الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)صفحات 137-176

١، وتمحق بركته، ولابد؛ فإن البر كما يزيد في العمر، فالفجور ٢ يقصر العمر.

وقد اختلف ٣ الناس في هذا الموضع.
فقالت طائفة: نقصان عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه.
وهذا حق، وهو بعض تأثير المعاصي.

وقالت طائفة: بل تنقصه ٤ حقيقة، كما ينقص الرزق.
فجعل الله سبحانه للبركة في الرزق أسبابا تكثره وتزيده، وللبركة في العمر أسبابا تكثره وتزيده ٥.

قالوا: ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب.
والأرزاق ٦ والآجال، والسعادة والشقاوة، والصحة والمرض، والغنى والفقر، وإن كانت بقضاء الرب عز وجل، فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية لها.

وقالت طائفة أخرى: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن

حقيقة الحياة هي حياة القلب، ولهذا ١ جعل الله سبحانه الكافر ميتا غير حي، كما قال تعالى: ﴿أموات غير أحياء﴾ [النحل: ٢١]، فالحياة في الحقيقة حياة القلب، وعمر الإنسان مدة حياته، فليس عمره إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره.
فالبر والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها.

وبالجملة، فالعبد إذا أعرض عن الله، واشتغل بالمعاصي، ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول: ﴿يقول يا ليتني قدمت لحياتي (٢٤)﴾ [الفجر: ٢٤].
فلا يخلو إما أن يكون له ٢ مع ذلك تطلع إلى مصالحه الدنيوية والأخروية، أو لا.
فإن لم يكن له تطلع إلى ذلك ٣، فقد ضاع عليه عمره كله، وذهبت حياته باطلا.
وإن كان له تطلع إلى ذلك ٤ طالت عليه الطريق بسبب العوائق، وتعسرت عليه أسباب الخير، بحسب اشتغاله بأضدادها، وذلك نقصان حقيقي من عمره.

وسر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته، ولا حياة له إلا بإقباله على ربه ٥، والتنعم بحبه وذكره، وإيثار مرضاته.

فصل

ومنها: أن المعاصي تزرع أمثالها ويولد ١ بعضها بعضا حتى يعز ٢ على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ٣.
فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جانبها: اعملني أيضا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلم جرا، فتضاعف الربح ٤، وتزايدت الحسنات.
وكذلك جانب ٥ السيئات أيضا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة.
فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحس من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء، حتى يعاودها، فتسكن نفسه، وتقر عينه.

ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاق صدره، وأعيت عليه مذاهبه، حتى يعاودها.
حتى إن كثيرا من الفساق ليواقع ٦ المعصية من غير لذة يجدها، ولا داعية إليها، إلا لما

يجد من الألم بمفارقتها؛ كما صرح بذلك شيخ القوم الحسن بن هانئ حيث يقول:

وكأس شربت على لذة … وأخرى تداويت منها بها ١

وقال آخر ٢:

فكانت دوائى وهي دائي بعينه … كما يتداوى شارب الخمر بالخمر ٣

ولا يزال العبد يعاني الطاعة، ويألفها، ويحبها، ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها ٤ أزا، وتحرضه عليها، وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها ٥.
ولا يزال يألف المعاصي، ويحبها، ويؤثرها ٦، حتى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزه إليها أزا.

فالأول قوى جند الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه.
وهذا

قوى جند المعصية بالمدد، فكانوا ١ أعوانا عليه.

فصل

ومنها -وهو من أخوفها على العبد- أنها تضعف القلب عن إرادته ٢، فتقوى إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئا فشيئا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله.
فيأتي من الاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية، مصر عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنته ٣.

وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك.

فصل ٤

ومنها: أنه ينسلخ ٥ من القلب استقباحها، فتصير ٦ له عادة، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه.

وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة، حتى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان عملت كذا وكذا!

وهذا الضرب من الناس لا يعافون، وتسد عليهم طريق التوبة، وتغلق ١ عنهم أبوابها في الغالب، كما قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين.
وإن من الإجهار أن يستر الله على العبد، ثم يصبح ٢ يفضح نفسه، ويقول: يا فلان عملت يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيهتك نفسه، وقد بات يستره ربه" ٣.

