الذنوب ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان (^٣) مباح الأصل ثم عرض تحريمه، فباشره في الحال التي عرض فيها التحريم، كالوطء في الإحرام والصيام (^٤) وطرده الوطء
(^١) س: "الجلد بإفساد العقول".
ل: "بإزاء فساد العقول".
(^٢) ف: "قسم".
(^٣) س: "ما يكون".
(^٤) س: "وفي الصيام".
الجزء: 1 - الصفحة: 265
في الحيض والنفاس، بخلاف الوطء في الدبر، ولهذا كان إلحاق بعض الفقهاء له بالوطء في الحيض (^١) لا يصح، فإنه لا يباح (^٢) في وقت دون وقت، فهو بمنزلة التلوط وشرب المسكر.
النوع الثاني: ما عقده لله من نذر، أو بالله من يمين، أو حرمه الله ثم أراد حله؛ فشرع الله سبحانه حله بالكفارة، وسماها تحلة.
وليست هذه الكفارة ماحية لهتك حرمة الاسم (^٣) بالحنث كما ظنه بعض الفقهاء، فإن الحنث قد يكون واجبا، وقد يكون مستحبا (^٤)، وقد يكون مباحاة وإنما الكفارة حل لما عقده.
النوع الثالث: ما تكون (^٥) فيه جابرة لما فات، ككفارة قتل الخطأ (^٦) وإن لم يكن هناك إثم، وكفارة قتل الصيد خطأ، فإن ذلك من باب الجوابر.
والنوع الأول من باب الزواجر، والنوع الوسط من باب التحلة لما منعه العقد.
ولا يجتمع الحد والتعزير في معصية، بل إن كان فيها حد اكتفي به، وإلا اكتفى بالتعزير.
ولا يجتمع الحد والكفارة في معصية، بل كل معصية فيها حد (^٧) فلا كفارة فيها، وما فيه كفارة فلا حد فيه.
(^١) "في الحيض" ساقط من ز.
(^٢) ز: "لا يباح له".
(^٣) س: "الإثم"، تحريف.
(^٤) "وقد يكون مستحبا" ساقط من ف.
(^٥) يعني الكفارة.
وفي س، ف، ز: "يكون"، ولم ينقط في ل.
(^٦) س: "فات الكفارة"، خطأ.
ف: "القتل الخطأ".
وبعده في س: "ولم يكن".
(^٧) ف: "في معصية، فما فيها حد".
الجزء: 1 - الصفحة: 266
وهل يجتمع التعزير والكفارة في المعصية التي لا حد فيها؟ فيه وجهان.
وهذا كالوطء في الإحرام والصيام، ووطء الحائض، إذا أوجبنا فيه الكفارة.
فقيل: يجب التعزير لما انتهك من الحرمة بركوب الجناية.
وقيل: لا تعزير في ذلك اكتفاء بالكفارة؛ لأنها (^١) جابرة وماحية.
فصل
وأما العقوبات القدرية فهي نوعان: نوع على القلوب والنفوس، ونوع على الأبدان والأموال.
والتي على القلوب (^٢) نوعان:
أحدهما: آلام وجودية يضرب بها القلب.
والثاني: قطع المواد التي بها حياته وصلاحه عنه.
وإذا قطعت (^٣) عنه حصل له أضدادها.
وعقوبة القلوب أشد العقوبتين، وهي أصل عقوبة الأبدان.
وهذه العقوبة تقوى وتتزايد حتى تسري من القلب إلى البدن، كما يسري ألم البدن إلى القلب.
فإذا فارقت النفس البدن صار الحكم متعلقا بها، فظهرت عقوبة القلب حينئذ، وصارت عيانية (^٤) ظاهرة، وهي المسماة بعذاب القبر.
ونسبته إلى البرزخ كنسبة عذاب الأبدان إلى هذه الدار.
(^١) ل: "ولأنها".
(^٢) ف: "على القلب".
(^٣) ل: "فإذا … ". ف: "وإذا انقطعت".
(^٤) ف، ز: "عنايته".
ل: "غايبه".
وكلاهما تصحيف.
الجزء: 1 - الصفحة: 267
فصل
والتي على الأبدان أيضا نوعان: نوع في الدنيا.
ونوع في الأخرى.
