الشرك في العبادة ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر
(^٣).
فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم أن يحب مخلوقا كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله.
وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه (^٤):) ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥].
وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم (^٥) الجحيم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين (٩٧) إذ نسويكم برب العالمين (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨].
ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنما سووهم به (^٦) في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل.
وهذا غاية الظلم والجهل.
فكيف يسوى التراب برب الأرباب؟ وكيف يسوى العبيد (^٧) بمالك الرقاب؟ وكيف يسوى الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز
(^١) "معي" ساقط من ز.
(^٢) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(^٣) ل، ز: "مغفور".
(^٤) س: "قال الله … ". ل، ز: "قال فيه سبحانه".
(^٥) سقطت الواو من س. وفي ف: "وقد جمعهم".
(^٦) "به" ساقط من س.
(^٧) ز: "العبد".
الجزء: 1 - الصفحة: 304
بالذات (^١)، المحتاج بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم = بالغني بالذات، القادر بالذات، الذي غناه وقدرته وملكه (^٢) وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟ فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأي حكم أشد جورا منه حيث عدل من لا عدل له بخلقه؛ كما قال تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (١)﴾ [الأنعام: ١]، فعدل المشرك من خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.
فيا لك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه (^٣)!
فصل (^٤)
ويتبع هذا الشرك (^٥) الشرك به سبحانه في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات.
فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمينه في الأرض، و(^٦) تقبيل القبور واستلامها والسجود لها.
(^١) "الضعيف … بالذات" ساقط من ز.
(^٢) ف: "ملكه وقدرته".
(^٣) العبارة في ز محرفة.
(^٤) هذا الفصل نقله المقريزي بتصرف في رسالته "تجريد التوحيد المفيد" (٥٠ - ٥٩).
(^٥) ف: "ومن أنواع الشرك".
(^٦) ما عدا س: "أو".
الجزء: 1 - الصفحة: 305
وقد لعن النبي (^١) صلى الله عليه وآله وسلم من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى لله فيها، فكيف بمن اتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون الله! ففي الصحيحين (^٢) عنه أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^٣).
وفي الصحيح عنه (^٤): "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" (^٥).
وفي الصحيح أيضا عنه: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد.
ألا (^٦)، فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن
(^١) ل: "رسول الله".
(^٢) ما عدا ل: "ففي الصحيح".
(^٣) من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم.
أخرجه البخاري في كتاب الصلاة (٤٣٦،٤٣٥) وغيره؛ ومسلم في المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (٥٣١).
(^٤) ز: "أيضا عنه".
(^٥) أخرجه أحمد ٥/ ٤٠١ (٣٨٤٤) وابن خزيمة (٧٨٩) وابن حبان (٦٨٤٧) والبزار في مسنده (١٧٢٤) وغيرهم، من طريق زائدة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن ابن مسعود مرفوعا.
وذكره البخاري في الفتن معلقا بصيغة الجزم بالشطر الأول فقط.
راجع الفتح (١٣/ ١٤).
ورواه أبو الأحوص عن ابن مسعود مرفوعا: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس".
أخرجه مسلم (٢٩٤٩) وغيره.
ورواه قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة السلماني عن ابن مسعود مرفوعا بمثله، وزاد في أوله: "إن من البيان سحرا".
أخرجه أحمد ١/ ٤٥٤ (٤٣٤٢) وغيره.
وهي رواية تفرد بها قيس عن الأعمش، وقيس ضعيف.
(^٦) "ألا" لم ترد في ف، ل. وقد سقط من ز: "وفي الصحيح أيضا … مساجد".
الجزء: 1 - الصفحة: 306
ذلك" (^١).
وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان (^٢) عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لعن الله زوارات (^٣) القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج".
وقال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^٤).
(^١) من حديث جندب رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (٥٣٢).
(^٢) مسند أحمد ١/ ٢٢٩ (٢٠٣٠)، وابن حبان (٣١٧٩). وأخرجه الترمذي (٣٢٠) وأبو داود (٣٢٣٦) وابن ماجه (١٥٧٥) والنسائي (٢٠٤٣) والحاكم ١/ ٥٣٠ (١٣٨٤) وغيرهم، من طريق محمد بن جحادة عن أبي صالح عن ابن عباس فذكره.
قال الترمذي: "حديث حسن".
وقال الحاكم: "أبو صالح هذا ليس بالسمان المحتج به، إنما هو باذام.
ولم يحتج به الشيخان لكنه حديث متداول فيما بين الأئمة، ووجدت له متابعا … " فذكره.
قلت: أبو صالح هذا هو باذام مولى أم هانئ، ضعفه أكثر العلماء.
راجع تهذيب الكمال (٤/ ٨). وانظر تفصيل الكلام على الحديث في "جزء زيارة النساء للقبور" للشيخ بكر أبو زيد حفظه الله، ولشطر الحديث الأول شواهد تقويه.
(^٣) ف: "عنه أنه لعن زوارات … ".