ومنها: أن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله عز وجل.
فاللوطية: ميراث عن قوم لوط.
وأخذ الحق بالزائد، ودفعه بالناقص: ميراث عن قوم شعيب.
والعلو في الأرض والفساد: ميراث عن فرعون وقومه ٤.
والتكبر والتجبر: ميراث عن قوم هود.
فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم، وهم أعداء الله.

وقد روى عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد ٥ لأبيه عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: لا تدخلوا مداخل أعدائي، ولا تلبسوا ملابس أعدائي، ولا تركبوا مراكب أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي؛ فتكونوا أعدائي، كما هم

أعدائي ١.

وفي مسند أحمد ٢ من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري.
ومن تشبه بقوم فهو منهم".

فصل

ومنها: أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه، وسقوطه من عينه.

قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم ١.

وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال تعالى: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ [الحج: ١٨].
وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفا ٢ من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه.

ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب ٣ الذنب، حتى يهون عليه، ويصغر في قلبه.
وذلك علامة الهلاك، فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله.

وقد ذكر البخاري في صحيحه ٤ عن ابن مسعود ٥ قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه ٦ في أصل جبل يخاف أن يقع عليه.
وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا، فطار.

فصل

ومنها: أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنوبه، فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم ١.

قال أبو هريرة: إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم ٢.

وقال مجاهد ٣: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك ٤ المطر؛ وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم ٥.

وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم ١.

فلا يكفيه عقاب ذنبه، حتى يبوء بلعنة ٢ من لا ذنب له.

فصل

ومنها: أن المعصية تورث الذل، ولابد؛ فإن العز كل العز ٣ في طاعة الله تعالى.
قال تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا﴾ [فاطر: ١٠] أي: فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعته.

وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك ٤.

قال الحسن البصري: إنهم، وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين ٥، إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم ٦.
أبى الله إلا أن

يذل من عصاه ١.

وقال عبد الله بن المبارك ٢:

رأيت الذنوب تميت القلوب … وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب .... وخير لنفسك عصيانها

وهل أفسد الدين إلا الملوك … وأحبار سوء ورهبانها ٣

فصل

ومنها: أن المعاصي تفسد العقل.
فإن للعقل نورا، والمعصية تطفئ نور العقل، ولابد؛ وإذا طفئ نوره ضعف ونقص.

وقال بعض السلف: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله ٤.

وهذا ظاهر، فإنه لو حضره عقله ٥ لحجزه عن المعصية، وهو في قبضة الرب تعالى وتحت قهره، وهو ٦ مطلع عليه، وفي داره وعلى بساطه، وملائكته شهود عليه ناظرون إليه، وواعظ القرآن ينهاه، وواعظ

الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه ١، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم؟

فصل

ومنها: أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها، فكان من الغافلين؛ كما قال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] قال: هو الذنب بعد الذنب ٢.

وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب ٣.

وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم ٤.

وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية، فإن ٥ زادت غلب

الصدأ ١ حتى يصير رانا ٢، ثم يغلب حتى يصير طبعا وقفلا وختما، فيصير القلب في غشاوة وغلاف.
فإن حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار ٣ أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه، ويسوقه حيث أراد ٤.

فصل ٥

ومنها: أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فإنه لعن على معاص، وغيرها أكبر منها، فهي أولى بدخول فاعلها تحت اللعنة.

فلعن الواشمة والمستوشمة، والواصلة والموصولة ٦، والنامصة والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة.

ولعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه.

ولعن المحلل والمحلل له.

ولعن السارق.

ولعن شارب الخمر، وساقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها، وحاملها، والمحمولة إليه.

ولعن من غير منار الأرض، وهي أعلامها وحدودها.

ولعن من لعن والديه.

ولعن من اتخذ شيئا فيه الروح ١ غرضا يرميه بالسهام.

ولعن المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء.

ولعن من ذبح لغير الله.

ولعن من أحدث حدثا أو آوى محدثا.

ولعن المصورين.

ولعن من عمل عمل قوم لوط.

ولعن من سب أباه ٢ ومن سب أمه.

ولعن من كمه ٣ أعمى عن الطريق.

ولعن من أتى بهيمة.

ولعن من وسم دابة في وجهها.

ولعن من ضار بمسلم أو مكر به.