وشدتها ودوامها بحسب مفاسد ما رتبت عليه في الشدة والخفة.
فليس في الدنيا والآخرة (^١) شر أصلا إلا الذنوب وعقوباتها، فالشر (^٢) اسم لذلك كله.
وأصله من شر النفس وسيئات الأعمال، وهما الأصلان اللذان كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ منهما في خطبته بقوله: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا" (^٣).
وسيئات الأعمال من شرور النفس، فعاد الشر كله إلى شر النفس، فإن سيئات الأعمال من فروعه وثمراته.
وقد اختلف في معنى قوله: "ومن سيئات أعمالنا"، هل معناه:
(^١) "والآخرة" ساقط من س.
(^٢) ز: "والشر".
(^٣) أخرجه الترمذي (١١٠٥) وأحمد ١/ ٣٩٣ (٣٧٢١)، ١/ ٤٣٢ (٤١١٦) وابن ماجه (١٨٩٢) والنسائي (١١٦٤) وأبو داود (٢١١٨) وأبو الشيخ في ذكر رواية الأقران (٥١، ٥٢) وغيرهم، من طريق الأعمش ويونس بن أبي إسحاق وشعبة وإسرائيل كلهم عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود مرفوعا في خطبة الحاجة.
ورواه شعبة والثوري وغيرهما عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود.
أخرجه أحمد (٣٧٢٠، ٤١١٥) وغيره.
قال الترمذي بعد ذكر الطريقين: "وكلا الحديثين صحيح؛ لأن إسرائيل جمعهما فقال: عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص وأبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وثبت هذا أيضا من حديث ابن عباس في قصة قوم ضماد.
أخرجه الطبراني ٨/ ٣٥٤ (٨١٤٨). وأصله عند مسلم (٨٦٨).
الجزء: 1 - الصفحة: 268
السيئ من أعمالنا، فيكون من باب إضافة النوع إلى جنسه ويكون بمعنى "من"؟ وقيل: معناه: من عقوباتها التي تسوء، فيكون التقدير: ومن عقوبات أعمالنا التي تسوؤنا (^١).
ويرجح هذا القول أن الاستعاذة تكون قد تضمنت جميع الشر، فإن شرور الأنفس تستلزم الأعمال السيئة، وهي تستلزم العقوبات السيئة فنبه بشرور الأنفس على ما تقتضيه من قبح الأعمال، واكتفى بذكرها منه إذ هي أصله.
ثم ذكر غاية الشر ومنتهاه، وهو السيئات التي تسوء العبد من عمله من العقوبات والآلام.
فتضمنت هذه الاستعاذة أصل الشر، وفروعه، وغايته، ومقتضاه (^٢).
ومن دعاء الملائكة للمؤمنين قولهم: ﴿وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته﴾ [غافر: ٩].
فهذا يتضمن طلب وقايتهم (^٣) من سيئات الأعمال وعقوباتها التي تسوء صاحبها، فإنه سبحانه متى وقاهم العمل السيئ وقاهم جزاءه السيئ، وإن كان قوله (^٤): ﴿ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته﴾ أظهر في عقوبات الأعمال المطلوب وقايتها يومئذ.
فإن قيل: فقد سألوه سبحانه أن يقيهم عذاب الجحيم، وهذا هو وقاية العقوبات السيئة، فدل على أن المراد بالسيئات التي سألوا وقايتها: الأعمال السيئة، ويكون الذي سأله الملائكة نظير ما استعاذ منه
(^١) ز: "تسوء".
(^٢) وانظر بدائع الفوائد (٧١٦)، وطريق الهجرتين (٢٠٠)، وإغاثة اللهفان (١٥١).
(^٣) ز: "يتضمن وقايتهم".
(^٤) ف: "وإن قوله".
الجزء: 1 - الصفحة: 269
النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا يرد على هذا قوله (يومئذ) فإن المطلوب وقاية شرور سيئات الأعمال ذلك اليوم، وهي سيئات في أنفسها.
قيل: وقاية السيئات نوعان: أحدهما: وقاية فعلها بالتوفيق فلا تصدر منه.
والثاني: وقاية جزائها بالمغفرة فلا يعاقب عليها.
فقد تضمنت (^١) الآية سؤال الأمرين، والظرف تقييد للجملة الشرطية لا
للجملة الطلبية (^٢).
