التاج والإكليل لمختصر خليلصفحات 109-174
أهل الأثرالأرشيف العلمي

خِيَارِ التَّرَوِّي

صفحات 109-174

وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُهُ.

(كَذِي سُفْلٍ إنْ وَهِيَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ قَوْمٍ وَفِيهَا بُيُوتٌ وَسَاحَةٌ وَلَهَا غُرَفٌ وَسُطُوحٌ بَيْنَ يَدَيْهَا فَقَسَمُوا الْبِنَاءَ عَلَى الْقِيمَةِ وَأَبْقَوْا السَّاحَةَ، فَإِنَّ السَّطْحَ يُقَوَّمُ مَعَ الْبِنَاءِ تُقَوَّمُ الْغَرْفَةُ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ الْمِرْفَقِ، وَلِصَاحِبِ الْعُلْوِ أَنْ

يَرْتَفِقُ بِسَاحَةِ السُّفْلِ كَارْتِفَاقِ صَاحِبِ السُّفْلِ وَلَا مِرْفَقَ لِصَاحِبِ الْأَسْفَلِ فِي سَطْحِ الْأَعْلَى إذْ لَيْسَ مِنْ الْأَقْبِيَةِ، وَيُضِيفُ الْقَاسِمُ قِيمَةَ خَشَبِ السَّطْحِ وَالْغُرَفِ مَعَ قِيمَةِ الْبَيْتِ الَّذِي تَحْتَ ذَلِكَ وَمَا رَثَّ مِنْ خَشَبِ الْعُلْوِ الَّذِي هُوَ أَرْضُ الْغُرَفِ وَالسَّطْحِ فَإِصْلَاحُهُ عَلَى رَبِّ الْأَسْفَلِ وَلَهُ مِلْكُهُ كَمَا عَلَيْهِ إصْلَاحُ مَا وَهِيَ وَرَثَّ مِنْ جَدَرَاتِ الْأَسْفَلِ.
وَإِذَا سَقَطَ الْعُلْوُ عَلَى الْأَسْفَلِ فَهَدَمَهُ جُبِرَ رَبُّ الْأَسْفَلِ عَلَى أَنْ يَبْنِيَهُ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَبْنِيَهُ حَتَّى يَبْنِيَ رَبُّ الْعُلْوِ عُلْوَهُ، فَإِنْ بَاعَهُ مِمَّنْ يَبْنِيهِ فَامْتَنَعَ مِنْ بِنَائِهِ جُبِرَ الْمُبْتَاعُ أَيْضًا أَنْ يَبْنِيَهُ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَبْنِيَهُ.
ابْنُ يُونُسَ: قِيلَ: إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ جُبِرَ عَلَى بِنَائِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ وَفِي تَرَبُّصِهِ لِلْبَيْعِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ (وَعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ) ابْنُ شَعْبَانَ: إذَا خِيفَ سُقُوطُ السُّفْلِ فَقِيلَ: إنَّ تَعْلِيقَ الْأَعْلَى عَلَى صَاحِبِ الْأَسْفَلِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ حَمْلَهُ بِالْبِنَاءِ وَبِهَذَا أَقُولُ، إلَّا أَنْ يَهْدِمَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.
وَقِيلَ: إنَّ تَعْلِيقَهُ عَلَى الْأَعْلَى (وَالسَّقْفِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا رَثَّ مِنْ خَشَبِ الْعُلْوِ اُنْظُرْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " كَذِي سُفْلٍ ".

(وَكَنْسِ مِرْحَاضٍ) أَشْهَبُ: كَنْسُ بِئْرِ الْمِرْحَاضِ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ؛ لِأَنَّهُ بِئْرُهُ، وَلِصَاحِبِ الْعُلْوِ أَنْ يُلْقِيَ فِيهِ سُقَاطَتَهُ وَأَنْ يَرْتَفِقَ بِهِ فَهُوَ كَسَقْفِ السُّفْلِ.
وَلِابْنِ الْقَاسِمِ نَحْوُهُ انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ الْجَمَاجِمِ.
قَالَ: وَعَلَيْهِمَا الْخِلَافُ فِي كَنْسِ كَنِيفِ الدَّارِ الْمُكْرَاةِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ عَلَى رَبِّهَا.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَى الْمُكْتَرِي.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ اهـ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ: " إذَا وَقَعَتْ فِي بِئْرِ الدَّارِ الْمُكْتَرَاةِ فَأْرَةٌ أَوْ مَاتَتْ بِهِ أَوْ هِرٌّ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّ تَنْقِيَةَ الْبِئْرِ عَلَى رَبِّ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْبِئْرَ مِنْ مَنَافِعِ الدَّارِ فَعَلَيْهِ إصْلَاحُهَا، وَمِنْ الْكَافِي: مَنْ كَانَ لَهُ مَسِيلُ مَاءٍ عَلَى سَطْحِ رَجُلٍ فَانْهَدَمَ فَإِصْلَاحُ السَّطْحِ عَلَى رَبِّهِ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْمَسِيلِ شَيْءٌ مِنْ نَفَقَتِهِ.
وَمَنْ كَانَ لَهُ شِرْبٌ فِي بُسْتَانِ رَجُلٍ فَاحْتَاجَتْ سَاقِيَتُهُ أَوْ نَهَرُهُ إلَى تَنْقِيَتِهِ فَتَنْقِيَةُ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الْمِلْكِ وَالشِّرْبِ جَمِيعًا مِنْهُ.
وَانْظُرْ أَيْضًا قَدْ ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِي الدَّابَّةِ تَدْخُلُ دَارَ رَجُلٍ فَتَمُوتُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ إخْرَاجَهَا عَلَى رَبِّ الدَّارِ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَبِهَدْمِ بِنَاءٍ ". وَانْظُرْ مَسْأَلَةً مِنْ هَذَا النَّوْعِ الْقَنَاةُ تَنْسَدُّ فِي أَوَّلِهَا قَالُوا: الْأَوَّلُونَ يَكْنُسُونَ أَوَّلًا وَلَا كَنْسَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَإِنْ انْسَدَّتْ مِنْ آخِرِهَا كَنَسَ الْأَوَّلُونَ مَعَ الْآخَرِينَ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ فِي قَنَوَاتِ الْمَرَاحِيضِ؛ لِأَنَّهَا إذَا انْسَدَّتْ فِي أَوَّلِهَا بَاقِيهَا غَيْرُ مَسْدُودٍ فَالضَّرَرُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْأَوَّلِينَ إذْ لَا مَنْفَذَ لِجَرْيِ مَائِهِمْ وَأَثْفَالِهِمْ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَا سَدَّ فِي مَجْرَاهُمْ وَلَا ضَرَرَ يَلْحَقُهُمْ.
وَإِذَا انْسَدَّتْ فِي آخِرِهَا فَالضَّرَرُ يَلْحَقُهُمْ أَجْمَعِينَ؛ لِأَنَّهَا إذَا انْسَدَّتْ عَلَى الْآخَرِينَ طَلَعَ السَّدُّ إلَى الْأَوَّلِينَ فَأَضَرَّ بِجَمِيعِهِمْ، وَأَمَّا سَوَاقِي السَّقْيِ وَالْمَطَاحِنُ فَإِذَا انْسَدَّتْ فِي أَوَّلِهَا وَخَرِبَتْ

قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى انْتِفَاعِ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَكَنْسُهَا عَلَى جَمِيعِهِمْ إذْ لَوْ لَمْ يَصْلُحْ ذَلِكَ لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَإِذَا بَلَغَ الْكَنْسُ إلَى دَارِ الْأَوَّلِ وَتَمَّ لَهُ الِانْتِفَاعُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ لَوْ لَمْ يَكْنُسْ بَقِيَّتَهَا ارْتَفَعَ الْكَنْسُ عَنْ هَذَا وَكَنَسَ الْبَاقُونَ، ثُمَّ إذَا تَمَّ انْتِفَاعُ الثَّانِي أَيْضًا ارْتَفَعَ الْكَنْسُ مِنْهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ إلَخْ.
اُنْظُرْ نَوَازِلَ أَصْبَغَ مِنْ السُّدُودِ وَالْأَنْهَارِ.

(لَا سُلَّمٌ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: عَلَى مَنْ السُّلَّمُ؟ قَالَ: عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ إذَا كَانَ لَهُ عُلْوٌ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ عُلْوَهُ، ثُمَّ عَلَى صَاحِبِ الْعُلْوِ الْأَعْلَى مَا أَدْرَكَ الْعُلْوُ الْأَوَّلُ إلَى عُلْوِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَعْرِفُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ بِنَاءَ السُّلَّمِ إلَى حَدِّ الْعُلْوِ إنْ كَانَ، ثَمَّ عُلْوٌ آخَرُ فَعَلَى صَاحِبِ الْعُلْوِ الْأَوَّلِ مِنْ بِنَاءِ السُّلَّمِ مِنْ حَدِّ عُلْوِهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ بِهِ سَقْفَ عُلْوِهِ الَّذِي عَلَيْهِ عُلْوُ الْآخَرِ.

(وَبِعَدَمِ زِيَادَةِ الْعُلْوِ إلَّا الْخَفِيفَ) أَشْهَبُ: لَيْسَ لِرَبِّ الْعُلْوِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى عُلْوِهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ إلَّا مَا خَفَّ مِمَّا لَا يَضُرُّ بِرَبِّ السُّفْلِ، فَإِنْ بَنَى مُضِرًّا قُلِعَ، وَلَوْ انْكَسَرَتْ خَشَبَةٌ مِنْ سَقْفِ الْعُلْوِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إدْخَالُ خَشَبَةٍ أَثْقَلَ مِنْهَا.

(وَبِالسَّقْفِ لِلْأَسْفَلِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يُعَلِّقُ الْأَسْفَلُ الْعُلْوَ، وَالسَّقْفُ عَلَيْهِ وَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ مِمَّنْ تَنَازَعَاهُ.
وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا مَنْزِلٌ لِأَحَدِهِمَا عُلْوُهُ وَلِلْآخَرِ أَسْفَلُهُ فَانْكَسَرَ السَّقْفُ الْأَدْنَى لِسَقْفِ الْبَيْتِ قَالَ: عَلَى رَبِّ الْأَسْفَلِ إصْلَاحُ خَشَبِهِ وَجَرِيدِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: مِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدِي اُنْظُرْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " كَذِي سُفْلٍ ".

(وَبِالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ لَا مُتَعَلِّقِ بِلِجَامٍ) ابْنُ شَاسٍ: إذَا تَنَازَعَا جِدَارًا حَائِلًا بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا فَصَاحِبُ الْيَدِ مِنْهُمَا مَنْ كَانَ إلَيْهِ وَجْهُ الْجِدَارِ أَوْ الطَّاقَاتُ وَمَعَاقِدُ الْقُمُطِ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ جُذُوعٌ مِنْ صَاحِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ كَانَ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمَا، وَكَذَا رَاكِبُ الدَّابَّةِ مَعَ الْمُتَعَلِّقِ بِلِجَامِهَا الرَّاكِبُ مُخْتَصٌّ بِالْيَدِ.

(وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمْ رَحًا إنْ أَبَيَا فَالْغَلَّةُ لَهُمْ وَيَسْتَوْفِي مِنْهَا مَا أَنْفَقَ) قَالَ عِيسَى: إذَا تَهَدَّمَتْ الرَّحَا الْمُشْتَرَكَةُ فَدَعَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ إلَى عَمَلِهَا وَأَبَى الْبَاقُونَ، فَإِنَّ مَنْ أَبَى يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَعْمَلُ.
قَالَهُ مَالِكٌ: وَلَوْ عَمِلَ بَعْضُهُمْ فَلَمَّا تَمَّتْ وَطَحَنَتْ قَالَ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ: خُذْ نِصْفَ مَا أَنْفَقْتَ وَأَكُونُ مَعَكَ شَرِيكًا قَالَ: ذَلِكَ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ قَدْ اغْتَلَّ مِنْهَا غَلَّةً قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَنْفَقَ فَقَالَ لِي ابْنُ الْقَاسِمِ:

الْغَلَّةُ كُلُّهَا لِلْعَامِلِ حَتَّى يُعْطَى قِيمَةَ مَا عَمِلَ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا اغْتَلَّ فَبِمَا أَنْفَقَ فَإِنْ اغْتَلَّ جَمِيعَ نَفَقَتِهِ رَجَعَ فِي حَظِّهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَانْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَقَضَى عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ ".

