُوَ حُرٌّ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ إنْ عَتَقَ يَوْمًا مَا.
وَلَا يَلْزَمُ رَقَبَتَهُ بِإِقْرَارِهِ.
وَلَوْ قَالَ الرَّسُولُ أَوْصَلْتُ ذَلِكَ إلَى مَنْ بَعَثَنِي لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ إلَّا الْيَمِينُ (وَإِلَّا حَلَفَ وَبَرِئَ ثُمَّ حَلَفَ الرَّسُولُ وَبَرِئَ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ جَحَدَ الْمُرْسِلُ حَلَفَ وَبَرِئَ وَيَحْلِفُ الرَّسُولُ لَقَدْ بَعَثَنِي وَيَبْرَأُ (وَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْعَدَاءِ ضَمِنَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي ذِمَّتِهِ إنْ أُعْتِقَ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ أَقَرَّ الرَّسُولُ
أَنَّهُ تَعَدَّى وَهُوَ حُرٌّ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ إنْ عَتَقَ (وَإِنْ قَالَ أَوْصَلْته لَهُمْ فَعَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَوْ قَالَ أَوْصَلْت ذَلِكَ إلَى مَنْ بَعَثْتنِي لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ إلَّا الْيَمِينُ.
(وَمُؤْنَةُ أَخْذِهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَرَدِّهَا عَلَى الْأَظْهَرِ) ابْنُ رُشْدٍ: أُجْرَةُ حَمْلِ الْعَارِيَّةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَاخْتُلِفَ فِي أُجْرَةِ رَدِّهَا، فَقِيلَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
(وَفِي عَلَفِ الدَّابَّةِ قَوْلَانِ) جَمِيعُ مَا نُقِلَ فِي الِاسْتِغْنَاءِ مَا نَصُّهُ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً أَوْ شَيْئًا لَهُ نَفَقَةٌ فَذَلِكَ عَلَى صَاحِبِهَا وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ لَكَانَ كِرَاءً وَيَكُونُ الْعَلَفُ فِي الْغَلَاءِ أَكْثَرَ مِنْ الْكِرَاءِ وَيَخْرُجُ مِنْ عَارِيَّةٍ إلَى كِرَاءٍ.
وَبَعْضُ الْمُفْتِينَ: إلَّا فِي اللَّيْلَةِ وَاللَّيْلَتَيْنِ فَذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ.
وَقِيلَ أَيْضًا فِي اللَّيْلَةِ وَاللَّيْلَتَيْنِ عَلَى رَبِّهَا، وَأَمَّا فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَالسَّفَرِ الْبَعِيدِ فَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَنَفَقَةِ الْعَبْدِ الْمُخْدَمِ وَكَأَنَّهُ أَقْيَسُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. فَانْظُرْ قَوْلَهُ " كَنَفَقَةِ الْعَبْدِ الْمُخْدَمِ " وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَفَ الدَّابَّةِ وَذَكَرَ نَفَقَةَ الْمُخْدَمِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّهُ عَلَى الْمُخْدَمِ وَرُوِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَبِكَسْرِهَا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُؤَدِّي الرَّجُلُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إلَّا عَلَى مَنْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهِ قَالَ: وَزَكَاةُ فِطْرِ الْمُخْدَمِ عَلَى سَيِّدِهِ.
وَانْظُرْ ذِكْرَ ابْنِ يُونُسَ فِي هَذَا الْبَابِ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى وَالْإِخْدَامَ وَمَنْ بَنَى أَوْ غَرَسَ بِأَرْضِ قَوْمٍ فَلَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ.
وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ إذَا سَقَطَ ضَمَانُ الدَّابَّةِ وَالْعَبْدِ هَلْ يَضْمَنُ كِسْوَةَ الْعَبْدِ وَسَرْجَ الدَّابَّةِ وَلِجَامَهَا لِكَوْنِ ذَلِكَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ؟ وَأَنَّ مَنْ اسْتَعَارَ بَازًا لِلصَّيْدِ صُدِّقَ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ طَارَ أَوْ سُرِقَ.
وَانْظُرْ فِي ابْنِ عَرَفَةَ أَيْضًا هَلْ ضَمَانُ مَا يُضْمَنُ مِنْ الْعَارِيَّةِ يَوْمَ ضَاعَتْ أَوْ يَوْمَ الْعَارِيَّةِ؟ وَكَيْفَ لَوْ ضَاعَتْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا اسْتَعَارَهَا لَهُ وَهِيَ قَدْ تَنْقُصُ بِسَبَبِ مَا اسْتَعَارَهَا إلَيْهِ كَمَا لَوْ أَهْلَكَهَا الْمُعِيرُ قَبْلَ قَبْضِهَا الْمُسْتَعِيرُ أَوْ أَوْلَدَ أَمَةً بَعْدَ أَنْ أَخْدَمَهَا رَجُلًا سَمَحَ لَهُ فِي طَرِيقٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ، أَوْ غَرَسَ عَلَى مَائِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ ثُمَّ أَرَادَ قَطْعَهُ أَوْ اسْتَعَارَ دَابَّةً فَرَدَّهَا مَعَ عَبْدِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَضَلَّتْ ابْنُ شَاسٍ.
[كِتَابُ الْغَصْبِ]
[بَاب فِي ضَمَانِ الْمَغْصُوب وَمَا يَطْرَأ عَلَيْهِ مِنْ زِيَادَة أَوْ نقصان]
وَفِيهِ بَابَانِ: الْأَوَّلُ فِي الضَّمَانِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْأَوَّلُ الْمُوجِبُ وَالْمُوجَبُ فِيهِ وَالْوَاجِبُ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي الطَّوَارِئِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْ نُقْصَانٍ أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ تَصَرُّفٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالْمُتَعَدِّي.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: التَّعَدِّي عَلَى رِقَابِ الْأَمْوَالِ يَنْقَسِمُ سَبْعَةَ أَقْسَامٍ، لِكُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ.
وَذَلِكَ كُلُّهُ يَحْرُمُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَهِيَ أَخْذُ الْأَمْوَالِ عَلَى وَجْهِ الْغَصْبِ مِنْ غَيْرِ حِرَابَةٍ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِلَاسِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الْخِيَانَةِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِدْلَالِ، أَوْ عَلَى
وَجْهِ الْجَحْدِ وَالِاقْتِطَاعِ (الْغَصْبُ أَخْذُ مَالٍ قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلَا حِرَابَةٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْغَصْبُ أَخْذُ الْمَالِ عُدْوَانًا قَهْرًا مِنْ غَيْرِ حِرَابَةٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: يَبْطُلُ طَرْدُهُ بِأَخْذِ الْمَنَافِعِ.
كَذَلِكَ كَسُكْنَى رَبْعٍ وَحَرْثٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ غَصْبًا بَلْ تَعَدِّيًا، وَإِنَّمَا الْغَصْبُ أَخْذُ مَالِ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ ظُلْمًا قَهْرًا لَا بِخَوْفٍ وَقِتَالٍ، فَخَرَجَ أَخْذُهُ غِيلَةً إذْ لَا قَهْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَمُوتُ مَالِكُهُ وَحِرَابَتُهُ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ: إنَّ مَنْ قَصَدَ إلَى التَّعَدِّي عَلَى مَنْفَعَةِ الشَّيْءِ كَعَبْدٍ يَسْتَخْدِمُهُ وَثَوْبٍ يَلْبَسُهُ وَلَمْ يَقْصِدْ إلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَى رَقَبَةِ الْعَيْنِ وَالثَّوْبِ وَلَا الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا فِي التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَصَرَّفُ بِهِ الْمَالِكُ فِي الرِّقَابِ، فَإِنَّ هَذَا يُسَمَّى تَعَدِّيًا، وَكَذَلِكَ إذَا أَتْلَفَ بَعْضَ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ قَاصِدًا ذَلِكَ الْبَعْضَ مُعْرِضًا عَنْ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى
مَا سِوَاهُ مِنْ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ كَرَجُلٍ قَطَعَ يَدَ عَبْدِ رَجُلٍ أَوْ قَطَعَ مِنْ ثَوْبِهِ بَعْضَهُ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: الْقَضَاءُ: إنَّ الْمُتَعَدِّيَ يُفَارِقُ الْغَاصِبَ فِي جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ إنَّمَا جَنَى عَلَى بَعْضِ السِّلْعَةِ، وَالْغَاصِبُ كَانَ غَاصِبًا لِجَمِيعِهَا فَضَمِنَهَا يَوْمَئِذٍ بِالْغَصْبِ.
