الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)صفحات 394-433

ظاهر مذهبه، والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه، وأبو يوسف ومحمد = إلى أن عقوبته وعقوبة الزاني ١ سواء.

وذهب الحكم ٢ وأبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزاني، وهي التعزير.

قالوا: لأنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسوله فيه حدا مقدرا، فكان فيه التعزير، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير.

قالوا: ولأنه وطء في محل لا يشتهيه الطباع ٣، بل ركبها الله تعالى على النفرة منه حتى الحيوان البهيم، فلم يكن فيه حد، كوطء الحمار وغيره.

قالوا: ولأنه لا يسمى زانيا لغة ولا شرعا ولا عرفا، فلا يدخل في النصوص الدالة على حد الزانيين.

قالوا: ولأنا رأينا قواعد الشريعة ١ أن المعصية إذا كان الوازع عنها طبعيا اكتفي بذلك الوازع من الحد، وإذا كان في الطباع تقاضيها جعل فيها الحد بحسب ٢ اقتضاء الطباع لها.
ولهذا جعل الحد في الزنى والسرقة وشرب المسكر دون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير.

قالوا: وطرد هذا أنه لا حد في وطء البهيمة ولا الميتة.
وقد جبل الله سبحانه الطباع على النفرة من وطء الرجل مثله أشد نفرة، كما جبلها على النفرة من استدعاء الرجل من يطؤه، بخلاف الزنى فإن الداعي فيه من الجانبين.

قالوا: ولأن أحد النوعين إذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحد، كما لو تساحقت المرأتان واستمتعت كل واحدة منهما بالأخرى.

قال أصحاب القول الأول -وهم جمهور الأمة، وحكاه غير واحد إجماعا للصحابة-: ليس في المعاصي مفسدة أعظم ٣ من هذه المفسدة، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل، كما سنبينه إن شاء الله.

قالوا: ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدا من العالمين، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم، وجمع عليهم من

أنواع العقوبات من الإهلاك ١ وقلب ديارهم عليهم، والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماءة فنكل بهم نكالا لم ينكله بأمة سواهم.
وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها ٢ إذا عملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شاهدوها، خشية نزول العذاب على أهلها، فيصيبهم معهم؛ وتعج الأرض إلى ربها تبارك وتعالى، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها.

وقتل المفعول به ٣ خير له من وطئه، فإنه إذا وطئه الرجل قتله قتلا ٤ لا ترجى الحياة معه؛ بخلاف قتله فإنه مظلوم شهيد، وربما ينتفع به في آخرته.

قالوا: والدليل على هذا أن الله سبحانه جعل حد القاتل إلى خيرة الولي، إن شاء قتل، وإن شاء عفا؛ وحتم قتل اللوطي حدا، كما أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ٥ الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها، بل عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين.

وقد ثبت عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر الصديق،

فاستشار أبو بكر الصحابة رضي الله عنهم، فكان ١ علي بن أبي طالب أشدهم قولا فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة ٢، وقد علمتم ما فعل الله بها.
أرى أن يحرق بالنار.
فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه ٣.

وقال عبد الله بن عباس: ينظر أعلى بناء في القرية، فيرمى اللوطي منه منكبا ٤، ثم يتبع بالحجارة ٥.
وأخذ عبد الله بن عباس هذا الحد من عقوبة الله للوطية قوم لوط.

وابن عباس هو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به".
رواه أهل السنن ٦، وصححه

ابن حبان وغيره، واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث.
وإسناده على شرط البخاري.

قالوا: وثبت عنه أنه ١ قال: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط.
لعن الله من عمل عمل قوم لوط.
لعن الله من عمل عمل قوم لوط" ٢.

ولم تجئ عنه لعنة الزاني في ٣ حديث واحد، وقد لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعنة مرة واحدة، وكرر لعن اللوطية فأكده ثلاث مرات.

وأطبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قتله، لم يختلف ١ فيه منهم رجلان.
وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله ٢، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله، فحسماها مسألة نزل بين الصحابة وهي بينهم مسألة إجماع ٣، لا مسألة نزل.