وتأمل ما تضمنه هذا الخبر عن الملائكة من مدحهم بالإيمان والعمل الصالح والإحسان إلى المؤمنين بالاستغفار لهم.
وقدموا بين يدي استغفارهم توسلهم إلى الله سبحانه بسعة علمه وسعة رحمته (^٣).
فسعة علمه تتضمن علمه بذنوبهم وأسبابها، وضعفهم عن العصمة، واستيلاء عدوهم وأنفسهم وهواهم وطباعهم، وما زين لهم من الدنيا وزينتها؛ وعلمه بهم إذ أنشأهم من الأرض وإذ هم أجنة في بطون أمهاتهم، وعلمه السابق بأنه (^٤) لابد أن يعصوه، وأنه يحب العفو والمغفرة، وغير ذلك من سعة علمه الذي لا يحيط به أحد سواه.
وسعة رحمته تتضمن أنه لا يهلك عليه أحد من المؤمنين به (^٥) أهل توحيده ومحبته، فإنه واسع الرحمة، لا يخرج عن دائرة رحمته إلا
(^١) ز: "فتضمنت".
س، ل: "تضمنت" دون "فقد".
(^٢) ف: "يقيد الجملة الشرطية لا الجملة الطلبية".
(^٣) وذلك قوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما﴾ [غافر: ٧].
(^٤) ف: "بأنهم".
(^٥) "به" لم يرد في ف.
الجزء: 1 - الصفحة: 270
الأشقياء، ولا أشقى ممن لم تسعه رحمته التي (^١) وسعت كل شيء.
ثم سألوه (^٢) أن يغفر للتائبين الذين اتبعوا سبيله -وهو صراطه الموصل إليه الذي هو معرفته ومحبته وطاعته- فتابوا مما يكره، واتبعوا السبيل التي يحبها.
ثم سألوه أن يقيهم عذاب الجحيم، وأن يدخلهم والمؤمنين من أصولهم وفروعهم وأزواجهم جنات عدن التي وعدهم بها.
وهو سبحانه وإن كان لا يخلف الميعاد فإنه وعدهم بها (^٣) بأسباب من جملتها: دعاء ملائكته لهم بأن يدخلهم إياها برحمته، فدخلوها (^٤) برحمته التي منها أن وفقهم لأعمالها، وأقام ملائكته يدعون لهم بدخولها.
ثم أخبر سبحانه عن ملائكته أنهم قالوا عقيب هذه الدعوة: ﴿إنك أنت العزيز الحكيم (٨)﴾ أي مصدر ذلك وسببه وغايته صادر عن كمال قدرتك وكمال علمك.
فالعزة كمال القدرة، والحكمة كمال العلم.
وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه ما يشاء (^٥)، ويأمر وينهى، ويثيب ويعاقب.
فهاتان الصفتان مصدر الخلق والأمر.
والمقصود: أن عقوبات السيئات تتنوع إلى: عقوبات شرعية.
(^١) "رحمته التي" ساقط من ز. ومكانها في س: "رحمت".
(^٢) قال تعالى: ﴿فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (٧) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (٨)﴾ [غافر: ٧ - ٨].
(^٣) "بها" ساقط من س.
(^٤) ف: "إياها يدخلونها".
ز: "يدخلهم لها فدخلوها".
(^٥) س، ف: "شاء".
الجزء: 1 - الصفحة: 271
وعقوبات قدرية.
وهي إما في القلب، وإما في البدن، وإما فيهما.
وعقوبات في دار البرزخ (^١) بعد الموت.
وعقوبات يوم حشر الأجساد.
فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو (^٢) فيه من العقوبة؛ لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وصحا أحس بالمؤلم.
فترتب العقوبات على الذنوب (^٣) كترتب الإحراق على النار، والكسر على الانكسار (^٤)، والإغراق على الماء، وفساد البدن على السموم، والأمراض على الأسباب الجالبة لها.
وقد تقارن المضرة للذنب، وقد تتأخر عنه إما يسيرا وإما مدة (^٥)، كما يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه.
وكثيرا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام، ويذنب الذنب فلا يرى أثره عقيبه، ولا يدري أنه يعمل عمله على التدريج شيئا فشيئا، كما تعمل السموم والأشياء الضارة حذو القذة بالقذة.