(^٤) أخرجه البزار (كشف الأستار- ٤٤٥) وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٤٣) من طريق عمر بن صهبان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكره.
قال الهيثمي في المجمع (٢٨/ ٢): "رواه البزار وفيه عمر بن صهبان وقد اجتمعوا على ضعفه".
قلت: وقد خولف عمر بن صهبان.
خالفه الإمام مالك وغيره فرووه مرسلا وهو أصح.
فرواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا.
أخرجه في الموطأ (٤٧٥) وابن سعد (٢/ ٢١٢). ورواه معمر ومحمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم معضلا.
أخرجه عبد الرزاق (١٥٨٧) وابن أبي شيبة (١١٨١٨).
الجزء: 1 - الصفحة: 307
وقال: "إن من كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصورة (^١).
أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (^٢).
فهذا حال من سجد لله في مسجد على قبر، فكيف حال (^٣) من سجد للقبر نفسه!
وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (^٤).
وقد حمى (^٥) النبي- صلى الله عليه وآله وسلم جانب التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها (^٦)، لئلا يكون
(^١) ف: "الصور".
(^٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.
أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة (٤٣٤) وغيره؛ ومسلم في المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (٥٢٨).
(^٣) "حال" ساقط من ف.
(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ٢٤٦ (٧٣٥٨) والبخاري في تاريخه (٣/ ٤٧) وابن سعد (٢/ ٢١٣) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣١٧) وغيرهم من طريق سفيان بن عيينة عن حمزة بن الغيرة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا فذكره.
قلت: حمزة قال فيه ابن معين: "ليس به بأس".
ولم نجد له متابعا عن سهيل.
وقد عده الدارقطني وأبو نعيم من غرائب حمزة.
انظر أطراف الغرائب (٥/ ٣٤٧).
وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا".
انظر علل الدارقطني (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١).
(^٥) "صلى الله عليه وآله وسلم … حمى" ساقط من ف.
(^٦) كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٨٢) ومسلم في صلاة المسافرين (٨٢٨).
الجزء: 1 - الصفحة: 308
ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع من الصلاة بعد العصر والصبح (^١) لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس.
وأما السجود لغير الله فقال: "لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله" (^٢).
"ولا ينبغي لا في كلام الله ورسوله للذي هو في غاية الامتناع شرعا (^٣)، كقوله تعالى: ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢]، وقوله: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ [يس: ٦٩]، وقوله: ﴿وما تنزلت به
(^١) كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وغيره في صحيح البخاري (٥٨١، ٥٨٤، ٥٨٦) وصحيح مسلم (٨٢٧،٨٢٦،٨٢٥).
(^٢) "لأحد أن … لله " ساقط من ل (ص).
والحديث أخرجه ابن حبان (٤١٦٢) وابن أبي الدنيا في العيال (٥٣٤) من طريق أبي أسامة والنضر بن إسماعيل البجلي كلاهما عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة في قصة الجملين.
وفيه: "فقال من معه: سجد له (أي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد.
ولو كان أحد ينبغي أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقه" هذا لفظ ابن حبان وسنده حسن.
والحديث أخرجه مختصرا: الترمذي (١١٥٩) والبيهقي (٧/ ٢٩١) من طريق النضر بن شميل عن محمد بن عمرويه.
قال الترمذي: "حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه؛ من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة".
(^٣) لم يرد "شرعا" في ف، ز. وقال المؤلف في إعلام الموقعين (١/ ٤٣): "وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال "لا ينبغي" في المحظور شرعا أو قدرا في المستحيل الممتنع".
وانظر بدائع الفوائد (١٣٠٧).
الجزء: 1 - الصفحة: 309
الشياطين (٢١٠) وما ينبغي لهم﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]، وقوله عن الملائكة: ﴿ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء﴾ [الفرقان: ١٨].
فصل
ومن الشرك به سبحانه: الشرك به في اللفظ، كالحلف بغيره، كما رواه الإمام أحمد (^١) وأبو داود عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك".
صححه الحاكم وابن حبان (^٢).
ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي (^٣) صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني (^٤) لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده" (^٥).
(^١) س: "رواه أحمد".
(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٢٥ (٦٠٧٢) وأبو داود (٣٢٥١) والترمذي (١٥٣٥) وابن حبان (٢١٧٧) والحاكم ٤/ ٢٣١ (٧٨١٤) وغيرهم من طرق عن الحسن بن عبيد الله عن سعد بن عبيدة: سمع ابن عمر رجلا يقول: والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك".
وكذا رواه سعيد بن مسروق والأعمش عن سعد بن عبيدة به عند أحمد (٤٩٠٤).
ورواه شعبة وشيبان وجرير بن عبد الحميد كلهم عن منصور بن المعتمر عن سعد بن عبيدة عن محمد الكندي عن ابن عمر مرفوعا، فذكره، وفيه قصة.
أخرجه أحمد (٥٣٧٥، ٥٥٩٣) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٨٣١) وغيرهما.