قالوا: ومن تأمل قوله سبحانه: (﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا (٣٢)[الإسراء: ٣٢]، وقوله في اللواط: ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (٨٠)﴾ [الأعراف: ٨٠] تبين له تفاوت ما بينهما.
فإنه ٤ سبحانه نكر الفاحشة في الزنى، أي هو ٥ فاحشة من

الفواحش، وعرفها في اللواط، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، كما تقول: زيد الرجل ٦، ونعم الرجل زيد.
أي: أتأتون الخصلة التي استقر فحشها عند كل أحد ٧؟ فهي لظهور فحشها ٨ وكماله غنية عن ذكرها، بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها.

وهذا نظير قول فرعون لموسى ٩: ﴿وفعلت فعلتك التي فعلت﴾ [الشعراء: ١٩] أي: الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد.

ثم أكد سبحانه بيان فحشها ١ بأنها ٢ لم يعملها أحد من العالمين قبلهم، فقال: ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين (٨٠)﴾ ٣ [الأعراف: ٨٠].
ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القلوب، وتنبو عنه الأسماع، وتنفر منه أشد النفرة ٤ الطباع، وهو إتيان الرجل رجلا مثله، ينكحه كما ينكح الأنثى، فقال: ﴿إنكم لتأتون الرجال﴾ [الأعراف: ٨١].

ثم نبه على استغنائهم عن ذلك، وأن الحامل لهم عليه ليس إلا مجرد الشهوة، لا الحاجة التي لأجلها مال الذكر إلى الأنثى ٥، من قضاء الوطر ولذة الاستمتاع، وحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبويها وتذكر بعلها، وحصول النسل الذي هو ٦ حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات، وتحصين المرأة وقضاء وطرها، وحصول علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب ٧، وقيام الرجال على النساء، وخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهن كالأنبياء والأولياء والصالحين ٨، ومكاثرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأنبياء بأمته، إلى غير ذلك من مصالح النكاح.
والمفسدة التي في اللواط تقاوم ذلك كله، وتربي

عليه ١ بما لا يمكن حصر فساده، ولا يعلم تفصيله إلا الله.

ثم أكد قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليها الرجال، وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في المذكور، وهي شهوة النساء دون شهوة المذكور.
فقلبوا الأمر، وعكسوا الفطرة والطبيعة، فأتوا

الرجال شهوة من دون النساء ٢.
ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم، فجعل عاليها سافلها.
وكذلك قلبوا هم ونكسوا ٣ في العذاب على رؤوسهم ٤.

ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن حكم عليهم بالإسراف، وهو مجاوزة الحد، فقال: ﴿بل أنتم قوم مسرفون (٨١)﴾ [الأعراف: ٨١].

فتأمل هل جاء ذلك أو قريبا منه في الزنى؟ وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله: ﴿ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث﴾ [الأنبياء: ٧٤] ". ثم أكد عليهم الذم بوصفين في غاية القبح، فقال: ﴿إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (٧٤)﴾.

وسماهم "مفسدين" في قول نبيهم: ﴿قال رب انصرني على القوم المفسدين (٣٠)﴾ [العنكبوت: ٣٠].
وسماهم "ظالمين" في قول الملائكة لإبراهيم: ﴿إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (٣١)﴾ [العنكبوت: ٣١].

فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات، ومن ذمه الله ١ بمثل هذه المذمات! ولما جادل فيهم خليله إبراهيم الملائكة، وقد أخبروه بإهلاكهم، قيل له: ﴿يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (٧٦)﴾ [هود: ٧٦].

