التفسير القيم (تفسير القرآن الكريم لابن القيم)فصل
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن القيم
الكتاب
تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
المؤلف
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
المحقق
مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
الناشر
دار ومكتبة الهلال - بيروت
الطبعة
الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

الشر الثالث: شر النّفاثات في العقد.
وهذا الشر هو شر السحر.
فإن النفاثات في العقد: هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط، وينفثن على كل عقدة، حتى ينعقد ما يردن من السحر.
والنفث: هو النفخ مع ريق.
وهو دون التّفل.
وهو مرتبة بينهما.
والنفث: فعل الساحر.
فإذا تكيّف نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك العقد نفخا معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى، مقترن بالريق الممازج لذلك.
وقد تساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور.
فيقع فيه السحر بإذن الله الكوني القدري.
لا الأمري الشرعي.
فإن قيل: فالسحر يكون من الذكور والإناث، فلم خص الاستعاذة من الإناث دون الذكور؟.
قيل في جوابه: إن هذا خرج على السبب الواقع، وهو أن بنات لبيد

ابن الأعصم سحرن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
هذا جواب أبي عبيدة وغيره.
وليس هذا بسديد.
فإن الذي سحر النبي صلّى الله عليه وسلّم هو لبيد بن الأعصم، لا بناته، كما جاء في الصحيح.
والجواب المحقق: أن النفاثات هنا: هن الأرواح والأنفس النفاثات لا النساء النفاثات.
لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة، والأرواح الشريرة وسلطانه إنما يظهر منها.
فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث، دون التذكير.
والله أعلم.
ففي الصحيح: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم طبّ، حتى إنه ليخيّل إليه أنه صنع شيئا وما صنعه، وإنه دعا ربه، ثم قال: أشعرت أن الله قد أفتاني فيما أستفتيه فيه؟ فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجليّ فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال الآخر: مطبوب.
قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم.
قال فيما ذا؟ قال: في مشط ومشاطة، وجفّ طلع ذكر.
قال: فأين هو؟ قال: في ذروان، بئر في بني زريق.
قالت عائشة رضي الله عنها فأتاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم رجع إلى عائشة فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحنّاء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين.
قالت: فقلت له: يا رسول الله، هلّا أخرجته؟ قال: أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرا.
فأمر بها، فدفنت» قال البخاري: وقال الليث وابن عيينة عن هشام «في مشط ومشاقة» . ويقال: إن المشاطة: ما يخرج من الشعر إذا مشط، والمشاقة: من مشاقة الكتان.
قلت: هكذا في هذه الرواية: أنه لم يخرجه، اكتفاء بمعافاة الله له.
وشفائه إياه.

وقد روى البخاري من حديث ابن عيينة قال: «أول من حدثنا به ابن جريج يقول: حدثني آل عروة عن عروة.
فسألت هشاما عنه؟ فحدثنا عن أبيه عن عائشة: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن.
قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، إذا كان كذا.
فقال: يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي.
فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب.
قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، رجل من بني زريق حليف ليهود.
وكان منافقا.
قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة.
قال: وأين؟ قال في جفّ طلع ذكر، تحت راعوفة في بئر ذروان.
قال: فأتي البئر حتى استخرجه.
فقال: هذه البئر التي أريتها، وكأنّ ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين.
قال: فاستخرج.
قالت.
فقلت: أفلا- أي تنشّرت-؟ قال: أمّا الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا» . ففي هذا الحديث: أنه استخرجه.
وترجم البخاري عليه: باب هل يستخرج السحر.
وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طبّ، ويؤخذ عن امرأته أيحلّ عنه وينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح.
فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه.
فهذان الحديثان قد يظن في الظاهر تعارضهما.
فإن حديث عيسى عن هشام عن أبيه: الأول فيه: أنه لم يستخرجه.
وحديث ابن جريج عن هشام فيه «أنه استخرجه» ولا تنافي بينهما.
فإنه استخرجه من البئر حتى رآه وعلمه، ثم دفنه بعد أن شفي.
وقول عائشة «هلا استخرجته؟» أي هلا أخرجته للناس حتى يروه ويعاينوه؟ فأخبرها بالمانع له من ذلك، وهو أن المسلمين لم يكونوا ليسكتوا عن ذلك، فيقع الإنكار، ويغضب للساحر قومه، فيحدث الشر.
وقد حصل المقصود بالشفاء والمعافاة.
فأمر بها

