الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)صفحات 488-527

الحب والإرادة أصل كل فعل ومبدؤه،

صفحات 488-527

﴿واتقوا الله ولا تخزون (٦٩) قالوا أولم ننهك عن العالمين (٧٠) قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (٧١) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (٧٢)﴾ [الحجر: ٦٧ - ٧٢]، فهذه عشقت.

فحكاه ١ سبحانه عن طائفتين عشق كل منهما ما حرم عليه من الصور، ولم يبال بما ٢ في عشقه من الضرر.

وهذا داء أعيا الأطباء دواؤه، وعز عليهم شفاؤه.
وهو -لعمر الله- الداء العضال، والسم القتال، الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى استنقاذه من إساره، ولا اشتعلت ناره في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره.

وهو أقسام.
فإنه تارة يكون كفرا، كمن اتخذ معشوقه ندا يحبه كما يحب الله، فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه؟ فهذا عشق لا يغفر لصاحبه، فإنه من أعظم الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به؛ وإنما يغفر بالتوبة الماحية.

وعلامة هذا العشق الشركي الكفري أن يقدم العاشق رضا معشوقه على رضا ربه، وإذا تعارض عنده حق معشوقه وحظه وحق ربه وطاعته قدم حق معشوقه ٣ على حق ربه، وآثر رضاه على رضاه ٤، وبذل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه، وبذل لربه -إن بذل- أردأ ما عنده،

واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرب إليه، وجعل لربه -إن أطاعه- الفضلة التي تفضل عن معشوقه من ساعاته ١.

فتأمل حال أكثر عشاق الصور ٢، هل ٣ تجدها مطابقة لذلك؟ ثم ضع حالهم في كفة، وتوحيدهم وإيمانهم في كفة، وزن وزنا يرضي الله ورسوله، ويطابق العدل.

وربما صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من توحيد ربه، كما قال العاشق الخبيث ٤:

يترشفن من فمي رشفات … هن أحلى فيه من التوحيد ٥

وكما صرح الخبيث ٦ الآخر بأن وصل معشوقه أشهى إليه من رحمة ربه، -فعياذا بك اللهم من هذا الخذلان ٧ - فقال:

وصلك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليل ٨

ولا ريب أن هذا العشق من أعظم الشرك.

وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه البتة، بل قد ملك معشوقه عليه قلبه كله ١، فصار عبدا محضا من كل وجه لمعشوقه! فقد رضي هذا من عبودية الخالق جل جلاله بعبودية ٢ مخلوق مثله، فإن العبودية هي كمال الحب والخضوع، وهذا قد استفرغ قوة حبه وخضوعه وذله لمعشوقه، فقد أعطاه حقيقة العبودية.

ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة، فإن تلك ذنب كبير، لفاعله حكم أمثاله؛ ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك.

وكان بعض الشيوخ من العارفين ٣ يقول: لأن أبتلى بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إلى من أن أبتلى فيها بعشق يتعبد لها قلبي ويشغله عن الله.

فصل

ودواء هذا الداء القتال: أن يعرف ما ٤ ابتلي به من الداء المضاد

للتوحيد أولا، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكرة فيه، ويكثر اللجأ والتضرع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه وأن يراجع بقلبه إليه.

وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله.
وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (٢٤)﴾ ١ [يوسف: ٢٤].
فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه ٢.
فإن القلب إذا خلص ٣ وأخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور، فإنه إنما يتمكن من قلب فارغ، كما قال ٤:

فصادف قلبا خاليا فتمكنا ٥

وليعلم العاقل أن العقل والشرع يوجبان ٦ تحصيل المصالح

وتكميلها وإعدام المفاسد وتقليلها.
فإذا ١ عرض للعاقل أمر يرى فيه مصلحة ومفسدة ٢ وجب عليه أمران: أمر علمي، وأمر عملي.
فالعلمي طلب معرفة الراجح من طرفي المصلحة والمفسدة، فإذا تبين له الرجحان وجب عليه إيثار ٣ الأصلح له.

ومن المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية ولا دنيوية، بل مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدر فيه من المصلحة، وذلك من وجوه:

أحدها: الاشتغال بحب المخلوق وذكره عن حب الرب تعالى وذكره.
فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما صاحبه، ويكون السلطان والغلبة له.

الثاني: عذاب قلبه بمعشوقه.
فإن من أحب شيئا غير الله عذب به، ولابد:

فما في الأرض أشقى من محب … وإن وجد الهوى حلو المذاق

تراه باكيا في كل حين … مخافة فرقة أو لاشتياق ٤

فيبكي إن نأوا شوقا إليهم … ويبكي إن دنوا حذر الفراق

فتسخن عينه عند الفراق … وتسخن عينه عند التلاقي ٥

والعشق، وإن استعذبه العاشق، فهو من أعظم عذاب القلب.

الثالث: أن العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقه، يسومه الهوان ١، ولكن لسكرة العشق لا يشعر بمصابه، فقلبه

كعصفورة في كف طفل يسومها … حياض الردى والطفل يلهو ويلعب ٢

فعيش العاشق عيش الأسير الموثق، وعيش الخلي عيش المسيب المطلق.
فالعاشق كما قيل ٣:

طليق برأي العين وهو أسير … عليل على قطب الهلاك يدور ٤

وميت يرى في صورة الحي غاديا … وليس له حتى النشور نشور

أخو غمرات ضاع فيهن قلبه … فليس له حتى الممات حضور

الرابع: أنه ١ يشتغل به عن مصالح دينه ودنياه.
فليس شيء أضيع ٢ لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور.