وتأمل خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله، حيث ٢ جاؤوا نبيهم لوطا لما سمعوا بأنه قد طرقه أضياف هم من أحسن البشر صورا، فأقبل اللوطية إليه ٣ يهرولون.
فلما رآهم قال لهم: ﴿يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ [هود: ٧٨]، ففدى أضيافه ببناته، يزوجهم بهن، خوفا على نفسه وأضيافه من العار الشديد، فقال: ﴿يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (٧٨)﴾ [هود: ٧٨]، فردوا عليه، ولكن رد جبار عنيد: ﴿لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (٧٩)﴾ [هود: ٧٩].
فنفث نبي الله نفثة مصدور، وخرجت من قلب مكروب عميد ٤، فقال: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (٨٠)﴾ [هود: ٨٠].
فنفس له رسل الله، وكشفوا له عن حقيقة الحال، وأعلموه أنهم ليسوا ٥ ممن يوصل إليهم ولا إليه بسببهم، فلا تخف منهم، ولا تعبأ بهم، وهون عليك، فقالوا: ﴿قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ [هود: ٨١]، وبشروه بما جاؤوا به من الوعد له، ولقومه من الوعيد المصيب، فقالوا: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم

إن موعدهم الصبح﴾ ١ [هود: ٨١].
فاستبطأ نبي الله موعد هلاكهم ٢، وقال: أريد أعجل من هذا، فقالت الملائكة: ﴿أليس الصبح بقريب (٨١)﴾.

فوالله ما كان بين هلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السحر وطلوع الفجر، وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها، ورفعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير.
فبرز

المرسوم الذي لا يرد من عند الرب الجليل إلى عبده ورسوله جبريل بأن يقلبها عليهم، كما أخبر به في محكم التنزيل، فقال عز من قائل: ﴿فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ [هود: ٨٢].

فجعلهم آية للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالا وسلفا لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين، وجعل ديارهم بطريق السالكين.
﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين (٧٥) وإنها لبسبيل مقيم (٧٦) إن في ذلك لآية للمؤمنين (٧٧)﴾ [الحجر: ٧٥ - ٧٧].

أخذهم على غرة وهم نائمون، وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، فانقلبت ٣ تلك اللذات آلاما فأصبحوا بها يعذبون:

مآرب كانت في الحياة لأهلها … عذابا فصارت في الممات عذابا ١

ذهبت اللذات، وأعقبت الحسرات.
وانقضت الشهوة، وأورثت الشقوة.
تمتعوا قليلا، وعذبوا طويلا.
رتعوا مرتعا وخيما، فأعقبهم عذابا أليما.
أسكرتهم خمرة تلك الشهوة، فما استفاقوا منها إلا في ديار

المعذبين.
وأرقدتهم تلك الغفلة، فما استيقظوا إلا وهم في منازل الهالكين.
فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم.
وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم.

فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم، وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ويقال لهم، وهم على وجوههم يسحبون: ﴿ذوقوا ما كنتم تكسبون (٢٤)﴾ [الزمر: ٢٤]، ﴿اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (١٦)﴾ [الطور: ١٦].

ولقد قرب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في العمل، فقال مخوفا لهم أن يقع الوعيد: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد (٨٣)﴾ [هود: ٨٣].

فيا ناكحي الذكران يهنيكم البشرى … فيوم معاد الناس إن لكم أجرا

كلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وأبشروا … فإنكم زفا إلى الجنة الحمرا ٢

فإخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم … وقالوا: إلينا عجلوا لكم ١ البشرى

وها نحن أسلاف لكم في انتظاركم … سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى ٢

ولا تحسبوا أن الذين نكحتم … يغيبون عنكم بل ترونهم جهرا

ويلعن كل منكم لخليله … ويشقى به المحزون في الكرة الأخرى

يعذب كل منهم بشريكه … كما اشتركا في لذة توجب الوزرا

فصل في الأجوبة عما احتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنى

أما قولهم: إنها معصية لم يجعل الله فيها حدا معينا، فجوابه من وجوه:

أحدها: أن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتفا، وما شرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنما شرعه عن الله.
فإن أردتم أن حدها غير معلوم بالشرع فهو باطل، وإن أردتم أنه غير ثابت بنص الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء حكمه لثبوته بالسنة.

الثاني: أن هذا ينتقض عليكم بالرجم، فإنه إنما ثبت بالسنة.

فإن قلتم: بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقي حكمه، قلنا: فينتقض عليكم بحد شارب الخمر.