فإن تدارك العبد بالأدوية والاستفراغ والحمية وإلا (^٦) فهو صائر إلى الهلاك.
هذا إذا كان ذنبا واحدا لم يتداركه بما يزيل أثره، فكيف بالذنب على الذنب كل يوم (^٧) وكل ساعة؟ فالله المستعان.
(^١) ف: "وعقوبات دار البرزخ".
(^٢) "هو" ساقط من ف.
(^٣) "على" ساقط من س.
(^٤) كذا في جميع النسخ، ومقتضى السياق: "والانكسار على الكسر".
(^٥) س: "أو مدة".
ونحوه في ل، ز مع تحريف.
(^٦) "وإلا" ساقط من س.
(^٧) س: "بالذنب على كل يوم"، فأسقط كلمة "الذنب" الثانية.
الجزء: 1 - الصفحة: 272
فصل
فاستحضر بعض العقوبات التي رتبها الله سبحانه على الذنوب، وجوز وصول بعضها إليك، واجعل ذلك (^١) داعيا للنفس إلى هجرانها.
وأنا أسوق لك منها طرفا يكفي العاقل مع التصديق ببعضه.
فمنها: الختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار، والإقفال على القلوب، وجعل الأكنة عليها، والرين عليها والطبع، وتقليب الأفئدة والأبصار، والحيلولة بين المرء وقلبه، وإغفال القلب
عن ذكر الرب، وإنساء الإنسان نفسه، وترك إرادة الله تطهير القلب، وجعل الصدر ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء، وصرف القلوب عن الحق، وزيادتها مرضا على مرضها، وإركاسها ونكسها بحيث تبقى منكوسة؛ كما ذكر الإمام أحمد (^٢) عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: القلوب أربعة: فقلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن.
وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر.
وقلب منكوس، فذلك
(^١) "ذلك" ساقط من ز.
(^٢) لم أقف عليه عند أحمد، ولعله في الزهد له فالمطبوع ناقص.
والأثر أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤٣٩) والطبري (١/ ٤٠٦) وابن أبي شيبة (٣٠٣٩٥، ٣٧٣٨٤) والخطابي في الغريب (١/ ٣٣٢) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٧٦)، من طريق الأعمش وأبان بن تغلب وقيس بن الربيع وعمرو بن قيس الملائي كلهم عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة فذكره موقوفا.
خالفهم ليث بن أبي سليم عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكره مطولا.
أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٧ (١١١٢٩)، وليث مخلط، والأثر مع وقفه في سنده انقطاع، فأبو البختري: سعيد بن فيروز، لم يدرك حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 273
قلب المنافق.
وقلب تمده مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما (^١).
ومنها: التثبيط عن الطاعة والإقعاد عنها.
ومنها: جعل القلب أصم لا يسمع الحق، أبكم لا ينطق به، أعمى لا يراه؛ فيصير النسبة بين القلب وبين الحق الذي لا ينفعه غيره كالنسبة بين أذن الأصم والأصوات، وعين الأعمى والألوان، ولسان الأخرس والكلام.
وبهذا يعلم (^٢) أن الصمم والبكم والعمى للقلب بالذات والحقيقة، وللجوارح بالعرض والتبعية.
﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦].
وليس المراد نفي العمى الحسي عن البصر، كيف وقد قال تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ [النور: ٦١]، وقال: ﴿عبس وتولى (١) أن جاءه الأعمى (٢)﴾ [عبس: ١ - ٢]. وإنما المراد أن العمى التام في الحقيقة عمى القلب، حتى إن عمى البصر بالنسبة إليه كلا عمى، حتى إنه يصح نفيه بالنسبة إلى كماله وقوته، كما قال (^٣) صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب، (^٤).
وقوله: "ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولكن
(^١) ل، ز: "منها".
(^٢) ز: "العلم"، تحريف.
(^٣) ف: "قال النبي".
(^٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الأدب، باب الحذر من الغضب (٦١١٤)؛ ومسلم في البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب … (٢٦٠٩).
الجزء: 1 - الصفحة: 274
المسكين الذي لا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه" (^١) ونظائره كثيرة.
