القرآن كله شفاء،
كما قال في الآية الأخرى (^٥).
فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب، فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع (^٦) في إزالة الداء من القرآن.
(^١) ف: "الصحابة".
(^٢) "فقال" ساقط من س.
(^٣) ل: "أن القرآن شفاء".
وقد أشير إلى هذه النسخة في حاشية س.
(^٤) ل: "ها هنا الجنس لا التبعيض".
(^٥) يعني الآية السابقة.
وفي النسخ المطبوعة: "المتقدمة" مكان "الأخرى".
(^٦) س: "أبلغ".
الجزء: 1 - الصفحة: 6
وقد ثبت في الصحيحين (^١) من حديث أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم (^٢) في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم (^٣).
فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء (^٤).
فأتوهم، فقالوا: أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم (^٥)، والله إني لأرقي، ولكن والله استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا.
فصالحوهم على قطيع من الغنم.
فانطلق يتفل عليه، ويقرأ ﴿الحمد لله رب العالمين (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي، وما به قلبة (^٦).
فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه.
فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا نفعل حتى نأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم (^٧)، فنذكر له الذي كان، فننظر بما يأمرنا.
فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا له ذلك، فقال: "وما يدريك أنها رقية؟ " ثم قال: "قد أصبتم، اقتسموا واضربوا لي معكم سهما".
(^١) أخرجه البخاري في الإجارة، باب ما يعطي في الرقية … (٢٢٧٦) وغيره، ومسلم في السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار (٢٢٠١).
(^٢) ف: "رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".
(^٣) س: "فلم يضيفوهم"، وأشير في الحاشية إلى ما أثبتناه من غيرها.
(^٤) ل: "عندهم بعض شيء".
(^٥) سقط "نعم" من ز.
(^٦) القلبة: الألم والعلة.
انظر النهاية (٤/ ٩٨).
(^٧) ل: "رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".
الجزء: 1 - الصفحة: 7
فقد أثر هذا الدواء في هذا (^١) الداء، وأزاله حتى كأن لم يكن.
وهو أسهل دواء وأيسره.
ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيرا عجيبا في الشفاء.
ومكثت بمكة مدة تعتريني (^٢) أدواء، ولا أجد طبيبا ولا دواء، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرا عجيبا (^٣).
فكنت أصف ذلك لمن يشتكي (^٤) ألما، وكان (^٥) كثير منهم يبرأ سريعا (^٦).
ولكن ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها، هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل وتأثيره.
فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون لمانع (^٧) قوي يمنع من اقتضائه أثره.
فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول
(^١) "هذا" ساقط من ف.
(^٢) ف، ز: "يعتريني".
(^٣) "أعالج … تاثيرا" تكرر في س. وسقط "لا دواء فكنت … عجيبا" من ز، واستدرك بخط مغاير في الحاشية.
(^٤) ز: "اشتكى".
(^٥) ف: "فكان".
(^٦) وانظر كلام المؤلف في تأثير سورة الفاتحة في زاد المعاد (٤/ ١٧٦ - ١٧٨)، وهناك أيضا حكى عن نفسه أنه كان يتعالج في مكة بسورة الفاتحة.
وانظر: مدارج السالكين (١/ ٥٧ - ٥٨).
(^٧) ل: "المانع".
الجزء: 1 - الصفحة: 8
تام (^١)، وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة، أثر في إزالة الداء (^٢).
وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره (^٣)، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو (^٤) واللهو وغلبتها عليها (^٥).
كما في صحيح الحاكم (^٦) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب
(^١) ف: "بالقبول التام".
(^٢) س: "أثرت وأزالت الداء"، وأشير في الحاشية إلى ما أثبتنا من غيرها.
(^٣) ف: "ولكن يتخلف أثره عنه".
(^٤) س: "الشهوة"، ولم يرد فيها ما بعد هذه الكلمة.
(^٥) كذا في ف، ز. وفي ل: "الغفلة والسهو والذنوب".
(^٦) كذا سمى المؤلف مستدرك الحاكم بالصحيح، وسيأتي مرارا، وكذا يسفيه شيخه، نظرا إلى شرط المصنف لا توثيقا لتصحيحه.