(وَبِالْإِذْنِ فِي دُخُولِ جَارِهِ لِإِصْلَاحِ جِدَارٍ وَنَحْوِهِ) سَحْنُونَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ حَائِطَهُ مِنْ دَارِ جَارِهِ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ أَنْ يَدْخُلَ دَارِهِ فَيَنْظُرَ حَائِطَهُ، وَكَذَا لَوْ قَلَعَتْ الرِّيحُ ثَوْبَ رَجُلٍ فَأَلْقَتْهُ فِي دَارِ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ أَنْ

يَدْخُلَ لِيَأْخُذَهُ أَوْ يُخْرِجَهُ الْمُشَاوِرُ وَكَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي دَارِ رَجُلٍ.

(وَبِقِسْمَتِهِ إنْ طُلِبَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْجِدَارُ إذَا كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةً وَأَبَى الْآخَرُ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ أَوْ كَانَ يَنْقَسِمُ قُسِمَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ لَمْ يُقْسَمْ.
قُلْت: فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ جُذُوعٌ؟ قَالَ: إذَا كَانَتْ جُذُوعُ هَذَا مِنْ هَاهُنَا وَجُذُوعُ هَذَا مِنْ هَاهُنَا لَمْ يَسْتَطِعْ قِسْمَةً وَلَكِنْ يَتَقَاوَيَاهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ.

(لَا بِطُولِهِ عَرْضًا) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي قِسْمَةِ الْجِدَارِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْسَمُ، وَصِفَةُ قَسْمِهِ إذَا كَانَ جَارِيًا مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا طَائِفَةً تَلِي الْمَشْرِقَ وَالْآخَرُ طَائِفَةً أُخْرَى تَلِي الْمَغْرِبَ، وَلَيْسَتْ الْقِسْمَةُ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا مَا يَلِيَ الْقِبْلَةَ وَالْآخَرُ مَا يَلِي الْجَوْفَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقِسْمَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَضَعُهُ أَحَدُهُمَا عَلَيْهِ مِنْ خَشَبٍ فَثِقَلُهُ وَمَضَرَّتُهُ عَلَى

جَمِيعِ الْحَائِطِ وَلَيْسَ يَخْتَصُّ الثِّقَلُ وَالضَّرَرُ بِمَا يَلِيهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَقْتَسِمَا أَعْلَاهُ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ أَرْضُهُ شِبْرَيْنِ فَيَبْنِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى أَعْلَاهُ شِبْرًا مِمَّا يَلِيهِ لِنَفْسِهِ وَيَكُونَ ذَلِكَ قِسْمَةً لِلْأَعْلَى وَجُمْلَةُ الْحَائِطِ عَلَى الشَّرِكَةِ الْأُولَى، أَوْ يَكُونُ مِمَّا أَرَادَا قِسْمَتَهُ بَعْدَ انْهِدَامِهِ فَيَقْسِمَانِ أَرْضَهُ وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ مِمَّا يَلِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فَصِفَةُ قَسْمِهِ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ أَنْ يُقْسَمَ طُولًا لَا عَرْضًا.
وَقَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ قَسْمُهُ طُولًا لَا عَرْضًا لِقَوْلِهِ: " وَكَانَ يَنْقَسِمُ " قَالَ: وَأَمَّا عَرْضًا فَيَنْقَسِمُ اهـ. وَانْظُرْ هُنَا مَسْأَلَةَ إذَا خِيفَ سُقُوطُ جِدَارٍ هُوَ بَيْنَهُمَا وَأَبَى أَحَدُهُمَا مِنْ إصْلَاحِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ مَا لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يُجْبَرُ أَنْ يُصْلِحَ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يُصْلِحُ.
عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ: لَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى بِنَائِهِ وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا سَتَرَ عَلَى نَفْسِهِ.

(وَبِإِعَادَةِ السَّاتِرِ لِغَيْرِهِ إنْ هَدَمَهُ ضَرَرًا لَا لِإِصْلَاحٍ أَوْ هُدِمَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي الْجِدَارِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا فَانْهَدَمَ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ: لَا يُجْبَرُ عَلَى إعَادَتِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ هَدَمَهُ هُوَ لِوَجْهِ مَنْفَعَتِهِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّهِ، وَلَوْ هَدَمَهُ لِلضَّرَرِ أُجْبِرَ عَلَى أَنْ يُعِيدَهُ.
قَالَ سَحْنُونَ: لَا يُجْبَرُ عَلَى بُنْيَانِهِ إذَا انْهَدَمَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيُجْبَرُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ وَبِهِ أَقُولُ.
وَابْنِ رُشْدٍ: وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَانْظُرْهَا فِي آخِرِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَهُنَا ذَكَرَ أَيْضًا ضَرَرَ الشَّجَرِ بِالْجِدَارِ وَكَيْفَ إنْ نَبَتَتْ مِنْهَا شَجَرَةٌ فِي أَرْضِ جَارِهِ أَوْ نَبَعَ عَيْنٌ مِنْ عَيْنِهِ، وَكَيْفَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ رَحًا فَوْقَ رَحَاهُ؟ وَانْظُرْ أَيْضًا آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ إذَا نَقَلَ السَّيْلُ تُرَابَ قَوْمٍ لِأَرْضِ آخَرِينَ لَا يَلْزَمُهُمْ نُقْلَانَهُ.
وَذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ آخِرَ كِتَابِ كِرَاءِ الْأَرْضِينَ قَالَ: وَهُوَ كَمَا لَوْ وَقَعَ عَلَى شَجَرَةٍ فَأَضَرَّ بِهَا.

وَنَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ أَيْضًا: إذَا جَرَّ السَّيْلُ بَذْرَ رَجُلٍ فَنَبَتَ بِأَرْضِ آخَرَ كَمَا لَوْ جَرَّ شَجَرَةً كَذَلِكَ كَمَا لَوْ انْتَشَرَ الْحَبُّ فِي الْأَرْضِ الْمُكْتَرَاةِ وَنَبَتَ لِقَابِلٍ.
وَانْظُرْ أَيْضًا هُنَاكَ ذَكَرُوا أَنَّ مَا نَبَتَ بِالتُّخُمِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ نَهْرٍ يُشَقُّ فِي أَرْضِ رَجُلٍ فَنَبَتَ بِهِ قَصَبٌ هِيَ لِرَبِّ الْأَرْضِ إذْ مَا لِصَاحِبِ الْمَاءِ إلَّا مَجَازُ الْمَاءِ خَاصَّةً.
وَانْظُرْ فِي كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ فِي مَسَائِلَ سُئِلَ عَنْهَا عِيسَى بْنُ دِينَارٍ حُكْمُ النَّهْرِ يَكُونُ لِنَاحِيَةِ أَرْضِ رَجُلٍ فَيَيْبَسُ حَتَّى يَصِيرَ أَرْضًا تُعْتَمَرُ لِمَنْ يَكُونُ ذَلِكَ؟ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ الْمَوْضِعُ الَّذِي زَالَ عَنْهُ الْوَادِي هُوَ لِلَّذِينَ يَلُونَهُ وَلَا يَكُونُ مَوَاتًا، وَبِهَذَا هِيَ الْفُتْيَا خِلَافًا لِلْمَازِرِيِّ عَنْ سَحْنُونٍ قَالَهُ ابْنُ حَمْدِيسٍ.
وَبِمِثْلِ مَا أَجَابَ بِهِ قَاضِي الْجَمَاعَةِ أَقُولُ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِّ.

(وَبِهَدْمِ بِنَاءٍ بِطَرِيقٍ وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: قَضَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالْأَفْنِيَةِ لِأَرْبَابِ الدُّورِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: يَعْنِي بِالِانْتِفَاعِ لِلْمَجَالِسِ وَالْمَرَابِطِ وَالْمَسَاطِبِ وَجُلُوسِ الْبَاعَةِ فِيهَا لِلْبِيَاعَاتِ الْخَفِيفَةِ، وَلَيْسَ أَنْ يُحَازَ بِالْبُنْيَانِ وَالتَّحْظِيرِ.
وَقَالَهُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ مَرَّ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِكِيرِ حَدَّادٍ فِي السُّوقِ فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ وَقَالَ: تُضَيِّقُونَ عَلَى النَّاسِ السُّوقَ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الطَّرِيقِ فَحَدُّهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ» وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَرْبَابِ الْأَفْنِيَةِ الَّتِي انْتِفَاعُهُمْ بِهَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ أَنْ يُكْرُوهَا.
ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ كُلَّ مَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذِهِ الْكُلِّيَّةُ غَيْرُ صَادِقَةٍ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْرِيَ جِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ وَلَا بَيْتَ الْمَدْرَسَةِ لِلطَّالِبِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَوْلَهُ فِي جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ أَنَّ إجَارَةَ جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ.
قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَاجِيُّ وَلَا ابْنُ يُونُسَ وَلَا الشَّيْخُ غَيْرَهُ.
وَأَمَّا بَيْتُ الْمَدْرَسَةِ فَقَالَ الْبُرْزُلِيِّ: كُنْت بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَذَكَرْت أَنَّ أَصْحَابَ حَبْسِ الْمَدَارِسِ وَالزَّوَايَا لَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا عَارِيَّةٌ ثُمَّ إنِّي افْتَقَرْت لِسُكْنَى بَعْضِهَا

فَأَعَارَنِي طَالِبٌ بَيْتًا فِي مَدْرَسَةِ شَيْخُونٍ وَأَعَارَنِي آخَرُ أُخْرَى فِي الْمَدْرَسَةِ المُسْتَنْصِرِيَّة حَالَةَ الرَّجْعَةِ فَاعْتَرَضُوا عَلَيَّ بِمَا كُنْت أَفْتَيْتُ، فَأَجَبْتُ بِأَنِّي مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ لَكِنْ سَبَقَنِي فِيهِ غَيْرِي فَإِذَا طَابَتْ نَفْسُهُ زَمَنًا مَا بِرَفْعِ يَدِهِ أَوْ مُطْلَقًا فَهُوَ جَائِزٌ، وَقَوَّيْته بِمَا أَجَابَنِي بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي التَّطَهُّرِ فِي مَطَاهِرِ الْمَدَارِسِ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْحَبْسِ فَيَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: يَجُوزُ لِسَاكِنِ الْمَدَارِسِ إنْزَالُ الضَّيْفِ الْمُدَّةَ الْيَسِيرَةَ بِخِلَافِ الْمُدَّةِ الْكَثِيرَةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا يُبَاحُ لِذِي الْفِنَاءِ أَنْ يُدْخِلَهُ فِي دَارِهِ، فَإِنْ فَعَلَ وَهُوَ يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ هُدِمَ عَلَيْهِ وَرُدَّ كَمَا كَانَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ فَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ: يُهْدَمُ كَذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَصْبَغَ: إذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوهُ فَابْتَنَى مِنْهُمْ مُبْتَنٍ وَأَدْخَلَهُ فِي بُنْيَانِهِ لَمْ يُمْنَعْ إنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَرَاءَهُ وَاسِعًا وَأَكْرَهُهُ ابْتِدَاءً، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ أَحْكُمْ عَلَيْهِ بِزَوَالِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ مِثْلَ ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْقَائِلُونَ بِالْهَدْمِ أَكْثَرُ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْهَدْمِ أَظْهَرُ، وَأَفْتَى بِالْأَوَّلِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَغَيْرُهُ، وَأَفْتَى بِعَدَمِ الْهَدْمِ ابْنُ لُبَابَةَ وَغَيْرُهُ.
(وَبِجُلُوسِ بَاعَةٍ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ لِلْبَيْعِ إنْ خَفَّ) تَقَدَّمَ أَوَّلَ

الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ يُقْضَى لِأَرْبَابِ الدُّورِ بِالْأَفْنِيَةِ لِلْحَوَائِطِ وَجُلُوسِ الْبَاعَةِ فَانْظُرْهُ مَعَ هَذَا.

(وَلِلسَّابِقِ كَمَسْجِدٍ) عِيَاضٌ: قَالُوا: مَنْ قَعَدَ مِنْ الْبَاعَةِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ أَفْنِيَةِ الطُّرُقِ وَأَفْنِيَةِ الْبِلَادِ غَيْرِ الْمُتَمَلَّكَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَوَائِجِ وَالْمَرَافِقِ فَهُوَ أَوْلَى بِهَا مَا دَامَ بِهِ جَالِسًا، فَإِنْ قَامَ مِنْهُ وَنِيَّتُهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مِنْ غَدٍ بِمَتَاعِهِ فَرَوَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ، وَقِيلَ: السَّابِقُ أَحَقُّ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ: اسْتَثْنَى أَصْحَابُنَا مِنْ هَذَا مَوْضِعَ الْمُقْرِئِ فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ عِيَاضٌ: الْمُفْتِي إذَا أَلِفَ بِالْمَسْجِدِ

مَوْضِعًا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَ بِحَقٍّ وَاجِبٍ.