أما مصالح الدين فإنها منوطة بلم شعث القلب وإقباله على الله، وعشق الصور أعظم شيء تشعيثا وتشتيتا له ٣.

وأما مصالح الدنيا فهي متابعة في الحقيقة لمصالح الدين، فمن انفرطت عليه مصالح دينه وضاعت عليه، فمصالح دنياه أضيع وأضيع.

الخامس: أن ٤ آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشاق الصور من النار في يابس الحطب.

وسبب ذلك أن القلب كلما قرب من العشق وقوي اتصاله به ٥ بعد من الله، فأبعد القلوب من الله قلوب عشاق الصور.
وإذا بعد القلب من الله طرقته الآفات من كل ناحية، فإن الشيطان يتولاه.
ومن تولاه عدوه ٦ واستولى عليه لم يأله وبالا، ولم يدع أذى يمكنه إيصاله إليه إلا أوصله.

فما الظن بقلب تمكن منه عدوه وأحرص الخلق على غيه ٧ وفساده، وبعد منه وليه ومن لا سعادة له ولا فلاح ولا سرور إلا بقربه وولايته؟

السادس: أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوي سلطانه أفسد الذهن، وأحدث الوسواس.
وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها.
وأخبار العشاق ١ في ذلك موجودة في مواضعها، بل بعضيها مشاهد بالعيان.

وأشرف ما في الإنسان عقله، وبه يتميز عن سائر الحيوانات؛ فإذا عدم عقله التحق بالحيوان البهيم، بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله.
وهل أذهب عقل مجنون ليلى وأضرابه إلا العشق؟

وربما زاد جنونه على جنون غيره، كما قيل:

قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم … العشق أعظم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهر صاحبه … وإنما يصرع المجنون في الحين ٢

السابع: أنه ربما أفسد الحواس أو بعضها ٣ إما فسادا معنويا أو صوريا ٤.

أما الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب، فإن القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان، فيرى القبيح حسنا منه ومن معشوقه، كما في المسند ٥ مرفوعا: "حبك للشيء يعمي ويصم".
فهو يعمي

عين القلب عن رؤية مساوي المحبوب وعيوبه، فلا ترى العين ذلك، ويصم أذنه عن الإصغاء إلى العذل فيه، فلا تسمع الأذن ذلك.

والرغبات تستر العيوب، فالراغب في الشيء لا يرى عيوبه حتى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه.
فشدة الرغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشيء على ١ ما هو به، كما قيل:

هويتك إذ عيني عليها غشاوة … فلما انجلت قطعت نفسي ألومها ٢

والداخل في الشيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه.
ولا يرى عيوبه ٣ إلا من دخل فيه ثم خرج منه.
ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيرا من الذين ولدوا في الإسلام.
قال عمر بن الخطاب: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا ولد في الإسلام من لم يعرف الجاهلية ٤.

وأما إفساده للحواس ظاهرا ١، فإنه يمرض البدن وينهكه، وربما أدى إلى تلفه، كما هو معروف في أخبار من قتلهم العشق.

وقد رفع إلى ابن عباس -وهو بعرفة- شاب قد انتحل ٢ حتى عاد عظما بلا لحم ٣ فقال: ما شأن هذا؟ قالوا: به العشق.
فجعل ابن عباس يستعيذ بالله ٤ من العشق عامة يومه ٥.

الثامن: أن العشق -كما تقدم- هو الإفراط في المحبة بحيث يستولي المعشوق على قلب العاشق حتى لا يخلو ٦ من تخيله وذكره والفكر فيه، بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه.
فعند ذلك تشتغل النفس عن استخدام القوى الحيوانية والنفسانية، فتتعطل تلك القوى، فيحدث بتعطلها ٧

من الآفات على البدن والروح ما يعز دواؤه أو يتعذر ١، فتتغير أفعاله وصفاته ومقاصده، ويختل جميع ذلك، فيعجز البشر عن صلاحه، كما قيل ٢:

الحب أول ما يكون لجاجة … تأتي به وتسوقه الأقدار ٣

حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى … جاءت أمور لا تطاق كبار

والعشق مبادئه سهلة حلوة، وأوسطه هم وشغل قلب وسقم، وآخره عطب وقتل، إن لم يتداركه ٤ عناية من الله، كما قيل:

وعش خاليا فالحب أوله عنا … وأوسطه سقم، وآخره قتل ٥

وقال آخر:

تولع بالعشق حتى عشق … فلما استقل به لم يطق

رأى لجة ظنها موجة … فلما تمكن منها غرق ٦

والذنب له، فهو الجاني على نفسه، وقد قعد تحت المثل السائر: "يداك أوكتا، وفوك نفخ" ١.

فصل

والعاشق له ثلاث مقامات: مقام ابتداء، ومقام توسط، ومقام انتهاء.

فأما مقام ابتدائه، فالواجب عليه فيه ٢ مدافعته بكل ما يقدر عليه، إذا كان الوصول إلى معشوقه متعذرا قدرا أو شرعا.