ويدل على ذلك قوله في الفروسية (١٨٥ - ١٨٦): "ولا يعبأ الحفاظ أطباء علل الحديث بتصحيح الحاكم شيئا، ولا يرفعون به رأسا البتة، بل لا يدل تصحيحه على حسن الحديث، بل يصحح أشياء موضوعة بلا شك عند أهل العلم بالحديث … ". وقال شيخ الإسلام: " … وروى ذلك الحاكم في صحيحه، لكن هذا ضعيف، وللحاكم مثل هذا، يروي أحاديث موضوعة في صحيحه" (رسالة في قنوت الأشياء - جامع الرسائل ١/ ١٢).
الجزء: 1 - الصفحة: 9
غافل لاه" (^١).
فهذا دواء نافع مزيل للداء، ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوله.
وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها، كما في صحيح مسلم (^٢) من حديث أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أيها الناس، إن الله طيب، لا يقبل إلا طيبا.
وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ البقرة: ١٧٢] ". ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك!
(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٦٧٠ - ٦٧١ (١٨١٧) والترمذي (٣٤٧٩) وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٦٨) وابن عدي في الكامل (٤/ ٦٢) وغيرهم، من طريق صالح المري عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث مستقيم الإسناد، تفرد به صالح المري، وهو أحد زهاد البصرة، ولم يخرجاه".
وتعقبه الذهبي بقوله: "صالح متروك".
والحديث ضعفه الترمذي، وعده ابن عدي وابن حبان من منكرات صالح المري.
وورد من حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد في المسند ٢/ ١٧٧ (٦٦٥٥) لكنه من طريق حسن بن موسى عن ابن لهيعة قال ابن المديني: "الحسن بن موسى إنما سمع من ابن لهيعة بأخرة … ". وحسنه المنذري والهيثمي انظر: الترغيب والترهيب (٢/ ٤٩١ - ٤٩٢) ومجمع الزوائد (١٠/ ١٤٨) ومسند الفاروق لابن كثير (٢/ ٦٤٩).
(^٢) في كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها (١٠١٥).
الجزء: 1 - الصفحة: 10
وذكر عبد الله ابن الإمام (^١) أحمد في كتاب الزهد لأبيه (^٢): أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجا، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم: تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدا.
وقال أبو ذر: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح (^٣).
فصل
والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل.
وهو سلاح المؤمن، كما روى الحاكم في صحيحه (^٤) من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الدعاء سلاح المؤمن،
(^١) "الإمام" من س.
(^٢) لم أقف عليه في المطبوع، وأخرجه أبو داود في الزهد (١٣)، وفي سنده ضعف.
(^٣) أخرجه أحمد في الزهد (٧٨٨)، وابن المبارك في الزهد (٣١٩) وغيرهما، من طريق بكر بن عبد الله المزني عن أبي ذر، فذكره.
قال أبو حاتم الرازي: "بكر بن عبد الله المزني عن أبي ذر مرسل".
المراسيل (٢٥) لابن أبي حاتم (ط دار الكتب العلمية).
(^٤) ١/ ٦٦٩ (١٨١٢). وأخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ١٧٢) والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٣) وغيرهما.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، فإن محمد بن الحسن هذا هو التل أو هو صدوق في الكوفيين".
قلت: محمد بن الحسن هو ابن أبي يزيد الهمداني، متروك الحديث.
وكذبه ابن معين وأبو داود.
وقال بعضهم: ضعيف.
انظر: تهذيب الكمال (٢٥/ ٧٦ - ٧٩) راجع السلسلة الضعيفة للألباني (١٧٩).
الجزء: 1 - الصفحة: 11
وعماد الدين، ونور السموات والأرض".
وله مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوى من البلاء، فيدفعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد.
ولكن (^١) قد يخففه، وإن كان ضعيفا.
الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه.
وقد روى الحاكم في صحيحه (^٢) من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل.
وإن البلاء لينزل، فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة".
وفيه أيضا (^٣) من حديث ابن عمر عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء".
(^١) ز: "ولكنه".
(^٢) ١/ ٦٦٩ (١٨١٣). وأخرجه الطبراني في الدعاء (٣٣)، والبزار في مسنده (زوائده: ٢١٦٥) وغيرهما.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وتعقبه الذهبي بقوله: "زكريا مجمع على ضعفه".
(^٣) ١/ ٦٧٠ (١٨١٥). وأخرجه الترمذي (٣٥٤٨) من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، وهو ضعيف في الحديث، ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه".
وقال الذهبي في التلخيص: "عبد الرحمن واه".