(وَبِسَدِّ كُوَّةٍ فُتِحَتْ أُرِيدَ مِنْ خَلْفَهَا) سُئِلَ سَحْنُونَ عَمَّنْ فَتَحَ كُوَّةً فِي غَرْفَةٍ يَرَى مِنْهَا مَا فِي دَارِ جَارِهِ

فَقَضَى عَلَيْهِ بِسَدِّهَا فَطَلَبَ أَنْ يَسُدَّهَا مِنْ خَلْفِ بَابِهَا فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلْيَقْلَعْ الْبَابَ وَيَسُدَّهُ، وَتَرْكُ الْبَابِ يُوجِبُ لَهُ حِيَازَةً بَعْدَ الْيَوْمِ يَشْهَدُونَ لَهُ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ هَذَا الْبَابَ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ فَيَصِيرُ حِيَازَةً فَلَا بُدَّ أَنْ يُقْلَعَ.

(وَبِمَنْعِ دُخَانٍ: كَحَمَّامٍ وَرَائِحَةٍ: كَدِبَاغٍ وَأَنْدَرَ قِبَلَ بَيْتٍ وَمُضِرٍّ بِجِدَارٍ) مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَنْ أَحْدَثَ أَنْدَرَا إلَى جَنْبِ جِنَانِ رَجُلٍ وَهُوَ يَضُرُّ بِهِ فِي تَذْرِيَةِ التِّبْنِ قَالَ: يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَمَنْ أَحْدَثَ إلَى جَانِبِ دَارٍ فُرْنًا أَوْ حَمَّامًا فَيَضُرُّ بِمَنْ جَاوَرَهُ إلَّا أَنْ يَأْذَنُوا فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْغَسَّالُ أَوْ الضَّرَّابُ يُؤْذِي جَارَهُ وَقْعُ ضَرْبِهِمَا فَلَا يُمْنَعَانِ مِنْ هَذَا، وَأَمَّا الدَّبَّاغُ يُؤْذِي جِيرَانَهُ بِرَائِحَةِ دِبَاغَةٍ مُنْتِنَةٍ فَهَذَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَالْفُرْنِ وَالْحَمَّامِ.
قَالَ: وَلَوْ أَحْدَثَ جَنَّاتٍ إلَى جَانِبِ الْأَنْدَرِ وَتِبْنُ الْأَنْدَرِ يَضُرُّ بِهِ فَذَلِكَ سَوَاءٌ، وَيُمْنَعُ صَاحِبُ الْأَنْدَرِ مِنْ الضَّرَرِ كَمَا كَانَ يُمْنَعُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وُقُوعُ التِّبْنِ فِي أَرْضِهِ.
انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ.
ابْنُ رُشْدٍ: إحْدَاثُ أندر بِإِزَاءِ دَارٍ أَوْ جِنَانٍ يَضُرُّ مَا يَقَعُ بِأَحَدِهِمَا مِنْ تِبْنٍ عِنْدَ الذَّرِّ، وَكَذَا دُخَانُ حَمَّامٍ أَوْ فُرْنٍ أَوْ رَائِحَةُ دَبْغٍ أَوْ إلْصَاقُ كَنِيفٍ بِجِدَارِ جَارِهِ أَوْ رَحًا تَضُرُّ جِدَارَهُ وَشِبْهُهُ اتِّفَاقًا فِي الْجَمِيعِ انْتَهَى.
وَقَدْ نَقَلَ هَذَا ابْنُ عَاتٍ فِي طُرَرِهِ وَذَكَرَ هَلْ يُجْعَلُ أُنْبُوبًا فِي أَعْلَى الْفُرْنِ يَرْتَقِي الدُّخَانُ فِيهَا وَلَا يَضُرُّ بِمَنْ جَاوَرَهُ.
اُنْظُرْهُ فِي ابْتِيَاعِ حِصَّةٍ مِنْ أَنْدَرِ الْمُشَاوِرِ الصَّوْتُ لَا يَخْرِقُ الْأَسْمَاعَ وَلَا يَضُرُّ بِالْأَجْسَامِ، فَلَا يُمْنَعُ إلَّا أَنْ يَضُرَّ بِالْجَدَرَاتِ فَيُمْنَعُ وَذَلِكَ بِخِلَافِ أَنْ يُحْدِثَ فِي دَارِهِ أَوْ فِي حَانُوتِهِ دِبَاغًا أَوْ يَفْتَحَ بِقُرْبِ جَارِهِ مِرْحَاضًا وَلَا يُغَطِّيهِ أَوْ مَا تُؤْذِيهِ رَائِحَتُهُ؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ الْمُنْتِنَةَ تَخْرِقُ الْخَيَاشِيمَ وَتَصِلُ إلَى الْمِعَى وَتُؤْذِي الْإِنْسَانَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» الْحَدِيثَ.
قَالَ: فَكُلُّ رَائِحَةٍ تُؤْذِي يُمْنَعُ مِنْهَا بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: وَبِهَذَا الْعَمَلُ.

(وَإِصْطَبْلٍ) مِنْ الْمُفِيدِ: يُمْنَعُ مَنْ أَحْدَثَ إصْطَبْلًا عِنْدَ بَيْتِ جَارِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِبَوْلِ الدَّوَابِّ وَزِبْلِهَا بِبَيْتِ جَارِهِ وَحَرَكَتِهَا فِي

اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْمَانِعَةِ مِنْ النَّوْمِ (وَحَانُوتٍ قُبَالَةَ بَابِ دَارٍ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبَابٌ بِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ ".

(وَيُقْطَعُ مَا أَضَرَّ مِنْ شَجَرَةٍ بِجِدَارٍ إنْ تَجَدَّدَتْ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) قَالَ مُطَرِّفٌ فِي الشَّجَرِ يَكُونُ إلَى جَانِبِ دَارِ رَجُلٍ فَيَضُرُّ بِهِ: فَإِنْ كَانَتْ أَقْدَمَ مِنْ الْجِدَارِ وَكَانَتْ عَلَى حَالِ مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ مِنْ انْبِسَاطِهَا فَلَا تُقْطَعُ، وَإِنْ حَدَثَ لَهَا أَغْصَانٌ بَعْدَمَا بَنَى الْجِدَارَ تَضُرُّ بِالْجِدَارِ فَلْيُشَمِّرْ مِنْهَا كُلَّ مَا أَضَرَّ بِالْجِدَارِ مِمَّا حَدَثَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تُتْرَكُ وَمَا حَدَثَ وَانْتَشَرَ مِنْ أَغْصَانِهَا وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْجِدَارِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَالَ أَصْبَغُ بِقَوْلِ مُطَرِّفٍ وَبِهِ أَقُولُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَقَالُوا أَجْمَعُ: إنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ مُحْدَثَةً بَعْدَ الْجِدَارِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ مِنْهَا كُلُّ مَا آذَى الْجِدَارَ وَأَضَرَّ بِهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي شَجَرَةٍ فِي دَارِ رَجُلٍ فَطَالَتْ حَتَّى صَارَ يُشْرِفُ مِنْهَا إلَى دَارِ جَارِهِ إذَا طَلَعَ يَجْنِيهَا أَوْ غَرَسَهَا قَرِيبًا مِنْ جَارِهِ، فَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يُطْرَقَ مِنْهَا فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ إلَّا مَا خَافَ مِنْ الطَّرْقِ أَوْ مِمَّنْ يَجْنِيهَا فَلَا حُجَّةَ لَهُ وَيُؤْذِنُهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَجْنِيَهَا، وَأَمَّا إنْ خَرَجَ مِنْ فُرُوعِهَا إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَلْيَقْطَعْ ذَلِكَ الْخَارِجَ فَقَطْ، وَنَحْوُهُ لِأَصْبَغَ قَالَ: إنْ كَانَ عِظَمُهَا وَامْتِدَادُهَا صُعُودًا إلَى السَّمَاءِ فَلَا تُغَيَّرُ عَنْ حَالِهَا كَالْبُنْيَانِ يَرْفَعُهُ الرَّجُلُ فِي حَقِّهِ فَيَسْتُرُ بِهِ الرِّيحَ

وَالشَّمْسَ عَنْ جَارِهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا امْتَدَّتْ مِنْ أَرْضِ جَارِهِ فَتُشَمَّرُ وَتُقْطَعُ وَتُرَدُّ إلَى حَالٍ لَا تُؤْذِي.
قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهَا إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَلْيَقْطَعْ حَتَّى تَعُودَ فُرُوعُهَا حِذَاءَ أَرْضِ صَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ هَوَاءَ الْأَرْضِ لِرَبِّهَا.
قَالَ أَصْبَغُ: وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الَّتِي تَكُونُ لِلرَّجُلِ فِي أَرْضِ الرَّجُلِ بِمِيرَاثٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ قَسْمٍ فَامْتَدَّتْ فُرُوعُهَا فَلَا قَوْلَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَمَنْ فِي حَائِطِهِ شَجَرَةٌ فَيَخْرُجُ مِنْهَا قُضْبَانٌ تَحْتَ الْأَرْضِ فَيَظْهَرُ فِي أَرْضِ جَارِهِ وَتَصِيرُ شَجَرًا مُثْمِرًا وَثَبَتَ ذَلِكَ، فَلْيُخَيَّرْ مَنْ نَبَتَ فِي أَرْضِهِ أَنْ يَقْلَعَهَا أَوْ يُعْطِيَ لِلْآخَرِ قِيمَتَهَا مَقْلُوعَةً مَطْرُوحَةً.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ مَنْفَعَةٌ لَوْ قَلَعَهَا أَوْ غَرَسَهَا بِمَوْضِعٍ آخَرَ لَنَبَتَتْ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهَا وَلَا مَضَرَّةَ عَلَيْهِ فِيهَا فَهِيَ لِرَبِّ الْأَرْضِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا مَضَرَّةٌ؛ لِأَنَّ عُرُوقَ الْقَدِيمَةِ تَسْقِي هَذِهِ فَلَهُ قَلْعُهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الَّذِي ظَهَرَتْ فِي أَرْضِهِ أَنْ يَقْطَعَ عُرُوقَهَا الْمُتَّصِلَةَ بِشَجَرَةِ الْأَوَّلِ حَتَّى لَا تَضُرَّ بِهَا وَيُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا مَقْلُوعَةً إنْ كَانَتْ لَهَا قِيمَةٌ فَذَلِكَ لَهُ.
وَأَفْتَى اللَّخْمِيِّ بِقَطْعِ نَخْلَةٍ خِيفَ مِنْ سُقُوطِهَا عَلَى زَيْتُونَةٍ.

(لَا مَانِعَ ضَوْءٍ وَشَمْسٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ رَفَعَ بُنْيَانَهُ فَتَجَاوَزَ بُنْيَانَ جَارِهِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ رَفْعِ بُنْيَانِهِ وَمُنِعَ مِنْ الضَّرَرِ بِهِ، وَإِنْ رَفَعَ بُنْيَانَهُ فَسَدَّ عَلَى جَارِهِ كُوَاهُ وَأَظْلَمَتْ أَبْوَابُ غُرَفِهِ وَكُوَاهَا وَمَنَعَهُ الشَّمْسَ أَنْ تَرْتَفِعَ فِي حُجْرَتِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ هَذَا الْبُنْيَانِ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يُمْنَعُ مِنْ ضَرَرِ مَنْعِ الضَّوْءِ وَالرِّيحِ وَالشَّمْسِ.

(وَرِيحِ الْأَنْدَرِ) الْبَاجِيُّ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ مُلَاصِقَةٌ أَنْدَرَ غَيْرِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا مَا يَمْنَعُ الرِّيحَ عَنْ الْأَنْدَرِ وَيَقْطَعُ مَنْفَعَتَهُ فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يُمْنَعُ.
وَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ فِي قَلْعِ مَرَافِقِ الْأَنْدَرِ الَّتِي تُقَامُ.
زَادَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَالْأَنَادِرُ كَالْأَفْنِيَةِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّضْيِيقُ فِيهَا وَلَا قَطْعُ مَنَافِعِهَا، وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ.
قَالَ الْعُتْبِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ (وَعُلْوِ بِنَاءٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ رَفَعَ بُنْيَانَهُ لَمْ يُمْنَعْ وَإِنْ أَظْلَمَتْ أَبْوَابُ غُرَفِ جَارِهِ وَكُوَاهُ.