(وَأُدِّبَ مُمَيِّزٌ) ابْنُ رُشْدٍ: يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ لِحَقِّ اللَّهِ الْأَدَبُ وَالسِّجْنُ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ لِيَتَنَاهَى النَّاسُ عَنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ فَإِنَّ الْأَدَبَ
يَسْقُطُ عَنْهُ لِحَدِيثِ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ ". وَقِيلَ: إنَّ الْإِمَامَ يُؤَدِّبُهُ كَمَا يُؤَدَّبُ الصَّبِيُّ فِي الْمَكْتَبِ، وَأَخَذَ بِحَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا لَا يَعْقِلُ فَقِيلَ: إنَّ مَا أَصَابَهُ هَدَرٌ كَالْبَهِيمَةِ الْعَجْمَاءِ.
اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ.
(كَمُدَّعِيهِ عَلَى صَالِحٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ غَصْبًا وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ بِذَلِكَ عُوقِبَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِذَلِكَ نَظَرَ فِيهِ الْإِمَامُ وَأَحْلَفَهُ، فَإِنْ نَكِلَ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ حَتَّى يَرِدَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَفِي حَلِفِ الْمَجْهُولِ قَوْلَانِ) الَّذِي لِابْنِ يُونُسَ: الْمُتَّهَمُ يَحْلِفُ وَاَلَّذِي هُوَ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ لَا يَحْلِفُ وَلَا يُؤَدَّبُ رَامِيهِ وَالْخَيِّرُ يَلْزَمُ رَامِيَهُ الْأَدَبُ، وَأَشْهَبُ يَقُولُ: لَا
أَدَبَ عَلَى مُدَّعٍ.
(وَضَمِنَ بِالِاسْتِيلَاءِ) ابْنُ عَرَفَةَ: مُجَرَّدُ الِاسْتِيلَاءِ هُوَ حَقِيقَةُ الْغَصْبِ يُوجِبُ الضَّمَانَ.
وَقَالَ أَيْضًا: مُجَرَّدُ حُصُولِ الْمَغْصُوبِ فِي حَوْزِ الْغَاصِبِ يُوجِبُ ضَمَانَهُ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: يَضْمَنُهُ يَوْمَ الْغَصْبِ.
وَإِنْ هَلَكَ مِنْ سَاعَتِهِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ أَوْ بِجِنَايَتِهِ أَوْ جِنَايَةِ غَيْرِهِ أَوْ كَانَتْ دَارًا فَانْهَدَمَتْ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَمَاتَ مِنْ وَقْتِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ ضَمِنَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ غَصَبَ دَارًا فَلَمْ يَسْكُنْهَا حَتَّى انْهَدَمَتْ: غَرِمَ قِيمَتَهَا.
ابْنُ عَبْدُوسٍ: وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا (وَإِلَّا فَتَرَدُّدٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشَارِحِهِ أَنَّ غَيْرَ الْعَقَارِ لَا يَتَقَرَّرُ فِيهِ الضَّمَانُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ وَلَيْسَ الْمَذْهَبُ كَذَلِكَ.
اُنْظُرْهُ أَنْتَ.
(كَأَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَبْدٌ قِصَاصًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا مَاتَ مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ انْهَدَمَ مِنْ الرَّبْعِ بِيَدِ غَاصِبِهِ بِقُرْبِ الْغَصْبِ أَوْ بِغَيْرِ قُرْبِهِ بِغَيْرِ سَبَبِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَوْتُ الْمَغْصُوبِ بِحَقٍّ قِصَاصٍ أَوْ حِرَابَةٍ كَمَوْتِهِ.
(أَوْ رَكِبَ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ إثْبَاتُ الْيَدِ فِي الْمَنْقُولِ بِالنَّقْلِ إلَّا فِي الدَّابَّةِ فَيَكْفِي فِيهَا الرُّكُوبُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مُجَرَّدُ الِاسْتِيلَاءِ هُوَ حَقِيقَةُ الْغَصْبِ.
لَوْ غَصَبَ أَمَةً كَانَتْ بِبُقْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمُتَمَلَّكَاتِ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا دُونَ رَبِّهَا ضَمِنَهَا.
وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ " يَكْفِي الرُّكُوبُ فِي الضَّمَانِ " يَقْتَضِي نَفْيَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَضْعُ الْيَدِ وَحْدَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
اُنْظُرْهُ فِيهِ.
(أَوْ ذَبَحَ) الْجَلَّابُ: مَنْ غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَكَانَ لَهُ أَكْلُهَا.
وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ ذَبَحَ
لِرَجُلٍ شَاةً فَيَلْزَمُهُ غُرْمُ قِيمَتِهَا لَا يَجُوزُ لِرَبِّهَا أَنْ يَأْخُذَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِلَحْمِهَا؛ لِأَنَّ رَبَّ الشَّاةِ مَا لَمْ يَفُتْ لَحْمُهَا مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهَا مَذْبُوحَةً وَفِي أَخْذِ قِيمَتِهَا حَيَّةً، فَيَدْخُلُهُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، فَإِنْ فَاتَ لَحْمُهَا فَلَا بَأْسٍ بِذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَبِلَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا فِي أَنَّ لِرَبِّهَا أَخْذَهَا مَذْبُوحَةً.
اُنْظُرْ إنْ كَانَ الْغَاصِبُ مُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْغَرِيمِ أَخْذَ عَيْنِ مَالِهِ إلَّا إنْ طُحِنَتْ الْحِنْطَةُ أَوْ ذُبِحَ كَبْشُهُ، فَغُرَمَاءُ الْغَاصِبِ يَكُونُونَ فِيهِ أُسْوَةً.
وَانْظُرْ فِي الْبُيُوعِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " فَلَا يَجُوزُ إنْ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ ".
(أَوْ جَحَدَ وَدِيعَةً) ابْنُ شَاسٍ: جَحْدُ الْوَدِيعَةِ مِنْ مَالِكِهَا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الرَّدِّ مُوجِبٌ لِضَمَانِهَا بِخِلَافِ جَحْدِهَا مِنْ غَيْرِهِ.
(أَوْ أَكَلَ بِلَا عِلْمٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ غَصَبَ طَعَامًا أَوْ إدَامًا أَوْ ثِيَابًا ثُمَّ وَهَبَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ فَأَكَلَ الطَّعَامَ وَالْإِدَامَ وَلَبِسَ الثِّيَابَ حَتَّى أَبْلَاهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ رَجُلٌ، فَلْيَرْجِعْ بِذَلِكَ عَلَى الْوَاهِبِ إنْ كَانَ مَلِيًّا، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَوْهُوبِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْمَوْهُوبُ عَلَى الْوَاهِبِ بِشَيْءٍ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقَالَ أَشْهَبُ: يُتْبِعُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُشْتَرِي يَأْكُلُ الطَّعَامَ أَوْ يَلْبَسُ الثِّيَابَ أَنْ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُتْبِعَ أَيَّهُمَا شَاءَ وَيَبْتَدِئَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ غَيْرَ غَاصِبٍ لَمْ يُتْبِعْ إلَّا الْمَوْهُوبَ الْمُنْتَفَعَ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا خِلَافُ مَالِهِ فِي مُكْرِي الْأَرْضِ يُحَابِي فِي كِرَائِهَا ثُمَّ يَطْرَأُ لَهُ أَخٌ يُشْرِكُهُ وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِالْمُحَابَاةِ عَلَى أَخِيهِ إنْ كَانَ مَلِيًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ رَجَعَ عَلَى الْمُكْتَرِي، فَقَدْ سَاوَى فِي هَذَا بَيْنَ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرِهِ، وَهَذَا أَصْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَرْجِعُ
أَوَّلًا عَلَى الْوَاهِبِ إلَّا أَنْ يُعْدِمَ فَيَرْجِعُ عَلَى الْمَوْهُوبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْغَصْبِ فَهُوَ كَالْغَاصِبِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَيَرْجِعُ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ.