الجزء: 1 - الصفحة: 12
وفيه أيضا (^١) من حديث ثوبان: "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد لعمر إلا البر، دان الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".
فصل
ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء
وقد (^٢) روى ابن ماجه في سننه (^٣) من حديث أبي هريرة قال: قال
(^١) ١/ ٦٧٠ (١٨١٤). وأخرجه ابن ماجه (٤٠٢٢) وأحمد ٣٧/ ٦٨ (٢٢٣٨٦) وابن حبان (٨٧٢) والبغوي في شرح السنة ١٣/ ٦ (٣٤١٨) وغيرهم، من طريق الثوري عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن أبي الجعد عن ثوبان، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
قلت: ولم يتعقبه الذهبي.
وقد وقع في الحديث اختلاف، وطريق الثوري أشبه بالصواب، لكن في سنده عبد الله بن أبي الجعد، لم يوثقه غير ابن حبان.
وورد من حديث سلمان بلفظ "لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر".
أخرجه الترمذي (٢١٣٩) وقال: (هذا حديث حسن غريب من حديث سلمان، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن الضريس".
قلت: والحديث تفرد به أبو مودود، واسمه فضة -ضعيف الحديث- عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان.
انظر: تهذيب الكمال (٢٣/ ٢٦٧).
(^٢) لم يرد "وقد" في س.
(^٣) رقم (٣٨٢٧). وأخرجه الترمذي (٣٣٧٣) وأحمد ٢/ ٤٤٢ (٩٧٠١) والحاكم ١/ ٦٦٨ (١٨٠٧) وغيرهم، من طريق أبي المليح عن أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، فإن أبا صالح الخوزي وأبا المليح الفارسي لم يذكرا بالجرح، وإنما هما في عداد المجهولين لقلة الحديث".
قلت: الحديث تفرد به أبو صالح الخوزي، وهو لم يرو عنه غير أبي المليح، وقال فيه ابن معين: ضعيف الحديث.
وقال أبو زرعة: لا بأس به.
وقال ابن حجر: لين الحديث.
وجعل ابن عدي هذا الحديث من مفاريده.
انظر تهذيب الكمال (٣٣/ ٤١٨) والكامل في الضعفاء (٧/ ٢٩٤ - ٢٩٥).
الجزء: 1 - الصفحة: 13
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من لم يسأل الله يغضب عليه".
وفي صحيح الحاكم (^١) من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد".
وذكر الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله يحب الملحين في الدعاء" (^٢).
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد (^٣) عن قتادة قال: قال مورق: ما وجدت للمؤمن مثلا إلا رجلا في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب
(^١) ١/ ٦٧١ (١٨١٨). وأخرجه ابن حبان (٨٧١) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٨٨) وابن عدي في الكامل (٥/ ١٣) وغيرهم، من طريق عمر بن محمد بن صهبان الأسلمي عن ثابت عن أنس فذكره.
صححه الحاكم قال الحافظ في اللسان (٦/ ١٤١): "صححه الحاكم فتساهل في ذلك".
قلت: الحديث تفرد به عمر بن محمد عن ثابت.
وعمر هذا قال البخاري: منكر الحديث.
وقال
النسائي: متروك.
وقال أحمد: لم يكن بشيء.
وقال العقيلي: "لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به".
وقد وقع في سند ابن حبان والحاكم وهم.
راجع السلسلة الضعيفة للألباني (٨٤٣) والتعليق على ابن حبان.
(^٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٥٢) والطبراني في الدعاء (٢٠) وابن عدي في الكامل (٧/ ١٦٤)، من طريق بقية عن يوسف بن السفر عن الأوزاعي به، فذكره.
ويوسف هذا متروك، قاله أبو زرعة والنسائي.
وقال البخاري: كان يكذب.
وقال ابن عدي: "وهذه الأحاديث التي رواها يوسف عن الأوزاعي بواطيل كلها".
والصحيح في المتن أنه من قول الأوزاعي.
هكذا رواه عيسى بن يونس عن الأوزاعي قال: كان يقال: "أفضل الدعاء الإلحاح على الله والتضرع إليه".
أخرجه العقيلي (٤/ ٤٥٢) وقال: حديث عيسى بن يونس أولى.
(^٣) رقم (١٧٦٥)، ورجاله ثقات.
الجزء: 1 - الصفحة: 14
يا رب، لعل الله عز وجل أن ينجيه.