الثالث: أن نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل ولا نفي

المدلول، فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير منتف؟

وأما قولكم: إنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركب الله الطباع على النفرة منه، فهو كوطء الميتة والبهيمة، فجوابه من وجوه: أحدها: أنه قياس فاسد الاعتبار، مردود بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع الصحابة، كما تقدم بيانه.

الثاني: أن قياس وطء الأمرد الجميل الذي فتنته تربي على كل فتنة ١، على وطء أتان أو امرأة ميتة، من أفسد القياس.
وهل تغزل أحد قط بأتان أو بقرة أو ميتة، أو سبى ذلك عقل عاشق، أو أسر قلبه، أو استولى على فكره ونفسه؟ فليس في القياس أفسد من هذا.

الثالث: أن هذا منتقض بوطء الأم والبنت والأخت، فإن النفرة الطبيعية عنه حاصلة، مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين، وهو القتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن.
وهذا إحدى

الروايتين ٢ عن الإمام أحمد، وهو قول إسحاق بن راهويه وجماعة من أهل الحديث.

وقد روى أبو داود ٣ من حديث البراء بن عازب قال: لقيت عمي

ومعه الراية، فقلت: إلى أين تريد ١؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه، وآخذ ماله.

قال الترمذي: هذا حديث حسن ٢.
قال الجوزجاني: عم البراء اسمه الحارث بن عمرو ٣.

وفي سنن ابن ماجه ٤ من حديث ابن عباس ٥ قال: قال رسول الله

صلى الله عليه وآله وسلم: "من وقع على ذات محرم فاقتلوه".

ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها، فقال: احبسوه، واسألوا ١ من ها هنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فسألوا عبد الله بن مطرف، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ٢: "من تخطى حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف" ٣.

وفيه دليل على القتل بالتوسيط.
وهذا دليل مستقل في المسألة، وهو أن من لا يباح ١ وطؤه بحال فحد وطئه القتل.
دليله: من وقع على أمه وابنته.
وكذلك يقال في وطء ذوات المحارم ووطء من لا يباح له وطؤه بحال، فكان ٢ حده القتل، كاللوطي.

والتحقيق أن يستدل على المسألتين بالنص.
والقياس يشهد لصحة كل منهما.

وقد ٣ اتفق المسلمون على أن من زنى بذات محرم فعليه الحد، وإنما اختلفوا في صفة الحد: هل هو القتل بكل حال، أو حده حد الزاني؟ على قولين:

فذهب الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه ٤ أن حده حد الزاني.

وذهب أحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث إلى أن حده القتل بكل حال.

وكذلك اتفقوا كلهم على أنه لو أصابها باسم النكاح عالما = أنه يحد، إلا أبا حنيفة وحده ٥، فإنه رأى ذلك شبهة مسقطة للحد.
ومنازعوه يقولون: إذا أصابها باسم النكاح فقد زاد الجريمة غلظا وشدة،

فإنه ارتكب محذورين عظيمين: محذور العقد، ومحذور الوطء، فكيف تخفف عنه العقوبة بضم محذور العقد إلى محذور الزنا؟

وأما وطء الميتة، ففيه قولان للفقهاء، وهما في مذهب أحمد وغيره.
أحدهما: يجب به الحد، وهو قول الأوزاعي، فإن فعله أعظم جرما وأكثر ذنبا لأنه انضم إلى فاحشته هتك حرمة الميتة.

فصل

وأما ١ وطء البهيمة، فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه يؤدب ٢، ولا حد عليه.
وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقول إسحاق.

والقول الثاني ٣: أن حكمه حكم الزاني؛ يجلد إن كان بكرا، ويرجم إن كان محصنا.
وهذا قول الحسن.

والقول الثالث: أن حكمه حكم اللوطي.
نص عليه أحمد، فيخرج على الروايتين في حده: هل هو القتل حتما، أو هو كالزاني؟

والذين قالوا: حده القتل، احتجوا بما رواه أبو داود ٤ من حديث

ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
"من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه".