ابْنُ يُونُسَ: وَقَوْلُ أَشْهَبَ أَقْيَسُ وَلَا يَكُونُ الْمَوْهُوبُ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ الْمُشْتَرِي وَبِهِ أَقُولُ.
اُنْظُرْ تَوْجِيهَهُ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَلِلْمَازِرِيِّ: إذَا كَانَ الْمَبِيعُ غَيْرَ الْمَغْصُوبِ فَمُشْتَرِيهِ كَغَاصِبِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ الْمَغْصُوبِ فَفِيهِ خِلَافٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُسْتَحَقُّ مِنْهُ مَا اشْتَرَى، فَإِنْ أَرَادَ إبْرَاءَ ذِمَّتِهِ وَالِاحْتِيَاطَ بِنَفْسِهِ فَلْيَفْعَلْ بِقِيمَةِ مَا اشْتَرَى مَا يُحِبُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ إمَامٌ عَادِلٌ لَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ غَيْرَهُ، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي لَحْمِ الشَّاةِ الْمَغْصُوبَةِ هَلْ تَفُوتُ بِالذَّبْحِ؟ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَا تَفُوتُ بِهِ.
وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ.
الْبُرْزُلِيِّ: وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ رَدِّ الشَّاةِ إذَا وَجَدَ جَوْفَهَا أَخْضَرَ بَعْدَ ذَبْحِهَا مَعَ مَا نَقَصَهَا، هَلْ هُوَ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ الْمَازِرِيُّ: وَأَمَّا إذَا طُبِخَ فَقَدْ فَاتَ.
الْبُرْزُلِيِّ: هَذَا إنْ طُبِخَ بِأَبْزَارٍ.
(أَوْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى التَّلَفِ) سُئِلَ سَحْنُونَ فِي نَوَازِلِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْعُمَّالِ أَكْرَهَ رَجُلًا أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ رَجُلٍ يُخْرِجُ مِنْهُ مَتَاعًا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ لَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ ثُمَّ عُزِلَ ذَلِكَ الْعَامِلُ الْغَاصِبُ، فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ طَلَبُ مَالِهِ مِمَّنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُبَاشِرِ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ، وَلِهَذَا الْمُبَاشِرِ أَنْ يَطْلُبَ الْعَامِلَ إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ غَائِبًا؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ أَنَا الْمَأْخُوذُ بِهِ إذَا جَاءَ صَاحِبُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: فِي هَذَا اُنْظُرْ، وَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنَّهُ يُوقَفُ لِصَاحِبِهِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ هَذَا الْمُبَاشِرُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَظْهَرُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ.
وَلِسَحْنُونٍ أَيْضًا: مَنْ أُكْرِهَ عَلَى رَمْيِ مَالِ رَجُلٍ فِي مَهْلَكَةٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِ رَبِّهِ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ، وَإِنْ أَكْرَهَ رَبَّهُ عَلَى الْإِذْنِ فَالْفَاعِلُ ضَامِنٌ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي أَكْرَهَهُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْفَاعِلِ إذَا أَيْسَرَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ كَانَ عَدِيمًا أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَى الْآمِرِ الْمُكْرَهِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي نَوَازِلِهِ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَالَ الْمُكْرَهَ عَلَى أَخْذِهِ قَبَضَهُ الْآمِرُ الْمُكْرِهُ فِي مَسْأَلَتِهِ الْأُولَى فَنَاسَبَ كَوْنَهُ أَحَدَ الْغَرِيمَيْنِ عَلَى السَّوِيَّةِ.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(أَوْ حَفَرَ بِئْرًا تَعَدِّيًا) ابْنُ عَرَفَةَ: فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا: مَنْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ غَيْرَهَا حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَوْ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ لِمَا لَا يَجُوزُ لَهُ ضَمَّنَ مَالِكٌ بِذَلِكَ وَنَصُّهَا: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَعَطِبَ فِيهِ إنْسَانٌ ضَمِنَهُ الْحَافِرُ، وَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِهِ أَوْ جَعَلَ حِبَالَةً لِيَعْطَبَ بِهَا سَارِقًا فَعَطِبَ بِهَا السَّارِقُ أَوْ غَيْرُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ.
قَالَ أَشْهَبُ: لِأَنَّهُ احْتَفَرَهُ لِمَا لَا يَجِبُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ جَعَلَ عَلَى
حَائِطِهِ حَفِيرًا لِلسِّبَاعِ أَوْ حِبَالَةً لَمْ يَضْمَنْ مَا عَطِبَ بِذَلِكَ مِنْ سَارِقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ جَعَلَ بِبَابِ خِبَائِهِ قَصَبًا تَدْخُلُ فِي رِجْلِ مَنْ يَدْخُلُهُ، أَوْ اتَّخَذَ تَحْتَ عَتَبَتِهِ مَسَامِيرَ لِمَنْ يَدْخُلُ، أَوْ رَشَّ فِنَاءَهُ يُرِيدُ بِهِ زَلَقَ مَنْ يَسْلُكُهُ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ إنْسَانٍ، أَوْ اتَّخَذَ فِيهِ كَلْبًا عَقُورًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ رَشَّهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ مَا عَطِبَ بِهِ.
(وَقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُرْدِي) ابْنُ شَاسٍ: يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ فَتَرَدَّتْ فِيهِ بَهِيمَةٌ أَوْ إنْسَانٌ، فَإِنْ رَدَاهُ غَيْرُهُ فَعَلَى الْمُرْدِي تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشَرَةِ عَلَى التَّسَبُّبِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: كَذَا نَقَلَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْقَفَصِ الْآتِيَةِ، وَعَارَضَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِتَسْوِيَةِ سَحْنُونٍ بَيْنَ الْمُكْرِهِ غَيْرَهُ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ لَهُ مَالَ رَجُلٍ مِنْ بَيْتِهِ.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ (إلَّا الْمُعَيَّنُ فَسِيَّانِ) هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ.
وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: يُقْتَلُ الْمُرْدِي دُونَ الْحَافِرِ تَغْلِيبًا لِلْمُبَاشَرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَظْهَرُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُقْتَلُ الْمُرْدِي إلَّا إنْ عُلِمَ بِقَصْدِ الْحَافِرِ وَيَتَقَدَّمُ فِعْلُهُ فَيُقْتَلَانِ مَعًا كَبَيِّنَةِ الزُّورِ مَعَ الْقَاضِي الْعَالِمِ بِزُورِهَا انْتَهَى.
وَاسْتَظْهِرْ عَلَى هَذَا النَّقْلَ فَإِنِّي لَمْ أُصَادِفْهُ حِينَ رَاجَعْته.
وَانْظُرْ هَذَا الْمَوْضِعَ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الْأَخْذَ مِنْ الْغَاصِبِ الْعَالِمِ بِالْغَصْبِ غَاصِبٌ، وَمَنْ حَلَّ رِبَاطَ زِقٍّ مَمْلُوءٍ زَيْتًا لِرَجُلِ وَأَبْقَاهُ مُسْتَنِدًا كَمَا وَجَدَهُ فَأَسْقَطَهُ رَجُلٌ.
(أَوْ فَتَحَ قَيْدَ عَبْدٍ لِئَلَّا يَأْبَقَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَّ عَبْدًا مِنْ قَيْدٍ قُيِّدَ بِهِ لِئَلَّا يَأْبَقَ فَذَهَبَ الْعَبْدُ ضَمِنَ.
(أَوْ عَلَى غَيْرِ عَاقِلٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ فَتَحَ بَابَ قَفَصٍ فِيهِ طَيْرٌ فَذَهَبَ الطَّيْرُ ضَمِنَ، وَمَنْ حَلَّ دَوَابَّ مِنْ مَرَابِطِهَا فَذَهَبَتْ ضَمِنَهَا كَالسَّارِقِ يَدَعُ بَابَ الْحَانُوتِ مَفْتُوحًا وَلَيْسَ فِيهِ رَبُّهُ فَيَذْهَبُ مَا فِي الْحَانُوتِ فَالسَّارِقُ يَضْمَنُهُ.