فدفنت، ولم يستخرجها للناس.
فالاستخراج الواقع غير الذي سألت عنه عائشة.
والذي يدل عليه: أنه صلّى الله عليه وسلّم إنما جاء إلى البئر ليستخرجها منه ولم يجيء لينظر إليها ثم ينصرف، إذ لا غرض له في ذلك.
والله أعلم.
وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقّى بالقبول بينهم.
لا يختلفون في صحته.
وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار.
وقابلوه بالتكذيب، وصنف بعضهم فيه مصنفا مفردا، حمل فيه على هشام.
وكان غاية ما أحسن القول فيه: أن قال: غلط، واشتبه عليه الأمر، ولم يكن من هذا شيء.
قال: لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يجوز أن يسحر.
فإنه يكون تصديقا لقول الكفار 17: 47 25: 8 إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً.
قالوا: وهذا كما قال فرعون لموسى 17: 101 إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً وكما قال قوم صالح له 26: 153 إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وكما قال قوم شعيب له 26: 85 إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ.
قالوا: فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا.
فإن ذلك ينافي حماية الله لهم، وعصمتهم من الشياطين.
وهذا الذي قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم.
فإن هشاما من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه.
فما للمتكلمين وما لهذا الشأن؟ وقد رواه غير هشام عن عائشة.
وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة.
والقصة مشهورة عن أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء.
وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين.
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن

حباب عن زيد بن أرقم قال «سحر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أياما.
قال: فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، وعقد لذلك عقدا.
فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليا.
فاستخرجها، فجاء بها، فجعل كلّما حلّ عقدة وجد لذلك خفّة.
فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كأنما نشط من عقال.
فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه قط» وقال ابن عباس وعائشة «كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فدنت إليه اليهود.
فلم يزالوا حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلّى الله عليه وسلّم، وعدّة أسنان من مشطه.
فأعطاها اليهود، فسحروه فيها، وتولّى ذلك لبيد بن الأعصم: رجل من اليهود.
فنزلت هاتان السورتان فيه» . قال البغوي: وقيل «كانت مغروزة بالأبر.
فأنزل الله عز وجل هاتين السورتين.
وهما أحد عشر آية: سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات فكلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها.
فقام النبي صلّى الله عليه وسلّم كأنما أنشط من عقال» قال: وروى أنه لبث فيه ستة أشهر، واشتد عليه ثلاثة أيام فنزلت المعوذتان.
قالوا: والسحر الذي أصابه كان مرضا من الأمراض عارضا شفاه الله منه.
ولا نقص في ذلك، ولا عيب بوجه ما.
فإن المرض يجوز على الأنبياء.
وكذلك الإغماء.
فقد أغمى عليه صلّى الله عليه وسلّم في مرضه، ووقع حين انفكّت قدمه وجحش شقّه وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته.
ونيل كرامته.
وأشد الناس بلاء الأنبياء.
فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به: من القتل، والضرب، والشتم، والحبس.
فليس ببدع أن يبتلى النبي صلّى الله عليه وسلّم من بعض أعدائه بنوع من السحر، كما ابتلى بالذي رماه فشجّه.
وابتلى بالذي ألقى على ظهره السّلا «1» وهو ساجد، وغير ذلك.
فلا نقص عليهم.
ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم، وعلو درجاتهم عند الله.1

