كتاب الزكاة
# ٥٥٥ - عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله.
فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة.
فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم» متفق عليه، واللفظ للبخاري.
# ٥٥٦ - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما استخلف، كتب له حين وجهه إلى البحرين هذا الكتاب - وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: (محمد) سطر، و(رسول) سطر، و(الله) سطر -:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط.
في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم؛ في كل خمس: شاة.
فإذا بلغت خمسا وعشرين، إلى خمس وثلاثين؛ ففيها: بنت مخاض أنثى، فإن لم تكن ابنة مخاض: فابن لبون ذكر.
فإذا بلغت ستا وثلاثين، إلى خمس وأربعين؛ ففيها: ابنة لبون أنثى.
فإذا بلغت ستا وأربعين، إلى ستين؛ ففيها: حقة - طروقة الجمل -.
فإذا بلغت واحدة وستين، إلى خمس وسبعين؛ ففيها: جذعة.
فإذا بلغت ستا وسبعين، إلى تسعين؛ ففيها: بنتا لبون.
فإذا بلغت إحدى وتسعين، إلى عشرين ومئة؛ ففيها: حقتان - طروقتا الجمل -.
فإذا زادت على عشرين ومئة؛ ففي كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين: حقة.
ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل؛ فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
فإذا بلغت خمسا من الإبل؛ ففيها: شاة.
وفي صدقة الغنم في سائمتها؛ إذا كانت أربعين، إلى عشرين ومئة شاة: شاة.
فإذا زادت على عشرين ومئة، إلى مئتين؛ ففيها: شاتان.
فإذا زادت على مئتين، إلى ثلاث مئة؛ ففيها: ثلاث شياه.
فإذا زادت على ثلاث مئة؛ ففي كل مئة: شاة.
فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة؛ فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية.
ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس، إلا أن يشاء المصدق.
وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومئة؛ فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها.
ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة؛ فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما.
ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة؛ فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين.
ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا ابنة لبون؛ فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما.
ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة؛ فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين.
ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده، وعنده بنت مخاض؛ فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين.
ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده، وعنده بنت لبون؛ فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين.
فإن لم يكن عنده ابنة مخاض على وجهها وعنده ابن لبون؛ فإنه يقبل منه، وليس معه شيء» رواه البخاري.
# ٥٥٧ - وعن مسروق، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة: تبيعا - أو تبيعة -، ومن كل أربعين: مسنة، ومن كل حالم: دينارا أو عدله معافر» رواه أحمد - وهذا لفظه -، وأبو داود، والترمذي - وحسنه -، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم - وقال: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه» -.
# ٥٥٨ - وعن ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا جلب، ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم؛ إلا في دورهم» رواه أبو داود.
# ٥٥٩ - وللإمام أحمد، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم».
# ٥٦٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» متفق عليه.
ولمسلم: «ليس في العبد صدقة؛ إلا صدقة الفطر».
ولأبي داود: «ليس في الخيل والرقيق زكاة؛ إلا زكاة الفطر في الرقيق».
# ٥٦١ - وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «في كل سائمة إبل: في أربعين بنت لبون، لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا بها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله؛ عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شيء» رواه أحمد، وأبو داود - وهذا لفظه -، والنسائي - وعند أحمد، والنسائي: «وشطر إبله» -، والحاكم - وقال: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» -.
وقال أحمد: «هو عندي صالح الإسناد»، وقال الشافعي: «لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت قلت به».
وذكر ابن حبان: أن بهزا كان يخطئ كثيرا، ولولا روايته هذا الحديث لأدخله في الثقات، قال: «وهو ممن أستخير الله فيه».
وفي قوله نظر؛ بل هذا الحديث صحيح، وبهز ثقة عند أحمد، وإسحاق، وابن معين، وابن المديني، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، والله أعلم.
# ٥٦٢ - وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم - وسمى آخر - عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور، عن علي رضي الله عنه،
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا كانت لك مئتا درهم، وحال عليها الحول؛ ففيها خمسة دراهم.
وليس عليك شيء - يعني: في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارا.
فإذا كانت لك عشرون دينارا، وحال عليها الحول؛ ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك.
قال: فلا أدري: أعلي يقول: فبحساب ذلك، أو رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
إلا أن جريرا قال: ابن وهب يزيد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول».
قال أبو داود: «رواه شعبة وسفيان وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، ولم يرفعوه».
وعاصم بن ضمرة: وثقه أحمد، وابن معين، وابن المديني، والعجلي، وغيرهم، وتكلم فيه السعدي، وابن حبان، وابن عدي، والبيهقي، وغيرهم، وقال النسائي: «ليس به بأس»، وقال الثوري: «كنا نعرف فضل حديث عاصم على حديث الحارث».
باب زكاة المعشرات
# ٥٦٣ - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة.
وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة.
وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة» رواه مسلم.
# ٥٦٤ - وفي لفظ له من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: «ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة».
وفي لفظ له بدل التمر: «ثمر» - بالثاء المثلثة -.
# ٥٦٥ - وعن سالم بن عبد الله، عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا: العشر، وفيما سقي بالنضح: نصف العشر» رواه البخاري.
ولأبي داود: «فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا: العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح: نصف العشر».
وإسناده على رسم مسلم.
# ٥٦٦ - وعن سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثهما إلى اليمن، فأمرهما أن يعلما الناس أمر دينهم، وقال: لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر» رواه الطبراني، والحاكم.
وطلحة: روى له مسلم.
# ٥٦٧ - وعن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمه موسى بن طلحة، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فيما سقت السماء والبعل والسيل: العشر، وفيما سقي بالنضح: نصف العشر - وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب.
فأما القثاء والبطيخ والرمان والقضب؛ فقد عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -» رواه الدارقطني، والحاكم - واللفظ له، وقال: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» -.
وزعم أن موسى بن طلحة: تابعي كبير؛ لا ينكر أن يدرك أيام معاذ رضي الله عنه، كذا قال.
وإسحاق بن يحيى: تركه أحمد، والنسائي، وغيرهما.
وقال أبو زرعة: «موسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمر رضي الله عنه؛ مرسل».
ومعاذ: توفي في خلافة عمر رضي الله عنهما، فرواية موسى عنه أولى بالإرسال.
وقد قيل: إن موسى ولد في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه سماه، ولم يثبت، وقيل: إنه صحب عثمان مدة.
والمشهور في هذا: ما رواه الثوري، عن عمرو بن عثمان، عن موسى بن طلحة قال: «عندنا كتاب معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر».
# ٥٦٨ - وعن عبد الرحمن بن مسعود قال: «جاء سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه إلى مجلسنا، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ قال: إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث؛ فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم البستي، والحاكم - وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد» -.
وقال البزار: «ولم يروه عن سهل رضي الله عنه إلا عبد الرحمن بن مسعود بن نيار، وهو معروف».
وقال ابن القطان: «هذا غير كاف فيما ينبغي من عدالته، فكم من معروف غير ثقة، والرجل لا يعرف له حال، ولا يعرف بغير هذا».
كذا قال، وفيه نظر.
# ٥٦٩ - وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن لونين من التمر: الجعرور، ولون الحبيق، قال: وكان الناس يتيممون شر ثمارهم فيخرجونها في صدقاتهم؛ فنزلت: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾» رواه أبو داود، والطبراني - وهذا لفظه -، والحاكم - وقال: «صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه» -.
وقد روي مرسلا؛ قال الدارقطني: «وهو الأولى بالصواب».
# ٥٧٠ - وعن سليمان بن موسى، عن أبي سيارة المتعي رضي الله عنه قال: «قلت: يا رسول الله! إن لي نحلا، قال: أد العشر، قلت: يا رسول الله! احمها لي، فحماها لي» رواه أحمد، وابن ماجه - وهذا لفظه -.
وقال البيهقي: «هذا أصح ما روي في وجوب العشر فيه، وهو منقطع»، وقال البخاري، وغيره: «ليس في زكاة العسل شيء يصح».
باب في الحلي والعروض إذا كانت للتجارة
# ٥٧١ - عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة رضي الله عنها: «أنها كانت تلبس أوضاحا من ذهب، فسألت عن ذلك نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: أكنز هو؟ فقال: إذا أديت زكاته فليس بكنز» رواه أبو داود، والدارقطني - وهذا لفظه -، والحاكم - وقال: «صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه» -.
وقال البيهقي: «يتفرد به ثابت بن عجلان».
وهذا لا يضر؛ فإن ثابتا وثقه ابن معين، وروى له البخاري، والله أعلم.
# ٥٧٢ - وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «أما بعد: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع» رواه أبو داود.
# ٥٧٣ - وروى البيهقي بإسناده عن أحمد بن حنبل، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «ليس في العروض زكاة؛ إلا ما كان للتجارة».
باب زكاة المعدن والركاز
# ٥٧٤ - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» متفق عليه.
# ٥٧٥ - وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ من المعادن القبلية الصدقة.
وأنه أقطع بلال بن الحارث رضي الله عنه العقيق أجمع.
فلما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لبلال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقطعك إلا لتعمل، قال: فأقطع عمر بن الخطاب للناس العقيق».
رواه البيهقي، وشيخه الحاكم، من حديث نعيم بن حماد، عن الدراوردي، عنه.
وقال الحاكم: «احتج البخاري بنعيم بن حماد، ومسلم بالدراوردي، وهذا حديث صحيح، ولم يخرجاه».
كذا قال، والمشهور ما رواه مالك، عن ربيعة، عن غير واحد من علمائهم: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية؛ وهي من ناحية الفرع؛ فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم».