والمقصود أن من عقوبات المعاصي جعل القلب أعمى أصم أبكم.
ومنها: الخسف بالقلب، كما يخسف بالمكان وما فيه، فيخسف به إلى أسفل سافلين، وصاحبه لا يشعر.
وعلامة الخسف به أن لا يزال جوالا حول السفليات والقاذورات والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لا يزال جوالا حول البر والخير ومعالي الأعمال والأقوال والأخلاق.
قال بعض السلف: إن هذه القلوب جوالة، فمنها ما يجول حول العرش، ومنها ما يجول حول الحش (^٢).
ومنها: مسخ القلب، فيمسخ كما تمسخ الصورة، فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته.
فمن القلوب ما يمسخ على خلق خنزير (^٣) لشدة شبه صاحبه به (^٤)، ومنها ما
(^١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضا.
أخرجه البخاري في الزكاة، باب قول الله عز وجل ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾ … (١٤٧٩)؛ ومسلم في الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى … (١٠٣٩).
(^٢) ذكره المؤلف في المفتاح (١/ ٤٦٦)، وشيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢٤). وهو من كلام أحمد بن خضرويه البلخي من أصحاب حاتم الأصم (٢٣٧ هـ). طبقات الصوفية (١٠٤)، صفة الصفوة (٢/ ٢٩٥). والحش: موضع قضاء الحاجة.
(^٣) ف: "قلب خنزير".
(^٤) "شبه" ساقط من ز.
الجزء: 1 - الصفحة: 275
يمسخ على خلق (^١) كلب أو حمار أو حية أو عقرب وغير ذلك (^٢).
وهذا تأويل سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾ [الأنعام: ٣٨] قال: منهم من يكون على أخلاق السباع العادية، ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب وأخلاق الخنزير (^٣) وأخلاق الحمار، ومنهم من يتطوس في ثيابه كما يتطوس
الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليدا كالحمار، ومنهم من يؤثر على نفسه كالديك، ومنهم من يألف ويؤلف كالحمام، ومنهم الحقود كالجمل، ومنهم الذي هو خير كله كالغنم، ومنهم أشباه الذئاب، ومنهم أشباه الثعالب التي تروغ كروغانها (^٤).
وقد شبه الله تعالى أهل الجهل (^٥) والغي بالحمر تارة (^٦)، وبالكلب تارة (^٧)، وبالأنعام تارة (^٨).
وتقوى هذه المشابهة باطنا، حتى تظهر في
(^١) "خنزير … خلق" ساقط من س.
(^٢) ز: "أو غير ذلك".
(^٣) س: "الخنازير".
(^٤) انظر العزلة للخطابي (١٥٩) وتفسير القرطبي (٦/ ٢٧٠).
(^٥) س: "أصحاب هذا الجهل".
(^٦) قال تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (٥)﴾ [الجمعة: ٥].
(^٧) قال تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (١٧٥) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (١٧٦)﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
(^٨) قال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم =
الجزء: 1 - الصفحة: 276
الصورة الظاهرة ظهورا خفيفا (^١) يراه المتفرسون، وتظهر في الأعمال ظهورا يراه كل أحد.
ولا يزال يقوى حتى يستتبع (^٢) الصورة، فتنقلب له الصورة بإذن الله، وهو المسخ التام، فيقلب الله سبحانه (^٣) الصورة الظاهرة على صورة ذلك الحيوان، كما فعل باليهود وأشباههم، ويفعل بقوم من هذه الأمة: يمسخهم قردة وخنازير (^٤).
فسبحان الله، كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر! وقلب ممسوخ، وقلب مخسوف به! وكم من مفتون بثناء الناس عليه، ومغرور بستر الله عليه"، ومستدرج بنعم الله عليه! وكل هذه عقوبات وإهانة، ويظن الجاهل أنها (^٥) كرامة.
ومنها: مكر الله بالماكر، ومخادعته للمخادع، واستهزاؤه بالمستهزئ، وإزاغته لقلب الزائغ عن الحق.
ومنها: نكس القلب حتى يرى الباطل حقا والحق باطلا، والمعروف
= الغافلون (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وانظر سورة الفرقان [٤٣ - ٤٤].
(^١) ما عدا ل: "خفيا".