قالوا: ولأنه وطء لا يباح بحال، فكان فيه القتل كحد اللوطي.

ومن لم ير عليه حدا قالوا: لم يصح فيه الحديث، ولو صح لقلنا به، ولم يحل لنا مخالفته.
قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد عن الذي يأتي البهيمة، فوقف عندها، ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك ١.
وقال الطحاوي: الحديث ضعيف.
وأيضا فراويه ٢ ابن عباس، وقد أفتى بأنه لا حد عليه ٣.
قال أبو داود: وهذا

يضعف الحديث.

ولا ريب أن الزاجر الطبعي عن إتيان البهيمة أقوى من الزاجر الطبعي ١ عن التلوط، وليس الأمران في طباع الناس سواء، فإلحاق أحدهما بالآخر من أفسد القياس، كما تقدم.

فصل

وأما قياسكم وطء الرجل لمثله على تدالك المرأتين، فمن أفسد القياس، إذ لا إيلاج هناك، وإنما نظيره مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج، على أنه قد جاء في بعض الآثار المرفوعة: "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" ٢، ولكن لا يجب الحد بذلك لعدم الإيلاج، وإن أطلق

عليهما اسم الزنى العام، كزنى العين واليد والرجل والفم.

إذا ثبت هذا فأجمع المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع غيره.
ومن ظن أن تلوط الإنسان بمملوكه جائز، واحتج على ذلك بقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (٣٠)﴾ [المعارج: ٣٠] وقاس ذلك على أمته المملوكة، فهو كافر يستتاب، كما يستتاب المرتد.
فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
وتلوط الإنسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره في الإثم والحكم.

فصل

فإن قيل: وهل ١ مع ذلك كله من دواء لهذا الداء العضال، ورقية لهذا السحر القتال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟

وهل من طريق قاصد إلى التوفيق؟ وهل يمكن السكران بخمرة الهوى أن يفيق؟

وهل يملك العاشق قلبه، والعشق قد وصل إلى سويدائه؟ وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه ١ من سوء دائه؟

إن لامه لائم التذ بملامه ذكرا ٢ لمحبوبه، وإن عذله عاذل أغراه عذله ٣، وسار به في طريق مطلوبه.
ينادي عليه شاهد حاله، بل لسان قاله ٤:

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي … متأخر عنه ولا متقدم

وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا … ما من يهون عليك ممن يكرم

أشبهت أعدائي فصرت أحبهم … إذ كان حظي منك حظي منهم

أجد الملامة في هواك لذيذة … حيا لذكرك فليلمني اللوم ٥

ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الأول الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي طلب له الدواء.

قيل: نعم، الجواب من رأس "وما أنزل الله سبحانه من داء إلا

أنزل له دواء.
علمه من علمه، وجهله من جهله" ١.

والكلام في دواء هذا الداء من طريقين:

أحدهما: حسم مادته قبل حصولها.

والثاني: قلعها بعد نزولها.

وكلاهما يسير على من يسره الله عليه، ومتعذر على من لم يعنه، فإن أزمة الأمور بيديه.

فأما الطريق المانع من حصول هذا الداء، فأمران:

أحدهما: غض البصر ٢، كما تقدم، فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس.
ومن أطلق لحظاته دامت حسراته.
وفي غض البصر عدة منافع، وهو بعض أجزاء هذا الدواء النافع ٣.

أحدها: أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، فليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى.
وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره ٤، وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره.

الثانية: أنه يمتنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه

إلى قلبه.

الثالثة: أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعية على الله، فإن إطلاق البصر يفرق القلب، ويشتته، ويبعده من الله.
وليس على العبد شيء أضر من إطلاق البصر، فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه.

الرابعة: أنه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه.

الخامسة: أنه يكسب القلب نورا، كما أن إطلاقه يكسبه ١ ظلمة.

ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمم بغض البصر فقال: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك﴾ [النور: ٣٠].
ثم قال ٢ إثر ذلك: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح﴾ [النور: ٣٥] أي: مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه.