فإن عجز عن ذلك، وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه -وهذا مقام التوسط والانتهاء- فعليه كتمان ذلك، وأن لا يفشيه ٣ إلى الخلق، ولا يشبب بمحبوبه ويهتكه بين الناس، فيجمع بين الشرك والظلم.
فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع الظلم، وربما كان أعظم ضررا على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله.
فإنه يعرض المعشوق بتهتكه في عشقه إلى وقوع الناس فيه ٤، وانقسامهم إلى مصدق ومكذب، وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة.
وإذا قيل: فلان فعل بفلان أو

فلانة كذبه واحد، وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعون! وخبر العاشق المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع اليقيني،

بل إذا أخبرهم المفعول به عن نفسه ١ كذبا وافتراء على غيره جزموا بصدقه جزما لا يحتمل النقيض ٢، بل لو جمعهما مكان واحد اتفاقا جزموا أن ذلك عن وعد واتفاق بينهما.
وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتخيل والشبه ٣ والأوهام والأخبار الكاذبة، كجزمهم بالحسيات المشاهدة.

وبذلك وقع أهل الإفك في الطيبة المطيبة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المبرأة من فوق سبع سماوات، بشبهة مجيء صفوان بن المعطل بها وحده خلف العسكرة حتى هلك من هلك.
ولولا أن تولى الله سبحانه ٤ براءتها والذب عنها وتكذيب قاذفها، وألا كان أمرا آخر ٥.

والمقصود أن في إظهار المبتلى عشق ٦ من لا يحل له الاتصال به من ظلمه وأذاه ما هو عدوان عليه وعلى أهله، وتعريض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه.

فإن استعان عليه بمن يستميله إليه، إما برغبة أو رهبة ١، تعدى الظلم وانتشر، وصار ذلك الواسطة ديوثا ظالما ٢.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد لعن الرائش ٣ -وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي في إيصال الرشوة- فما الظن بالديوث الواسطة ٤ بين العاشق والمعشوق في الوصلة المحرمة؟ فيتساعد العاشق والديوث على ظلم المعشوق وظلم غيره ممن يتوقف حصول غرضهما على ظلمه في نفس أو مال أو عرض.
فإنه كثيرا ما يتوقف المطلوب فيه على قتل نفس تكون حياتها مانعة من غرضه.
فكم من قتيل طل دمه بهذا السبب من زوج وسيد وقريب! وكم خببت ٥ امرأة على بعلها، وجارية وعبد على سيدهما! وقد لعن

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فعل ذلك، وتبرأ منه ١، وهو من أكبر الكبائر.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يستام على سوم أخيه ٢، فكيف بمن يسعى في التفريق بينه وبين امرأته وأمته حتى يتصل بهما؟ وعشاق الصور ومساعدوهم من الديثة ٣ لا يرون ذلك ذنبا ٤.

فإن طلب العاشق وصل معشوقه ومشاركة الزوج والسيد، ففي ذلك من إثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر عن إثم الفاحشة إن لم يرب ٥ عليها.

ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة.
فإن التوبة وإن أسقطت حق الله فحق العبد باق، له المطالبة به يوم القيامة.
فإن ظلم الوالد بإفساد فلذة كبده ٦ ومن هو أعز عليه من نفسه، وظلم الزوج

بإفساد حبيبته ١ والجناية على فراشه أعظم من ظلمه بأخذ ماله كله ٢.
ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله، ولا يعدل ذلك عنده إلا سفك دمه.
فيا له من ظلم أعظم إثما من فعل الفاحشة!

فإن كان ذلك حقا لغاز في سبيل الله وقف له الجاني الفاعل يوم القيامة، وقيل له: "خذ من حسناته ما شئت"، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم قال النبي ٣ صلى الله عليه وآله وسلم: "فما ظنكم" ٤؟ أي فما تظنون يبقي له من حسناته؟

فإن انضاف إلى ذلك أن يكون المظلوم جارا أو ذا رحم تعدد الظلم وصار ظلما مؤكدا بقطيعة الرحم وأذى الجار.
و"لا يدخل الجنة قاطع رحم لا ٥ ولا "من لا يأمن جاره بوائقه" ٦.

فإن استعان العاشق على وقال معشوقه بشياطين الجن ٧ -إما بسحر أو استخدام أو نحو ذلك ٨ - ضم إلى الشرك والظلم كفر السحر.

فإن لم يفعله هو ورضي به كان راضيا بالكفر غير كاره لحصول مقصده به ٩، وهذا ليس ببعيد من الكفر.

والمقصود أن التعاون في هذا الباب تعاون على الإثم والعدوان.

وأما ما يقترن بحصول غرض العاشق من الظلم المنتشر المتعدي ضرره، فأمر لا يخفى.
فإنه إذا حصل له مقصوده من المعشوق، فللمعشوق أغراض أخر يريد من العاشق إعانته عليها، فلا يجد من إعانته بلا، فيبقى ١ كل منهما يعين الآخر على الظلم والعدوان.