وانظر: السلسلة الصحيحة (٢٠٤٢)، وتحقيق المسند (٨/ ٥٠٤).
(^٣) س: "عنه".
(^٤) س: "أتجعلني".
(^٥) أخرجه أحمد (١٨٣٩، ١٩٦٤، ٢٥٦١، ٣٢٤٧) والبخاري في الأدب المفرد (٢٣٤) وابن ماجه (٢١١٧) والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٨) والبيهقي =
الجزء: 1 - الصفحة: 310
هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة، كقوله: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم (٢٨)﴾ [التكوير: ٢٨] فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت،
وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء (^١)، وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذرا لله (^٢) ولفلان، أو أنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانا، ونحو ذلك؟
فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل (^٣): ما شاء الله وشئت، ثم انظر: أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم القائل تلك الكلمة، وأنه (^٤) إذا كان قد جعله لله ندا بها (^٥)، فهذا (^٦) قد جعل من لا يداني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه،
= (٣/ ٢١٧) وغيرهم، من طرق عن الأجلح عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس أن رجلا قال … فذكره.
قلت: ومدار الحديث على الأجلح وهو مختلف فيه، ولهذا قال البوصيري: "هذا إسناد فيه الأجلح بن عبد الله مختلف فيه.
ضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي وأبو داود وابن سعد.
ووثقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن سفيان.
وباقي رجال الإسناد ثقات … ".
قلت: وله شواهد، انظرها في تحقيق المسند (٣/ ٣٣٩).
(^١) "لي" ساقط من س، ف. وفي س: "السموات".
(^٢) ز: "نذر لله".
(^٣) ز: "بين القائل".
(^٤) ف: "وأن القائل".
(^٥) سقط "بها" من س، ولفظ الجلالة من ف. وفي ل: "جعل".
(^٦) ف: "فهل" تحريف.
الجزء: 1 - الصفحة: 311
ندا لرب العالمين.
فالسجود، والعبادة، والتوكل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتحسب، والتوبة، والنذر، والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعا وتعبدا، والطواف
بالبيت، والدعاء = كل ذلك محض حق الله الذي لا يصلح ولا ينبغي لسواه من ملك مقرب ولا نبي مرسل (^١).
وفي مسند الإمام أحمد (^٢) أن رجلا أتي به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أذنب ذنبا، فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد.
فقال: "عرف الحق لأهله".
فصل
وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه.
فمن أراد بعمله غير وجه الله، أو نوى (^٣) شيئا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته.
(^١) ف: "أو نبي مرسل".
(^٢) ٣/ ٤٣٥ (١٥٥٨٧) والطبراني في الكبير ١/ ٢٨٦ (٨٣٩، ٨٤٠) والحاكم ٤/ ٢٨٤ (٧٦٥٤) وغيرهم.
من طريق محمد بن مصعب القرقساني عن سلام بن مسكين والمبارك بن فضالة عن الحسن البصري عن الأسود بن سريع مرفوعا فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وتعقبه الذهبي قائلا: "ابن مصعب ضعيف".
قلت: وأيضا الحسن لم يسمع من الأسود بن سريع فيما نص عليه بعض أئمة النقد كابن المديني ويحيى بن معين وأبي داود والبزار وابن قانع.
(^٣) ف: "ونوى".
الجزء: 1 - الصفحة: 312
والإخلاص أن يخلص لله في أقواله (^١) وأفعاله وإراداته ونيته.
وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها.
وهي حقيقة الإسلام، ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]، وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء.
فصل (^٢)
إذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور، فنقول ومن الله وحده نستمد (^٣) الصواب:
حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به.
هذا هو "التشبيه" في الحقيقة، لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله سبحانه (^٤)، فعكس من نكس الله قلبه، وأعمى عين بصيرته، وأركسه بلبسه الأمر وجعل التوحيد تشبيها والتشبيه تعظيما وطاعة فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.
فإن من خصائص الإلهية التفرد (^٥) بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك
(^١) ف: "أن تخلص لله أقواله".
(^٢) نقل هذا الفصل والفصل التالي بتصرف واختصار: المقريزي في رسالته "تجريد التوحيد المفيد" (٦٢ - ٧٢).
(^٣) ز: "يستمد"، وكذا في ف مضبوطا بضم الياء.
(^٤) س: "رسوله صلى الله عليه وآله وسلم".
(^٥) "فإن من خصائص الإلهية" ساقط من ل. وكذا من ف، فأصلح المتن -فيما يظهر- بزيادة الكاف: "كالتفرد".
الجزء: 1 - الصفحة: 313
يوجب تعلق الدعاء (^١) والخوف والرجاء والتوكل به وحده.
فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق (^٢)، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرا (^٣) ولا نفعا ولاموتا ولا حياة ولا نشورا، فضلا عن غيره، شبيها لمن له الأمر كله.
فأزمة الأمور كلها بيديه (^٤)، ومرجعها إليه (^٥)، فما شاء كان،
وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
بل إذا فتح لعبده باب رحمة لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد.
فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات.
و