وإذا استنار القلب أقبلت ٣ وفود الخيرات إليه من كل ناحية، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان.
فما شئت من بدع وضلالة، واتباع هوى، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة! فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب، فإذا فقد ٤ ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي

يجوس في حنادس الظلمات.

السادسة: أنه يورثه فراسة صادقة يميز بها بين المحق والمبطل ١ والصادق والكاذب.

وكان شجاع الكرماني ٢ يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة؛ وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واغتذى بالحلال = لم تخطئ فراسته.
وكان شجاع هذا لا تخطئ له فراسة ٣.

والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك لله شيئا ٤ عوضه الله خيرا منه، فإذا غض بصره عن محارم الله عوضه الله ٥ بأن يطلق نور بصيرته عوضا عن حبسه ٦ بصره لله، ويفتح عليه ٧ باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال

ببصيرة القلب ١.

وضد هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة، فقال تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢]، فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعمه الذي هو فساد البصيرة.

فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل ٢، وعمه البصيرة، وسكر القلب ٣، كما قال القائل:

سكران سكر هوى وسكر مدامة … ومتى إفاقة من به سكران ٤؟

وقال الآخر ٥:

قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم … العشق أعظم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهر صاحبه … وإنما يصرع المجنون في الحين ٦

السابعة: أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة، فيجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة، كما في الأثر: الذي يخالف هواه يفرق الشيطان ١ من ظله ٢.

وضد هذا ٣ تجد في ٤ المتبع لهواه من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها ما جعله الله سبحانه فيمن عصاه، كما قال الحسن: إنهم وإن طقطقت بهم البغال ٥، وهملجت بهم البراذين، إن ذل المعصية في رقابهم.
أبى الله إلا أن يذل من عصاه ٦.

وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته، والذل قرين معصيته، فقال تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨] وقال: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. والإيمان قول وعمل، ظاهر وباطن.

وقال تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠].
أي: من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح.

وفي دعاء القنوت: "إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت" ١.
ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، وله من العز بحسب طاعته.
ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه، وله من الذل بحسب معصيته.

الثامنة: أنه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب، فإنه يدخل مع النظرة، وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، فيمثل له حسن ٢ صورة المنظور إليه، ويزينها، ويجعلها صنما يعكف عليه القلب.
ثم ٣ يعده، ويمنيه، ويوقد على القلب نار الشهوة، ويلقي عليه ٤ حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهيب ٥.
فمن ذلك اللهيب ٦ تلك الأنفاس التي يجد

فيها وهج النار، وتلك الزفرات والحرقات.
فإن القلب قد أحاطت به النيران من كل جانب، فهو ١ في وسطها كالشاة في وسط التنور.

ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرمة ٢ أن جعل لهم في البرزخ تنور ٣ من نار، وأودعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم، كما أراه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في المنام في الحديث المتفق على صحته ٤.

التاسعة: أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاق البصر يشتته عن ذلك، ويحول بينه وبينه، فينفرط ٥ عليه أموره، ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه.
قال تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (٢٨)[الكهف: ٢٨].
وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه.

العاشرة: أن بين العين والقلب منفذا وطريقا يوجب انفعال أحدهما عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده.
فإذا ٦ فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب.
وكذلك في جانب الصلاح ٧، فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي

هي محل ١ النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والإنس به والسرور بقربه فيه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك.

فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما وراءها.

فصل

الثاني ٢: اشتغال القلب بما يصده عن ذلك، ويحول بينه وبين الوقوع فيه.
وهو ٣ إما خوف مقلق، أو حب مزعج.
فمتى خلا القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب، أو خوف ما حصوله أضر عليه من ذوات هذا المحبوب ٤، أو محبة ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب وفواته أضر عليه من ذوات هذا المحبوب = لم يجد بدا من عشق الصور.

