أريد لأنسى ذكرها فكأنما … تمثل لي ليلى بكل سبيل ١
وقال آخر ٢:
يراد من القلب نسيانكم … وتأبى الطباع على الناقل ٣
وخص في الحديث ٤ السمع والبصر واليد والرجل بالذكر، فإن هذه الآلات آلات الإدراك، وآلات الفعل، والسمع والبصر يوردان على القلب الإرادة والكراهة، ويجلبان إليه الحب والبغض، فيستعمل اليد والرجل.
فإذا كان سمع العبد بالله وبصره بالله كان محفوظا في آلات إدراكه، وكان ٥ محفوظا في حبه وبغضه، فحفظ في بطشه ومشيه.
وتأمل كيف اكتفى بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان.
فإنه إذا كان إدراك السمع الذي يحصل باختياره تارة وبغير اختياره تارة، وكذلك البصر قد يقع بغير الاختيار فجأة ٦، وكذلك حركة اليد والرجل التي لابد للعبد منها؛ فكيف بحركة اللسان التي لا تقع ٧ إلا بقصد واختيار، وقد يستغني العبد عنها إلا حيث أمر بها؟ وأيضا فانفعال اللسان عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح، فإنه ترجمانه ورسوله ٨.
وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به عند سمعه وبصره وبطشه ومشيه، بقوله: "كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" تحقيقا لكونه مع عبده،
وكون عبده به، في إدراكاته بسمعه وبصره، وحركاته بيده ورجله؟ وتأمل كيف قال: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش"، ولم يقل: فلي يسمع، ولي يبصر، ولي يبطش؟ ١.
وربما يظن الظان أن اللام أولى بهذا الموضع، إذ هي أدل على الغاية ووقوع هذه الأمور لله، وذلك أخص من وقوعها به.
وهذا من الوهم والغلط، إذ ليست الباء ها هنا لمجرد الاستعانة، فإن حركات الأبرار والفجار وإدراكاتهم إنما هي بمعونة الله لهم، وإنما الباء ها هنا للمصاحبة، أي: إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشي، وأنا صاحبه ومعه ٢، كقوله في الحديث ٣ الآخر: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" ٤.
وهذه هي ١ المعية الخاصة المذكورة في قوله: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" ٢، وقوله تعالى: ﴿وإن الله لمع المحسنين (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقوله: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨] وقوله: ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦] وقوله: ﴿قال كلا إن معي ربي سيهدين (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] ٣.
فهذه الباء مفيدة لمعنى هذه المعية ٤ دون اللام.
ولا يتأتى للعبد الإخلاص والصبر والتوكل ونزوله في منازل العبودية إلا بهذه الباء وهذه المعية.
فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق، وانقلبت المخاوف في حقه أمانا.
فبالله يهون كل صعب، ويسهل كل عسير، ويقرب كل بعيد.
وبالله تزول الهموم والغموم ١ والأحزان.
فلا هم مع الله، ولا غم ٢، ولا حزن، إلا حيث يفوته ٣ معنى هذه الباء، فيصير قلبه حينئذ كالحوت إذا فارق الماء، يثب ويتقلب ٤ حتى يعود إليه.
ولما حصلت ٥ هذه الموافقة من العبد لربه في محابه حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه، فقال: "ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه" أي: كما وافقني في مرادي بأمتثال أوامري والتقرب إلي بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله به ٦، ويستعيذني أن يناله.
وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين، حتى اقتضى تردد الرب سبحانه؛ في إماتة عبده، لأنه يكره الموت، والرب تعالى يكره ما يكرهه عبده ويكره مساءته؛ فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته.
ولكن مصلحته في إماتته، فإنه ما أماته إلا ليحييه، ولا أمرضه ٧ إلا ليصحه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنة في صلب أبيه إلا ليعيده إليها على أحسن أحواله، ولم يقل لأبيه: اخرج منها، إلا هو يريد أن يعيده إليها ٨.
فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه، بل لو كان في كل منبت شعرة من العبد محبة تامة لله لكان بعض ما يستحقه على عبده:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى … ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى … وحنينه أبدا لأول منزل ١
فصل
ثم التتيم، وهو آخر مراتب الحب، وهو تعبد المحب لمحبوبه.
يقال: تيمه الحب إذا عبده.
ومنه تيم الله، أي عبد الله.
وحقيقة التعبد: الذل والخضوع للمحبوب.
ومنه قولهم: "طريق معبد" أي مذلل قد ذللته الأقدام.
فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه.
ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته هي العبودية، فلا منزل له أشرف منها.
وقد ذكر الله سبحانه أكرم الخلق عليه وأحبهم إليه -وهو رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم - بالعبودية في أشرف مقاماته، وهي: مقام الدعوة إليه، ومقام التحدي بالنبوة، ومقام الإسراء ٢، فقال: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (١٩)﴾ [الجن: ١٩] وقال: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣] وقال: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾.
وفي حديث الشفاعة: "اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" ١.
فنال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفرة الله له.
والله ٢ سبحانه خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، التي هي أكمل أنواع المحبة، مع أكمل أنواع الخضوع والذل.
وهذا هو حقيقة الإسلام وملة إبراهيم التي من رغب عنها فقد سفه نفسه.
قال ٣ تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (١٣٠) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (١٣١) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (١٣٢) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٣].
ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به.
و