ولعن زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج.

ولعن من أفسد امرأة على زوجها، أو مملوكا على سيده.

ولعن من أتى امرأة في دبرها.

وأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح.

ولعن من انتسب إلى غير أبيه.

وأخبر أن من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه.

ولعن من سب أصحابه.

وقد لعن الله من أفسد في الأرض، وقطع رحمه ١، وآذاه وآذى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ٢.

ولعن من كتم ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى ٣.

ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة ٤.

ولعن من جعل سبيل الكافر أهدى من سبيل المؤمن ٥.

ولعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة ١، والمرأة تلبس لبسة الرجل.

ولعن الراشي، والمرتشي، والرائش، وهو الواسطة في الرشوة.

ولعن علي أشياء أخر غير هذه ٢.

فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضا فاعله بأن يكون ممن يلعنه الله ورسوله وملائكته، لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه.

فصل ٣

ومنها: حرمان دعوة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة الملائكة.
فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وقال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (٧) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (٨) وقهم السيئات﴾ ٤ [غافر: ٧ - ٩].

فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التائبين، المتبعين لكتابه وسنة رسوله، الذين لا سبيل لهم ١ غيرهما ٢.
فلا يطمع غير هؤلاء ٣ بإجابة هذه الدعوة إذ لم يتصف بصفات المدعو له بها.
والله المستعان ٤.

فصل

ومن عقوبات المعاصي: ما رواه البخاري في صحيحه ٥ من حديث سمرة بن جندب قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص.
وإنه قال لنا ذات غداة: "إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني،

وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما.
وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ ٦ رأسه، فيتدهده ٧ الحجر ها هنا، فيتبع الحجر، فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان.
ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى" ٨.
قال: "قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه

بكلوب ١ من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه، فيشرشر شدقه ٢ إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه.
ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول.
فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل ٣ في المرة الأولى".
قال: "قلت سبحان الله! ما هذان ٤؟ فقالا لي: انطلق انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور، وإذا ٥ فيه لغط وأصوات".
قال: "فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا ٦ ". فقال: "قلت ما هؤلاء ٧؟ قال: "قالا لي: انطلق انطلق".

قال: "فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، فإذا ٨ في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك ٩ الذي قد جمع عنده الحجارة ١٠، فيفغر له فاه، فيلقمه حجرا، فينطلق، فيسبح، ثم

يرجع إليه.
كلما رجع إليه فغر له فاه، فألقمه حجرا ١ قلت لهما ٢: ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة ٣، كأكره ٤ ما أنت راء رجلا مرأى، وإذا هو عنده نار يحشها ٥ ويسعى حولها".
قال: "قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة ٦ فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهراني الروضة ٧ رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم ٨ قط".
قال: "قلت: ما هذا؟ وما هؤلاء ٩؟ "قال: "قالا لي: انطلق انطلق.

فانطلقنا، فأتينا إلى دوحة عظيمة لم أر دوحة قط ١٠ أعظم منها ولا أحسن ١١! " قال: "قالا لي: ارق فيها، فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة".
قال: "فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففتح لنا،

فدخلناها، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر منهم كأقبح ما أنت راء".
قال: "قالا لهم: اذهبوا، فقعوا في ذلك النهر".
قال: "وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض ١ في البياض.
فذهبوا، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا، وقد ذهب ذلك السوء عنهم".

قال: "قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك".

قال: "فسما بصري صعدا، فإذا قصر ٢ مثل الربابة البيضاء" ٣.

قال: "قالا لي: هذاك ٤ منزلك".
قال: "قلت لهما: بارك الله فيكما، فذراني فأدخله.
قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله".

قال: "قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟ " قال: "قالا ٥: أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن، فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة.

وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق.

وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني.

وأما الرجل الذي أتيت ١ عليه يسبح في النهر، ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا.

وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم ٢.

وأما الرجل الطويل الذي ٣ في الروضة، فإنه إبراهيم.
وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة"- وفي رواية البرقاني: "ولد على الفطرة"- فقال بعض المسلمين؛ يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "وأولاد المشركين.

وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن، وشطر منهم قبيح، فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، تجاوز الله عنهم" ٤.