فالمعشوق يعين العاشق على ظلم من يتصل به من أهله وأقاربه وسيده وزوجه، والعاشق يعين المعشوق على ظلم من يكون غرض المعشوق متوقفا على ظلمه.
فكل منهما يعين الآخر على أغراضه التي يكون ٢ فيها ظلم الناس، فيحصل العدوان والظلم للناس، بسبب اشتراكهما في القبح لتعاونهما بذلك على الظلم، كما جرت العادة بين العشاق والمعشوقين من إعانة العاشق لمعشوقه على ما فيه ظلم وبغي وعدوان ٣، حتى ربما يسعى له في منصب لا يليق به ولا يصلح لمثله، وفي تحصيل مال من غير حله، وفي استطالته على غيره.
فإذا اختصم معشوقه وغيره أو تشاكيا لم يكن إلا في جانب المعشوق ظالما كان أو مظلوما.

هذا إلى ما ينضم إلى ذلك من ظلم العاشق للناس بالتحيل على أخذ أموالهم، والتوصل بها إلى المعشوق ٤ بسرقة أو غصب أو خيانة أو يمين ٥ كاذبة أو قطع طريق ونحو ذلك.
وربما أدى ذلك إلى قتل النفس

التي حرمها الله ليأخذ ماله، يتوصل ١ به إلى معشوقه.

فكل ٢ هذه الآفات وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشأ من عشق الصور.
وربما حمل على الكفر الصريح.
وقد تنصر جماعة ممن نشأ في الإسلام بسبب العشق، كما جرى لبعض المؤذنين حين أبصر امرأة جميلة على سطح، ففتن بها، فنزل ودخل عليها، وسألها نفسها، فقالت: هي نصرانية، فإن دخلت في ديني تزوجت بك، ففعل.
فرقي ذلك اليوم ٣ على درجة عندهم، فسقط منها ٤، فمات.
ذكر هذا عبد الحق في كتاب "العاقبة" له ٥.

وإذا أراد النصارى أن ينصروا الأسير أروه امرأة جميلة، وأمروها أن تطمعه في نفسها، حتى إذا تمكن حبها من قلبه بذلت له نفسها إن دخل في دينها.
فهنالك: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧].

وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق ٦ لصاحبه بمعاونته له على الفاحشة، وظلمه لنفسه ٧.
فكل منهما ظالم لنفسه

وصاحبه، وظلمهما متعد إلى الغير كما تقدم.
وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك.
فقد تضمن العشق أنواع الظلم كلها.

والمعشوق إذا لم يتق الله، فإنه يعرض العاشق للتلف -وذلك ظلم منه- بأن يطمعه في نفسه، ويتزين له، ويستميله بكل طريق، حتى يستخرج منه ماله ونفعه، ولا يمكنه من نفسه لئلا يزول غرضه بقضاء

وطره منه، فهو ١ يسومه سوء العذاب.
والعاشق ربما قتل معشوقه ليشفي نفسه منه، ولا سيما إذا جاد بالوصال لغيره.

فكم للعشق من قتيل من الجانبين! وكم قد أزال من نعمة، وأفقر من غنى، وأسقط من مرتبة، وشتت من شمل! وكم أفسد من أهل للرجل وولد! فإن المرأة إذا رأت بعلها عاشقا لغيرها اتخذت هي معشوقا لنفسها، فيصير الرجل مترددا بين خراب بيته بالطلاق وبين القيادة.
فمن الناس من يؤثر هذا، ومنهم من يؤثر هذا ٢.

فعلى العاقل ٣ أن لا يحكم على نفسه عشق الصور، لئلا يؤديه ذلك إلى هذه المفاسد أو أكثرها أو بعضها.
فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه المغرر بها، فإذا هلكت فهو الذي أهلكها.
فلولا ٤ تكراره النظر إلى وجه معشوقه وطمعه في وصاله لم يتمكن عشقه من قلبه.

فإن أول أسباب العشق الاستحسان، سواء تولد عن نظر أو سماع.

فإن لم يقارنه طمع في الوصال، وقارنه الإياس من ذلك؛ لم يحدث له العشق.
فإن اقترن به الطمع، فصرفه عن فكره ١ ولم يشتغل قلبه به ٢؛ لم يحدث له ذلك.

فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق، وقارنه خوف ما هو أكبر عنده من لذة وصاله: إما خوف ديني كدخول النار، وغضب الجبار، واحتقاب الأوزار؛ وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع

والفكر، لم يحدث له العشق.

فإن فاته هذا الخوف، فقارنه خوف دنيوي، كخوف تلاف ٣ نفسه وماله، وذهاب جاهه وسقوط مرتبته عند الناس، وسقوطه من عين من يعز عليه؛ وغلب هذا الخوف لداعي العشق = دفعه.

وكذلك إذا خاف من ذوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له من ذلك المعشوق، وقدم محبته على محبة المعشوق؛ اندفع عنه العشق.

فإن انتفى ذلك كله، أو غلبت محبة المعشوق لذلك؛ انجذب إليه القلب بكليته، ومالت إليه النفس كل الميل.

فإن قيل ١: قد ذكرتم آفات العشق ومضاره ومفاسده، فهلا ذكرتم منافعه وفوائده التي من جملتها: رقة الطبع، وترويح النفس، وخفتها، وزوال ثقلها، ورياضتها، وحملها على مكارم الأخلاق من الشجاعة والكرم والمروءة ورقة الحاشية ولطف الجانب.

وقد ٢ قيل ليحيى بن معاذ الرازي: إن ابنك عشق فلانة، فقال: الحمد لله الذي صيره إلى طبع الآدمي ٣! وقال بعضهم: العشق داء أفئدة الكرام ٤.