قالوا: وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري «أن جبريل أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: نعم.
فقال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك» فعوّذه جبريل من شر كل نفس وعين حاسد، لما اشتكى.
فدل على أن هذا التعويذ مزيل لشاكيته صلّى الله عليه وسلّم، وإلّا فلا يعوذه من شيء وشكايته من غيره.
وقالوا: وأما الآيات التي استدللتم بها فلا حجة لكم فيها.
أما قوله تعالى عن الكفار: إنهم قالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً وقول قوم صالح وشعيب لهما إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ فقيل: المراد به من له سحر، وهي الرّثة، أي إنه بشر مثلهم، يأكل ويشرب، ليس بملك، وليس المراد به السحر.
وهذا جواب غير مرض.
وهو في غاية البعد.
فإن الكفار لم يكونوا يعبرون عن البشر بمسحور، ولا يعرف هذا في لغة من اللغات.
وحيث أرادوا هذا المعنى أتوا بصريح لفظ البشر، فقالوا: 36: 15 ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا و 23: 48 أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا و 17: 94 أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا.
وأما المسحور فلم يريدوا به ذا السّحر، وهي الرئة.
وأيّ مناسبة لذكر الرئة في هذا الموضع؟.
ثم كيف يقول فرعون لموسى إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً؟ أفتراه ما علم أن له سحرا، وأنه بشر؟.
ثم كيف يجيبه موسى بقوله: 17: 102 إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ولو أراد بالمسحور: أنه بشر لصدّقه موسى، وقال: نعم، أنا بشر أرسلني الله إليك، كما قالت الرسل لقومهم لما قالوا لهم 14: 10 إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فقالوا: 14: 11 إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ولم ينكروا ذلك.

فهذا الجواب في غاية الضعف.
وأجابت طائفة، منهم ابن جرير وغيره: بأن المسحور هنا هو معلّم السحر الذي قد علمه إياه غيره.
فالمسحور عنده: بمعنى ساحر، أي عالم بالسحر.
وهذا جيد إن ساعدت عليه اللغة.
وهو أن من علّم السحر يقال له مسحور.
ولا يكاد هذا يعرف في الاستعمال، ولا في اللغة.
وإنما المسحور من سحره غيره، كالمطبوب والمضروب والمقتول وبابه.
وأما من علّم السحر فإنه يقال له: ساحر، بمعنى أنه عالم بالسحر، وإن لم يسحر غيره.
كما قال قوم فرعون لموسى 7: 109 إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ففرعون قذفه بكونه مسحورا، وقومه قذفوه بكونه ساحرا.
فالصواب: هو الجواب الثالث.
وهو جواب صاحب الكشاف وغيره: أن «المسحور» على بابه.
وهو من سحر حتى جنّ.
فقالوا: مسحور، مثل مجنون أي زائل العقل، لا يعقل ما يقول.
فإن المسحور الذي لا يتّبع: هو الذي فسد عقله، بحيث لا يدرى ما يقول.
فهو كالمجنون.
ولهذا قالوا فيه 44: 14 مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ فأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض يصاب به الناس، فإنه لا يمنع ذلك من اتّباعه.
وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان، وإنما قذفوهم بما يحذّرون به سفهاءهم من أتباعهم.
وهو أنهم قد سحروا، حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون، بمنزلة المجانين.
ولهذا قال تعالى: 17: 48 انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ؟ فَضَلُّوا.
فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا مثّلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة، والمسحور أخرى.
فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تيهه وتحيّره طريقا يسلكه، فلا يقدر عليه.
فإنه أيّ طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة.
فهو متحير في أمره، لا يهتدي سبيلا، ولا يقدر على سلوكها.
فهكذا حال أعداء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معه، حتى ضربوا له أمثالا، برّأه الله منها.

وهو أبعد الله عنها.
وقد علم كل عاقل أنها كذب وافتراء وبهتان.
وأما قولكم: إن سحر الأنبياء ينافي حماية الله لهم فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم، فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس، فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء، صبروا ورضوا، وتأسّوا بهم، ولتمتلئ صاع الكفار فيستوجبون ما أعدّ لهم من النكال العاجل، والعقوبة الآجلة، فيمحقهم بسبب بغيهم وعدوانهم، فيعجل تطهير الأرض منهم.
فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم.
وله الحكمة البالغة، والنعمة السابغة لا إله غيره، ولا رب سواه.
وقد دل قوله: مِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ وحديث عائشة المذكور على تأثير السحر، وأن له حقيقة.
وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم.
وقالوا: إنه لا تأثير للسحر البتة لا في مرض، ولا قتل، ولا حل، ولا عقد.
قالوا: وإنما ذلك تخييل لأعين الناظرين، لا حقيقة له سوى ذلك.
وهذا خلاف ما تواترت به الآراء عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء، وأهل التفسير والحديث.
وما يعرفه عامة العقلاء.
والسحر الذي يؤثر مرضا وثقلا وعقدا وحبا وبغضا ونزيفا وغير ذلك من الآثار موجود، تعرفه عامة الناس.
وكثير منهم قد علمه ذوقا بما أصيب به منه، وقوله تعالى: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ دليل على أن هذا النفث يضر المسحور في حال غيبته عنه، ولو كان الضرر لا يحصل إلا بمباشرة البدن ظاهرا، كما يقوله هؤلاء.
لم يكن للنفث ولا للنفاثات شر يستعاذ منه.
وأيضا فإذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناظرين مع كثرتهم

حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به، مع أن هذا تغيير في إحساسهم، فما الذي يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم؟ وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية والتغيير الواقع في صفة أخرى من صفات النفس والبدن؟ فإذا غير إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركا، والمتصل منفصلا، والميت حيا، فما المحيل لأن يغير صفات نفسه، حتى يجعل المحبوب إليه بغيضا، والبغيض محبوبا، وغير ذلك من التأثيرات.
وقد قال تعالى عن سحرة فرعون إنهم 7: 155 سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ فبين سبحانه أن أعينهم سحرت.
وذلك إما أن يكون لتغيير حصل في المرئي، وهو الحبال والعصيّ، مثل أن يكون السحرة استغاثت بأرواح حركتها، وهي الشياطين.
فظنوا أنها تحركت بأنفسها.
وهذا كما إذا جرّ من لا تراه حصيرا أو بساطا فترى الحصير والبساط ينجر، ولا ترى الجار له، مع أنه هو الذي يجره، فهكذا حال الحبال والعصي التبستها الشياطين، فقلبتها كتقليب الحية.
فظن الرائي أنها تقلبت بأنفسها، والشياطين هم الذين يقلبونها.
وإما أن يكون التغيير حدث في الرائي.
حتى رأى الحبال والعصي تتحرك، وهي ساكنة في أنفسها.
ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه، حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف في المرئي باستغاثته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها.
وأما ما يقوله المنكرون: من أنهم فعلوا في الحبال والعصي ما أوجب حركتها ومشيها، مثل الزئبق وغيره، حتى سعت.
فهذا باطل من وجوه كثيرة.
فإنه لو كان كذلك لم يكن هذا خيالا، بل حركة حقيقية.
ولم يكن ذلك سحرا لأعين الناس، ولا يسمى ذلك سحرا، بل صناعة من الصناعات المشتركة.
وقد قال تعالى: 20: 66 فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ولو كانت تحركت بنوع حيلة- كما يقوله المنكرون- لم يكن هذا من السحر في شيء.
ومثل هذا لا يخفى.

وأيضا لو كان ذلك بحيلة- كما قال هؤلاء- لكان طريق إبطالها إخراج ما فيها من الزيبق.
وبيان ذلك المحال ولم يحتج إلى إلقاء العصا لابتلاعها.
وأيضا: فمثل هذه الحيلة لا يحتاج فيها إلى الاستعانة بالسحرة، بل يكفي فيها حذاق الصاع.
ولا يحتاج في ذلك إلى تعظيم فرعون للسحرة، وخضوعه لهم، ووعدهم بالتقريب والجزاء.
وأيضا: فإنه لا يقال في ذلك 20: 71، 26: 49 إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فإن الصناعات يشترك الناس في تعلمها وتعليمها.
وبالجملة: فبطلان هذا أظهر أن يتكلف رده، فلنرجع إلى المقصود.