فصل

ومن آثار الذنوب والمعاصي: أنها تحدث في الأرض أنواعا ٥ من الفساد في المياه، والهواء، والزروع ٦، والثمار، والمساكن.

قال تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (٤١)﴾ [الروم: ٤١].

قال مجاهد ١: إذا ولى الظالم سعى بالظلم والفساد، فيحبس الله بذلك القطر، فيهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد.
ثم قرأ: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾ الآية، ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء جار فهو بحر.

وقال عكرمة: ظهر الفساد في البر والبحر، أما إني لا أقول: بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء ٢.

وقال قتادة: أما البر فأهل العمود، وأما البحر فأهل القرى والريف ٣.

قلت: وقد ٤ سمى الله تعالى الماء العذب ٥ بحرا، فقال: ﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج﴾ ٦ [الفرقان: ٥٣].
وليس في العالم بحر حلو واقف، وإنما هي ٧ الأنهار الجارية، والبحر

المالح هو الساكن، فسمى ١ القرى.
التي على المياه الجارية باسم تلك المياه.

وقال ابن زيد: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر﴾ [الروم: ٤١] قال: الذنوب ٢.

قلت: أراد أن الذنوب ٣ سبب الفساد الذي ظهر.
وإن أراد أن الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها، فيكون قوله ٤ ﴿ليذيقهم﴾ لام العاقبة والتعليل.

وعلى الأول، فالمراد بالفساد النقص والشر والآلام التي يحدثها الله في الأرض عند معاصي العباد، فكلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم عقوبة، كما قال بعض السلف: كلما أحدثتم ذنبا أحدث الله لكم من سلطانه عقوبة ٥.

والظاهر -والله أعلم- أن "الفساد" المراد به الذنوب وموجباتها ٦.

ويدل عليه قوله: ﴿ليذيقهم بعض الذي عملوا﴾.
فهذا حالنا، وإنما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا، فلو ٧ أذاقنا كل أعمالنا لما

ترك ١ على ظهرها من دابة.

ومن تأثير معاصي الله في الأرض: ما يحل بها من الخسف، والزلازل، ومحق بركتها ٢.
وقد مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ديار ثمود، فمنعهم من دخول ديارهم، ومن شرب مياههم ٣، ومن الاستقاء من آبارهم ٤، حتى أمر أن يعلف ٥ العجين الذي عجن بمائهم ٦ للنواضح ٧، لتأثير شؤم المعصية في الماء.

وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما ترمى ٨ به من الآفات.
وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده ٩ في ضمن حديث قال: وجدت في خزائن بني أمية حنطة، الحبة بقدر نواة التمر ١٠.
وهي في

صرة مكتوب عليها: هذا كان ينبت في زمن العدل ١.

وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه بما أحدث العباد من الذنوب.
وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن، وكثير من هذه الآفات التي تصيبها ٢ لم يكونوا يعرفونها، وإنما ٣ حدثت من قرب.

وأما تأثير الذنوب ٤ في الصور والخلق، فقد روى الترمذي في جامعه ٥ عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "خلق الله آدم، وطوله في السماء ستون ٦ ذراعا، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن".

ولما يطهر ٧ الله سبحانه الأرض من الظلمة والفجرة والخونة ٨،

ويخرج عبدا من عباده من أهل بيت نبيه ١ صلى الله عليه وآله وسلم، فيملأ الأرض قسطا ٢ كما ملئت جورا ٣، ويقتل المسيح اليهود والنصارى، ويقيم الدين الذي بعث الله به رسوله ٤ - تخرج الأرض ٥ بركتها، وتعود كما كانت، حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة، ويستظلون بقحفها ٦، ويكون العنقود من العنب وقر بعير ٧، وإن اللقحة ٨ الواحدة لتكفي الفئام ٩ من الناس ١٠.
وهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت ١١ فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر.

ولا ريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقيت آثارها سارية في الأرض تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها الأمم.
فهذه الآثار في الأرض ١٢ من آثار تلك العقوبات،

كما أن هذه المعاصي من آثار تلك الجرائم.
فتناسبت حكمة الله ١ وحكمه الكوني أولا وآخرا، وكان العظيم من العقوبة للعظيم من الجناية، والأخف للأخف.
وهكذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار البرزخ ودار الجزاء.