(وَصَوْتٍ كَكَمْدٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي ضَرَرِ صَوْتِ الْحَرَكَاتِ طُرُقٌ: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَحْدَثَ رَحًا تَضُرُّ بِجَارِهِ مُنِعَ.
الْبَاجِيُّ: أَمَّا الرَّحَا إنْ ثَبَتَ أَنَّهَا تَضُرُّ بِجَدَرَاتِ الْجِنَانِ مُنِعَ مِنْهَا، وَأَمَّا صَوْتُهَا فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْغَسَّالِ وَالضَّرَّابِ يُؤْذِي جَارَهُ وَقْعُ صَوْتِهِمَا: إنَّهُ لَا يُمْنَعُ وَتَحْتَمِلُ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْخِلَافَ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّوْتِ الضَّعِيفِ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ مَضَرَّةٍ أَوْ مَا لَا يُسْتَدَامُ، وَأَمَّا مَا كَانَ صَوْتًا شَدِيدًا مُسْتَدَامًا كَالْكَمَّادِينَ وَالصَّفَّارِينَ وَالرَّحَا ذَاتِ الصَّوْتِ الشَّدِيدِ فَإِنَّهُ ضَرَرٌ يُمْنَعُ مِنْهُ كَالرَّائِحَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَمْ يَحْكِ الصَّقَلِّيُّ غَيْرَ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى مَنْعِ ضَرَرِ الصَّوْتِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ: " اُطْرُدْ هَذَا الْقَارِئَ عَنِّي فَقَدْ آذَانِي ". ابْنُ رُشْدٍ: وَلَيْسَ هَذَا بِدَلِيلٍ.
اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَانْظُرْ أَوَاخِرَ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِمَّا يَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ كَإِحْدَاثِ فُرْنٍ قُرْبَ فُرْنٍ آخَرَ أَوْ قُرْبَ دَارٍ لَا يَضُرُّهَا الدُّخَانُ.

اُنْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ.

(وَبَابٍ بِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَحَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ بَابًا يُقَابِلُ بَابَ جَارِكَ أَوْ يُسَاوِيهِ، وَلَا تُحَوِّلْ بَابًا هُنَاكَ إذَا مَنَعَكَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَ بِهِ بَابَكَ لِي فِيهِ مِرْفَقٌ أَفْتَحُ بِهِ بَابِي فِي سُتْرَةٍ وَلَا أَدَعُكَ أَنْ تَفْتَحَ قُبَالَةَ بَابِي أَوْ قُرْبَهُ فَتَتَّخِذَ عَلَيَّ فِيهِ الْمَجَالِسَ، وَشِبْهَ هَذَا مِنْ الضَّرَرِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ مَا يَضُرُّ بِهِ.
وَأَمَّا فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ فَلَكَ أَنْ تَفْتَحَ مَا شِئْت أَوْ تُحَوِّلَ بَابَكَ حَيْثُ شِئْت مِنْهَا، وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْفَتْحِ قُبَالَةَ بَابِ جَارِهِ أَوْ يُقَدِّمُ بَابَهُ جِوَارَ بَابِ جَارِهِ الْمُلَاصِقَةِ لَهُ فِي السِّكَّةِ غَيْرِ النَّافِذَةِ أَوْ النَّافِذَةِ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ سَوَاءٌ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنَّهُ يُمْنَعُ فِي غَيْرِ النَّافِذَةِ مِنْ أَنْ يَضُرَّ بِجَارِهِ فِي أَنْ يَفْتَحَ قُبَالَتَهُ أَوْ يَقْرُبَ مِنْ بَابِهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِمَّا لَا يَضُرُّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا النَّافِذَةُ فَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ مَا شَاءَ مِنْ الْأَبْوَابِ أَوْ يُقَدِّمَهَا.
قَالَ

ابْنُ وَهْبٍ: وَكَذَلِكَ لَوْ فَتَحَ حَوَانِيتَ فِي جِدَارِهِ إلَى سِكَّةٍ مِنْ السِّكَكِ مُشَاعَةً لِلنَّاسِ وَلِرَجُلٍ دَارٌ يُقَابِلُ بَابُهَا تِلْكَ الْحَوَانِيتَ فَشَكَا ضَرَرَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْت مَا فِي السِّكَكِ النَّافِذَةِ.
قَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَتْ نَافِذَةً فَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ مَا شَاءَ وَيَنْقُلَ مَا أَحَبَّ.
ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَنْ تَفْتَحَ بَابًا أَوْ حَانُوتًا قُبَالَةَ بَابِ جَارِهِ فِي الزُّقَاقِ النَّافِذِ.
وَقَالَهُ أَشْهَبُ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ وَابْنِ وَهْبٍ.
وَأَجَابَ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَنْ أَحْدَثَ بِدَارِهِ بَابًا وَحَانُوتَيْنِ قُبَالَةَ بَابِ جَارِهِ بَيْنَهُمَا زُقَاقٌ نَافِذٌ وَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ دَارِ الْجَارِ وَلَا يَدْخُلُهَا إلَّا عَلَى نَظَرِ الْجَالِسِينَ فِي الْحَانُوتَيْنِ لِعَمَلِ صَنْعَتِهِمْ وَهُوَ ضَرَرٌ بَيِّنٌ بِرَبِّ الدَّارِ، بِأَنْ يَأْمُرَ أَنْ يُنَكِّبَ بَابَهُ وَحَانُوتَيْهِ عَنْ مُقَابَلَةِ بَابِ جَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِغَلْقِهَا وَتُرِكَ.
اُنْظُرْ فِي أَوَاخِرِ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ فَفِيهَا نَحْوُ هَذَا.

(وَرَوْشَنٍ) الْجَوْهَرِيُّ: الرَّوْشَنُ الْكُوَّةُ.
الْمُحْكَمُ الرَّوْشَنُ الرَّفُّ.
الْبَاجِيُّ: مَا خَرَجَ مِنْ الْعَسَاكِرِ وَالْأَجْنِحَةِ عَلَى الْحِيطَانِ إلَى طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَنَاحُ بِأَسْفَلِ الْجِدَارِ حَيْثُ يَضُرُّ بِأَهْلِ الطَّرِيقِ فَيُمْنَعُ انْتَهَى.
اُنْظُرْ هَلْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَلِكَ تَحْتَ الْأَرْضِ، مِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: أَمَّا وَضْعُ سَاقِيَةٍ تَمْشِي تَحْتَ الْأَرْضِ وَيُغَطِّيهَا مِنْ فَوْقُ بِالتُّرَابِ فَمَا يَجْرِي جَوَازُهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ، وَنَقَلَ بَعْدَ هَذَا لَا يُمْنَعُ مَنْ أَحْدَثَ رَفًّا عَلَى طَرِيقٍ وَلَا كَنِيفًا إذَا سَتَرَهُ وَغَطَّاهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرُ أَحَدٍ.

(وَسَابَاطٍ لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ) سَمِعَ أَصْبَغُ ابْنَ الْقَاسِمِ: لِمَنْ لَهُ دَارَانِ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَنْ يَبْنِيَ جِدَارَيْهِمَا غُرْفَةً أَوْ مَجْلِسًا فَوْقَ

الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِتَضْيِيقِ الطَّرِيقِ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا إنْ رَفَعَ بِنَاءَهُ رَفْعًا يُجَاوِزُ رَأْسَ الْمَارِّ رَاكِبًا.
وَنَحْوُهُ فِي الزَّاهِي وَكَذَا الْأَجْنِحَةُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: سُنَّةُ الْأَنْهَارِ وَالطُّرُقِ الِارْتِفَاقُ بِهَا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنْصِبَ عَلَى نَهْرٍ إذَا كَانَتْ الضِّفَّتَانِ لَهُ أَوْ إحْدَاهُمَا وَأَبَاحَ لَهُ صَاحِبُ الثَّانِيَةِ ذَلِكَ وَلَا حُجَّةَ لِلسُّلْطَانِ أَنَّ الْوَادِيَ لَهُ انْتَهَى (بِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ) مَا وَجَدْتُ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ فَاسْتَظْهِرْ عَلَيْهِ.

(وَإِلَّا فَكَالْمِلْكِ لِجَمِيعِهِمْ) حَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي فَتْحِ الرَّجُلِ بَابًا أَوْ تَحْوِيلِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ فِي الزُّقَاقِ الَّذِي لَيْسَ بِنَافِذِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا - أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ بِحَالٍ إلَّا بِإِذْنِ جَمِيعِ أَهْلِ الزُّقَاقِ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ زَرْبٍ وَأَقَامَهُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ بِقُرْطُبَةَ.
الثَّانِي - أَنَّ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُقَابِلْ بَابَ جَارِهِ وَلَا قَرُبَ مِنْهُ فَيَقْطَعُ بِهِ مِرْفَقًا عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَسُئِلَ سَحْنُونَ عَنْ دَرْبٍ كَبِيرٍ غَيْرِ نَافِذٍ فِيهِ زَنْقَةٌ فِي نَاحِيَةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ وَلِرَجُلٍ فِي أَقْصَاهَا بَابٌ فَأَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَهُ إلَى طَرَفِ الزَّنْقَةِ فَمَنَعَهُ أَهْلُ الدَّرْبِ قَالَ: لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ وَلَا يُحَرِّكُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَّا بِرِضَا أَهْلِ الدَّرْبِ.
ابْنُ يُونُسَ: هَذَا خِلَافٌ لِلْمُدَوِّنَةِ، وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَصْوَبُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنَ وَهْبٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَةَ مُشَاعَةٌ لَا يَتَمَيَّزُ حَظُّ أَحَدِهِمْ عَنْ صَاحِبِهِ، فَمَا يُفْتَحُ فِيهِ مُشْتَرَكٌ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ، وَالدُّورُ فِي الدُّرُوبِ غَيْرِ النَّافِذَةِ مُتَمَيِّزَةٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَصْنَعَ فِي مِلْكِهِ مَا لَا يَضُرُّ بِجَارِهِ (إلَّا بَابًا إنْ نُكِّبَ) تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى

مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ بِقُرْطُبَةَ وَأَقَامَهُ ابْنُ زَرْبٍ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَأَفْتَى بِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ لِسَحْنُونٍ، وَإِنَّمَا بَنَى عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ السِّكَّةَ غَيْرُ النَّافِذَةِ كَالْمِلْكِ لِجَمِيعِهِمْ لَا يُسْتَحْدَثُ فِيهَا إلَّا بِإِذْنِهِمْ إلَّا بَابًا نُكِّبَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ هَذَا بِخِلَافِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَانْظُرْ هُنَا مَسْأَلَةً فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ لَهُ دَارَانِ فِي رَحْبَةٍ لِأَهْلِ الطَّرِيقِ ارْتِفَاقٌ بِالْأَحْمَالِ بِهَا حِينَ ضَيَّقَ الطَّرِيقَ بِالْأَوَّلِ وَشِبْهُهَا، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا بَابًا حَتَّى تَكُونَ الرَّحْبَةُ لَهُ فِنَاءً وَلَمْ يَزِدْ فِيهَا ابْنُ رُشْدٍ شَيْئًا.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَزَلَتْ عِنْدَنَا بِتُونِسَ فِي مَوْضِعَيْنِ فَحَكَمَ بِهَدْمِ الْبَابِ وَإِزَالَتِهِ.