وقال غيره: العشق لا يصلح إلا لذي مروءة ظاهرة وخليقة طاهرة، أو لذي لسان فاضل وإحسان كامل، أو لذي أدب بارع وحسب ناصع ٥.

وقال آخر: العشق يشجع جنان الجبان، ويصفي ذهن الغبي، ويسخي كف البخيل، ويذل عزة الملوك، ويسكن نوافر الأخلاق ٦.
وهو أنيس من لا أنيس له، وجليس من لا جليس له ٧.

وقال آخر: العشق يزيل الأثقال، ويلطف الروح، ويصفي كدر القلب، ويوجب الارتياح لأفعال الكرام ١ كما قال ٢:

سيهلك في الدنيا شفيق عليكم … إذا غاله من حادث الحب غائله ٣

كريم يميت السر حتى كأنه … إذا استفهموه عن حديثك جاهله

يود بأن يمسي سقيما لعلها … إذا سمعت عنه بشكوى تراسله

ويهتز للمعروف في طلب العلى … لتحمد يوما عند ليلى شمائله

فالعشق يحمل على مكارم الأخلاق.

وقال بعض الحكماء ٤: العشق يروض النفس، ويهذب الأخلاق.

إظهاره ٥ طبعي، وإضماره تكلفي ٦.

وقال آخر: من لم تبتهج ٧ نفسه بالصوت الشجي والوجه البهي، فهو فاسد المزاج، محتاج إلى علاج ٨.

وأنشدوا في ذلك:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى … فأنت وعير في الفلاة سواء ١

وقال آخر:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى … فكن حجرا من جانب الصخر جلمدا ٢

وقال آخر:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى … فقم واعتلف تبنا فأنت حمار ٣

وقال آخر:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى … فما لك في طيب الحياة نصيب

وقال بعض العشاق أولو العفة والصيانة: عفوا تشرفوا واعشقوا تظرفوا ٤.

وقيل لبعض العشاق: ما كنت تصنع لو ظفرت ٥ بمن تهوى؟ فقال: كنت ٦ أمتع طرفي بوجهه، وأروح قلبي بذكره وحديثه، وأستر منه ما لا يحب كشفه، ولا أصير بقبح الفعل إلى ما ينقض عهده.
ثم

أنشد:

أخلو به فأعف عنه تكرما … خوف الديانة لست من عشاقه ١

كالماء في يد صائم يلتذه … ظمأ فيصبر عن لذيذ مذاقه ٢

وقال إسحاق بن إبراهيم ٣: أرواح العشاق عطرة لطيفة، وأبدانهم رقيقة خفيفة، نزهتهم المؤانسة، وكلامهم يحيي موات القلوب، ويزيد في العقول؛ ولولا العشق والهوى لبطل نعيم الدنيا.

وقال آخر: العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان.
إن تركته ضرك، وإن أكثرت منه قتلك ٤.
وفي ذلك قيل:

خليلي إن الحب فيه لذاذة … وفيه شقاء دائم وكروب

على ذاك ما عيش يطيب بغيره … ولا عيش إلا بالحبيب يطيب

ولا خير في الدنيا بغير صبابة … ولا في نعيم ليس فيه حبيب ٥

وذكر الخرائطي ١ عن أبي غسان قال: مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بجارية وهي تقول:

وهويته من قبل قطع تمائمي … متمايسا مثل القضيب الناعم

فسألها: أحرة ٢ أنت أم مملوكة؟ قالت: بل مملوكة.
فقال: من هواك ٣؟ فتلكأت، فأقسم عليها ٤، فقالت:

وأنا التي لعب الهوى بفؤادها … قتلت بحب محمد بن القاسم

فاشتراها من مولاها، وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب ٥، وقال: هؤلاء فتن الرجال.
وكم -والله- قد مات بهن كريم، وعطب بهن سليم!

وجاءت عثمان بن عفان جارية تستدعي على رجل من الأنصار، فقال لها عثمان: ما قصتك؟ فقالت: كلفت يا أمير المؤمنين بابن أخيه، فما أنفك أراعيه.
فقال له عثمان: إما أن تهبها لابن أخيك، أو أعطيك

ثمنها من مالي.
فقال: أشهدك يا أمير المؤمنين أنها له ١.

ونحن ٢ لا ننكر فساد العشق الذي متعلقه فعل الفاحشة بالمعشوق، وإنما الكلام في العشق العفيف من الرجل الظريف الذي يأبى له دينه وعفته ومروءته أن يفسد ما بينه وبين الله، وما بينه وبين

معشوقه بالحرام.
وهذا كعشق السلف الكرام والأئمة الأعلام.
فهذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة ٣ عشق حتى اشتهر أمره، ولم ينكر عليه، وعد ظالما من لامه.
ومن شعره ٤:

كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم .... ولامك أقوام ولومهم ظلم

فنم عليك الكاشحون وقبلهم .... عليك الهوى قد نم لو ينفع الكتم ٥

فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة … على إثر هند أو كمن شفه سقم ٦