وتأمل مقارنة الشيطان ومحله وداره، فإنه لما قارن ٢ العبد واستولى عليه، نزعت البركة من عمره، وعمله، وقوله، ورزقه.
ولما أثرت طاعته في الأرض ما أثرت نزعت البركة من كل محل ظهرت فيه طاعته.
وكذلك مسكنه لما كان الجحيم لم يكن هناك شيء من الروح والرحمة والبركة.

فصل

ومن عقوبات الذنوب: أنها تطفئ من القلب نار المغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن.
فالغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة، كما يخرج الكير خبث الذهب والفضة والحديد.
وأشرف الناس وأعلاهم همة أشدهم ٣ غيرة على نفسه، وخاصته، وعموم الناس.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أغير الخلق على الأمة، والله سبحانه أشد غيرة منه، كما ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني" ٤.

وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال في خطبة الكسوف: "يا أمة محمد، ما أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته" ١.

وفي الصحيح أيضا عنه أنه ٢ قال: "لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين.
ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك أثنى على نفسه" ٣.

فجمع في هذا الحديث بين الغيرة التي أصلها كراهة القبائح وبغضها ٤، ومحبة العذر الذي يوجب كمال العدل والرحمة والإحسان.
وأنه سبحانه مع شدة غيرته يحب أن يعتذر إليه عبده، ويقبل

عذر من اعتذر إليه، وأنه لا يؤاخذ عبيده بارتكاب ما يغار من ارتكابه حتى يعذر إليهم.
ولأجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه إعذارا وإنذارا.

وهذا غاية المجد والإحسان، ونهاية الكمال، فإن كثيرا ممن تشتد غيرته من المخلوقين تحمله شدة المغيرة على سرعة الإيقاع ٥ والعقوبة

من غير إعذار منه، ومن غير قبول لعذر من اعتذر إليه؛ بل يكون له في نفس الأمر عذر، ولا تدعه شدة المغيرة أن يقبل عذره.
وكثير ممن يقبل المعاذير يحمله على قبولها قلة المغيرة حتى يتوسع في طرق المعاذير، ويرى ١ عذرا ما ليس بعذر، حتى يعذر كثير منهم بالقدر.

وكل منهما غير ممدوح على الإطلاق.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن من الغيرة ما يحبها الله، ومنها ما يبغضه الله.
فالتي يبغضها ٢ الغيرة في غير ريبة" ٣.
وذكر الحديث ٤.
وإنما الممدوح اقتران المغيرة

بالعذر، فيغار في محل المغيرة، ويعذر في موضع العذر.
ومن كان هكذا فهو الممدوح حقا.

ولما جمع سبحانه صفات الكمال كلها كان أحق بالمدح من كل أحد، ولا يبلغ أحد أن يمدحه كما ينبغي له، بل هو كما مدح نفسه وأثنى على نفسه.

فالغيور قد وافق ربه سبحانه في صفة من صفاته، ومن وافق ١ الله في صفة من صفاته قادته تلك الصفة إليه بزمامه ٢، وأدخلته على ربه، وأدنته منه، وقربته من رحمته، وصيرته محبوبا له.
فإنه سبحانه رحيم يحب الرحماء، كريم يحب الكرماء، عليم يحب العلماء، قوي يحب المؤمن القوي، وهو أحب إليه من المؤمن الضعيف، ٣ حيي يحب أهل الحياء ٤، جميل يحب الجمال، وتر يحب الوتر ٥.

ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي إلا أنها توجب لصاحبها ضد هذه الصفات، وتمنعه من الاتصاف بها لكفى بها عقوبة.
فإن الخطرة تنقلب وسوسة، والوسوسة تفسير إرادة، والإرادة تقوى فتصير عزيمة، ثم تفسير فعلا، ثم تفسير صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة، وحينئذ يتعذر الخروج منها كما يتعذر عليه ١ الخروج من صفاته القائمة به ٢.

والمقصود وفي أنه كلما اشتدت ملابسته الذنوب ٣ أخرجت من القلب الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جدا حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح، لا من نفسه ولا من غيره.
وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك.

وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح، بل يحسن الفواحش والظلم لغيره، ويزينه له، ويدعوه إليه، ويحثه عليه، ويسعى له في تحصيله.
ولهذا كان الديوث أخبث خلق الله، والجنة حرام عليه ٤.
وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره، ومزينه له.
فانظر ما الذي حملت عليه قلة المغيرة!

وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له.

فالغيرة تحمي القلب، فتحمى له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش.

وعدم الغيرة يميت ١ القلب، فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع البتة.

ومثل الغيرة في القلب كمثل ٢ القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلا، ولم يجد دافعا، فتمكن، فكان الهلاك.
ومثلها مثل صياصي الجاموس ٣ التي يدفع ٤ بها عن نفسه وولده، فإذا كسرت طمع فيه عدوه.

فصل

ومن عقوباتها: ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، وذهابه ذهاب الخير أجمعه.

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "الحياء خير كله" ٥.

وقال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي ٦ فاصنع ما شئت! " ٧.

وفيه تفسيران:

أحدهما: أنه على التهديد والوعيد، والمعنى: من لم يستح فإنه

يصنع ما شاء ١ من القبائح، إذ الحامل على تركها الحياء، فإذا لم يكن هناك حياء يزعه ٢ من القبائح، فإنه يواقعها.
وهذا تفسير أبي عبيد ٣.

والثاني: أن الفعل إذا لم تستح ٤ منه من الله فافعله، وإنما الذي ٥ ينبغي تركه ما يستحى منه من الله ٦.
وهذا تفسير الإمام أحمد في رواية ابن هانئ ٧.

فعلى الأول يكون تهديدا، كقوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠]، وعلى الثاني يكون إذنا وإباحة.

فإن قيل: فهل من سبيل إلى حمله على المعنيين؟

قلت: لا، ولا على قول من يحمل المشترك على جميع معانيه، لما بين الإباحة والتهديد من المنافاة، ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب اعتبار الآخر.

والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية، حتى إنه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه، بل كثير منهم يخبر عن حاله ٨ وقبيح ٩ ما يفعله، والحامل له

على ذلك انسلاخه من الحياء.
وإذا وصل العبد إلى هذه الحال ١ لم يبق في صلاحه ٢ مطمع، كما قيل ٣:

وإذا رأى إبليس طلعة وجهه … حيا، وقال: فديت من لا يفلح ٤

والحياء مشتق من الحياة، والغيث يسمى ٥ "حيا" بالقصر لأن به حياة الأرض والنبات والدواب، وكذلك ٦ بالحياء حياة الدنيا والآخرة، فمن لا حياء فيه ميت في الدنيا شقي في الآخرة.

وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين، وكل منهما يستدعي الآخر، ويطلبه حثيثا.
ومن استحيا من الله عند معصيته استحيا الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستحي من معصيته لم يستحي من عقوبته ٧.

فصل

ومن عقوبات الذنوب: أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتضعف وقاره في قلب العبد، ولابد، شاء أم أبى.
ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه.

وربما اغتر المغتر وقال: إنما يحملني على المعاصى حسن الرجاء وطمعي في عفوه، لا ضعف عظمته في قلبي.

وهذا من مغالطة النفس، فإن عظمة الله وجلاله في قلب العبد وتعظيم حرماته تحول بينه وبين الذنوب.
فالمتجرئون ١ على معاصيه ما قدروه ٢ حق قدره، وكيف يقدره حق قدره أو يعظمه ويكبره ويرجو وقاره ويجله من يهون عليه أمره ونهيه؟ هذا من أمحل المحال ٣، وأبين الباطل!

وكفى بالعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله، وتعظيم حرماته، ويهون عليه حقه.
ومن بعض عقوبة هذا: أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق، ويهون عليهم، ويستخفون به، كما هان عليه أمره، واستخف به.
فعلى قدر محبة العبد لله ٤ يحبه الناس.

وعلى قدر خوفه من الله يخافه الناس ٥، وعلى قدر تعظيمه لله ٦ وحرماته يعظم الناس ٧ حرماته.

وكيف ينتهك عبد حرمات الله، ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون عليه حق الله، ولا يهونه الله على الناس؟ أم كيف يستخف

بمعاصي الله، ولا يستخف به الخلق؟

وقد أشار سبحانه إلى هذا ١ في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب، وأنه أركس أربابها بما كسبوا، وغطى على قلوبهم، وطبع ٢ عليها بذنوبهم، وأنه نسيهم كما نسوه، وأهانهم كما أهانوا دينه، وضيعهم كما ضيعوا أمره.

ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ [الحج: ١٨]، فإنهم ٣ لما هان عليهم السجود له، واستخفوا به، ولم يفعلوه، أهانهم، فلم يكن لهم من مكرم بعد أن أهانهم.
ومن ذا يكرم من أهانه الله، أو يهين من أكرمه الله ٤؟

فصل

ومن عقوباتها: أنها تستدعي نسيان الله لعبده، وتركه، وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه.
وهناك الهلاك الذي لا يرجى ٥ معه نجاة.

قال قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (١٨) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (١٩)﴾ [الحشر: ١٨ - ١٩].

فأمر ٦ بتقواه، ونهى أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك

تقواه، وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي أنساه مصالحها، وما ينجيها من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية وكمال لذتها ١ وسرورها ونعيمها، فأنساه ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمته وخوفه والقيام بأمره.
فترى العاصي مهملا لمصالح نفسه، مضيعا لها، قد أغفل الله قلبه عن ذكره، واتبع هواه، وكان أمره فرطا.
قد انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته، وقد فرط في سعادته الأبدية، واستبدل بها أدنى ما يكون من لذة إنما هي سحابة صيف ٢ أو خيال طيف!

أحلام نوم أو كظل زائل … إن اللبيب بمثلها لا يخدع ٣

وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه، وإهماله لها، وإضاعته ٤ حظها ونصيبها من الله، وبيعها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن.

فضيع من لا غنى له عنه، ولا عوض له منه، واستبدل به من عنه كل الغنى، ومنه كل العوض.

من كل شيء إذا ضيعته عوض … وما من الله إن ضيعته عوض ٥

فالله سبحانه يعوض عن كل ما سواه ١، ولا يعوض منه شيء.

ويغني عن كل شيء، ولا يغني عنه شيء.
ويمنع من كل شيء ٢، ولا يمنع منه شيء.
ويجير من كل شيء، ولا يجير منه شيء ٣.
فكيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين؟

وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه، فيخسرها، ويظلمها أعظم الظلم؟ فما ظلم العبد ربه، ولكن ظلم ٤ نفسه.
وما ظلمه ربه، ولكن هو الذي ظلم نفسه!

فصل

ومن عقوباتها: أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان، وتمنعه ثواب المحسنين.
فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي ٥، فإن من عبد الله كأنه يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه، بحيث يصير كأنه يشاهده، وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصية، فضلا عن مواقعتها.
فإذا خرج من دائرة الإحسان فاته صحبة رفقه ٦ الخاصة، وعيشهم الهنيء، ونعيمهم التام.

فإن أراد الله به خيرا أقره في دائرة عموم المؤمنين، فإن عصاه بالمعاصي التي تخرجه من دائرة الإيمان، كما قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه فيها الناس ١ أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن.
فإياكم إياكم، والتوبة معروضه بعد" ٢ = خرج ٣ من دائرة الإيمان، وفاته رفقة المؤمنين وحسن دفاع الله عنهم ٤، فإن الله يدفع عن الذين آمنوا، وفاته ٥ كل خير رتبه الله في كتابه على الإيمان، وهو نحو مائة خصلة، كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها: فمنها: الأجر العظيم: ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦].

ومنها: الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة ٦.
﴿إن الله يدفع عن الذين آمنوا﴾ ٧ [الحج: ٣٨].

ومنها: استغفار حملة العرش لهم ١.
﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا﴾ [غافر: ٧].

ومنها: موالاة الله لهم، ولا يذل من ٢ والاه الله.
﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].

ومنها: أمر ملائكته بتثبيتهم ٣.
﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾ [الأنفال: ١٢].

ومنها: أن لهم الدرجات ٤ عند ربهم، والمغفرة، والرزق الكريم ٥.

ومنها: العزة.
﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨].

ومنها: معية الله لأهل الإيمان.
﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ [الأنفال: ١٩].

ومنها: الرفعة في الدنيا والآخرة.
﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١].

ومنها: إعطاؤهم كفلين من رحمته، وإعطاؤهم نورا يمشون به، ومغفرة ذنوبهم ٦.

جارٍ التحميل