فصل
ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه: أن يستعجل العبد، ويستبطئ الإجابة، فيستحسر، ويدع الدعاء.
وهو بمنزلة من (^١) بذر بذرا، أو غرس غراسا، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه، تركه وأهمله!
وفي صحيح البخاري (^٢) من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (^٣): "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت، فلم يستجب لي".
وفي صحيح مسلم (^٤) عنه: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحيم، ما لم يستعجل".
قيل: يا رسول الله، وما الاستعجال (^٥)؟ قال: "يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجيب (^٦) لي.
فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء".
(^١) "أن يستعجل … من" ساقط من س.
(^٢) ز: "وفي البخاري".
والحديث في كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل (٦٣٤٠).
(^٣) ف: "أبي هريرة قال: قال رسول الله".
(^٤) في كتاب الذكر والدعاء، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل (٢٧٣٥).
(^٥) س: "وما لا يستعجل".
(^٦) س، ل: "يستجب".
الجزء: 1 - الصفحة: 15
وفي مسند أحمد (^١) من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل" قالوا: يا رسول الله، كيف يستعجل؟ قال: "يقول: قد (^٢) دعوت ربي، فلم يستجب لي".
فصل
وإذا جمع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير (^٣) من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم (^٤)؛ وصادف خشوعا في القلب، وانكسارا بين يدي الرب، وذلا له، وتضرعا ورقة؛ واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قدم بين يدي
(^١) ٣/ ١٩٣ (١٣٠٠٨، ١٣١٩٨). وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢٨٦٥) والطبراني في الدعاء (٨١) وابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٤) وغيرهم، من طريق أبي هلال الراسبي عن قتادة عن أنس به فذكره.
قلت: أبو هلال اسمه محمد بن سليم.
في حفظه مقال، ويخالف أو يتفرد عن قتادة ولهذا قال ابن عدي بعد ما ساق لأبي هلال أحاديث: "وهذه الأحاديث لأبي هلال عن قتادة عن أنس كل ذلك أو عامتها غير محفوظة".
وقد روي من وجهين عن أنس، ولا يثبت.
انظر مسند البزار (٦٦٦٦) والحلية (٦/ ٣٠٩).
(^٢) لم يرد "قد" في "ف" وكذا في المسند (٢٠/ ٣١١). وفيه (٢٠/ ٤٢٢) كما أثبتنا من النسخ الأخرى.
(^٣) س: "الآخر".
(^٤) "اليوم" ساقط من س.
الجزء: 1 - الصفحة: 16
حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله، وألح عليه (^١) في المسألة، وتملقه، ودعاه رغبة ورهبة (^٢)، وتوسل إليه بأسمائه (^٣) وصفاته وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه صدقة = فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا، ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم: فمنها ما في السنن وصحيح ابن حبان من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
فقال: "لقد سأل الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب" (^٤).
(^١) ف: "به عليه".
(^٢) زاد في س: "وتملقه مكرر".
(^٣) في ز: "الحسنى" فوق السطر.
(^٤) أخرجه أبو داود (١٤٩٣، ١٤٩٤) والترمذي (٣٤٧٥) وابن ماجه (٣٨٥٧) وابن حبان (٨٩٢) وأحمد ٥/ ٣٥٠ (٢٢٩٦٥، ٢٢٩٥٢) من طريق مالك بن مغول عن ابن بريدة عن أبيه، فذكره.
وفيه قصة.
ورواه عبد الوارث عن حسين بن ذكوان المعلم عن عبد الله بن بريدة عن حنظلة بن علي أن محجن بن الأدرع حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل المسجد فإذا هو برجل قد قضى صلاته وهو يتشهد، وهو يقول: اللهم إني أسألك بالله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم.
قال: فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قد غفر له، قد غفر له، قد غفر له، ثلاث مرات.
أخرجه أحمد ٤/ ٣٣٨ (١٨٩٧٤) وابن خزيمة (٧٢٤) والحاكم ١/ ٤٠٠ (٩٨٥) وغيرهم.
قال أبو حاتم الرازي بعد ذكر الطريقين: "وحديث عبد الوارث أشبه".
قلت: حديث عبد الوارث صححه ابن خزيمة والحاكم.
انظر علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٩٧ - ١٩٨ (٢٠٨٢).
الجزء: 1 - الصفحة: 17
وفي لفظ: "لقد سألت الله باسمه الأعظم" (^١).