(وَصُعُودَ نَخْلَةٍ وَأَنْذَرَ بِطُلُوعِهِ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَنْ صَعِدَ إلَى شَجَرَةٍ يَجْنِيهَا فَيَرَى مِنْهَا مَا فِي دَارِ جَارِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ هَذَا وَلَكِنْ يُؤْذِنُ جَارَهُ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ نَحْوَهُ انْتَهَى.
وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ صَوْمَعَةٍ أُحْدِثَتْ يُطَّلَعُ مِنْهَا عَلَى بَعْضِ الدُّورِ، هَلْ هِيَ كَالشَّجَرَةِ يُطَّلَعُ مِنْهَا حِينَ اجْتِنَائِهَا عَلَى دَارِ الْجَارِ؟ فَأَفْتَى بِسَدِّ كُلِّ مَا يُطَّلَعُ مِنْهُ عَلَى دَارٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّجَرَةِ بِكَثْرَةِ صُعُودِ الصَّوْمَعَةِ وَقِلَّةِ طُلُوعِ الشَّجَرَةِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْكَلَامَ عَلَى ضَرَرِ الِاطِّلَاعِ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: لَا خِلَافَ فِي مَنْعِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الدُّورِ، وَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ الْبِنَاءِ الَّذِي يُطَّلَعُ مِنْهُ عَلَى الْفَدَادِينِ وَالْمَزَارِعِ وَيُخْتَلَفُ فِي الْجَنَّاتِ.
قَالَ: الْمُشَاوِرُ يُمْنَعُ الِاطِّلَاعَ إذَا تَبَيَّنَتْ الْأَشْخَاصُ وَإِلَّا فَلَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: اُنْظُرْ هَلْ أَرَادَ الْأَشْخَاصَ بِاعْتِبَارِ الصِّنْفِ كَالرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ أَوْ النَّوْعِ كَالْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا بِالْجُزْئِيَّةِ كَزَيْدٍ مِنْ عُمَرَ فَلَا.
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ شَكَا شَجَرَةً بِدَارِ جَارِهِ أَنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ مِنْهَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَطْعُهَا بِخِلَافِ مَا دَخَلَ مِنْ أَغْصَانِهَا فِي دَارِهِ بِخِلَافِ شَجَرَةٍ فِي أَرْضِهِ لِغَيْرِهِ لَيْسَ لَهُ قَطْعُ مَا انْبَسَطَ مِنْهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْمَعْنَى فِي الِاطِّلَاعِ أَنَّ مَا لَا يُوصَلُ إلَيْهِ مِنْ الِاطِّلَاعِ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمُؤْنَةٍ وَقَصْدٍ إلَى التَّطَلُّعِ بِتَكَلُّفِ صُعُودٍ لَا وَجْهَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ وَيُؤَدَّبُ إنْ اطَّلَعَ.
قَالَ: وَأَفْتَى الشُّيُوخُ عِنْدَنَا فِيمَنْ فَتَحَ فِي قَصَبَتِهِ بَابًا لَا يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى دَارِ جَارِهِ إلَّا بِأَنْ يُخْرِجَ رَأْسَهُ مِنْ الْبَابِ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الْبَابِ شَرْجَبًا وَثِيقًا يَمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِ أَحَدٍ رَأْسَهُ مِنْهُ وَهُوَ حَسَنٌ مِنْ الْفَتْوَى انْتَهَى.
مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ: وَانْظُرْ فَصْلَ الضَّرَرِ فِي ابْنِ سَلْمُونَ قَبْلَ تَرْجَمَةِ الْأَحْبَاسِ ذَكَرَ فِيهِ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي إحْدَاثِ ضَرَرٍ، هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ؟ وَإِنْ عَلِمَ بِالضَّرَرِ وَسَكَتَ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ فَلَا قِيَامَ لَهُ وَإِذَا أَحْدَثَ عَلَيْهِ بِنَاءً فَسَكَتَ حَتَّى تَمَّ الْبِنَاءُ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا سَكَتَ رِضًا، فَإِنْ بَاعَ سَقَطَ قِيَامُهُ.

(وَنُدِبَ إعَارَةُ جِدَارِهِ لِغَرْزِ خَشَبِهِ) الْمُوَطَّأُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ خَشَبَةً تُغْرَزُ فِي جِدَارِهِ» رَوَى ابْنُ وَهْبٍ " خَشَبَةً " بِلَفْظِ الْوَحْدَةِ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ " خَشَبَهُ " عَلَى الْجَمْعِ وَفِي رِوَايَةٍ لَمَّا حَدَّثَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ نَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ مُعْرِضِينَ؟ أَمَا وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ.
وَالصَّوَابُ بِالتَّاءِ.
وَرُوِيَ بِالنُّونِ " أَكْنَافِكُمْ ". ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ هَذَا نَدْبٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُد وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ: ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ عَلَى صَاحِبِ الْجِدَارِ.
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ: " وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ " وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا كَانَ لِيُوجِبَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ وَاجِبٍ.
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا قَالُوا: هَذَا مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُوَافِقِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» إنَّمَا هُوَ عَلَى التَّمْلِيكِ وَالِاسْتِمْلَاكِ وَلَيْسَ الْمِرْفَقُ ذَلِكَ، وَكَيْفَ يَكُونُ مِنْهُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ فَأَوْجَبَ أَحَدَهُمَا وَمَنَعَ مِنْ الْآخَرِ؟ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى بِذَلِكَ وَقَالَ لِابْنِ مَسْلَمَةَ: وَاَللَّهِ لَيُمَرَّنَّ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ.
وَقَالَ لَهُ: لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّكَ؟ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا عِنْدَ عُمَرَ مَا جَبَرَهُ عَلَى ذَلِكَ قَضَى لِابْنِ عَوْفٍ عَلَى ابْنِ زَيْدٍ.
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ «أَنَّ غُلَامًا اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلَتْ أُمُّهُ تَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَتَقُولُ: أَبْشِرْ هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَمَا يُدْرِيهَا؟ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّهُ» . وَهَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَانْظُرْ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ أَنَّ لِجَارِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِيهِ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجَاوِرْ الْمَسْجِدُ دَارَ رَجُلٍ فَلَا يُعَلِّقْ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَانْظُرْ فِيهَا أَيْضًا مَنْ

أَرَادَ أَنْ يُعَلِّقَ بَيْتًا فِي دَارِهِ عَلَى أَرْجُلٍ مِنْ حَائِطِ جَارِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِجَارِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ أَنْ يَمَسَّ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ وَتَدًا فِي جِدَارِهِ وَلَا أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ مَا يَضُرُّ بِهِ كَالزِّبْلِ وَالتِّبْنِ.
(وَإِرْفَاقٌ بِمَاءٍ وَفَتْحُ بَابٍ) الْبَاجِيُّ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: كُلُّ مَا طَلَبَهُ جَارُهُ مِنْ فَتْحِ بَابٍ أَوْ إرْفَاقٍ بِمَاءٍ أَوْ طَرِيقٍ وَشِبْهِهِ فَهُوَ مِثْلُهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَهُ مِمَّا لَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ مِنْهُ وَلَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ.

(وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَفِيهَا إنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ أَوْ قِيمَتَهُ وَفِي مُوَافَقَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ تَرَدُّدٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَذِنْتَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِي أَرْضِكَ أَوْ يَغْرِسَ فَلَمَّا فَعَلَ أَرَدْتَ إخْرَاجَهُ، فَأَمَّا بِقُرْبِ إذْنِكَ لَهُ مِمَّا لَا يُشْبِهُ أَنْ تُعِيرَهُ إلَى مِثْلِهِ تِلْكَ الْمُدَّةُ الْقَرِيبَةُ فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ مَا أَنْفَقَ.
وَقَالَ فِي بَابٍ بَعْدَ هَذَا: قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ.
ابْنُ يُونُسَ: قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: " قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ " أَيْ إذَا أَخْرَجَ مِنْ عِنْدِهِ شَيْئًا مِنْ آجُرٍّ أَوْ جِيرٍ.
وَقَوْلُهُ: " مَا أَنْفَقَ " إذَا أَخْرَجَ ثَمَنًا فَاشْتَرَى بِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ.
ابْنُ يُونُسَ: فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا يَكُونُ اخْتِلَافًا مِنْ قَوْلِهِ.
وَقِيلَ: رَأَى أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ مَا أَنْفَقَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَغَابُنٌ أَوْ كَانَ فِيهِ تَغَابُنٌ يَسِيرٌ، وَمَرَّةً رَأَى أَنَّ الْقِيمَةَ أَعْدَلَ إذْ قَدْ يُسَامَحُ مَرَّةً فِيمَا يَشْتَرِيهِ، وَمَرَّةً يُغْبَنُ فِيهِ فَإِذَا أَعْطَى قِيمَةَ ذَلِكَ يَوْمَ بِنَائِهِ لَمْ يَظْلِمْ.
ابْنُ يُونُسَ: فَيَكُونُ عَلَى هَذَا اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِهِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَالتَّأْوِيلَانِ مَعًا مُحْتَمَلَانِ.
وَقِيلَ: تَأْوِيلٌ آخَرُ هُوَ خَطَأٌ اهـ. اُنْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ الْحُكْمَ إذَا أَبَى أَنْ يَدْفَعَ شَيْئًا وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَمْ يُعْطِهِ مَا أَنْفَقَ تَرَكَهُ إلَى مِثْلِ مَا يَرَى النَّاسُ أَنَّكَ أَعَرْته إلَى مِثْلِهِ مِنْ الْأَمَدِ.
وَرَوَى أَبُو عُمَرَ: مَنْ أَعَارَ جَارَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ ثُمَّ أَغْضَبَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لِأَمْرٍ نَزَلَ بِهِ فَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَ دَارِهِ فَقَالَ: انْزِعْ خَشَبَكَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ.
وَرَوَى الْبَاجِيُّ: إذَا أَبَاحَ لَهُ أَنْ يَغْرِزَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَاحْتَاجَ إلَى جِدَارِهِ مَاتَ أَوْ عَاشَ أَوْ بَاعَ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إذَا أَتَى عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ مَا يُعَارُ مِثْلُهُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَهُ مَنْعُهُ.
اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ: الْغَرْزُ فِي جِدَارِ الدَّارِ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ إنْ لَمْ تَكُنْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى رَبِّ الْجِدَارِ.
وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ، وَيَأْتِي أَيْضًا عَلَى رِوَايَةِ زِيَادٍ فِي الْقَضَاءِ بِالْمَمَرِّ فِي أَرْضِ الرَّجُلِ لِجَارِهِ إنْ لَمْ

يَضُرَّ بِهِ أَنْ يَكُونَ فِي الْجِدَارِ مِثْلَهُ وَهَلْ الْمَسْجِدُ كَغَيْرِهِ؟ . اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ وَابْنَ عَاتٍ وَمِثْلُ الْإِذْنِ فِي غَرْزِ خَشَبِهِ الْإِذْنُ فِي مَاءِ بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ لِمَنْ يُنْشِئُ عَلَيْهِ غَرْسًا فِي ذَلِكَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ.
كَمَا إذَا غَرَسَ عَلَى مَائِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ ثُمَّ أَرَادَ قَطْعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ لِابْنِ عَرَفَةَ إثْرَ هَذَا أَوَاخِرَ بَابِ الشَّرِكَةِ إذَا تَنَازَعَ جَارَانِ فِي جِدَارٍ بَيْنَهُمَا، وَهَلْ يُقْضَى بِهِ لِمَنْ لَهُ بِهِ الْقُمُطُ وَالْكُوَى؟ وَفِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْعُيُوبِ أَنَّ الشُّهُودَ إذَا شَهِدُوا أَنَّ الْحَائِطَ مِنْ حُقُوقِ أَحَدِهِمَا بِدَلِيلِ عُقُودِ الْبِنَاءِ، فَهَلْ يَحْلِفُ مَنْ شَهِدُوا لَهُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: هُوَ مِلْكِي أَوْ مِنْ حُقُوقِ دَارِي؟ فَرْقٌ.