فصول الكتاب · 363 فصل · 695 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التفسير القيم (تفسير القرآن الكريم لابن القيم) · 695 صفحة
سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة البقرةسورة البقرة (2) : آية 7سورة البقرة (2) : آية 10سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 18سورة البقرة (2) : آية 19فصلسورة البقرة (2) : آية 25سورة البقرة (2) : آية 30فصلسورة البقرة (2) : آية 36سورة البقرة (2) : آية 88سورة البقرة (2) : آية 94سورة البقرة (2) : آية 137سورة البقرة (2) : آية 165سورة البقرة (2) : آية 171سورة البقرة (2) : آية 179سورة البقرة (2) : آية 187سورة البقرة (2) : آية 216سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227سورة البقرة (2) : آية 235سورة البقرة (2) : آية 245سورة البقرة (2) : آية 261فصلسورة البقرة (2) : آية 262سورة البقرة (2) : آية 263سورة البقرة (2) : آية 264سورة البقرة (2) : آية 265سورة البقرة (2) : آية 266سورة البقرة (2) : آية 267سورة البقرة (2) : آية 268سورة البقرة (2) : آية 271سورة البقرة (2) : آية 273سورة البقرة (2) : آية 278سورة البقرة (2) : آية 279سورة البقرة (2) : آية 282سورة آل عمرانسورة آل عمران (3) : آية 18فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة آل عمران (3) : آية 19سورة آل عمران (3) : آية 26سورة آل عمران (3) : آية 43سورة آل عمران (3) : آية 44سورة آل عمران (3) : الآيات 93 الى 95سورة آل عمران (3) : الآيات 116 الى 117سورة آل عمران (3) : آية 160سورة آل عمران (3) : آية 200سورة النساءسورة النساء (4) : آية 3سورة النساء (4) : آية 95سورة النساء (4) : آية 96سورة النساء (4) : آية 88سورة النساء (4) : آية 113سورة المائدةسورة المائدة (5) : آية 2سورة المائدة (5) : آية 3سورة الأنعامسورة الأنعام (6) : الآيات 8 الى 9سورة الأنعام (6) : الآيات 108 الى 110سورة الأعرافسورة الأعراف (7) : آية 32سورة الأعراف (7) : الآيات 55 الى 56سورة الأعراف (7) : آية 205سورة الأعراف (7) : آية 55فصلسورة الأعراف (7) : آية 56فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة الأعراف (7) : الآيات 57 الى 58سورة الأعراف (7) : آية 157سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 176سورة الأعراف (7) : آية 189سورة الأنفالسورة الأنفال (8) : آية 17سورة الأنفال (8) : آية 24سورة الأنفال (8) : آية 64سورة التوبة (9) : آية 46سورة التوبة (9) : آية 47سورة التوبة (9) : آية 103فصلسورة يونسسورة يونس (10) : آية 23سورة يونس (10) : آية 25سورة يونس (10) : آية 30سورة يونس (10) : آية 58سورة يونس (10) : آية 87سورة هودسورة هود (11) : آية 23سورة هود (11) : آية 24سورة هود (11) : آية 32سورة هود (11) : آية 56سورة يوسفسورة يوسف (12) : آية 30سورة يوسف (12) : آية 40سورة يوسف (12) : آية 53سورة يوسف (12) : آية 101سورة يوسف (12) : آية 108سورة الرعدسورة الرعد (13) : آية 8سورة الرعد (13) : آية 17سورة الرعد (13) : آية 28سورة إبراهيمسورة إبراهيم (14) : آية 18سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 25فصلسورة إبراهيم (14) : آية 27سورة الحجرسورة الحجر (15) : آية 21سورة الحجر (15) : آية 75سورة النحلسورة النحل (16) : الآيات 75 الى 76فصلسورة النحل (16) : آية 99سورة النحل (16) : آية 125سورة الأسراءسورة الإسراء (17) : الآيات 80 الى 82سورة الإسراء (17) : آية 82سورة الكهفسورة الكهف (18) : آية 28سورة الكهف (18) : آية 57سورة الكهف (18) : آية 101سورة مريمسورة مريم (19) : آية 39سورة طهسورة طه (20) : آية 10سورة طه (20) : الآيات 118 الى 119سورة طه (20) : آية 124فصلفصلسورة الأنبياءسورة الأنبياء (21) : آية 83سورة الأنبياء (21) : آية 107سورة الحجسورة الحج (22) : آية 1سورة الحج (22) : الآيات 