وفي السنن وصحيح ابن حبان أيضا من حديث أنس بن مالك أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا، ورجل يصلي، ثم دعا فقال (^٢): اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم.
فقال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم: "لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" (^٣).
وأخرج الحديثين الإمام أحمد في مسنده (^٤).
وفي جامع الترمذي (^٥) من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم
(^١) سنن أبي داود (١٤٩٤). وفي ز: "لقد سأل".
(^٢) "فقال" لم يرد في ف.
(^٣) أخرجه أبو داود (١٤٩٥) والنسائي (١٣٠٠) وابن ماجه (٣٨٥٨) والترمذي (٣٥٤٤) وابن حبان (٨٩٣) وأحمد ٣/ ١٥٨،١٢٠، ٢٦٥ (١٢٢٠٥، ١٢٦١١، ١٣٧٩٨) وغيرهم، من طرق كثيرة عن أنس فذكره، وفيه قصة.
وأقوى الطرق عن أنس: طريق إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، وطريق أنس بن سيرين، وطريق حفص بن عمر.
والحديث صححه ابن حبان والحاكم والضياء المقدسي.
انظر: الأحاديث المختارة (١٥١٤، ١٥٥٢، ١٨٨٥).
(^٤) انظر التعليق السابق.
(^٥) برقم (٣٤٧٦). وأخرجه أبو داود (١٤٩٦) وابن ماجه (٣٨٥٥) وأحمد (٦/ ٤٦١) والطبراني في الدعاء (١١٣) والبغوي في شرح السنة (٥/ ٣٨ - ٣٩) وغيرهم، من طريق عبيد الله بن أبي زياد ثنا شهر بن حوشب عن أسماء، فذكرته.
والحديث صححه الترمذي، وتكلم فيه البغوي فقال: "هذا حديث غريب".
قلت: عبيد الله وشهر في حفظهما ضعف.
الجزء: 1 - الصفحة: 18
قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] وفاتحة آل عمران: ﴿الم (١) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (٢)﴾ [آل عمران: ١ - ٢]. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي مسند أحمد (^١) وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة، وأنس بن مالك، وربيعة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ألظو بـ (يا ذا الجلال والإكرام) " (^٢).
يعني: تعلقوا بها، والزموها، وداوموا عليها.
وفي جامع الترمذي (^٣) من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أهمه (^٤) الأمر رفع رأسه (^٥) إلى السماء، [فقال: "سبحان الله
(^١) ف: "الإمام أحمد".
(^٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ١٧٧ (١٧٥٩٦) والحاكم ١/ ٦٧٦ (١٨٣٦) والطبراني في الدعاء (٩٢) وغيرهم، من حديث ربيعة بن عامر.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وأخرجه الحاكم ١/ ٦٧٦ - ٦٧٧ (١٨٣٧) من حديث أبي هريرة.
وفيه رشدين بن سعد، ضعيف الحديث.
وأخرجه الترمذي (٣٥٢٥) والطبراني في الدعاء (٩٤) وغيرهما من حديث أنس، وقد أعله أبو حاتم الرازي والترمذي بالإرسال.
انظر: علل ابن أبي حاتم (٢/ ١٧٠ - ١٩٢). وله طريق آخر عن أنس، ولا يصح.
فالخلاصة أن الحديث صحيح الإسناد عن ربيعة بن عامر، ولا يثبت عن غيره.
(^٣) برقم (٣٤٣٦) وقال: "هذا حديث غريب".
قلت: فيه إبراهيم بن الفضل المخزومي.
قال البخاري: منكر الحديث.
وقال الدارقطني: متروك.
(^٤) س: "همه".
(^٥) غير بعض قراء النسخة (ز) "رأسه" إلى "يديه".
الجزء: 1 - الصفحة: 19
العظيم"] (^١)، وإذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حي يا قيوم".
وفيه أيضا (^٢) من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم إذا كربه (^٣) أمر قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث".
وفي صحيح الحاكم (^٤) من حديث أبي أمامة عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم أنه (^٥) قال: "اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: البقرة وآل عمران وطه".
قال القاسم: فالتمستها، فإذا هي آية ﴿الحي القيوم (٢)﴾.
وفي جامع الترمذي وصحيح الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم قال: "دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧] إنه لم يدع (^٦) بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" (^٧).
قال الترمذي:
(^١) ما بين الحاصرتين زيادة من الحديث المذكور.