(إلَّا بِمُصَاحَبَةِ رَبِّهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ فَتَحَ بَابَ دَارٍ فِيهَا دَوَابُّ فَذَهَبَتْ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ مَسْكُونَةً فِيهَا أَهْلُهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَرْبَابُهَا ضَمِنَ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا رَبُّهَا نَائِمًا لَمْ يَضْمَنْ.
وَكَذَلِكَ السَّارِقُ يَدَعُ الْبَابَ مَفْتُوحًا وَأَهْلُ الدَّارِ فِيهَا نِيَامٌ أَوْ غَيْرُ نِيَامٍ، فَلَا يَضْمَنُ مَا ذَهَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ إذَا تَرَكَ الْبَيْتَ مَفْتُوحًا وَلَيْسَ أَرْبَابُ الْبَيْتِ فِيهِ (أَوْ حِرْزًا) اُنْظُرْ إنْ كَانَ هَذَا مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: " غَيْرَ عَاقِلٍ " أَنْ يَضْمَنَ إنْ فَتَحَ عَلَى غَيْرِ عَاقِلٍ أَوْ فَتَحَ حِرْزًا إلَّا بِمُصَاحَبَةِ رَبِّ غَيْرِ الْعَاقِلِ وَرَبِّ الْحِرْزِ.
(لِمِثْلِيٍّ وَلَوْ بِغَلَاءٍ بِمِثْلِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمِثْلِيُّ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ وَالْمَعْدُودُ الَّذِي لَا تَخْتَلِفُ أَعْيَانُ عَدَدِهِ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ فِي الْكِتَابِ اُنْظُرْهُ هُنَاكَ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ غَصَبَ لِرَجُلٍ طَعَامًا أَوْ إدَامًا فَاسْتَهْلَكَهُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ بِمَوْضِعِ غَصْبِهِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ هُنَاكَ مَثَلًا لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَمْرٍ جَائِزٍ.
وَإِنْ لَقِيَهُ رَبُّهُ
بِغَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي غُصِبَ فِيهِ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ فِيهِ هُنَاكَ بِمِثْلِهِ وَلَا قِيمَتِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ بِمَوْضِعِ عَطَبِهِ فِيهِ.
اللَّخْمِيِّ: وَيَخْتَلِفُ إنْ غَصَبَهُ طَعَامًا فِي شِدَّةٍ ثُمَّ صَارَ إلَى رَخَاءٍ، هَلْ يَغْرَمُ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ عَلَى الْقَوْلِ أَنَّهُ يَغْرَمُ أَغْلَى الْقِيَمِ؟ الْمَازِرِيُّ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَغَيَّرُ بِذَلِكَ وَيُقْضَى بِمِثْلِهِ (وَصَبَرَ لِوُجُودِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ فَقَدَ الْمِثْلَ حِينَ طَلَبَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُهُ.
اللَّخْمِيِّ: يُرِيدُ أَنَّهُ يَصْبِرُ حَتَّى يُوجَدَ.
أَشْهَبُ يُخَيَّرُ الطَّالِبُ فِي الصَّبْرِ أَوْ الْقِيمَةِ.
(وَلِبَلَدِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَقِيَهُ رَبُّهُ بِغَيْرِ الْبَلَدِ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ هُنَاكَ بِمِثْلِهِ وَلَا قِيمَتِهِ.
وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي الْوَكِيلِ عَلَى شِرَاءِ طَعَامٍ فَاشْتَرَاهُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ثُمَّ بَاعَهُ بِزَيْتٍ وَقَدِمَ بِالزَّيْتِ لِبَلَدِ الْمُوَكِّلِ، فَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يُضَمِّنَ الْوَكِيلَ مِثْلَ طَعَامِهِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبَيْنَ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فِيهِ بِالزَّيْتِ فَيَأْخُذَهُ بِمِثْلِهِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إذْ قَدْ فَاتَ بِحَمْلِهِ لِبَلَدٍ الْمُوَكِّلِ.
وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الزَّيْتِ هُنَاكَ إلَّا بِرِضَا الْوَكِيلِ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ أَنَّ لَهُ أَخْذَ الزَّيْتِ؛ لِأَنَّهُ زَيْتُهُ بِعَيْنِهِ.
اُنْظُرْ رَسْمَ عَبْدِ الْقَادِرِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْبَضَائِعِ.
(وَلَوْ صَاحِبُهُ) رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الطَّعَامِ يُسْرَقُ فَيَجِدُهُ رَبُّهُ بِغَيْرِ بَلَدِهِ، لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ السَّارِقَ وَالْغَاصِبَ بِمِثْلِهِ فِي مَوْضِعِ سَرِقَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ اتَّفَقَا أَنْ يَأْخُذَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ مِثْلِهِ بِمَوْضِعِ نَقْلِهِ أَوْ يَأْخُذَ فِيهِ ثَمَنًا جَازَ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الطَّعَامِ الْقَرْضِ قَبْلَ قَبْضِهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ لَمْ يَكُنْ الطَّعَامُ مَعَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَصْبِرُ لِقُدُومِهِ بَلَدَ الْغَصْبِ لِيَغْرَمَ مِثْلَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي غَيْرِ الطَّعَامِ طَرِيقَانِ.
ابْنُ رُشْدٍ: سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ نَقْلَهُ مِنْ بَلَدٍ لِآخَرَ فَوْتٌ فِي الْعُرُوضِ لَا الْحَيَوَانِ.
(وَمُنِعَ مِنْهُ لِلتَّوَثُّقِ) الَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ فِيمَنْ لَقِيَ مَنْ غَصَبَهُ بِغَيْرِ بَلَدِ غَصْبِهِ وَالطَّعَامُ مَعَهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ حَتَّى يَتَوَثَّقَ مِنْهُ (وَلَا رَدَّ لَهُ) ابْنُ عَرَفَةَ: مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّهِ جَبْرُ الْغَاصِبِ عَلَى رَدِّهِ لِبَلَدِ الْغَصْبِ.
وَأَجَابَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ أَكْرَى مَلَّاحًا عَلَى حَمْلِ تِينٍ مِنْ إشْبِيلِيَّةَ إلَى سَبْتَةَ فَحَمَلَهُ إلَى سَلَأَ فَغَرِمَ الْمَلَّاحُ مِثْلَ التِّينِ بِإِشْبِيلِيَّةَ وَيَحْمِلُهُ إلَى سَبْتَةَ فَقِيلَ لَهُ: أَفْتَى غَيْرُكَ بِوُجُوبِ رَدِّ الْمَلَّاحِ إلَى سَبْتَةَ وَهُوَ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهَا.
فَقَالَ: مَا أَجَبْت بِهِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَمِنْ الذَّخِيرَةِ: نَقْلُ الْغُصُوبِ تَشَعَّبَتْ فِيهِ الْمَذَاهِبُ وَاضْطَرَبَتْ الْآرَاءُ وَتَبَايَنَتْ بِنَاءً عَلَى مُلَاحَظَةِ أُصُولٍ وَقَوَاعِدَ مِنْهَا، أَنَّ الْغَاصِبَ أَنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْرَمَ كُلْفَةَ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مَعْصُومٌ كَمَالِ الْمَغْصُوبِ.
(كَإِجَازَتِهِ بَيْعَهُ مَعِيبًا زَالَ وَقَالَ أَجَزْتُ لِظَنِّ بَقَائِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ غَصَبَ أَمَةً بِعَيْنِهَا بَيَاضٌ فَبَاعَهَا، ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ وَأَجَازَ رَبُّهَا الْبَيْعَ، ثُمَّ عَلِمَ بِذَهَابِ الْبَيَاضِ فَقَالَ إنَّمَا أَجَزْت الْبَيْعَ وَلَمْ أَعْلَمْ بِذَهَابِهِ،
وَأَمَّا الْآنَ فَلَا أُجِيزُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَلَزِمَهُ الْبَيْعُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكْتَرِي يَتَعَدَّى الْمَسَافَةَ فَتَضِلُّ الدَّابَّةُ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا ثُمَّ تُوجَدُ: فَهِيَ لِلْمُكْتَرِي وَلَا شَيْءَ لِرَبِّهَا فِيهَا.