وشرح هذا أن النفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب أعلى منه، أو خشية مكروه حصوله أضر عليها من ذوات هذا المحبوب.
وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين إن فقدا أو أحدهما لم ينتفع بنفسه:

أحدهما: بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه، فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما، ويحتمل أدنى

المكروهين ليخلص من أعلاهما.
وهذا خاصة العقل، ولا يعد عاقلا من كان بضد ذلك، بل قد تكون البهائم أحسن حالا منه.

الثاني: قوة عزم وصبر يتمكن بها من هذا الفعل والترك.
فكثيرا ما يعرف ١ الرجل قدر التفاوت، ولكن يأبى له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على إيثار الأنفع، من جشعه وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته.
ومثل هذا لا ينتفع بنفسه، ولا ينتفع به غيره.

وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين، فقال تعالى وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (٢٤)﴾ ٢ [السجدة: ٢٤].

وهذا هو الذي ينتفع بعلمه ٣، وينتفع به ٤ الناس.
وضده لا ينتفع بعلمه، ولا ينتفع ٥ به غيره.
ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه، ولا ينتفع به غيره ٦.
فالأول يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره.
والثاني قد طفئ نوره فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه في ظلمته.
والثالث يمشي في نوره وحده.

فصل

إذا عرفت هذه المقدمة، فلا يمكن أن يجتمع في القلب ١ حب المحبوب الأعلى وعشق الصور أبدا، بل هما ضدان لا يتلاقيان، بل لابد أن يخرج أحدهما صاحبه.
فمن كانت قوة حبه كلها للمحبوب الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها، صرفه ذلك عن محبة ما سواه.
وإن أحبه ٢ لم يحبه إلا لأجله ولكونه وسيلة له إلى محبته، أو قاطعا له عما يضاد محبته وينقضها ٣.

والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، وأن لا يشرك ٤ بينه وبين غيره في محبته.
وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يشرك محبه غيره ٥ في محبته، ويمقته لذلك ٦، ويبعده، ولا يحظيه بقربه، ويعده كاذبا في دعوى محبته، مع أنه ليس أهلا لصرف قوة المحبة إليه، فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلا له وحده، وكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال؟ ولهذا لا يغفر الله سبحانه أن يشرك به في هذه المحبة، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

فمحبة الصور تفوت محبة ٧ ما هو أنفع للعبد منها، بل ٨ تفوت

محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حياة نافعة إلا بمحبته ١ وحده.
فليختر إحدى المحبتين، فإنهما لا تجتمعان في القلب ولا ترتفعان منه.
بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه بمحبة غيره، فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة.
فإما أن يعذبه بمحبة الأوثان، أو بمحبة الصلبان، أو بمحبة النيران، أو محبة المردان، أو محبة النسوان، أو محبة الأثمان ٢، أو محبة العشراء والخلان ٣، أو محبة ٤ ما دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان، فالإنسان عبد محبوبه كائنا ما كان! كما قيل:

أنت القتيل بكل من أحببته … فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي ٥

فمن لم يكن إلهه ٦ مالكه ومولاه، كان إلهه هواه.
قال تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣].

فصل

وخاصية التعبد ١: الحب مع الخضوع والذل للمحبوب، فمن أحب شيئا وخضع له فقد تعبد قلبه له.
بل التعبد آخر مراتب الحب، ويقال له التتيم أيضا ٢.
فإن أول مراتبه: العلاقة، وسميت "علاقة " لتعلق القلب ٣ بالمحبوب.
قال ٤:

وعلقت ليلى وهي ذات تمائم … ولم يبد للأتراب من ثديها حجم ٥

وقال آخر ٦:

أعلاقة أم الوليد بعد ما … أفنان رأسك كالثغام المخلس ٧

ثم بعدها الصبابة، وسميت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب.

قال ١:

تشكى المحبون الصبابة ليتني … تحملت ما يلقون من بينهم وحدي ٢

فكانت لقلبي لذة الحب كلها … فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي ٣

ثم الغرام، وهو لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه.
ومنه سمي الغريم غريما لملازمته صاحبه ٤.
ومنه قوله تعالى: ﴿إن عذابها كان غراما (٦٥)﴾ [الفرقان: ٦٥].
وقد أولع ٥ المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحب، وقل أن تجده في أشعار العرب.