(^٢) برقم (٣٥٢٤) وقال: "وهذا حديث غريب".
قلت: تفرد به يزيد الرقاشي عن أنس، ويزيد أقل أحواله أنه ضعيف.
ورواه إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو: "يا حي يا قيوم".
أخرجه الطبراني في الدعاء.
وظاهر سنده لا بأس به.
(^٣) كان في ف: "حزبه"، فغير إلى "كربه".
(^٤) ١/ ٦٨٤ (١٨٦١). وأخرجه ابن ماجه (٣٨٥٦) والطبراني في الكبير (٨/ ٢٨٢) وتمام في فوائده (١٥٦٨ - الروض البسام) وغيرهم، من طريق القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة، فذكره.
وفي رواية القاسم هذا عن أبي أمامة كلام.
انظر تهذيب الكمال (٢٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧).
(^٥) "أنه" لم يرد في س.
(^٦) س: "يصدع".
(^٧) أخرجه الترمذي (٣٥٠٥) والحاكم ١/ ٦٨٤، ٦٨٥ (١٨٦٢، ١٨٦٣) وأحمد =
الجزء: 1 - الصفحة: 20
حديث صحيح (^١).
وفي صحيح الحاكم (^٢) أيضا من حديث سعد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا أخبركم بشيء، إذا نزل برجل منكم [كرب أو بلاء من بلايا الدنيا] (^٣) فدعا به يفرج الله عنه؟ دعاء ذي النون".
وفي صحيحه أيضا (^٤) عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول (^٥): "هل أدلكم
= ١/ ١٧٠ (١٤٦٢) والطبراني في الدعاء (١٢٤) وغيرهم.
ذكر الترمذي بعض الاختلاف في إسناده.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ولم يتعقبه الذهبي.
وقال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ٦٨: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(^١) لم يرد حكم الترمذي هذا في نسخ الجامع المطبوعة ولا في نسخة الكروخي وتحفة الأشراف.
(^٢) ١/ ٦٨٥ (١٨٦٤)، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٦٦٠) من طريق محمد بن مهاجر القرشي عن إبراهيم بن محمد بن سعد عن أبيه عن جده، فذكره.
قلت: حديث يونس بن أبي إسحاق عن إبراهيم أصح من حديث محمد بن مهاجر عن إبراهيم؛ لأن محمد بن مهاجر قال فيه ابن عدي والذهبى: ليس بمعروف.
وقال ابن حجر: لين.
انظر: تهذيب الكمال (٢٦/ ٥١٩) والتاريخ الكبير للبخاري (١/ ٢٣٠) والكامل لابن عدي (٦/ ٢٦٤).
(^٣) ما بين الحاصرتين زيادة من المستدرك وعمل اليوم والليلة.
وفي خب: "أمر مهم"، وكذا في ط.
(^٤) ١/ ٦٨٥ (١٨٦٥). قلت: فيه عمرو بن بكر السكسكي.
قال الذهبي: أحاديثه شبه موضوعة.
وقال ابن حجر: متروك.
انظر تهذيب الكمال (٢١/ ٥٥١) والتقريب (٤٩٩٣).
(^٥) "يقول" لم يرد في ز.
الجزء: 1 - الصفحة: 21
على اسم الله الأعظم؟ دعاء يونس".
فقال رجل: يا رسول الله، هل (^١) كانت ليونس خاصة؟ فقال: "ألا تسمع قوله: ﴿فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨] فأيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة، فمات في مرضه ذلك، أعطي أجر شهيد.
وإن برأ برأ مغفورا له".
وفي الصحيحين (^٢) من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم (^٣)، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم".
وفي مسند الإمام أحمد (^٤) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -إذا نزل بي كرب- أن أقول: "لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله، وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين".
وفي مسنده (^٥) أيضا من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول
(^١) س: "هي".
(^٢) أخرجه البخاري في الدعوات، باب الدعاء عند الكرب (٦٣٤٦)؛ ومسلم في الذكر والدعاء، باب دعاء الكرب (٢٧٣٠).
(^٣) من أول الدعاء إلى هنا ساقط من س.
(^٤) ١/ ٩١، ٩٤ (٧٢٦،٧٠١) وأخرجه ابن حبان (٨٦٥) والحاكم ١/ ٦٨٨ - ٦٨٩
(١٨٧٣، ١٨٧٤) وغيرهم.
والحديث صححه ابن حبان والحاكم وابن حجر.