(كَنُقْرَةٍ صِيغَتْ) ابْنُ يُونُسَ: لَوْ غَصَبَهُ سَوِيقًا فَلَتَّهُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَرَاضَيَا أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُعْطِيَهُ مَا لَتَّهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ التَّفَاضُلُ بَيْنَ الطَّعَامَيْنِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَ الْفِضَّةَ دَرَاهِمَ أَوْ صَاغَهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهَا وَيُعْطِيَهُ أُجْرَتَهُ لِلتَّفَاضُلِ بَيْنَهُمَا.
(وَطِينٍ لُبِنَ وَقَمْحٍ طُحِنَ وَبَذْرٍ زُرِعَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ عَمِلَ الْغَاصِبُ مِنْ الْخَشَبَةِ بَابًا، أَوْ غَصَبَ تُرَابًا يَعْمَلُ مِنْهُ بَلَاطًا، أَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَزَرَعَهَا وَحَصَدَ مِنْهَا حَبًّا كَثِيرًا، أَوْ غَصَبَ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ، أَوْ غَصَبَ فِضَّةً فَصَاغَهَا حُلِيًّا، أَوْ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ فَعَلَيْهِ فِي هَذَا كُلِّهِ مِثْلُ مَا غَصَبَ فِي صِفَتِهِ وَوَزْنِهِ وَكَيْلِهِ أَوْ الْقِيمَةُ فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، وَكَذَلِكَ فِي السَّرِقَةِ.
الْمَازِرِيُّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ غَصَبَ قَمْحًا فَطَحَنَهُ ضَمِنَ مِثْلَهُ وَلَا يُمَكِّنُ رَبَّ الْقَمْحِ مِنْ أَخْذِ الدَّقِيقِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ.
وَاتَّفَقَا إنْ طَحَنَ الْقَمْحَ سَوِيقًا وَلَتَّهُ أَنْ لَيْسَ لِرَبِّ الْقَمْحِ أَخْذُهُ.
(وَبَيْضٍ أَفْرَخَ) . أَشْهَبُ: مَنْ غَصَبَ بَيْضَةً فَحَضَنَهَا تَحْتَ دَجَاجَةٍ لَهُ فَخَرَجَ مِنْهَا دَجَاجَةٌ فَعَلَيْهِ بَيْضَةٌ مِثْلُهَا كَغَاصِبِ الْقَمْحِ يَزْرَعُهُ عَلَيْهِ مِثْلُ الْقَمْحِ وَالزَّرْعِ لَهُ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ، لَا مَا بَاضَ أَوْ حُضِنَ.
أَشْهَبُ: لَوْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَبَاضَتْ عِنْدَهُ فَحَضَنَتْ بَيْضَهَا، فَمَا خَرَجَ مِنْ الْفَرَارِيجِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا مَعَهَا كَالْوِلَادَةِ، وَأَمَّا لَوْ حَضَنَ تَحْتَهَا بَيْضًا لَهُ مِنْ غَيْرِهَا فَالْفَرَارِيجُ لِلْغَاصِبِ وَالدَّجَاجَةُ لِرَبِّهَا وَلَهُ فِيمَا حَضَنَتْ كِرَاءُ مِثْلِهَا.
ابْنُ الْمَوَّازِ: مَعَ مَا نَقَصَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا بَيِّنًا فَيَكُونُ لِرَبِّهَا قِيمَتُهَا يَوْمَ غَصَبَهَا، وَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْ بَيْضِهَا وَلَا مِنْ فَرَارِيجِهَا شَيْءٌ.
قَالَ: وَلَوْ غَصَبَ حَمَامَةً فَزَوَّجَهَا حَمَامًا لَهُ فَبَاضَتْ وَأَفْرَخَتْ، فَالْحَمَامَةُ وَالْفِرَاخُ لِلْمُسْتَحِقِّ وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِيمَا أَعَانَهَا ذَكَرَهُ مِنْ حَضَانَتِهِ، وَلِمُسْتَحِقِّ الْحَمَامَةِ فِيمَا حَضَنَتْ مِنْ بَيْضِ غَيْرِهَا قِيمَةُ حَضَانَتِهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا حَضَنَهُ غَيْرُهَا مِنْ بَيْضِهَا وَإِنَّمَا لَهُ بَيْضٌ مِثْلِ بَيْضِ حَمَامَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فِي أَخْذِ الْبَيْضِ ضَرَرٌ فِي تَكَلُّفِ حَمَامٍ يَحْضُنُهُمْ، فَلَهُ أَنْ يُغَرِّمَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ ذَلِكَ الْبَيْضِ اهـ.
اُنْظُرْ هَذَا كُلَّهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَةِ فِي اشْتِرَاكِ ذِي طَيْرٍ وَطَيْرَةٍ.
(وَعَصِيرٍ تَخَمَّرَ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ غَصَبَ خَمْرًا فَتَخَلَّلَ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ، وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ كُسِرَتْ عَلَيْهِ وَغَرِمَ مِثْلَهُ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا غَصَبَ مُسْلِمٌ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا فَأَرَاقَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْوَاجِبَ مِنْ الْإِرَاقَةِ الَّتِي كَانَ مُخَاطَبًا بِهَا مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ، وَلَوْ أَمْسَكَهَا حَتَّى تَخَلَّلَتْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا لِمَنْ غَصَبَهَا مِنْهُ.
وَقَدْ خَرَّجَ حُذَّاقُ شُيُوخِي فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى طَائِرٍ لَا يَحُوزُهُ أَحَدٌ.
(وَإِنْ تَخَلَّلَ خُيِّرَ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَلَّلَ خُيِّرَ رَبُّهُ فِي أَخْذِهِ مِثْلَهُ (كَتَخَلُّلِهَا لِذِمِّيٍّ) أَشْهَبُ: إنْ غَصَبَ مُسْلِمٌ خَمْرًا لِذِمِّيٍّ فَخَلَّلَهَا خُيِّرَ فِي أَخْذِهَا خَلًّا أَوْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ اسْتَهْلَكَ مُسْلِمٌ لِذِمِّيٍّ خَمْرًا غَرِمَ قِيمَتَهَا (وَتَعَيَّنَ لِغَيْرِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمَازِرِيِّ وَنَقْلُهُ عَنْ حُذَّاقِ شُيُوخِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ تَخَلَّلَ ".
(وَإِنْ صَنَعَ) ابْنُ عَرَفَةَ: مَنْ غَصَبَ خَمْرًا فَفِي كَوْنِهَا بِتَخْلِيلِهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ لَهُ أَوْ لِرَبِّهَا، ثَالِثُهَا إنْ تَسَبَّبَ لِتَخْرِيجِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ وَالْمَعْرُوفِ وَمَفْهُومِ تَعْلِيلِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
(كَغَزْلٍ وَحُلِيٍّ وَغَيْرِ مِثْلِيٍّ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ) لَا شَكَّ أَنَّ النَّاسِخَ قَدَّمَ هُنَا وَأَخَّرَ.
وَإِنَّمَا مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ: وَضَمِنَ بِالِاسْتِيلَاءِ كَكَذَا وَكَذَا لِمِثْلِيٍّ وَلَوْ بِغَلَاءٍ وَغَيْرِ مِثْلِيٍّ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ كَغَزْلٍ أَوْ حُلِيٍّ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْعُرُوض وَالرَّقِيقُ وَالْحَيَوَانُ إذَا اسْتَهْلَكَهَا فَلَهُ قِيمَةُ ذَلِكَ بِبَلَدِ الْغَصْبِ يَوْمَ الْغَصْبِ يَأْخُذُهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ أَيْنَمَا لَقِيَهُ مِنْ الْبُلْدَانِ، نَقَصَتْ الْقِيمَةُ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ أَوْ زَادَتْ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ غَصَبَ غَزْلًا فَنَسَجَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْغَزْلِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَاسْتَهْلَكَهُمَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا مَصُوغَيْنِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَذَلِكَ إذَا كَسَرَهُمَا لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُمَا وَكَانَا لَهُ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ غَصَبَ حُلِيًّا فَكَسَرَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ لِهَيْئَتِهِ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ وَهَذَا هُوَ
الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَاغَةَ غَيْرُ تِلْكَ فَكَأَنَّهُ أَفَاتَ السِّوَارَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ أَفَاتَهُ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ يَأْخُذُهُمَا.