تجنبت إتيان الحبيب تأثما … ألا إن هجران الحبيب هو الإثم

فذق هجرها قد كنت تزعم أنه … رشاد ألا يا ربما كذب الزعم

وهذا عمر بن عبد العزيز، عشقه لجارية فاطمة بنت عبد الملك بن

مروان امرأته مشهور ١.
وكانت جارية بارعة الجمال، وكان معجبا بها، وكان يطلبها من امرأته ويحرص على أن تهبها له، فتأبى.
ولم تزل الجارية في نفس عمر، فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية، فأصلحت، وكانت مثلا في حسنها وجمالها، ثم دخلت على عمر، وقالت: يا أمير المؤمنين إنك كنت معجبا بجاريتي فلانة، وسألتنيها فأبيت عليك، والآن فقد طابت ٢ نفسي لك بها.
فلما قالت له ذلك ٣ استبان الفرح في وجهه، وقال: عجلي بها علي.
فلما أدخلتها عليه ازداد بها عجبا، وقال لها: ألقي ثيابك، ففعلت.
ثم قال لها على رسلك، أخبريني لمن كنت؟ ومن أين صرت لفاطمة؟ فقالت: أغرم الحجاج عاملا له بالكوفة مالا، وكنت في رقيق ذلك العامل ٤ فأخذني، وبعث بي إلى عبد الملك، فوهبني لفاطمة.
قال: وما فعل ذلك العامل؟ قالت: هلك.
قال: وهل ترك ولدا؟ قالت: نعم.
قال: فما حالهم؟ قالت: سيئة.
فقال: شدي عليك ثيابك، واذهبي إلى مكانك.
ثم كتب إلى عامله على العراق أن ابعث إلى فلان بن فلان على البريد.
فلما قدم قال له ٥: ارفع إلي جميع ما غرمه الحجاج لأبيك.
فلم يرفع إليه ٦ شيئا إلا

دفعه إليه ١.
ثم أمر بالجارية فدفعت إليه.
ثم قال له: إياك وإياها، فلعل أباك كان ألم بها.
فقال ٢ الغلام: هي لك يا أمير المؤمنين.
قال: لا حاجة لي بها.
قال: فابتعها مني.
قال لست إذا ممن نهى النفس عن الهوى.
فلما عزم الفتى على الانصراف بها قالت: أين وجدك بي يا أمير المؤمنين؟ قال: على حاله، ولقد زاد! ولم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات رحمه الله.

وهذا أبو بكر محمد ٣ بن داود الظاهري، العلم ٤ المشهور في فنون العلم من الفقه والحديث والتفسير والأدب، وله قول في الفقه، وهو من أكابر العلماء، وعشقه مشهور ٥.

قال نفطويه: دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف تجدك؟ فقال ٦: حب من تعلم أورثني ما ترى.
فقلت: وما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع على وجهين: أحدهما النظر المباح، والآخر اللذة المحظورة.
فأما النظر المباح فهو الذي أورثني ما ترى.
وأما اللذة المحظورة فمنعني منها ما حدثني أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن أبي يحيي القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس يرفعه: "من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له،

وأدخله الجنة" ١.
ثم أنشد:

انظر إلى السحر يجري في لواحظه … وانظر إلى دعج في طرفه الساجي ٢

وانظر إلى شعرات فوق عارضه … كأنهن نمال دب في عاج

ثم أنشد:

ما لهم أنكروا سوادا بخديـ … ـه ولا ينكرون ورد الغصون

إن يكن عيب خده بدد الشعـ … ـر فعيب العيون شعر الجفون ٣

فقلت له: نفيت القياس في الفقه، وأثبته في الشعر.
فقال: غلبة الوجد وملكة النفس دعوا إليه.
ثم مات من ليلته ٤.

وبسبب معشوقه صنف كتاب "الزهرة".
ومن كلامه فيه ٥: من يئس ممن ٦ يهواه ولم يمت ٧ من وقته سلاه وذلك أن أول روعات اليأس ٨ تأتي القلب، وهو غير مستعد لها، فأما الثانية فتأتي القلب، وقد وطأته لها الروعة الأولى ٩.

والتقى هو وأبو العباس بن سريج ١ في مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الوزير ٢ فتناظرا في مسألة من الإيلاء، فقال له ابن سريج: أنت بأن تقول: "من دامت لحظاته كثرت حسراته" ٣ أحذق منك بالكلام على الفقه!

فقال: لئن كان ذلك فإني أقول:

أنره في روض المحاسن مقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرما

وأحمل من ثقل الهوى ما لو انه … يصب على الصخر الأصم تهدما

وينطق طرفي عن مترجم خاطري … فلولا اختلاسي رده لتكلما ٤

رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم … فلست أرى ودا صحيحا مسلما

فقال له ٥ أبو العباس بن سريج: بم تفخر علي؟ ولو شئت قلت:

ومطاعم كالشهد في نغماته … قد بت أمنعه لذيذ سناته

ضنا به وبحسنه وحديثه … وأنزه اللحظات في وجناته ١

حتى إذا ما الصبح لاح عموده … ولى بخاتم ربه وبراته

فقال أبو بكر: يحفظ عليه الوزير ما أقر به حتى يقيم شاهدين على أنه ولى بخاتم ربه وبراءته.

فقال ابن سريج: يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك:

أنزه في روض المحاسن مقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرما

فضحك الوزير فقال: لقد جمعتما لطفا وظرفا.

ذكر ذلك أبو بكر الخطيب في تاريخه ٢.

