الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)القرآن كله شفاء،

كما قال في الآية الأخرى ٥.
فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب، فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع ٦ في إزالة الداء من القرآن.

وقد ثبت في الصحيحين ١ من حديث أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ٢ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم ٣.
فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء ٤.
فأتوهم، فقالوا: أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم ٥، والله إني لأرقي، ولكن والله استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا.

فصالحوهم على قطيع من الغنم.
فانطلق يتفل عليه، ويقرأ ﴿الحمد لله رب العالمين (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي، وما به قلبة ٦.
فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه.
فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا نفعل حتى نأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ٧، فنذكر له الذي كان، فننظر بما يأمرنا.
فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا له ذلك، فقال: "وما يدريك أنها رقية؟ " ثم قال: "قد أصبتم، اقتسموا واضربوا لي معكم سهما".

فقد أثر هذا الدواء في هذا ١ الداء، وأزاله حتى كأن لم يكن.
وهو أسهل دواء وأيسره.
ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيرا عجيبا في الشفاء.

ومكثت بمكة مدة تعتريني ٢ أدواء، ولا أجد طبيبا ولا دواء، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرا عجيبا ٣.
فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ٤ ألما، وكان ٥ كثير منهم يبرأ سريعا ٦.

ولكن ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها، هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل وتأثيره.
فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون لمانع ٧ قوي يمنع من اقتضائه أثره.
فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول

تام ١، وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة، أثر في إزالة الداء ٢.

وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره ٣، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو ٤ واللهو وغلبتها عليها ٥.

كما في صحيح الحاكم ٦ من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب

غافل لاه" ١.

فهذا دواء نافع مزيل للداء، ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوله.

وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها، كما في صحيح مسلم ٢ من حديث أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أيها الناس، إن الله طيب، لا يقبل إلا طيبا.
وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ البقرة: ١٧٢] ". ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك!

وذكر عبد الله ابن الإمام ١ أحمد في كتاب الزهد لأبيه ٢: أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجا، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم: تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدا.

وقال أبو ذر: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح ٣.

فصل

والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل.

وهو سلاح المؤمن، كما روى الحاكم في صحيحه ٤ من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الدعاء سلاح المؤمن،

وعماد الدين، ونور السموات والأرض".

وله مع البلاء ثلاث مقامات:

أحدها: أن يكون أقوى من البلاء، فيدفعه.

الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد.
ولكن ١ قد يخففه، وإن كان ضعيفا.

الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه.

وقد روى الحاكم في صحيحه ٢ من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل.
وإن البلاء لينزل، فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة".

وفيه أيضا ٣ من حديث ابن عمر عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء".

وفيه أيضا ١ من حديث ثوبان: "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد لعمر إلا البر، دان الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".

فصل

ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء

وقد ٢ روى ابن ماجه في سننه ٣ من حديث أبي هريرة قال: قال

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من لم يسأل الله يغضب عليه".

وفي صحيح الحاكم ١ من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد".

وذكر الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله يحب الملحين في الدعاء" ٢.

وفي كتاب الزهد للإمام أحمد ٣ عن قتادة قال: قال مورق: ما وجدت للمؤمن مثلا إلا رجلا في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب

يا رب، لعل الله عز وجل أن ينجيه.

فصل

ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه: أن يستعجل العبد، ويستبطئ الإجابة، فيستحسر، ويدع الدعاء.
وهو بمنزلة من ١ بذر بذرا، أو غرس غراسا، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه، تركه وأهمله!

وفي صحيح البخاري ٢ من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ٣: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت، فلم يستجب لي".

وفي صحيح مسلم ٤ عنه: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحيم، ما لم يستعجل".
قيل: يا رسول الله، وما الاستعجال ٥؟ قال: "يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجيب ٦ لي.
فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء".

وفي مسند أحمد ١ من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل" قالوا: يا رسول الله، كيف يستعجل؟ قال: "يقول: قد ٢ دعوت ربي، فلم يستجب لي".

فصل

وإذا جمع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير ٣ من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم ٤؛ وصادف خشوعا في القلب، وانكسارا بين يدي الرب، وذلا له، وتضرعا ورقة؛ واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قدم بين يدي

حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله، وألح عليه ١ في المسألة، وتملقه، ودعاه رغبة ورهبة ٢، وتوسل إليه بأسمائه ٣ وصفاته وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه صدقة = فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا، ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم: فمنها ما في السنن وصحيح ابن حبان من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
فقال: "لقد سأل الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب" ٤.

وفي لفظ: "لقد سألت الله باسمه الأعظم" ١.

وفي السنن وصحيح ابن حبان أيضا من حديث أنس بن مالك أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا، ورجل يصلي، ثم دعا فقال ٢: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم.
فقال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم: "لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" ٣.

وأخرج الحديثين الإمام أحمد في مسنده ٤.

وفي جامع الترمذي ٥ من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم

قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] وفاتحة آل عمران: ﴿الم (١) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (٢)﴾ [آل عمران: ١ - ٢]. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وفي مسند أحمد ١ وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة، وأنس بن مالك، وربيعة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ألظو بـ (يا ذا الجلال والإكرام) " ٢.
يعني: تعلقوا بها، والزموها، وداوموا عليها.

وفي جامع الترمذي ٣ من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أهمه ٤ الأمر رفع رأسه ٥ إلى السماء، [فقال: "سبحان الله

العظيم"] ١، وإذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حي يا قيوم".

وفيه أيضا ٢ من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم إذا كربه ٣ أمر قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث".

وفي صحيح الحاكم ٤ من حديث أبي أمامة عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم أنه ٥ قال: "اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: البقرة وآل عمران وطه".
قال القاسم: فالتمستها، فإذا هي آية ﴿الحي القيوم (٢)﴾.