(وَإِنْ جِلْدَ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ أَوْ كَلْبًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ غَيْرَ مَدْبُوغٍ فَعَلَيْهِ إنْ أَتْلَفَهُ قِيمَتُهُ مَا بَلَغَتْ كَمَا لَا يُبَاعُ كَلْبُ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٌ أَوْ ضَرْعٌ وَعَلَى قَاتِلِهِ قِيمَتُهُ مَا بَلَغَتْ.
اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ كَانَ كَلْبَ دَارٍ لَمْ يَغْرَمْ فِيهِ شَيْئًا.
(وَلَوْ قَتَلَهُ تَعَدِّيًا وَخُيِّرَ فِي الْأَجْنَبِيِّ) كَذَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ غَصَبَ أَمَةً ثُمَّ قَتَلَهَا.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: الْمُقَوَّمُ كَالْحَيَوَانِ يَتْلَفُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ خُيِّرَ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ غَصَبَ أَمَةً فَزَادَتْ قِيمَتُهَا عِنْدَهُ أَوْ نَقَصَتْ ثُمَّ قَتَلَهَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ، فَقَطْ، وَلَوْ قَتَلَهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ أَجْنَبِيٌّ وَقِيمَتُهَا يَوْمَئِذٍ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُ الْقَاتِلِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَتْلِ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ يَوْمَئِذٍ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِتَمَامِ الْقِيمَةِ عَلَى الْغَاصِبِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ كَانَ إنَّمَا أَخَذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ مِنْ الْغَاصِبِ فَكَانَتْ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَتْلِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْقَاتِلِ بِشَيْءٍ وَلِلْغَاصِبِ طَلَبُ الْقَاتِلِ بِجَمِيعِ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَتْلِ (فَإِنْ تَبِعَهُ تَبِعَ هُوَ الْجَانِي) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لِرَبِّهَا أَخْذُ الْقَاتِلِ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَلِلْغَاصِبِ طَلَبُ الْقَاتِلِ (فَإِنْ أَخَذَ رَبُّهُ أَقَلَّ فَلَهُ طَلَبُ الزَّائِدِ مِنْ الْغَاصِبِ فَقَطْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِتَمَامِ الْقِيمَةِ عَلَى الْغَاصِبِ.
(وَلَهُ هَدْمُ بِنَاءٍ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ غَصَبَ خَشَبَةً أَوْ حَجَرًا فَبَنَى عَلَيْهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا وَهَدْمُ الْبِنَاءِ، وَكَذَلِكَ إنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَجَعَلَهُ ظِهَارَةً لِجُبَّةٍ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ أَوْ يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَهُ أَخْذُ عَيْنِ شَيْئِهِ وَيَفْتَقُ لَهُ الْجُبَّةَ وَيَهْدِمُ لَهُ الْبِنَاءَ، وَالْهَدْمُ وَالْفَتْقُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ لَهُ أَيْضًا أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ الْخَشَبَةِ وَكَانَ الْغَاصِبُ لَمَّا أَفَاتَهَا رَضِيَ مِنْهُ بِالْتِزَامِ قِيمَتِهَا.
وَانْظُرْ لَوْ أَنْشَأَ سَفِينَةً عَلَى لَوْحٍ مَغْصُوبٍ أَوْ غَصَبَ خَيْطًا خَاطَ بِهِ جُرْحًا، هَلْ يَتَخَرَّجُ عَلَى تَهْوِينِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ؟ الْمَازِرِيُّ: وَمِنْ هَذَا الْأُسْلُوبِ الْكَبْشُ يُدْخِلُ رَأْسَهُ فِي قِدْرِ غَيْرِ رَبِّهِ، وَالدِّينَارُ يَقَعُ فِي إنَاءِ الْغَيْرِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ إلَّا بِكَسْرِ الْإِنَاءِ، وَمِنْ دُرَّةِ الْغَوَّاصِ فِي ثَوْرٍ احْتَبَسَ رَأْسُهُ بَيْنَ أَغْصَانِ زَيْتُونَةٍ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَى صَاحِبِ الثَّوْرِ بِقِيمَةِ مَا يُقْطَعُ مِنْ أَغْصَانِ الزَّيْتُونَةِ حَتَّى يَتَخَلَّصَ رَأْسُهُ مِنْهَا.
قَالَهُ الدَّاوُدِيِّ.
وَانْظُرْ إذَا اُسْتُحِقَّتْ خَشَبَةٌ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِرَبِّهَا قَلْعُهَا إذَا كَانَ الْبَانِي غَيْرَ غَاصِبٍ.
(وَغَلَّةُ مُسْتَعْمَلٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي غُرْمِ الْغَاصِبِ غَلَّةَ الْمَغْصُوبِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
كُلُّ رَبْعٍ اغْتَصَبَهُ غَاصِبٌ فَسَكَنَهُ أَوْ اغْتَلَّهُ أَوْ
أَرْضًا فَزَرَعَهَا، فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مَا سَكَنَ أَوْ زَرَعَ بِنَفْسِهِ وَغُرْمُ مَا أَكْرَاهَا بِهِ مِنْ غَيْرِهِ مَا لَمْ يُحَابِ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا وَلَا انْتَفَعَ بِهَا وَلَا اغْتَلَّهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا اغْتَصَبَهُ مِنْ دَوَابَّ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ سَرَقَهُ فَاسْتَعْمَلَهَا شَهْرًا وَطَالَ مُكْثُهَا بِيَدِهِ أَوْ أَكْرَاهَا وَقَبَضَ كِرَاءَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ مَا قَبَضَ مِنْ كِرَائِهَا وَإِنَّمَا لِرَبِّهَا عَيْنُ شَيْئِهِ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ قِيمَتَهَا إذَا كَانَتْ عَلَى حَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ فِي يَدِكَ، وَلَا يَنْظُرُ إلَى تَغَيُّرِ سُوقٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا الْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرُ يَتَعَدَّى الْمَسَافَةَ تَعَدِّيًا بَعِيدًا أَوْ يَحْبِسُهَا أَيَّامًا كَثِيرَةً وَلَمْ يَرْكَبْهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا بِحَالِهَا، فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي، أَوْ يَأْخُذُهَا مَعَ كِرَاءِ حَبْسِهِ إيَّاهَا بَعْدَ الْمَسَافَةِ.
وَلَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ عَلَى الْمُكْتَرِي الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ وَالسَّارِقُ وَالْغَاصِبُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا قِيمَةٌ وَلَا كِرَاءٌ إذَا رَدَّهَا بِحَالِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْلَا مَا قَالَهُ مَالِكٌ لَجَعَلْت عَلَى السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ كِرَاءَ رُكُوبِهِ إيَّاهَا وَأُضَمِّنُهُ قِيمَتَهَا إذَا حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا كَالْمُكْتَرِي وَلَكِنِّي آخُذُ فِيهَا بِقَوْلِ مَالِكٍ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْفَرْقُ أَنَّ الْغَاصِبَ غَصَبَ الرَّقَبَةَ فَلَا يَضْمَنُ الْمَنَافِعَ لِضَمَانِهِ الرَّقَبَةَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ عَلَى الْمَنَافِعِ فَضَمِنَهَا انْتَهَى.
اُنْظُرْ هَذَا التَّعْلِيلَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّبْعِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَغْرَمُ غَلَّةَ مَا اسْتَغَلَّ.