[فَصْلٌ الشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ]

فَصْلٌ.
هَذَا الْفَصْلُ أَقْحَمَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ وَأَتَى بِهِ ابْنُ شَاسٍ مَعَ الْمُسَاقَاةِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ:

الْمُزَارَعَةُ شَرِكَةٌ فِي الْحَرْثِ (لِكُلٍّ فَسْخُ الْمُزَارَعَةِ إنْ لَمْ يَبْذُرْ) الْمُتَيْطِيُّ: الشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ جَائِزَةٌ وَهِيَ لَازِمَةٌ بِالْعَقْدِ كَالْكِرَاءِ وَالْبَيْعِ بِخِلَافِ الْقِرَاضِ وَالْجُعْلِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ وَابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ.
وَقِيلَ: إنَّ الْمُزَارَعَةَ لَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَبْذُرْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرِوَايَةُ أَصْبَغَ عَنْهُ.
وَقِيلَ: إنَّهَا لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْعَمَلِ كَالشَّرِكَةِ وَبِهِ جَرَتْ الْفُتْيَا بِالْأَنْدَلُسِ (وَصَحَّتْ إنْ سَلِمَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَمْنُوعٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَصْلُحُ الشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ إلَّا أَنْ يُخْرِجَا الْبَذْرَ نِصْفَيْنِ وَيَتَسَاوَيَا فِي قِيمَةِ أَكْرِيَةِ مَا يُخْرِجَانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا الْأَرْضُ وَلِلْآخَرِ الْبَقَرُ، وَالْعَمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْ عَلَيْهِمَا إذَا تَسَاوَيَا، وَالْبَذْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْبَذْرَ وَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا وَقِيمَةُ الْبَذْرِ وَكِرَاءُ الْأَرْضِ سَوَاءٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ أَكْرَى نِصْفَ أَرْضِهِ بِطَعَامِ صَاحِبِهِ.
وَلَوْ اكْتَرَيَا الْأَرْضَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ كَانَتْ لَهُمَا جَازَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا الْبَذْرَ كُلَّهُ وَالْآخَرُ الْبَقَرَ وَالْعَمَلَ، وَكِرَاءُ ذَلِكَ وَقِيمَةُ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ سَوَاءٌ، وَإِذَا سَلِمَ الْمُتَزَارِعَانِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِوَاحِدٍ وَالْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ جَازَتْ الشَّرِكَةُ، إنْ تَسَاوَيَا، وَلَمْ يَفْضُلْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِشَرْطٍ فِي عَمَلٍ وَلَا نَفَقَةٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ.
قَالَ سَحْنُونَ: إنْ تَفَاضَلَا فِي الْعَمَلِ تَفَاضُلًا كَثِيرًا لَهُ بَالٌ فَالشَّرِكَةُ تَفْسُدُ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا وَالْأَرْضُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ التَّفَاضُلُ يَسِيرًا لَمْ تَفْسُدْ الشَّرِكَةُ كَمَا أَجَازَ مَالِكٌ أَنْ تُلْغَى الْأَرْضُ الَّتِي لَا كِرَاءَ لَهَا.
وَاَلَّذِي نَقَلَ أَهْلُ كُتُبِ الْأَحْكَامِ أَيْ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ الْمُتَزَارِعَيْنِ إذَا سَلِمَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَا بَأْسَ بِالتَّفَاضُلِ مِمَّنْ كَانَ، وَشَرِكَتُهُمَا جَائِزَةٌ إذَا اعْتَدَلَا فِي الزَّرِيعَةِ وَإِنْ لَمْ يُقَوِّمَا الْعَمَلَ وَلَا عَرَفَا كِرَاءَ الْأَرْضِ وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: إنْ كَانَ الْعُرْفُ بِالْبَلَدِ أَنَّ الْحَصَادَ وَالدِّرَاسَ وَالتَّصْفِيَةَ عَلَى الْعَامِلِ وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَعَ جَمِيعِ الْعَمَلِ مُسَاوِيًا لِكِرَاءِ الْأَرْضِ جَازَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمْ يُجِزْهُ سَحْنُونَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ.
قَالَ: وَيُعْقَدُ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى الْعَامِلِ يَعْنِي بَعْدَ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ مَا يَحْتَاجُ الزَّرْعُ إلَيْهِ مِنْ خِدْمَةٍ وَسَقْيٍ وَتَنْقِيَةٍ وَحَصَادٍ وَنَقْلِهِ إلَى الْأَنْدَرِ وَدِرَاسَتِهِ فِيهِ وَتَصْفِيَتِهِ إلَى أَنْ يَصِيرَ حَبًّا مُصَفًّى فَيَقْسِمَانِهِ عَلَى الْكَيْلِ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَرْضِ عِمَارَةٌ لِرَبِّهَا وَبَاعَهَا مِنْ الْعَامِلِ فِي

صَفْقَةِ الْمُزَارَعَةِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْعِمَارَةَ مِنْ نَفْسِ الشَّرِكَةِ غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنْهَا، فَتَقُولُ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ: وَبَاعَ فُلَانٌ رَبُّ الْأَرْضِ مِنْ الْمُزَارِعِ فُلَانٍ مَا كَانَ لَهُ فِي الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ حَرْثِ قَلِيبٍ وَثَنَاءٍ وَتَثْلِيثٍ بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا قَبَضَهَا أَوْ يَقْبِضُهَا إلَى أَجَلٍ كَذَا.
قَالَ: وَإِنْ شَرَطَ رَبُّ الْأَرْضِ هَدَايَا فِي الْعِيدَيْنِ وَالنَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَان وَسَاوَى ذَلِكَ مَعَ الْعَمَلِ كِرَاءَ الْأَرْضِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَتَقُولُ: وَلِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ فِي كُلِّ عِيدِ أَضْحَى كَبْشٌ سَمِينٌ رَبَاعٌ، وَفِي كُلِّ عِيدِ فِطْرٍ مِثْلُهُ.
وَكَذَا كَذَا دَجَاجَةً سَمِينَةً فَتِيَّةً فِي فَصْلِ النَّيْرُوزِ وَخَرُوفٌ سَمِينٌ ابْنُ شَهْرَيْنِ، وَفِي الْمِهْرَجَانِ كَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَوَّمَا ذَلِكَ كُلَّهُ مَعَ الْعَمَلِ فَكَانَ مُسَاوِيًا اهـ. اُنْظُرْ أَرْضَ الْجَالِبِ، الشَّأْنُ فِيهَا أَنْ لَا يُعْطِيَ الْعَامِلُ الزَّرِيعَةَ فَإِذَا أَخْرَجَ الْعَامِلُ ثَمَنًا وَحَسَبَهُ كَأَنَّهُ ثَمَنُ عِمَارَةٍ أَوْ ثَمَنُ كَبْشٍ يُعْطِيهِ رَبَّ الْأَرْضِ هَدِيَّةً وَاشْتَرَى بِهِ زَرِيعَةً وَنَوَى أَنَّهُ لَا يَتَمَوَّلُهَا إذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بَاعَهَا وَاشْتَرَى بِثَمَنِهَا زَرِيعَةً وَهَكَذَا إلَى آخِرِ عَامٍ يَصْرِفُهَا حَيْثُ يَجِبُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا يَسُوغُ لَهُ اهـ. اُنْظُرْ مَا ذَكَرْتُهُ أَنَّهُ يَشْتَرِي بِالزَّرِيعَةِ زَرِيعَةً أُخْرَى لِلْعَامِ الْآتِي وَهَذَا وَهْمٌ، بَلْ يَصْرِفُهَا فِي مَصْرِفِهَا وَيَشْتَرِي مِنْ مَالِ نَفْسِهِ زَرِيعَةً لِلْعَامِ الْآتِي.
وَانْظُرْ هَذَا كُلَّهُ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ الْعَمَلَ جَرَى بِمَذْهَبِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ مَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ الَّذِي أَتَى بِهِ كَأَنَّهُ فِقْهُ مُسَلَّمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا الْقَرَوِيِّينَ: إذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمْ الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ فَهَذِهِ إجَارَةٌ وَتَلْزَمُ بِالْعَقْدِ.
وَأَجَازَ سَحْنُونَ أَنْ يَكُونَ كِرَاءُ الْأَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إجَارَةٌ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى التَّسَاوِي، وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ يَبْذُرَ مَعَ صَاحِبِهِ لِلُزُومِ الشَّرِكَةِ اهـ. وَسَتَأْتِي مَسْأَلَةُ الْخُمَاسِ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ لِأَحَدِهِمَا الْجَمِيعُ ". وَانْظُرْ هَذَا الْمَأْخَذَ بِالنِّسْبَةِ لِأَئِمَّةِ الْقُرَى تَقُولُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُكْرِيَ فَدَّانًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَهُ أَنْ يُكْرِي الْفَدَّانَ يَوْمًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَمَا جَازَ كِرَاؤُهُ جَازَتْ الْإِجَارَةُ بِهِ.

(وَقَابِلُهَا مُسَاوٍ وَتَسَاوَيَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الزَّرْعِ فَيُخْرِجُ أَحَدُهُمَا أَرْضًا لَهُ قَدْرٌ مِنْ الْكِرَاءِ فَيُلْقِيهَا لِصَاحِبِهِ وَيَعْتَدِلَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ وَالزَّرْعِ وَالْبَذْرِ: فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبُهُ نِصْفَ كِرَاءِ الْأَرْضِ وَيَكُونَ جَمِيعُ الْعَمَلِ وَالْبَذْرِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، أَوْ تَكُونَ أَرْضًا لَا خَطْبَ لَهَا فِي الْكِرَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يُلْغِي كِرَاءَهَا لِصَاحِبِهِ وَيُخْرِجَانِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا ابْنُ يُونُسَ: إنْ قِيلَ فَهَذِهِ شَرِكَةٌ وَبَيْعٌ يَعْنِي إذَا أَعْطَى شَرِيكَهُ نِصْفَ كِرَاءِ الْأَرْضِ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا قِيلَ: إنَّمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْبَيْعُ خَارِجًا عَنْ الشَّرِكَةِ اهـ. وَانْظُرْ فِي ابْنِ سَلْمُونَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْفَسْخُ مَا لَمْ يَبْذُرْ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ بَعْدَ قَلِيبِ الْأَرْضِ أَوْ بَعْدَ عَامٍ وَقَدْ كَانَ الْعَقْدُ لِأَعْوَامٍ.
وَانْظُرْ فِيهِ أَنَّ

الْأَرْضَ إذَا كَانَ فِيهَا عِمَارَةٌ لِصَاحِبِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ مِثْلِهَا.
وَانْظُرْ أَيْضًا إذَا غَلِطَ فَزَرَعَ فَدَّانَ جَارِهِ هُنَا إذَا اخْتَلَطَتْ الزُّرُوعُ عِنْدَ الْحَصَادِ، وَمَنْ بَاعَ زَرِيعَةً فَلَمْ تَنْبُتْ.
وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَخْلِطَا الزَّرِيعَةَ فَنَبَتَ زَرْعٌ لِوَاحِدٍ وَلَمْ يَنْبُتْ زَرْعُ شَرِيكِهِ.

(إلَّا لِتَبَرُّعٍ بَعْدَ الْعَقْدِ) الَّذِي لِابْنِ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ " إنْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى غَيْرِ السَّلَفِ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُسْلِفَهُ الزَّرِيعَةَ فَفَعَلَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ " فِيهِ نَظَرٌ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ لَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا يَدُلُّ أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ وَلَا دَلِيلَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَفْسُدْ الْمُزَارَعَةُ إذَا كَانَ السَّلَفُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ غَيْرَ لَازِمَةٍ بِالْعَقْدِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَرَاهَا لَازِمَةً بِالْعَقْدِ.
وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ تَفَاضَلَا فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُتَزَارِعَانِ فَإِنْ كَانَا عَقَدَا عَلَى الِاعْتِدَالِ جَازَ مَا فَضَلَ بِهِ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ طَوْعًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ إنْ اعْتَدَلَا فِي الزَّرِيعَةِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: إنْ صَحَّ الْعَقْدُ جَازَ أَنْ يَتَفَاضَلَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ زَرِيعَةٍ وَغَيْرِهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَفَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ رَأْيٍ وَلَا عَادَةٍ.
الشَّيْخُ: يُرِيدُ سَحْنُونَ الشَّرِكَةُ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ كَالْبَيْعِ اهـ.

(وَخَلْطُ بَذْرٍ إنْ كَانَ وَلَوْ بِإِخْرَاجِهِمَا فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا وَعُلِمَ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ إنْ غَرَّ وَعَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِ النَّابِتِ وَإِلَّا فَعَلَى كُلٍّ نِصْفُ بَذْرِ الْآخَرِ وَالزَّرْعُ لَهُمَا) سَحْنُونَ: شَرْطُ الْمُزَارَعَةِ أَنْ يَخْلِطَا الْبَذْرَ إنْ كَانَ مِنْهُمَا.
ابْنُ يُونُسَ عَنْهُ: أَوْ يَجْمَعَا الزَّرِيعَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ أَوْ يَحْمِلَاهَا جَمِيعًا إلَى الْفَدَّانِ وَيَبْذُرُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِهِ فَيَزْرَعَا وَاحِدَةً ثُمَّ يَزْرَعَا الْأُخْرَى فَهَذَا جَائِزٌ كَمَا لَوْ جَمَعَاهَا فِي بَيْتٍ وَتَصِحُّ الشَّرِكَةُ.
قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خَلَطَا أَوْ لَمْ يَخْلِطَا: الشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ، وَإِذَا صَحَّتْ الشَّرِكَةُ فِي هَذَا فَنَبَتَ بَذْرُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ الْآخَرِ، فَإِنْ غُرَّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْبُتُ فَعَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِ بَذْرِ صَاحِبِهِ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا عِوَضَ لَهُ فِي بَذْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَنْبُتُ وَلَمْ يَغُرَّهُ فَإِنَّ عَلَى الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُهُ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهِ مِثْلَ نِصْفِ بَذْرِهِ الَّذِي نَبَتَ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ، غَرَّهُ أَوْ لَمْ يَغُرَّهُ.