وجاءته يوما فتيا مضمونها:

يا ابن داود يا فقيه العراق … أفتنا في قواتل الأحداق ٣

هل عليها بما أتت من جناح … أم حلال لها دم العشاق

فكتب الجواب تحت البيتين بخطه:

عندي جواب مسائل العشاق … فأسمعه من قرح الحشا مشتاق

لما سألت عن الهوى هيجتني … وأرقت دمعا لم يكن بمراق

إن كان معشوق يعذب عاشقا … كان المعذب أنعم العشاق ١

قال صاحب كتاب "منازل الأحباب" ٢ شهاب الدين محمود بن سلمان بن فهد صاحب الإنشاء ٣: وقلت في جواب البيتين على وزنهما ٤ مجيبا للسائل:

قل لمن جاء سائلا عن لحاظ … هن يلعبن في دم العشاق

ما على السيف في الورى من جناح … إن ثنى الحد عن دم مهراق

وسيوف اللحاظ أولى بأن تصـ … ـفح عما جنت على العشاق

إنما كل من قتلن شهيد ١ … ولهذا يفنى ضنى وهو باق ٢

ونظير ذلك فتوى وردت على الشيخ أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني شيخ الحنابلة في وقته ٣:

قل للإمام أبي الخطاب مسألة … جاءت إليك وما خلق سواك لها

ماذا على رجل رام الصلاة فمذ … لاحت لخاطره ذات الجمال لها ٤

فأجابه تحت سؤاله:

قل للأديب الذي وافى بمسألة … سرت فؤادي لما أن أصخت لها

إن الذي فتنته عن عبادته … خريدة ذات حسني فانثنى ولها ٥

إن تاب ثم قضى عنه عبادته … فرحمة الله تغشى من عصى ولها ٦

وقال عبد الله بن معمر القيسي ٧: حججت سنة، ثم دخلت مسجد المدينة لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فبينا أنا جالس ذات ليلة ٨ بين القبر

والمنبر إذ سمعت أنينا، فأصغيت إليه، فإذا هو يقول:

أشجاك نوح حمائم السدر … فأهجن منك بلابل الصدر

أم عز نومك ذكر غانية … أهدت إليك وساوس الفكر ١

يا ليلة طالت على دنف … يشكو السهاد وقلة الصبر

أسلمت من يهوى لحر جوى … متوقد كتوقد الجمر ٢

فالبدر يشهد أنني كلف … مغرى بحب شبيهة البدر

ما كنت أحسبني أهيم بها … حتى بليت وكنت لا أدري

ثم انقطع الصوت، فلم أدر من أين جاء، وإذا به قد أعاد البكاء والأنين، ثم أنشد:

أشجاك من ريا خيال زائر … والليل مسود الذوائب عاكر ٣

واعتاد مهجتك الهوى برسيسه … واهتاج مقلتك الخيال الزائر ٤

ناديت ريا والظلام كأنه … يم تلاطم فيه موج زاخر

والبدر يسري في السماء كانه … ملك ترجل والنجوم عساكر

وترى به الجوزاء ترقص في الدجى … رقص الحبيب علاه سكر ظاهر ٥

يا ليل طلت على محب ما له … إلا الصباح مساعد ومؤازر

فأجابني مت حتف أنفك واعلمن … أن الهوى لهو الهوان الحاضر

قال: وكنت ذهبت عند ابتدائه بالأبيات ١، فلم ينته إلا وأنا عنده.
فرأيت شابا مقتبلا ٢ شبابه، قد خرق الدمع في خده خرقين، فسلمت عليه، فقال: اجلس، من أنت؟ فقلت: عبد الله بن معمر القيسي.
قال: ألك حاجة؟ قلت: نعم، كنت جالسا في الروضة، فما راعني إلا صوتك.
فبنفسي أفديك، فما الذي تجد؟ فقال: أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري ٣، غدوت يوما إلى مسجد الأحزاب، فصليت فيه، ثم اعتزلت غير بعيد، فإذا ٤ بنسوة قد أقبلن يتهادين مثل القطا، وفي وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة، فوقفت علي وقالت: يا عتبة ما تقول في وصل من يطلب وصلك؛ ثم تركتني وذهبت، فلم أسمع لها خبرا، ولا قفوت لها أثرا، وأنا حيران أنتقل من مكان إلى مكان.
ثم صرخ وأكب مغشيا عليه، ثم أفاق كأنما ٥ صبغت وجنتاه بورس، ثم أنشأ يقول ٦:

أراكم بقلبي من بلاد بعيدة … فيا هل تروني بالفؤاد على بعد

فؤادي وطرفي يأسفان عليكم … وعندكم روحي وذكركم عندي

ولست ألذ العيش حتى أراكم … ولو كنت في الفردوس في جنة الخلد

فقلت: يا ابن أخي تب إلى ربك، واستغفر من ذنبك ١، فبين يديك هول المطلع ٢.
فقال: ما أنا بسال حتى يؤوب القارظان ٣! ولم أزل معه إلى أن طلع الصبح ٤، فقلت: قم بنا إلى مسجد الأحزاب، فلعل الله أن يكشف كربتك.
قال: أرجو ذاك إن شاء الله ببركة طلعتك.

فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب، فسمعته يقول:

يا للرجال ليوم الأربعاء أما … ينفك يحدث لي بعد النهى طربا

ما إن يزال غزال منه يقلقني … يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا ٥

يخبر الناس أن الأجر همته … وما أتى طالبا للأجر محتسبا

لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا … مضمخا بفتيت المسك مختضبا ٦

ثم جلسنا حتى صلينا الظهر.
فإذا بالنسوة قد أقبلن، وليست الجارية فيهن، فوقفن عليه، وقلن له: يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاسفة بالك ١؟ قال: وما بالها؟ قلن: أخذها أبوها، وارتحل بها إلى

أرض السماوة.
فسألتهن عن الجارية، فقلن: هي ريا ابنة الغطريف السلمي.
فرفع عتبة رأسه إليهن، وقال:

خليلي ريا قد أجد بكورها … وسارت إلى أرض السماوة عيرها ٢

خليلي إني قد عشيت من البكا … فهل عند غيري مقلة أستعيرها ٣

فقلت له: إني قد وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر ٤، ووالله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضا! فقم بنا إلى مسجد الأنصار.
فقمنا وسرنا حتى أشرفنا على ملأ منهم، فسلمت، فأحسنوا الرد.
فقلت: أيها الملأ ما تقولون في عتبة وأبيه؟ قالوا: من سادات العرب.
فقلت: إنه قد رمي بداية من الهوى، وما أريد منكم إلا المساعدة إلى السماوة.
فقالوا: سمعا وطاعة.

فركبنا، وركب القوم معنا، حتى أشرفنا على منازل بني سليم.
فأعلم الغطريف بنا، فخرج مبادرا، فاستقبلنا، وقال: حييتم بالإكرام.
فقلنا: وأنت فحياك الله، إنا لك أضياف.
فقال: نزلتم أكرم منزل.
فنادى: يا معشر العبيد أنزلوا القوم.
ففرشت الأنطاع والنمارق ٥،

وذبحت الذبائح.
فقلنا: لسنا بذائقي طعامك حتى تقضي حاجتنا.
فقال: وما حاجتكم؟ قلنا: نخطب عقيلتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر.
فقال: إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها، وأنا أدخل أخبرها ١.

ثم دخل مغضبا على ابنته، فقالت: يا أبت ما لي أرى الغضب في وجهك؟ فقال: قد ورد الأنصار يخطبونك ٢ مني.
قالت: سادة ٣ كرام، استغفر لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلمن الخطبة منهم؟ قال: لعتبة بن الحباب.
قالت: والله لقد سمعت عن عتبة هذا أنه يفي بما وعد، ويدرك

إذا قصد.
فقال: أقسمت لا زوجتك ٤ به أبدا، ولقد نمى إلي بعض حديثك معه.
فقالت: ما كان ذلك ٥، ولكن إذ أقسمت فإن ٦ الأنصار لا يردون ٧ ردا قبيحا، فأحسن لهم الرد.
فقال: بأي شيء؟ قالت: أغلظ لهم المهر ٨، فإنهم يرجعون ولا يجيبون.
فقال: ما أحسن ما قلت!

ثم خرج مبادرا فقال: إن فتاة الحي قد أجابت، ولكني ٩ أريد لها

مهر مثلها ١، فمن القائم به؟ فقال عبد الله بن معمر: أنا، فقل ما شئت! فقال: ألف مثقال من الذهب، ومائة ثوب من الأبراد، وخمسة أكرشة عنبر ٢.
فقال عبد الله: لك ذلك، فهل أجبت؟ قال: نعم، قال عبد الله: فأنفذت نفرا من الأنصار إلى المدينة، فأتوا بجميع ما طلب.
ثم صنعت

الوليمة وأقمنا على ذلك أياما.
ثم قال: خذوا فتاتكم، وانصرفوا مصاحبين.

ثم حملها في هودج، وجهزها بثلاثين راحلة من المتاع والتحف، فودعناه، وسرنا، حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد الغارة، أحسبها من سليم، فحمل عليها عتبة بن الحباب، فقتل منهم رجالا، وجدل آخرين.
ثم رجع وبه طعنة تفور دما، فسقط إلى الأرض.
وأتتنا نجدة ٣، فطردت عنا الخيل.
وقد قضى عتبة نحبه، فقلنا: وا عتبتاه! فسمعتنا ٤ الجارية، فألقت نفسها عن البعير، وجعلت ٥ تصيح بحرقة وأنشدت:

تصبرت لا أني صبرت وإنما … أعلل نفسي أنها بك لاحقه

فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى … أمامك من دون البرية سابقه

فما أحد بعدي وبعدك منصف … خليلا ولا نفس لنفس موافقه

ثم شهقت، وقفت نحبها.
فاحتفرنا لهما قبرا واحدا، ودفناهما فيه.
ثم رجعت، فأقمت ١ سبع سنين.
ثم ذهبت إلى الحجاز، ووردت المدينة، فقلت: والله لآتين قبر عتبة أزوره.
فأتيت القبر، فإذا عليه شجرة عليها عصائب حمر وصفر.
فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ قالوا: شجرة العروسين!

ولو لم يكن في العشق من الرخصة المخالفة للتشديد إلا الحديث الوارد بالحسن من الأسانيد، وهو حديث سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس يرفعه: "من عشق وعف وكتم فمات، فهو شهيد" ٢.

ورواه سويد أيضا عن ابن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا.

ورواه الخطيب، عن الأزهري، عن المعافى بن زكريا، عن قطبة بن الفضل ٣، عن أحمد بن مسروق عنه.

جارٍ التحميل