وَانْظُرْ قَوْلَ خَلِيلٍ: " وَغَلَّةُ مُسْتَعْمَلٍ " وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّبْعَ بِخِلَافِ الدَّوَابِّ وَالرَّقِيقِ يَبْقَى صُوفُ الْغَنَمِ وَلَبَنُهَا وَنَسْلُ الْحَيَوَانِ وَثَمَرُ الشَّجَرِ سَيَأْتِي حُكْمُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " كَمَرْكَبٍ نَخِرٍ ". وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا مَا بَاضَ ".
(وَصَيْدُ عَبْدٍ وَجَارِحٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ عَبْدًا وَأَمَرَهُ بِالصَّيْدِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الصَّيْدَ لِرَبِّ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ آلَةً كَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الصَّيْدَ لِلْغَاصِبِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا انْتَفَعَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فَرَسًا فَقَدْ أَلْحَقُوهُ بِالْآلَاتِ، وَإِنْ كَانَ جَارِحًا كَالْبَازِ وَالْكَلْبِ فَهُوَ يَلْحَقُ بِالْعَبْدِ؟ قَوْلَانِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِي الَّذِي يَتَعَدَّى عَلَى كَلْبِ رَجُلٍ أَوْ بَازِهِ فَيَصِيدُ بِهِ، وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَحْمَلَهُ مَحْمَلُ الَّذِي يَتَعَدَّى عَلَى الْعَبْدِ فَيُرْسِلُهُ فَيَصِيدُ لَهُ؛ لِأَنَّ جُلَّ الْعَمَلِ إنَّمَا هُوَ لِلْبَازِ وَالْكَلْبِ؛ لِأَنَّهُمَا هُمَا اتَّبَعَا الصَّيْدَ وَهُمَا أَخَذَاهُ، فَلَهُمَا سَبَبَانِ: الِاتِّبَاعُ وَالْأَخْذُ، وَلَيْسَ لِلْمُتَعَدِّي فِيهِ إلَّا التَّحْرِيضُ عَلَى ذَلِكَ مَا تُؤُوِّلَ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ أَنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ فِيهَا لِمَنْ أَخْرَجَ شَيْئَيْنِ انْتَهَى.
فَانْظُرْ جَعْلَ ابْنُ رُشْدٍ مَوْضُوعَ مَسْأَلَةِ إذَا تَعَدَّى عَلَى عَبْدِ رَجُلٍ أَوْ كَلْبِهِ أَوْ بَازِهِ أَنَّ الصَّيْدَ لِرَبِّ الْعَبْدِ بِاتِّفَاقٍ وَلِرَبِّ الْكَلْبِ وَالْبَازِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَفَرَضَهَا ابْنُ بَشِيرٍ فِي غَصْبِ الْعَبْدِ وَالْكَلْبِ وَالْبَازِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَا اُغْتُصِبَ مِنْ دَوَابَّ أَوْ رَقِيقٍ فَاسْتَعْمَلَهَا أَوْ أَكْرَاهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ مَا قَبَضَ مِنْ كِرَائِهَا وَإِنَّمَا لِرَبِّهَا عَيْنُ شَيْئِهِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: لَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ نَفْسَهُ اسْتَغَلَّ الْعَبْدَ أَوْ أَخَذَ كِرَاءَ الدَّارِ لَلَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ الْغَلَّةَ وَالْكِرَاءَ لِلْمُسْتَحِقِّ.
وَانْظُرْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِلَّا
بُدِئَ بِالْغَاصِبِ ".
(وَكِرَاءُ أَرْضٍ بُنِيَتْ) اللَّخْمِيِّ: لَا أَعْلَمُهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَبَنَاهَا ثُمَّ سَكَنَ أَوْ اسْتَغَلَّ أَنَّهُ لَا يَغْرَمُ سِوَى غَلَّةِ الْقَاعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا غَصَبَ خَرَابًا لَا يُسْكَنُ إلَّا بِإِصْلَاحِهِ فَأَصْلَحَ وَسَقَفَ وَرَّمَ ثُمَّ اسْتَغَلَّ قَالَ: لِلْمُسْتَحِقِّ جَمِيعُ الْغَلَّةِ وَكِرَاءُ مَا سَكَنَ وَلِلْغَاصِبِ قِيمَةُ مَا لَوْ نُزِعَ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ.
(كَمَرْكَبٍ نَخِرٍ) اللَّخْمِيِّ: إنْ غَصَبَ مَرْكَبًا نَخِرًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إلَّا بِإِصْلَاحِهِ فَعَمَّرَهُ وَرَجَّحَهُ بِجَوَانِحِهِ وَأَطْرَافِهِ ثُمَّ اغْتَلَّ غَلَّةً، كَانَ جَمِيعُ الْغَلَّةِ لِمُسْتَحِقِّهِ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْفَقَهُ إلَّا مِثْلُ طَيْرٍ أَوْ جَمَلٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَشْهَبَ وَرَجَّحَهُ اُنْظُرْهُ فِيهِ.
وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَا أَثْمَرَ عِنْدَ الْغَاصِبِ مِنْ نَخْلٍ أَوْ مِنْ شَجَرٍ أَوْ تَنَاسُلٍ مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ جَزَّ مِنْ الصُّوفِ أَوْ حَلَبَ مِنْ اللَّبَنِ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَعَ مَا اغْتَصَبَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَمَا أَكَلَ رَدَّ الْمِثْلَ مَا لَهُ مِثْلٌ، وَالْقِيمَةَ فِيمَا لَا يُقْضَى بِمِثْلِهِ.
وَلَيْسَ لَهُ إتْبَاعُ الْمُسْتَحِقِّ بِمَا أَنْفَقَ فِي ذَلِكَ أَوْ سَقَى أَوْ عَالَجَ أَوْ رَعَى، وَلَكِنْ لَهُ الْمُقَاصَّةُ بِذَلِكَ فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ غَلَّةٍ؛ لِأَنَّ عَنْ عَمَلِهِ تَكَوَّنَتْ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَجِيرَ أَحَقُّ بِهَا فِي الْفَلَسِ، وَإِنْ عَجَزَتْ الْغَلَّةُ عَنْهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ بِشَيْءٍ.
وَقَالَهُ أَشْهَبُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا: لَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا سَقَى أَوْ عَالَجَ أَوْ أَنْفَقَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْغَلَّةِ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ: إذْ لَيْسَ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ وَلَا مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ الْقَلْعِ فَيُرَدُّ، وَهُوَ كَمَا لَوْ غَصَبَ مَرْكَبًا خَرِبًا فَأَنْفَقَ فِي قَلْفَطَتِهِ وَمَرَمَّتِهِ وَتَرْجِيحِهِ وَأَطْرَافِهِ وَجَوَانِحِهِ ثُمَّ اغْتَلَّ فِيهِ غَلَّةً كَثِيرَةً، فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ مُقَلْفَطًا مَصْلُوحًا بِجَمِيعِ غَلَبَتِهِ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلَ الصَّارِي وَالْأَرْجُلِ وَالْحِبَالِ.
وَمَا يُؤْخَذُ لَهُ ثَمَنٌ إذَا أُخِذَ فَلِلْغَاصِبِ أَخْذُهُ وَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا غِنَى عَنْهُ إذْ لَا يَجِدُ صَارِيًا وَلَا أَرْجُلًا وَلَا أَحْبُلًا إلَّا هَذِهِ، أَوْ لَا يَجِدُ ذَلِكَ بِمَوْضِعٍ لَا يُنَالُ حَمْلُهَا إلَيْهِ إلَّا بِالْمَشَقَّةِ وَالْمُؤْنَةِ الْعَظِيمَةِ وَهُوَ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِمَّا يَجْرِي بِهِ الْمَرْكَبُ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى مَوْضِعِهِ، فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ ذَلِكَ بِمَوْضِعِهِ كَيْفَمَا كَانَ أَوْ يُسْلِمَ ذَلِكَ إلَيْهِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ أَيْضًا فِيمَا سَقَى أَوْ عَالَجَ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ كَالْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَأْخُذُهُ كَالْمُسْتَحِقِّ حَتَّى يَدْفَعَ قِيمَةَ السَّقْيِ وَالْعِلَاجِ وَهَذَا هُوَ الْأَصْوَبُ.