وَانْظُرْ هُنَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِكِرَاءِ مَا عَطَّلَ مِنْ أَرْضِهِ كَمَنْ أَكْرَى مَطْمُورَةً أَوْ بَاعَهَا وَدَلَّسَ بِأَنَّهُ يَسْتَاسُ فِيهَا الزَّرْعَ هَلْ يَغْرَمُ مَا اسْتَاسَ فِيهَا.

(كَأَنْ تَسَاوَيَا فِي الْجَمِيعِ) الْمُتَيْطِيُّ: سُنَّةُ الْمُزَارَعَةِ الِاعْتِدَالُ وَالتَّسَاوِي فِي الْأَرْضِ

وَالْبَذْرِ وَالْبَقَرَةِ وَالْأَدَاةِ وَالْعَمَلِ كُلِّهِ حَتَّى يَصِيرَ مَا هَلَكَ مِنْ ذَلِكَ ضَمَانُهُمَا مَعًا وَهَذِهِ غَايَةُ الْكَمَالِ فِيهَا.

(أَوْ قَابَلَ بَذْرَ أَحَدِهِمَا عَمَلٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ اكْتَرَيَا الْأَرْضَ أَوْ كَانَتْ لَهُمَا جَازَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا الْبَذْرَ كُلَّهُ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَصَحَّتْ ".

(أَوْ أَرْضُهُ وَبَذْرُهُ) سَحْنُونَ: إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ الْعَمَلَ جَازَ وَقَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا " أَوْ لِأَحَدِهِمَا الْجَمِيعُ إلَّا الْعَمَلَ ".

(أَوْ بَعْضُهُ) سَحْنُونَ وَابْنُ حَبِيبٍ: إذَا اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَثُلُثَيْ الزَّرِيعَةِ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ ثُلُثَ الزَّرِيعَةِ وَالْعَمَلَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: أَوْ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَذَلِكَ جَائِزٌ كُلُّهُ إذَا كَافَأَ عَمَلُهُ كِرَاءَ الْأَرْضِ.
وَمَا فَضَلَهُ بِهِ مِنْ الزَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الزَّرِيعَةِ بِإِزَاءِ عَمَلِ الْعَامِلِ.

(إنْ لَمْ يَنْقُصْ مَا لِلْعَامِلِ عَنْ نِسْبَةِ بَذْرِهِ) قَالَ سَحْنُونَ وَابْنُ حَبِيبٍ: إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا ثُلُثَيْ الْأَرْضِ وَثُلُثَ الْبَذْرِ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ ثُلُثَ الْأَرْضِ وَثُلُثَيْ الْبَذْرِ وَالْعَمَلُ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ، وَكَأَنَّهُ أَكْرَى سُدُسَ أَرْضِهِ بِسُدُسِ بَذْرِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ نَزَلَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَالِهِ مِنْ الْبَذْرِ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي فَضْلِ الْأَكْرِيَةِ.
ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: يَنْبَغِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

(أَوْ لِأَحَدِهِمَا الْجَمِيعُ إلَّا الْعَمَلَ) هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخُمَاسِ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَقَابِلُهَا مُسَاوٍ " وَلِابْنِ عَرَفَةَ فِيهَا كَلَامٌ.
وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ مَا يَقُولُ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الزِّرَاعَةِ عَلَى أَنْ جَعَلَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ وَالْبَقَرَ، وَجَعَلَ الثَّانِي الْعَمَلَ وَيَكُونُ الرُّبُعُ لِلْعَامِلِ؟ فَأَجَابَ: إنْ عَقَدَاهَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ جَازَ اتِّفَاقًا، فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ اتِّفَاقًا، وَإِنْ عَرَا الْعَقْدُ مِنْ اللَّفْظَيْنِ فَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ سَحْنُونَ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَمِثْلُ هَذَا أَيْضًا هِيَ مَسْأَلَةُ الْمَلَّاحَةِ يَجْعَلُ صَاحِبُ الْمَلَّاحَةِ أَحْوَاضَهُ وَشِرْبَهُ مِنْ الْمَاءِ وَيَجْعَلُ الْآخَرُ خِدْمَتَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَا خَرَجَ إلَيْهِ فِيهَا مِنْ الْمِلْحِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ عَلَى الثُّلُثِ

أَوْ الثُّلُثَيْنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا كَمَا إذَا تَزَارَعَا عَلَى أَنْ جَعَلَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ وَحْدَهُ، فَيَتَحَصَّلُ الْقَوْلُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّهُمَا إنْ أَفْصَحَا فِيهِمَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَفْصَحَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَلَّاحَةِ بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْمُزَارَعَةِ جَازَتَا جَمِيعًا، وَإِنْ أَتَيَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَتَيَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ لِلْوَجْهَيْنِ يَخْرُجُ عَلَى قَوْلَيْنِ اهـ. مِنْ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ.
وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ مَذْهَبَ سَحْنُونٍ إجَازَةُ كِرَاءِ الْمَلَّاحَةِ أَشْهُرًا مُسَمَّاةً بِكَيْلٍ مِنْ الْمِلْحِ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ رُشْدٍ قَالَ: وَلَيْسَ كَمَنْ سَلَّفَ كَتَّانًا فِي ثَوْبِ كَتَّانٍ.

(إنْ عَقَدَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ لَا الْإِجَارَةِ أَوْ أَطْلَقَا) اُنْظُرْ إنْ عَطَفْتَ " أَطْلَقَا " عَلَى " عَقَدَا " كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: إنْ زَادَ الْخُمَاسُ زِيَادَةً عَلَى نَقْلِ السُّنْبُلِ إلَى الْأَنْدَرِ فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ.

(كَإِلْغَاءِ أَرْضٍ وَتَسَاوَيَا) اُنْظُرْ هَذَا فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ إنْ عَطْفنَا " أَطْلَقَا " عَلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ الَّتِي لَهَا خَطْبٌ إنْ أَلْغَاهَا فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ حَتَّى يُعْطِيَهُ شَرِيكُهُ نِصْفَ الْكِرَاءِ (أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَرْضٌ رَخِيصَةٌ وَعَمَلٌ عَلَى الْأَصَحِّ) قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: إذَا أَجَازَ مَالِكٌ أَنْ تُلْغَى الْأَرْضُ الَّتِي لَا خَطْبَ لَهَا إذَا تَسَاوَيَا فِي إخْرَاجِ الزَّرِيعَةِ وَالْعَمَلِ، فَإِمَّا إنْ كَانَ مُخْرِجُ الْبَذْرِ غَيْرَ مُخْرِجِ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ لَا

كِرَاءَ لَهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابٍ آخَرَ.
اُنْظُرْ ابْنَ يُونُسَ.

(وَإِنْ فَسَدَتْ وَتَكَافَآ عَمَلًا فَبَيْنَهُمَا وَتَرَادَّا غَيْرَهُ وَإِلَّا فَلِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ كَانَ لَهُ بَذْرٌ مَعَ عَمَلٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ كُلٌّ لِكُلٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: فَاسِدُهَا يُفْسَخُ فَإِنْ فَاتَ بِالْعَمَلِ فَفِيهِ اضْطِرَابٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: فِي ذَلِكَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ، وَعَزَا ابْنُ الْحَاجِبِ هَذَا لِلْبَاجِيِّ لِظَنِّهِ أَنَّ ابْنَ شَاسٍ عَنَى بِالشَّيْخِ أَبَا الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ، وَرَاجِعْ فِي هَذَا ابْنَ عَرَفَةَ وَرَاجِعْ فِيهِ أَيْضًا إذَا غَابَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَزَرَعَ الْآخَرُ أَوْ زَرَعَ بَعْضَ الْأَرْضِ أَوْ كَانَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فَنَقَصَ حَرْثُهُ أَوْ حَرَثَ كَرِيمٌ الْأَرْضَ وَتَرَكَ غَيْرَهُ أَوْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ دَالَّةً كَمَا لَوْ زَرَعَتْ الْمَرْأَةُ أَرْضَ زَوْجِهَا أَوْ أَخْطَأَ وَزَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ أَوْ بَنَى فِي عَرْصَةِ غَيْرِهِ.
اُنْظُرْ نَوَازِلَ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ وَمَا نَبَتَ بِالتُّخُمِ، وَكَيْفَ لَوْ حَرَثَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ قَدْرَ حَظِّهِ مِنْ الْأَرْضِ.
نَقَلَ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ أَبِي حَفْصٍ: لَيْسَ عَلَى الزَّارِعِ كِرَاءٌ إذَا زَرَعَ قَدْرَ حِصَّتِهِ قَالَ: وَلَيْسَ الْأَرْضُ كَمَرْكَبٍ يُسَافَرُ بِهِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَعَلَى هَذَا فَالدَّارُ كَالْأَرْضِ أَنَّهَا عَلَى حَالِهَا.
وَقَدْ أَجَابَ السُّيُورِيُّ: إنَّ مَنْ سَكَنَتْ دَارًا لَهَا فِيهَا شُرَكَاءُ أَنَّهَا تُطْلَبُ

بِالْكِرَاءِ وَلَا حُجَّةَ أَنْ تَقُولَ إنَّمَا سَكَنْت قَدْرَ نَصِيبِي.
وَأَجَابَ ابْنُ لُبَابَةَ فِيمَنْ غَابَ شَرِيكُهُ فَزَرَعَ هُوَ الْفَدَّانَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ، أَنَّ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ مُزَارَعَةً وَإِلَّا فَلَهُمَا مُقَاسَمَةُ الْفَدَّانِ إنْ كَانَ الْإِبَّانُ لَمْ يَفُتْ، وَلِلْقَائِمِ أَنْ يَفْعَلَ فِي حِصَّتِهِ مَا شَاءَ.
وَإِنْ قَامَ بَعْدَ الْإِبَّانِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الْكِرَاءُ.
وَانْظُرْ آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ سَحْنُونٍ.
ابْنُ شَاسٍ.

[كِتَابُ الْوَكَالَةِ]

[بَاب أَرْكَان الْوَكَالَة وَحُكْمهَا والنزاع فِيهَا]

(كِتَابُ الْوَكَالَةِ) وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهَا وَهِيَ مَا فِيهِ التَّوْكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ وَالصِّيغَةُ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي النِّزَاعِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا الْكِتَابُ ضَيِّقٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ ثُمَّ اسْتَدْرَكَ فِيهِ خَلْطَ الْبَضَائِعِ أَوْ أَثْمَانَهَا وَتَسَلَّفَ مِنْهَا وَإِرْسَالُهُ الْبِضَاعَةَ مَعَ غَيْرِهِ وَإِيدَاعُهَا وَطَلَبُهُ عَلَيْهَا أَجْرًا

(صَحَّتْ الْوَكَالَةُ فِي قَابِلِ النِّيَابَةِ) ابْنُ شَاسٍ: الْوَكَالَةُ نِيَابَةٌ عَنْ الْمُوَكِّلِ فَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا فِيمَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ مِمَّا يَلْزَمُ الرَّجُلَ الْقِيَامُ بِهِ لِغَيْرِهِ أَوْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الرَّجُلُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ.
فَأَمَّا الْوَكَالَةُ فِيمَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ الْقِيَامُ بِهِ لِغَيْرِهِ فَكَتَوْكِيلِ الْأَوْصِيَاءِ وَالْوُكَلَاءِ الْمُفَوِّضُ إلَيْهِمْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُمْ، وَكَاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ عَلَى مَا يَلْزَمُ بِهِ الْقِيَامُ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا الْوَكَالَةُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الرَّجُلُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ كَتَوْكِيلِهِ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ وَالْحُدُودِ وَالْخِصَامِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مُبَاحٍ أَوْ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ أَوْ وَاجِبٍ تُعُبِّدَ الْإِنْسَانُ بِهِ فِي غَيْرِ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مَا تُعُبِّدَ بِهِ فِي عَيْنِهِ كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ.
قِيلَ: إلَّا فِي صَبِّ الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ مُطْلَقًا، وَفِي الدَّلْكِ لِلْمَرَضِ وَالْعَجْزِ.
وَانْظُرْ أَيْضًا قَدْ قَالُوا: إنَّ الْمَحْجُورَ قَدْ يُوَكِّلُ فِي ضَرَرِ الْبَدَنِ وَفِي إظْهَارِ حُقُوقِهِ عِنْدَ مَنْ كَانَتْ، وَكَذَا الْمَحْجُورَةُ تُوَكِّلُ مَنْ يَقُومُ لَهَا بِالضَّرَرِ وَالْمَغِيبِ وَلَا يَقُومُ عَنْهَا أَبُوهَا حَتَّى تُوَكِّلَهُ.