انظر الفتوحات الربانية لابن علان (٤/ ٧).
(^٥) ١/ ٣٩١ (٣٧١٢). وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٩٧٩) والحاكم ١/ ٦٩٠ (١٨٧٧) والطبراني في الدعاء (١٠٣٥) وغيرهم، من طرق عن فضيل بن =
الجزء: 1 - الصفحة: 22
الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك.
أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله عز وجل همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا".
فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ قال: "بلى، ينبغي لمن سمعها (^١) أن يتعلمها" (^٢).
وقال ابن مسعود: ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح (^٣).
وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المجابين في الدعاء (^٤) عن الحسن (^٥) قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأنصار يكنى أبا معلق، وكان
= مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه فإنه مختلف في سماعه عن أبيه".
وتعقبه الذهبي بقوله: "وأبو سلمة لا يدرى من هو، ولا رواية له في الكتب الستة".
قلت: عبد الرحمن لم يسمع من أبيه ابن مسعود إلا حديثا أو نحوه لصغر سنه.
وأبو سلمة إن كان هو موسى بن عبد الله فهو ثقة، وإلا فهو مجهول.
والله أعلم.
انظر جامع التحصيل للعلائي (٤٣٧). والحديث صححه ابن حبان والحاكم والمؤلف وغيرهم وحسنه ابن حجر في اللسان (٩/ ٨٤).
(^١) ز: "يسمعها".
(^٢) انظر تفسير هذا الحديث في شفاء العليل (٢٧٤).
(^٣) لم أقف عليه.
(^٤) برقم (٢٣)، ولا يثبت سنده.
(^٥) في كتاب المجابين: "عن الحسن عن أنس … ".
الجزء: 1 - الصفحة: 23
تاجرا، يتجر بمال له ولغيره، يضرب به في (^١) الآفاق، وكان ناسكا ورعا.
فخرج مرة، فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك، فإني قاتلك.
قال: ما تريد إلى دمي؟ شأنك بالمال.
قال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك.
قال (^٢): أما إذ (^٣) أبيت، فذرني أصلي أربع ركعات.
قال صل ما بدا لك.
فتوضأ، ثم صلى (^٤) أربع ركعات.
فكان (^٥) من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود (^٦)، يا ذا العرش المجيد، يا فعال (^٧) لما يريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك: أن تكفيني (^٨) شر هذا اللص.
يا مغيث أغثني، يا مغيث أغثني (^٩) ثلاث مرات.
فإذا هو بفارس قد أقبل، بيده حربة، قد وضعها بين أذني فرسه.
فلما بصر به اللص أقبل نحوه، فطعنه، فقتله.
ثم أقبل إليه، فقال: قم، فقال: من أنت، بأبي أنت (^١٠) وأمي؟ فقد أغاثني الله بك اليوم.
فقال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة، دعوت بدعائك الأول، فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم
(^١) "في "ساقط من ف.
(^٢) ف: "فقال".
(^٣) س، ل: "إذا".
(^٤) ف: "وصلى".
(^٥) س: "وكان".
(^٦) س، ل: "يا ودود، يا ودود".
(^٧) س، ز: "فعالا".
(^٨) س: "تكفني"، وفي الحاشية أشير إلى هذه النسخة.
(^٩) كذا في س، ز. وفي ف ورد "يا مغيث أغثني" مرة واحدة، وفي ل ثلاث مرات.
(^١٠) "أنت" ساقط من ف.
الجزء: 1 - الصفحة: 24
دعوت بدعائك الثاني، فسمعت لأهل السماء ضجة.
ثم دعوت بدعائك الثالث، فقيل لي (^١): دعاء مكروب.
فسألت الله أن يوليني قتله.
قال الحسن (^٢): فمن توضأ، وصلى أربع ركعات، ودعا بهذا الدعاء، استجيب له، مكروبا كان (^٣) أو غير مكروب.
فصل
وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها قوم، فأستجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه، وإقباله على الله، أو حسنة تقدمت منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته، أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك، فأجيبت دعوته.
فيظن الظان أن السر في لفظ ذلك الدعاء، فيأخذه مجردا عن (^٤) تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي.
وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، فانتفع به، فظن (^٥) غيره أن استعمال هذا الدواء بمجرده كاف (^٦) في
حصول المطلوب، كان غالطا.
وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس.