(وَأَخَذَ مَا لَا عَيْنَ لَهُ قَائِمَةٌ) اُنْظُرْ إنْ كَانَ يَعْنِي بِهَذَا أَنَّ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ أَرْضَهُ وَمَرْكَبَهُ وَيَأْخُذَ مَعَهُمَا مَا لَا قِيمَةَ لَهُ إنْ قُلِعَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِ " كَمَرْكَبٍ " أَنَّ لِلْغَاصِبِ قِيمَةَ مَا لَوْ نُزِعَ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: كُلُّ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْغَاصِبِ بَعْدَ الْقَلْعِ كَالْجِصِّ وَالنَّقْشِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مَا حَفَرَ مِنْ بِئْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا أَحْدَثَهُ الْغَاصِبُ فِي الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ خَرَجَ مِمَّا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَالصَّبْغِ وَالنَّقْضِ فِي الْبُنْيَانِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ يُمْكِنُ إعَادَتُهُ عَلَى حَالِهِ كَالْبُقْعَةِ بَيْنَهُمَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَالْمَغْصُوب مِنْهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ الْغَاصِبَ بِإِعَادَةِ الْبُقْعَةِ عَلَى حَالِهَا وَإِزَالَةِ مَا لَهُ فِيهَا مِنْ نَقْضٍ إنْ كَانَ فِيهَا نَقْضٌ، وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ مَا لَهُ فِيهَا مِنْ النَّقْضِ مَقْلُوعًا مَطْرُوحًا بِالْأَرْضِ، بَعْدَ أَجْرِ الْقَلْعِ.
قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ وَابْنُ الْمَوَّازِ.
وَهَذَا إذَا كَانَ الْغَاصِبُ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ
بِنَفْسِهِ وَلَا بِعَبِيدِهِ وَإِنَّمَا يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ لَا يُحَطُّ مِنْ ذَلِكَ أَجْرُ الْقَلْعِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَاغْتُلَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ هَدَمَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْهَدْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبُنْيَانِ الَّذِي بَنَى الْغَاصِبُ مَا لَهُ قِيمَةٌ إذَا قَلَعَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» .
(لَا صَيْدَ كَشَبَكَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ آلَةً كَالسَّيْفِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الصَّيْدَ لِلْغَاصِبِ، وَمِثْلُ السَّيْفِ الشِّبَاكُ وَالْحَمَّالَاتُ.
(وَمَا أُنْفِقَ فِي الْغَلَّةِ) تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ: إنَّ مَا أَنْفَقَ فِي الْغَلَّةِ مِنْ سَقْيٍ وَعِلَاجٍ لَهُ الْمُقَاصَّةُ بِهِ فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ غَلَّةٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلًا آخَرَ مَشْهُورًا أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ كَمَا أَنْفَقَ فِي الْمَرْكَبِ النَّخِرِ مِنْ قَلْفَطَةٍ.
وَانْظُرْ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ أَنَّ لَهُ مَا أَنْفَقَ إنَّمَا يَرْجِعُ بِذَلِكَ فِي الْغَلَّةِ إنْ كَانَتْ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ، وَاَلَّذِي لِابْنِ عَرَفَةَ: عَلَى غُرْمِ الْغَاصِبِ الْغَلَّةَ فِي رُجُوعِهِ بِالنَّفَقَةِ طَرِيقَانِ، كَمَنْ تَعَدَّى عَلَى رَجُلٍ فَسَقَى لَهُ شَجَرَةً أَوْ حَرَثَ أَرْضَهُ أَوْ حَصَدَ زَرْعَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَجْرَ ذَلِكَ.
رَاجِعْ اللَّخْمِيَّ وَابْنَ عَرَفَةَ.
(وَهَلْ إنْ أَعْطَاهُ فِيهِ مُتَعَدِّدٌ عَطَاءً فَبِهِ أَوْ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ وَمِنْ الْقِيمَةِ؟ تَرَدُّدٌ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَسَوَّقَ سِلْعَةً فَيُعْطِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ بِهَا ثَمَنًا ثُمَّ يَسْتَهْلِكُهَا لَهُ رَجُلٌ، فَلْيَضْمَنْ مَا كَانَ أَعْطَى فِيهَا وَلَا يَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهَا إذَا كَانَ عَطَاءً قَدْ تَوَاطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَبِيعَ بَاعَ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَضْمَنُ إلَّا قِيمَتَهَا.
وَقَالَ عِيسَى: يَضْمَنُ الْأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنَ اهـ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ مَالِكٍ " لَا يَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهَا " مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ، فَقَوْلُ عِيسَى مُفَسِّرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ.
(وَإِنْ وَجَدَ غَاصِبَهُ بِغَيْرِهِ وَغَيْرِ مَحَلِّهِ فَلَهُ تَضْمِينُهُ وَمَعَهُ أَخْذُهُ إنْ لَمْ يَحْتَجْ لِكَبِيرِ حَمْلٍ) اُنْظُرْ إنْ كَانَ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: لَوْ وَجَدَ الْغَاصِبَ خَاصَّةً يَعْنِي دُونَ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَوْ صَاحِبُهُ " أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الطَّعَامِ الْمَغْصُوبِ جَبْرُ الْغَاصِبِ عَلَى رَدِّهِ لِبَلَدِ الْغَصْبِ.
وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ: اتَّفَقُوا إذَا غَصَبَهُ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً ثُمَّ لَقِيَهُ بِمَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ، وَلَا تَجِبُ لَهُ قِيمَتُهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ بِرَدِّهِ إلَى مَوْضِعِهِ.
وَرَوَى الْبَاجِيُّ: وَيُخَيَّرُ فِي الْبَزِّ وَالْعُرُوضِ فِي أَخْذِ عَيْنِهَا أَوْ قِيمَتِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ رُشْدٍ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ النَّقْلَ فَوَّتَ فِي الرَّقِيقِ وَالْعُرُوضِ لَا فِي الْحَيَوَانِ.
وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ فِي نَقْلِ غَيْرِ الطَّعَامِ طَرِيقَانِ.
وَلَخَّصَ ابْنُ يُونُسَ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ: الطَّعَامُ لَيْسَ لَهُ فِي الْحُكْمِ إلَّا مِثْلُهُ بِمَوْضِعِ غَصْبِهِ، وَالْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ وَالْحَيَوَانُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُمْ إلَّا حَيْثُ وَجَدَهُمْ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرُوا، وَأَمَّا الْبَزُّ وَالْعُرُوضُ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهَا أَوْ أَخْذِ قِيمَتِهَا بِمَوْضِعِ غَصْبِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ أَشْهَبَ يُخَيِّرُهُ أَيْضًا فِي الْحَيَوَانِ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ قَالَ: إنْ نَقَلَ خَشَبَةً تَعَدِّيًا بِمَالٍ كَثِيرٍ جُبِرَ عَلَى رَدِّهَا لِمَحَلِّهَا اهـ. وَبِتَلْخِيصِ ابْنِ يُونُسَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ كُنْت اكْتَفَيْت فِي النَّقْلِ لَوْلَا لَفْظَةُ خَلِيلٍ فَانْظُرْهُ أَنْتَ مَعَ مَا تَقَرَّرَ.
(لَا إنْ هَزَلَتْ جَارِيَةٌ أَوْ نَسِيَ عَبْدٌ صَنْعَةً ثُمَّ عَادَ) ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ هَزَلَتْ الْجَارِيَةُ ثُمَّ سَمِنَتْ أَوْ نَسِيَ الْعَبْدُ الصَّنْعَةَ ثُمَّ ذَكَرَهَا حَصَلَ الْجَبْرُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا لِغَيْرِهِمَا وَهُوَ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ فِيمَا ابْتَاعَهُ فَلَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى زَالَ فَلَا رَدَّ لَهُ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمَا أَنَّ الْهُزَالَ فِي الْجَارِيَةِ يُوجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانَهَا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: هُزَالُ الْجَارِيَةِ لَغْوٌ بِخِلَافِ الدَّابَّةِ.
(أَوْ خَصَاهُ فَلَمْ يَنْقُصْ) ابْنُ شَاسٍ: إذَا غَصَبَ عَبْدًا فَخَصَاهُ ضَمِنَ مَا نَقَصَهُ،