(مِنْ عَقْدٍ وَفَسْخٍ وَقَبْضِ حَقٍّ وَعُقُوبَةٍ وَحَوَالَةٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْوَكَالَةُ نِيَابَةٌ فِيمَا لَا تَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ، فَتَجُوزُ فِي الْكَفَالَةِ وَالْوَكَالَةِ

وَالْحَوَالَةِ وَالْجِعَالَةِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ.
ابْنُ شَاسٍ: وَأَنْوَاعِ الْبَيْعِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، وَيَجُوزُ أَيْضًا التَّوْكِيلُ بِقَبْضِ الْحُقُوقِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ.

(وَإِبْرَاءٍ وَإِنْ جَهِلَهُ الثَّلَاثَةُ) ابْنُ شَاسٍ: التَّوْكِيلُ بِالْإِبْرَاءِ لَا يَسْتَدْعِي عِلْمَ الْمُوَكِّلِ بِمَبْلَغِ الدَّيْنِ الْمُبَرَّإِ مِنْهُ وَلَا عِلْمَ الْوَكِيلِ، وَلَا عِلْمَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا كَضَرُورِيٍّ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ تَرْكٍ وَالتَّرْكُ لَا مَانِعِيَّةَ لِلْغَرَرِ فِيهِ كَقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَ لَكَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ نَسِيت مَبْلَغَهَا جَازَ أَنْ تَصْطَلِحَا عَلَى مَا شِئْتُمَا.

(وَحَجٍّ) اللَّخْمِيِّ: لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِي أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ الْمَحْضَةِ كَالصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الْعَاجِزُ عَنْ الْحَجِّ لِمَرَضِهِ إلَّا أَنَّهُ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: يُنْقَضُ قَوْلُهُ " فِي أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ الْمَحْضَةِ " بِقَوْلِهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي الْعَاجِزِ عَنْ الرَّمْيِ لِمَرَضِهِ فِي الْحَجِّ يُرْمَى عَنْهُ.
وَانْظُرْ أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ الدَّلْكُ لِلْعَاجِزِ.

(أَوْ وَاحِدٍ فِي خُصُومَةٍ) الْمُتَيْطِيُّ:

لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ أَنْ يُوَكِّلَا فِي الْخِصَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَكِيلٍ وَاحِدٍ وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ وَكِيلَيْنِ.

(وَإِنْ كَرِهَ خَصْمُهُ) الْمُتَيْطِيُّ: إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ التَّوْكِيلَ جَازَ لَهُ طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا.
هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ

الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ.

(لَا إنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ كَثَلَاثٍ إلَّا لِعُذْرٍ وَحَلَفَ فِي كَسَفَرٍ) الْمُتَيْطِيُّ: إنْ خَاصَمَ الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ وَقَاعَدَ خَصْمَهُ ثَلَاثَ مَجَالِسَ وَانْعَقَدَتْ الْمَقَالَاتُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُوَكِّلُ خَصْمًا يَتَكَلَّمُ عَنْهُ إذَا مَنَعَهُ صَاحِبُهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَمْرَضَ أَوْ يُرِيدَ سَفَرًا.
قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: وَيَلْزَمُهُ فِي السَّفَرِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا اسْتَعْمَلَ السَّفَرَ لِيُوَكِّلَ غَيْرَهُ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يُتَّجَهْ لَهُ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ

يَشَاءَ خَصْمُهُ ذَلِكَ.

(وَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ عَزْلُهُ) ابْنُ رُشْدٍ: لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ مَتَى شَاءَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ فِي الْخِصَامِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ وَيُوَكِّلَ غَيْرَهُ، وَلَا يُخَاصِمُ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَانَ قَدْ قَاعَدَ خَصْمَهُ الْمَرَّتَيْنِ وَالثَّلَاثَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.

(وَلَا لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَفِي الْمَكَانِ الَّذِي لَا يَكُونُ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَهُ عَنْ الْخِصَامِ لَا

يَكُونُ لَهُ هُوَ أَنْ يَنْحَلَّ عَنْهُ إذَا قَبِلَ الْوَكَالَةَ.

(وَلَا الْإِقْرَارُ إنْ لَمْ يُفَوِّضْ لَهُ أَوْ يَجْعَلْ لَهُ) الْمُتَيْطِيُّ: قَالَ أَبُو عُمَرَ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي قَبُولِ إقْرَارِ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى مُوَكِّلِهِ، فَمَرَّةً أَجَازَهُ، وَمَرَّةً قَالَ لَا يَلْزَمُ مُوَكِّلَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَيْهِ.
وَجَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا حَمَلَ إلَيْهِ الْإِقْرَارَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُفَوِّضِ (وَلِخَصْمِهِ اضْطِرَارُهُ إلَيْهِ) الْمُتَيْطِيُّ: قَوْلُنَا فِي النَّصِّ: " وَكَّلَهُ عَلَى كَذَا وَكَذَا وَعَلَى الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ وَالْإِنْكَارِ عَنْهُ " هُوَ فِيمَا لَا يَتِمُّ التَّوْكِيلُ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ إلَّا بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ كَانَ لِخَصْمِهِ أَنْ يَضْطَرَّهُ إلَى التَّوْكِيلِ عَلَى هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ.
هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ

وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ.
وَانْظُرْ الْوَصِيَّ لَا يَلْزَمُ إقْرَارُهُ عَلَى الْمَحْجُورِ لَكِنْ يَكُونُ شَاهِدًا لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ فَعَلَهُ فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْمَحْجُورِ بِحَالٍ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَرِّئَ عَنْهُ الْمُبَارَآتِ الْعَامَّةَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يُبَرِّئُ عَنْهُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُعَيَّنَاتِ كَمَا لَوْ أَبْرَأهُ الْمَحْجُورُ بِقُرْبِ رُشْدِهِ لَا يُبَرِّئُهُ إلَّا مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ، وَلَا تَنْفَعُهُ الْمُبَارَآتُ الْعَامَّةُ حَتَّى يَطُولَ رُشْدُهُ مِثْلُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَمِنْ أَجْلِ هَذَا لَا يُبَرِّئُ الْقَاضِي الْمُشْرِفُ الْمُبَارَآتِ الْعَامَّةَ، وَإِنَّمَا يُبَرِّئُهُ مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ، وَقَدْ رَأَيْت لِقَاضٍ قَدَّمَ نَاظِرًا عَلَى

حَبْسٍ وَجَعَلَهُ مُصَدَّقًا دُونَ بَيِّنَةٍ لِثِقَتِهِ بِالْقِيَامِ بِهِ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ.

(قَالَ وَإِنْ قَالَ أَقِرَّ عَنِّي بِأَلْفٍ فَإِقْرَارٌ) اُنْظُرْ أَنْتَ الْمَازِرِيَّ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ قَالَ مَا أَقَرَّ بِهِ فُلَانٌ عَلَيَّ فَهُوَ لَازِمٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ.

(لَا فِي كَيَمِينٍ وَمَعْصِيَةٍ كَظِهَارٍ) ابْنُ شَاسٍ: لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِي الْأَيْمَانِ وَالشَّهَادَاتِ وَاللِّعَانِ وَالْإِيلَاءِ وَلَا فِي الْمَعَاصِي كَالسَّرِقَةِ، وَلَا تَصِحُّ أَيْضًا بِالظِّهَارِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ.
وَخَرَّجَ ابْنُ هَارُونَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ اهـ. اُنْظُرْ إذَا وَقَعَتْ الْوَكَالَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا.
اُنْظُرْ فِي الْغَصْبِ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ ". وَانْظُرْ فِي آخِرِ طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ وَثِيقَةَ مَنْ يَأْمُرُ مَمْلُوكَهُ بِأَنْ يَضْرِبَ أَوْ يَجْرَحَ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الِاسْتِقْرَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ حَقٌّ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ عَلَيْهِ غَيْرُ خَاصٍّ بِهِ جَازَ فِيهِ التَّوْكِيلُ.
وَقَوْلُنَا: " غَيْرُ خَاصٍّ بِهِ " احْتِرَازٌ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِغَيْرِهِ فَوَكَّلَ غَيْرَهُ عَلَى أَدَائِهَا فَإِنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّوْكِيلُ؛ لِأَنَّ حَلِفَ غَيْرِهِ غَيْرُ حَلِفِهِ فَهُوَ غَيْرُ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.

(بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُعْتَبَرُ الصِّيغَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَا يَقُومُ مَقَامَهَا كَالْإِشَارَةِ فِي حَقِّ الْآخَرِينَ.
وَفِي

الِاسْتِغْنَاءِ: كَفَالَةُ الْأَخْرَسِ جَائِزَةٌ إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ وَكَانَ رَشِيدًا يَعْقِلُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ.
اُنْظُرْ أَيْضًا قَدْ نَصُّوا أَنَّ الْعُرْفَ يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ بِالْوَكَالَةِ.
أَفْتَى أَصْبَغُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ وَعَادَتُهُمْ مَنْ وَجَدَ فَرَسًا لِجَارِهِ حِينَئِذٍ رَكِبَهُ لِيُنْجِيَهُ وَيَنْجُو هُوَ أَيْضًا فَفَعَلَ هَذَا رَجُلٌ، فَلَمَّا لَحِقَتْ بِهِ خَيْلُ الْعَدُوِّ تَطَارَحَ عَنْهُ وَرَقَى الْجَبَلَ وَأَخَذَ الْعَدُوُّ الْفَرَسَ قَالَ أَصْبَغُ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ كَالْوَكَالَةِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: قِيَاسًا عَلَى الْأَضَاحِيِّ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَالْأَنْكِحَةُ وَالْأَيْمَانُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: سَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحْكَمُ لِلزَّوْجِ بِحُكْمِ الْوَكِيلِ فِيمَا بَاعَ وَاشْتَرَى لِامْرَأَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ وَكَالَةٌ لِلْعُرْفِ الْجَارِي مِنْ تَصَرُّفِ الرِّجَالِ لِأَزْوَاجِهِمْ فِي أُمُورِهِنَّ.
اُنْظُرْ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ حَلَفَ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ، وَانْظُرْ هُنَاكَ دَعْوَى الْوَكِيلِ إلَى مُوَكِّلِهِ، وَمَوْتَ الزَّوْجِ وَالْوَكِيلِ يُحَدِّثَانِ مَا جَرَى ذَلِكَ عَلَى أَيْدِيهِمَا.

(لَا مُجَرَّدُ وَكَّلْتُكَ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ صِحَّتِهَا عِلْمُ مُتَعَلِّقَهَا خَاصًّا أَوْ عَامًّا بِلَفْظٍ أَوْ قَرِينَةٍ أَوْ عُرْفٍ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ، فَلَوْ أَتَى بِلَفْظِ التَّوْكِيلِ مُطْلَقًا كَأَنْتَ وَكِيلِي أَوْ وَكَّلْتُكَ فَطَرِيقَانِ.
فَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ: لَغْوٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَمْ يُفِدْ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا تَكُونُ الْوَكَالَةُ مُفَوَّضَةً فِي كُلِّ شَيْءٍ إذَا لَمْ يُسَمِّ فِيهَا شَيْئًا وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْوَكَالَةِ: إذَا طَالَتْ قَصُرَتْ وَإِذَا قَصُرَتْ طَالَتْ.
وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ إذَا قَالَ الرَّجُلُ: فُلَانٌ وَصِيِّ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ وَصِيًّا لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي مَالِهِ وَبُضْعِ بَنَاتِهِ وَإِنْكَاحِ بَنِيهِ الصِّغَارِ، وَهَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
اُنْظُرْ رَسْمَ أَسْلَمَ مِنْ

فصول الكتاب · 7 فصل · 674 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التاج والإكليل لمختصر خليل · 674 صفحة
المقدمة
ٍ: زَكَاةُ النَّعَمِ
ِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ)
َ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
خِيَارِ التَّرَوِّي
َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ
ضَمَانِ سِرَايَةِ الْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِي عَيْنِهِ أَوْ جِنْسِهِ
جارٍ التحميل