قال الشافعي: «ليس هذا مما يثبت أهل الحديث، ولو ثبتوه لم تكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا إقطاعه، فأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه».
باب صدقة الفطر
# ٥٧٦ - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير؛ على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
وفي لفظ: «فعدل الناس به نصف صاع من بر».
# ٥٧٧ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كنا نعطيها في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم صاعا من طعام، أو صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، أو صاعا من زبيب، فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: أرى مدا من هذا يعدل مدين» متفق عليه، واللفظ للبخاري.
وفي لفظ: «أو صاعا من أقط».
وقال أبو داود: حدثنا حامد بن يحيى، حدثنا سفيان قال: وحدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن ابن عجلان سمع عياضا قال: سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: «لا أخرج أبدا إلا صاعا؛ إنا كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاع تمر، أو شعير، أو أقط، أو زبيب، هذا حديث يحيى.
زاد سفيان بن عيينة فيه: أو صاعا من دقيق، قال حامد: فأنكروا عليه فتركه سفيان، قال أبو داود: فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة».
وقال النسائي: «لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث: دقيق؛ غير ابن عيينة»، وقال البيهقي: «ورواه جماعة عن ابن عجلان؛ منهم: حاتم بن إسماعيل - ومن ذلك الوجه أخرجه مسلم في «الصحيح» -، ويحيى القطان، وأبو خالد الأحمر، وحماد بن مسعدة، وغيرهم؛ فلم يذكر أحد منهم الدقيق غير سفيان، وقد أنكر عليه فتركه».
# ٥٧٨ - وعن أبي يزيد الخولاني، عن سيار بن عبد الرحمن، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم - وقال: «صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه» -.
وليس كما قال؛ فإن سيارا وأبا يزيد لم يخرج لهما الشيخان.
وأبو يزيد الخولاني: هو الصغير، قال فيه مروان بن محمد: «كان شيخ صدق».
وسيار: قال أبو زرعة: «لا بأس به»، وقال أبو حاتم: «شيخ»، وذكره ابن حبان في «الثقات».
وقال الدارقطني في رواة هذا الحديث: «ليس فيهم مجروح»، وقال أبو محمد المقدسي: «هذا إسناد حسن»، والله أعلم.
باب قسم الصدقات
# ٥٧٩ - عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تحل الصدقة لغني؛ إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى منها لغني» رواه الإمام أحمد - وهذا لفظه -، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم - وقال: «على شرطهما» -.
وقد روي مرسلا، وهو الصحيح؛ قاله الدارقطني.
وقال البزار: «رواه غير واحد عن زيد، عن عطاء بن يسار مرسلا، وأسنده عبد الرزاق، عن معمر والثوري، وإذا حدث بالحديث ثقة فأسنده؛ كان عندي الصواب، وعبد الرزاق عندي ثقة، ومعمر ثقة».
# ٥٨٠ - وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار: «أن رجلين حدثاه أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر فرآهما جلدين، فقال: إن شئتما؛ ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب» رواه الإمام أحمد - وقال: «ما أجوده من حديث!» -، وأبو داود، والنسائي - وهذا لفظه -.
# ٥٨١ - وعن قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله عنه قال: «تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة
فنأمر لك بها، قال: ثم قال: يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة:
رجل تحمل حمالة؛ فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك.
ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله؛ فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش -.
ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة؛ فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش -.
فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت؛ يأكلها صاحبها سحتا» رواه مسلم، وخرجه أبو داود - وقال: «حتى يقول» باللام -.
# ٥٨٢ - وعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه قال: «اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا: والله! لو بعثنا هذين الغلامين - قال لي وللفضل بن عباس - إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكلماه، فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدي الناس، وأصابا ما يصيب الناس.
قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك.
فقال علي: لا تفعلا، فوالله! ما هو بفاعل.
فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله! ما تصنع هذا إلا نفاسة
منك علينا، فوالله لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما نفسناه عليك.
قال علي: أرسلوهما، فانطلقا واضطجع.
قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر سبقاه إلى الحجرة، فقمنا عندها، حتى جاء فأخذ بآذاننا، ثم قال: أخرجا ما تصرران، ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش.
قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله! أنت أبر الناس، وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون.
قال: فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، قال: وجعلت زينب تلمع إلينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه.
قال: ثم قال: إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد؛ إنما هي أوساخ الناس، ادعوا لي محمية - وكان على الخمس - ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، قال: فجاآه.
فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك - للفضل بن عباس - فأنكحه.
وقال لنوفل بن الحارث: أنكح هذا الغلام ابنتك - لي - فأنكحني.
وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا»، قال الزهري: ولم يسمه لي.