ومن هذا أنه (^٧) قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب، فيظن الجاهل أن السر للقبر، ولم يعلم أن السر للاضطرار وصدق اللجأ إلى
(^١) "لي" ساقط من ز.
(^٢) كذا في الأصول.
وفي كتاب المجابين: "قال أنس".
(^٣) "كان" ساقط من س.
(^٤) س: من.
(^٥) ز: "وظن".
(^٦) س، ز: "كافيا".
ل: "نافع".
(^٧) "أنه" ساقط من ل.
الجزء: 1 - الصفحة: 25
الله.
فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله كان أفضل وأحب إلى الله.
فصل
والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحد (^١) فقط، فمتى (^٢) كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به، والساعد ساعد قوي (^٣)، والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدو.
ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير.
فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة، لم يحصل الأثر.
فصل
وههنا سؤال مشهور، وهو أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدع.
وإن لم يكن قد قدر لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله (^٤).
فظنت طائفة صحة هذا السؤال، فتركت الدعاء، وقالت: لا فائدة
(^١) "والسلاح … بحده" ساقط من س.
(^٢) س: "فإن".
(^٣) ف: "والساعد قوي".
(^٤) وانظر في هذه المسألة: مدارج السالكين (٣/ ١٠٤)، ومجموع الفتاوى و(٨/ ١٩٢)، واقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٢٨). وقد ذكر الشوكاني في البدر الطالع (٢/ ١٤٤) رسالة للمؤلف في هذه المسألة بعنوان "الجواب الشافي لمن سأل عن ثمرة الدعاء إذا كان ما قد قدر واقع " (كذا "واقع " بالرفع، و"الشافي" لعل صوابه: "النافع" ليتم السجع).
وقد تفرد الشوكاني بذكر هذه الرسالة، ولا ندري أهي رسالة مستقلة، أم استخرج بعضهم هذا الفصل من كتابنا، وسماه بذلك الاسم.
الجزء: 1 - الصفحة: 26
فيه! وهؤلاء -مع فرط جهلهم وضلالهم- متناقضون، فإن طرد مذهبهم يوجب تعطيل جميع الأسباب.
فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والري قد قدرا لك فلابد (^١) من وقوعهما، أكلت أو لم تأكل.
وإن لم يقدرا لم يقعا، أكلت أو لم تأكل.
وإن كان الولد قدر لك فلابد منه، وطئت الزوجة والأمة (^٢) أو لي تطأ.
وإن لم يقدر لم يكن، فلا حاجة إلى التزوج والتسري.
وهلم جرا.
فهل يقول هذا عاقل أوآدمي؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته.
فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام، بل هم أضل سبيلا.
وتكايس بعضهم، وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض، يثيب الله عليه الداعي، من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما.
ولا فرق عند هذا (^٣) الكيس بين الدعاء وبين الإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب، وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت، ولا فرق.
وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه أمارة على قضاء الحاجة.
فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أن حاجته قد قضيت.
وهذا كما إذا رأينا غيما
(^١) س: ل "فلا فائدة"، تحريف.
(^٢) س: "أو الأمة".
(^٣) "هذا" ساقط من س.
الجزء: 1 - الصفحة: 27
أسود باردا في زمن الشتاء، فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر.
قالوا (^١): وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب، لا أنها أسباب له.
وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحريق (^٢) مع الإحراق، والإزهاق مع القتل.
ليس شيء من ذلك سببا ألبتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران العادي، لا التأثير السببي (^٣).
وخالفوا بذلك الحس، والعقل، والشرع، والفطرة، وسائر طوائف العقلاء، بل أضحكوا عليهم العقلاء (^٤)!
والصواب أن ها هنا قسما ثالثا غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور (^٥) قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء.
فلم يقدر مجردا عن سببه، ولكن قدر بسببه.
فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور (^٦)، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور.
وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه (^٧).
وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال،
(^١) "قالوا" ساقط من س.
(^٢) س: "الحرق".
(^٣) انظر: طريق الهجرتين (١٩٦، ٢٠٦) وشفاء العليل (١٨٨).
(^٤) "بل … العقلاء" ساقط من ز.
(^٥) ز: "المقدر".
(^٦) س: "المقدر".
(^٧) ز: "بالذبح".
الجزء: 1 - الصفحة: 28
ودخول النار بالأعمال (^١).
وهذا القسم هو الحق، وهو الذي حرمه السائل ولم يوفق له.
وحينئذ ف