وفي جامع الترمذي وصحيح الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم قال: "دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧] إنه لم يدع ٦ بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" ٧.
قال الترمذي:

حديث صحيح ١.

وفي صحيح الحاكم ٢ أيضا من حديث سعد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا أخبركم بشيء، إذا نزل برجل منكم [كرب أو بلاء من بلايا الدنيا] ٣ فدعا به يفرج الله عنه؟ دعاء ذي النون".

وفي صحيحه أيضا ٤ عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ٥: "هل أدلكم

على اسم الله الأعظم؟ دعاء يونس".
فقال رجل: يا رسول الله، هل ١ كانت ليونس خاصة؟ فقال: "ألا تسمع قوله: ﴿فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨] فأيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة، فمات في مرضه ذلك، أعطي أجر شهيد.
وإن برأ برأ مغفورا له".

وفي الصحيحين ٢ من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ٣، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم".

وفي مسند الإمام أحمد ٤ من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -إذا نزل بي كرب- أن أقول: "لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله، وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين".

وفي مسنده ٥ أيضا من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول

الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك.
أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله عز وجل همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا".
فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ قال: "بلى، ينبغي لمن سمعها ١ أن يتعلمها" ٢.

وقال ابن مسعود: ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح ٣.

وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المجابين في الدعاء ٤ عن الحسن ٥ قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأنصار يكنى أبا معلق، وكان

تاجرا، يتجر بمال له ولغيره، يضرب به في ١ الآفاق، وكان ناسكا ورعا.
فخرج مرة، فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك، فإني قاتلك.
قال: ما تريد إلى دمي؟ شأنك بالمال.
قال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك.
قال ٢: أما إذ ٣ أبيت، فذرني أصلي أربع ركعات.
قال صل ما بدا لك.
فتوضأ، ثم صلى ٤ أربع ركعات.
فكان ٥ من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود ٦، يا ذا العرش المجيد، يا فعال ٧ لما يريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك: أن تكفيني ٨ شر هذا اللص.
يا مغيث أغثني، يا مغيث أغثني ٩ ثلاث مرات.
فإذا هو بفارس قد أقبل، بيده حربة، قد وضعها بين أذني فرسه.
فلما بصر به اللص أقبل نحوه، فطعنه، فقتله.
ثم أقبل إليه، فقال: قم، فقال: من أنت، بأبي أنت ١٠ وأمي؟ فقد أغاثني الله بك اليوم.
فقال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة، دعوت بدعائك الأول، فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم

دعوت بدعائك الثاني، فسمعت لأهل السماء ضجة.
ثم دعوت بدعائك الثالث، فقيل لي ١: دعاء مكروب.
فسألت الله أن يوليني قتله.

قال الحسن ٢: فمن توضأ، وصلى أربع ركعات، ودعا بهذا الدعاء، استجيب له، مكروبا كان ٣ أو غير مكروب.

فصل

وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها قوم، فأستجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه، وإقباله على الله، أو حسنة تقدمت منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته، أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك، فأجيبت دعوته.
فيظن الظان أن السر في لفظ ذلك الدعاء، فيأخذه مجردا عن ٤ تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي.
وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، فانتفع به، فظن ٥ غيره أن استعمال هذا الدواء بمجرده كاف ٦ في

حصول المطلوب، كان غالطا.
وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس.

ومن هذا أنه ٧ قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب، فيظن الجاهل أن السر للقبر، ولم يعلم أن السر للاضطرار وصدق اللجأ إلى

الله.
فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله كان أفضل وأحب إلى الله.

فصل

والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحد ١ فقط، فمتى ٢ كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به، والساعد ساعد قوي ٣، والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدو.
ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير.

فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة، لم يحصل الأثر.

فصل

وههنا سؤال مشهور، وهو أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدع.
وإن لم يكن قد قدر لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله ٤.

فظنت طائفة صحة هذا السؤال، فتركت الدعاء، وقالت: لا فائدة

فيه! وهؤلاء -مع فرط جهلهم وضلالهم- متناقضون، فإن طرد مذهبهم يوجب تعطيل جميع الأسباب.

فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والري قد قدرا لك فلابد ١ من وقوعهما، أكلت أو لم تأكل.
وإن لم يقدرا لم يقعا، أكلت أو لم تأكل.

وإن كان الولد قدر لك فلابد منه، وطئت الزوجة والأمة ٢ أو لي تطأ.
وإن لم يقدر لم يكن، فلا حاجة إلى التزوج والتسري.
وهلم جرا.

فهل يقول هذا عاقل أوآدمي؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته.
فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام، بل هم أضل سبيلا.

وتكايس بعضهم، وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض، يثيب الله عليه الداعي، من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما.
ولا فرق عند هذا ٣ الكيس بين الدعاء وبين الإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب، وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت، ولا فرق.

وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه أمارة على قضاء الحاجة.
فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أن حاجته قد قضيت.
وهذا كما إذا رأينا غيما

أسود باردا في زمن الشتاء، فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر.

قالوا ١: وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب، لا أنها أسباب له.

وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحريق ٢ مع الإحراق، والإزهاق مع القتل.
ليس شيء من ذلك سببا ألبتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران العادي، لا التأثير السببي ٣.

وخالفوا بذلك الحس، والعقل، والشرع، والفطرة، وسائر طوائف العقلاء، بل أضحكوا عليهم العقلاء ٤!

والصواب أن ها هنا قسما ثالثا غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور ٥ قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء.
فلم يقدر مجردا عن سببه، ولكن قدر بسببه.
فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور ٦، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور.
وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه ٧.
وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال،

ودخول النار بالأعمال ١.

وهذا القسم هو الحق، وهو الذي حرمه السائل ولم يوفق له.

وحينئذ ف

جارٍ التحميل