ثم العشق، وهو إفراط المحبة.
ولهذا لا يوسف به الرب تعالى، ولا يطلق في حقه ٦.

ثم الشوق، وهو سفر القلب إلى المحبوب أحث السفر ٧.
وقد جاء إطلاقه في حق الرب تعالى ٨، كما في مسند الإمام أحمد ٩ من

حديث عمار بن ياسر أنه ١ صلى صلاة فأوجز فيها، فقيل له في ذلك، فقال: أما ٢ إني دعوت فيها بدعوات كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو بهن: "اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي ٣، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي.
اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا ٤، وأسألك

القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم ٥، وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
اللهم زينا بزينة الإيمان" واجعلنا هداة مهتدين".

وفي أثر آخر: "طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشد شوقا" ٦.

وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" ١.

وقال بعض أهل البصائر ٢ في قوله تعالى: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾ [العنكبوت: ٥]: لما علم الله سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، وأن قلوبهم لا تهدأ دون لقائه، ضرب لهم أجلا وموعدا للقاء تسكن نفوسهم به.

وأطيب العيش وألذه على الإطلاق عيش المحبين المشتاقين المستأنسين، فحياتهم هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للعبد أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها.
وهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ [النحل: ٩٧].
ليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار ٣، والأبرار والفجار، من طيب المأكل والملبس والمشرب والمنكح؛ بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافا مضاعفة.

وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحا أن يحييه حياة طيبة،

فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده.
وأي حياة أطيب من حياة من اجتمعت همومه كلها، وصارت هما واحدا في مرضاة الله، ولم شعث قلبه بالإقبال على الله ١، واجتمعت إراداته وأفكاره التي كانت منقسمة -بكل واد منها شعبة- على الله.
فصار ذكر محبوبه الأعلى، وحبه،

والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه = هو المستولي عليه ٢.
وعليه تدور همومه وإراداته وقصوده ٣، بل خطرات قلبه.
فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله.
وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر.
وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يتحرك، وبه يسكن.
وبه يحيا، وبه يموت، وبه يبعث؛

كما في صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال:

"ما تقرب ٤ إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه.
ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.
فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ٥.
فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي.

ولئن ١ سألني لأعطينه ٢، ولئن استعاذني ٣ لأعيذنه.
وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه" ٤.

فتضمن هذا الحديث الشريف الإلهي -الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه والمراد به- حصر أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه، والتقرب إليه ٥ بالنوافل.

وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب ما تقرب به إليه ٦ المتقربون،

ثم بعدها النوافل؛ وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا لله.
فإذا صار محبوبا لله أوجبت محبة الله له محبة أخرى منه لله، فوق المحبة الأولى ١، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روحه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة.
فصار ذكر محبوبه وحبه ومثله الأعلى مالكا لزمام قلبه، مستوليا على روحه، استيلاء المحبوب على محبه ٢ الصادق في محبته التي ٣ قد اجتمعت قوى حبه كلها له ٤.

ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به.
فهو في قلبه ٥، ومعه، وأنيسه، وصاحبه.
فالباء هاهنا باء المصاحبة ٦، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حالية لا علمية محضة.

وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق ٧ التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها، كما قال بعض المحبين:

خيالك في عيني وذكرك في فمي … ومثواك في قلبي فأين تغيب؟ ٨

وقال آخر ١:

ومن عجب أني أحن إليهم … وأسأل عنهم من لقيت وهم معي ٢

وتطلبهم عيني وهم في سوادها … ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي ٣

وهذا ألطف من قول الآخر:

إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني … إذ أنت فيه مكان السر لم تغب

أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب … فقد تحيرت بين الصدق والكذب ٤

فليس شيء أدنى إلى المحب من محبوبه، وربما تمكنت منه المحبة حتى يصير أدنى إليه من نفسه، بحيث ينسى نفسه ولا ينساه ٥، كما قال ٦:

جارٍ التحميل