30 الى 31سورة الحج (22) : آية 73سورة المؤمنونسورة المؤمنون (23) : الآيات 10 الى 11سورة المؤمنون (23) : آية 91سورة النورسورة النور (24) : آية 35فصلسورة النور (24) : الآيات 39 الى 40فصلفصلفصلسورة الفرقانسورة الفرقان (25) : آية 44سورة الفرقان (25) : آية 45سورة الفرقان (25) : آية 46سورة الفرقان (25) : آية 55سورة الفرقان (25) : آية 73سورة الشعراءسورة الشعراء (26) : آية 89سورة الشعراء (26) : آية 98سورة النملسورة النمل (27) : آية 59سورة القصصسورة القصص (28) : آية 47سورة القصص (28) : الآيات 71 الى 72سورة العنكبوتسورة العنكبوت (29) : آية 41سورة العنكبوت (29) : آية 45سورة الرومسورة الروم (30) : آية 28سورة الروم (30) : آية 41سورة سبأسورة سبإ (34) : آية 22سورة فاطرسورة فاطر (35) : آية 15سورة يسسورة يس (36) : آية 8سورة يس (36) : آية 9سورة الصافاتسورة الصافات (37) : آية 78سورة الصافات (37) : آية 79سورة الصافات (37) : آية 130سورة صسورة ص (38) : آية 50سورة ص (38) : آية 75سورة الزمرسورة الزمر (39) : آية 29سورة الزمر (39) : آية 62سورة الزمر (39) : آية 73سورة الزمر (39) : آية 75سورة غافرسورة غافر (40) : آية 37سورة حم السجدةسورة فصلت (41) : آية 16سورة الشورىسورة الشورى (42) : آية 11سورة الشورى (42) : آية 49سورة الشورى (42) : آية 50سورة الشورى (42) : آية 52سورة الدخانسورة الدخان (44) : آية 51سورة الدخان (44) : آية 54سورة الجاثيةسورة الجاثية (45) : آية 23سورة الأحقافسورة الأحقاف (46) : آية 15سورة محمدسورة محمد (47) : آية 24سورة الحجراتسورة الحجرات (49) : آية 6سورة الحجرات (49) : آية 12سورة الحجرات (49) : آية 13سورة قسورة ق (50) : آية 37سورة الذارياتسورة الذاريات (51) : آية 24سورة الذاريات (51) : آية 25سورة الذاريات (51) : آية 26سورة الذاريات (51) : آية 27سورة الطورسورة الطور (52) : آية 21سورة النجمسورة النجم (53) : آية 8سورة النجم (53) : آية 12سورة النجم (53) : آية 32سورة الرحمنسورة الرحمن (55) : آية 26سورة الرحمن (55) : آية 54سورة الرحمن (55) : آية 56سورة الرحمن (55) : آية 58سورة الرحمن (55) : آية 70سورة الرحمن (55) : آية 72سورة الرحمن (55) : آية 76فصلفصلسورة الواقعةسورة الواقعة (56) : آية 35سورة الواقعة (56) : آية 37سورة الواقعة (56) : آية 74سورة الواقعة (56) : آية 79سورة الحديدسورة الحديد (57) : آية 27سورة الحديد (57) : آية 28سورة المجادلةسورة المجادلة (58) : آية 2سورة الصفسورة الصف (61) : آية 5سورة الجمعةسورة الجمعة (62) : آية 5سورة المنافقونسورة المنافقون (63) : آية 9سورة التحريمسورة التحريم (66) : آية 4سورة التحريم (66) : آية 10سورة التحريم (66) : آية 11سورة التحريم (66) : آية 12سورة نسورة القلم (68) : آية 48سورة المزملسورة المزمل (73) : آية 8سورة المدثرسورة المدثر (74) : آية 4سورة المدثر (74) : الآيات 49 الى 51سورة القيامةسورة القيامة (75) : آية 36سورة النبأسورة النبإ (78) : الآيات 31 الى 33سورة التكويرسورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 3سورة المطففينسورة المطففين (83) : آية 14سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى 20سورة الانشقاقسورة الانشقاق (84) : آية 19سورة الطارقسورة الطارق (86) : الآيات 5 الى 7سورة والشمس وضحاهاسورة الشمس (91) : الآيات 9 الى 10سورة الضحىسورة الضحى (93) : آية 11سورة التكاثرسورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8فصلسورة الكافرونسورة الكافرون (109) : الآيات 3 الى 6سورة الكافرون (109) : آية 6سورة الفلقسورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 6الفصل الأولالفصل الثانيفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة الناسسورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6فصلفصلفصلفصلقاعدة نافعة
جارٍ التحميل