وفي طريق أخرى: «فألقى علي رداءه، ثم اضطجع عليه، وقال: أنا أبو حسن القرم، والله! لا أريم مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما بحور ما بعثتما به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم».
وقال في الحديث: «ثم قال لنا: إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد» رواه مسلم.
# ٥٨٣ - وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: «مشيت أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقلنا: يا رسول الله! أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد» رواه البخاري.
# ٥٨٤ - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: «أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس؛ كل إنسان منهم مئة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيـ … ـد بين عيينة والأقرع
فما كان بدر ولا حابس … يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما … ومن تخفض اليوم لا يرفع
قال: فأتم له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مئة».
وفي رواية: «وأعطى علقمة بن علاثة مئة» رواه مسلم.
# ٥٨٥ - وعن أبي رافع رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث رجلا على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني؛ فإنك تصيب منها، قال: حتى آتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسأله.
فأتاه فسأله، فقال: مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة» رواه الإمام أحمد، وأبو داود - وهذا لفظه -، والنسائي، والترمذي - وقال: «حديث حسن صحيح» -.
# ٥٨٦ - وعن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطي عمر العطاء، فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله! أفقر إليه مني.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا؛ فلا تتبعه نفسك.
قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يسأل أحدا شيئا، ولا يرد شيئا أعطيه» رواه مسلم.
باب في المسألة
# ٥٨٧ - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم» متفق عليه.
# ٥٨٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سأل الناس أموالهم تكثرا؛ فإنما يسأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر» رواه مسلم.
# ٥٨٩ - وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه؛ خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه» رواه البخاري.
# ٥٩٠ - وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه؛ إلا أن يسأل الرجل سلطانا، أو في أمر لا بد منه» رواه الترمذي - وصححه -.
# ٥٩١ - وعن ابن الفراسي: «أن الفراسي رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أسأل؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا، وإن كنت سائلا لا بد فاسأل الصالحين» رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي.
باب صدقة التطوع
# ٥٩٢ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد.
ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه.
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله.
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» متفق عليه.
# ٥٩٣ - وعن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس - أو قال: حتى يحكم بين الناس -. قال يزيد: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء؛ ولو كعكة أو بصلة» رواه الحاكم - وقال: «صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه» -.
# ٥٩٤ - وعن أبي خالد - الذي كان ينزل في بني دالان -، عن نبيح، عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أيما مسلم كسا ثوبا على عري؛ كساه الله من خضر الجنة.
وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع؛ أطعمه الله من ثمار الجنة.
وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ؛ سقاه الله من الرحيق المختوم» رواه أبو داود.
ونبيح العنزي: وثقه أبو زرعة، وابن حبان.
وأبو خالد - واسمه: يزيد -: وقد وثقه أبو حاتم الرازي، وقال ابن معين، والنسائي: «ليس به بأس»، وقال الحاكم أبو أحمد: «لا يتابع في بعض حديثه».
# ٥٩٥ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل.
وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة» متفق عليه.
# ٥٩٦ - وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله» رواه البخاري بهذا اللفظ، وروى مسلم أكثره.
# ٥٩٧ - وعن أبي الزبير، عن يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قالوا: يا رسول الله! أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، وابدأ بمن تعول» رواه أحمد - وهذا لفظه -، وأبو داود، والحاكم - وقال: «على شرط مسلم» -.
وليس كذلك؛ فإن يحيى لم يرو له مسلم، لكن وثقه أبو حاتم، وغيره.
# ٥٩٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تصدقوا، فقال رجل: يا رسول الله! عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك.
قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك.
قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك.
قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك.
قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر» رواه أبو داود، والنسائي - وهذا لفظه -، وصححه الحاكم.
# ٥٩٩ - وعن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر - إن سبقته يوما -؛ فجئت بنصف مالي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله.
قال: وأتى أبو بكر بكل ما عنده.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا» رواه عبد بن حميد في «مسنده»، وأبو داود - وهذا لفظه -، والترمذي - وقال: «حديث صحيح» -.
وقد أخطأ من تكلم فيه لأجل هشام؛ فإن مسلما روى له، وقال أبو داود: «هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم».
# ٦٠٠ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة؛ كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا».
وفي رواية: «من بيت زوجها» متفق عليه.
# ٦٠١ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف، فوعظ الناس، وأمرهم بالصدقة، فقال: أيها الناس! تصدقوا.
فمر على النساء، فقال: يا معشر النساء! تصدقن؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار.
فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟!
قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء!
ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءت زينب - امرأة عبد الله بن مسعود - تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله! هذه زينب، فقال: أي الزيانب؟
فقيل: امرأة ابن مسعود، قال: نعم، ائذنوا لها، فأذن لها.
فقالت: يا نبي الله! إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به؛ فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: صدق ابن مسعود؛ زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم» رواه البخاري.
• • •