(^٢) ز: "تستبشع"، ولعله تصحيف.
(^٣) "الصورة … سبحانه" ساقط من ف.
(^٤) كما جاء في حديث أبي عامر -أو أبي مالك- الأشعري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف.
ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم.
ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة".
أخرجه البخاري في الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه (٥٥٩٠).
(^٥) "أنها" ساقط من س.
الجزء: 1 - الصفحة: 277
منكرا والمنكر معروفا، ويفسد ويرى أنه يصلح، ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها (^١)، ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على الهدى، ويتبع (^٢) هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه.
وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلوب.
ومنها: حجاب القلب عن الرب في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (١٤) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (١٥)﴾ [المطففين: ١٤ - ١٥]. فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبين قلوبهم، فيصلوا إليها، فيروا ما يصلحها ويزكيها، وما يفسدها ويشقيها؟ وأن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبين ربهم، فتصل القلوب إليه، فتفوز بقربه وكرامته، وتقر به عينا، وتطيب به نفسا، بل كانت الذنوب حجابا بينهم وبين قلوبهم، وحجابا بينهم وبين ربهم وخالقهم.
ومنها: المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ، والعذاب في الآخرة.
قال تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤].
وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر (^٣)، ولا ريب أنه من المعيشة
(^١) ف:"إليه".
(^٢) ز: "فيتبع".
(^٣) كما جاء من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن ابن مسعود وابن عباس موقوفا.
فأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن حبان (٣١١٩) من طريق حماد بن سلمة مرفوعا.
وروي عنه موقوفا أخرجه الحاكم ١/ ٥٣٧ (١٤٠٥).
ووافقه على الوقف عبدة ويزيد بن هارون.
أخرجه الطبري (١٦/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، =
الجزء: 1 - الصفحة: 278
الضنك، والآية تتناول ما هو أعم منه، وإن كانت نكرة في سياق الإثبات، فإن عمومها من حيث المعنى (^١)، فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره.
فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة (^٢) بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعيم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما يواريه عنه سكر الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة، إن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر! فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر، فإنه يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحب الدنيا لا يصحو (^٣) صاحبه إلا إذا
= وفي تهذيب الآثار (مسند عمر- ٧٢٨) وابن أبي شيبة ٣/ ٥٩ (١٢٠٦١) وهناد (٣٥٤).
وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه مرفوعا الحاكم ٢/ ٤١٣ (٣٤٣٩) والبيهقي في عذاب القبر (٥٨، ٥٩). وروي من طرق أخرى موقوفا.
أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٤٤ (٣٤٨٣٧) والطبري (١٦/ ٢٢٨) والبيهقي في عذاب القبر (٥٩). والموقوف أصح.
ورواه أيضا ابن أبي هلال عن أبي حازم عن أبي سعيد موقوفا.
أخرجه الطبري (١٦/ ٢٢٧).
وأما أثر ابن مسعود موقوفا فأخرجه هناد في الزهد (٣٥٢) والطبراني (٩/ رقم ٩١٤٣) والطبري (١٦/ ٢٢٨) وسنده حسن.
وأما أثر ابن عباس فأخرجه البيهقي في عذاب القبر (٦٨) وسنده حسن.
وجاء أيضا عن السدي وأبي صالح ومجاهد وزاذان.
انظر الطبري (١٦/ ٢٢٨) وعذاب القبر للبيهقي (٦٣، ٦٤).
(^١) وانظر الفوائد (١٦٨)، ومدارج السالكين (١/ ٤٢٢)، (٣/ ٢٥٩).
(^٢) "الضنك على الإعراض … المعيشة" ساقط من ت.
(^٣) ز: "لا يفيق".
الجزء: 1 - الصفحة: 279
صار (^١) في عسكر الأموات.
فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده.
ولا تقر العين، ولا يهدأ القلب، ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حق، وكل معبود سواه باطل.
فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله (^٢) تقطعت نفسه على الدنيا حسرات.
والله تعالى إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن به وعمل صالحا، كما قال تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة وبالحسنى يوم القيامة، فلهم أطيب الحياتين، وهم أحياء في الدارين.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (٣٠)﴾ [النحل: ٣٠].
ونظيرها قوله تعالى: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله﴾ [هود: ٣].
ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة، وحصلوا على الحياة الطيبة في الدارين، فإن طيب النفس وسرور القلب وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته وانشراحه ونوره وسعته وعافيته من الشهوات
(^١) س: "إلا صار".
(^٢) "قرت به … بالله" ساقط من س.
الجزء: 1 - الصفحة: 280
المحرمة والشبهات الباطلة = هو النعيم على الحقيقة.
ولا نسبة لنعيم البدن إليه، فقد كان يقول بعض من ذاق هذه اللذة: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (^١).
وقال آخر: إنه ليمر (^٢) بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب (^٣).
وقال آخر: إن في الدنيا جنة، هي في الدنيا كالجنة في الآخرة، فمن دخلها دخل تلك الجنة، ومن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة (^٤).
وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه الجنة بقوله: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا".
قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر" (^٥).
(^١) من كلام إبراهيم بن أدهم، وقد سبق في ص (١٨٦).
(^٢) لم يرد "إنه" في ص. وفيها وفي ل: "لتمر".
وفي ز: "يمر".
(^٣) س: "لفي نعيم وعيش طيب"، وهو من كلام أبي سليمان المغربي، وقد سلف في ص (١٨٦).
(^٤) تقدم في ص (١٨٧) أن المؤلف نقل نحوه عن شيخ الإسلام في المدارج والوابل الصيب.
(^٥) أخرجه الترمذي (٣٥١٠) وأحمد ٣/ ١٥٠ (١٢٥٤٥) وأبو يعلى ٦/ ١٥٥ (٣٤٣٢) وابن عدي في الكامل (٦/ ١٣٦) وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٥٢) وابن عساكر (١٠/ ٣٨٦) وغيرهم من طريق محمد بن ثابت البناني عن أبيه عن أنس.
قال الترمذي: "حسن غريب من هذا الوجه من حديث ثابت عن أنس".
قلت: محمد بن ثابت ضعيف، وهذا الحديث من منكراته.
ولهذا لم يعرف البخاري حديثه هذا وقال: عنده عجائب.
وجعل ابن عدي وابن حبان هذا الحديث من منكراته.
وروي من طريق آخر عن أنس، وهو ضعيف جدا.
وجاء من حديث ابن عمر وجابر وابن عباس، بألفاظ متقاربة، وكلها =
الجزء: 1 - الصفحة: 281
وقال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" (^١).
ولا تظن أن (^٢) قوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم (١٣) وإن الفجار لفي جحيم (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، مختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة.
وأي لذة ونعيم (^٣) في الدنيا أطيب من بر القلب، وسلامة الصدر، ومعرفة الرب تعالى ومحبته، والعمل على موافقته؟ وهل العيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم؟
وقد أثنى الله تعالى على خليله بسلامة قلبه فقال: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم (٨٣) إذ جاء ربه بقلب سليم (٨٤)﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٤]. وقال حاكيا عنه أنه قال (^٤): ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون (٨٨) إلا من أتى الله بقلب سليم (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك، والغل، والحقد، والحسد، والشح، والكبر، وحب الدنيا والرياسة.
فسلم من كل آفة تبعده من الله (^٥)، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع
= لا تصح.
انظر السلسلة الضعيفة (٣/ ٢٩١) والصحيحة (رقم ٢٥٦٢).
(^١) أخرجه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر عن عبد الله بن زيد المازني (١١٩٥) وأبي هريرة (١١٩٦) رضي الله عنهما.
ومسلم في الحج، باب ما بين القبر والمنبر … (١٣٩٠، ١٣٩١).
(^٢) "أن" من س وحدها.
(^٣) ف: "أي نعيم ولذة".
(^٤) "أنه قال" ساقط من ز.
(^٥) ف: "تبعد من الله".
الجزء: 1 - الصفحة: 282
يقطع عن الله.
فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ (^١)، وفي الجنة يوم المعاد.
ولا تتم له سلامته (^٢) مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والإخلاص.
وهذه الخمسة حجب عن الله، وتحت كل واحد (^٣) منها أنواع كثيرة تتضمن أفرادا لا تنحصر.
ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم.
فليس العبد أحوج منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء انفع له (^٤) منها.
فإن الصراط المستقيم يتضمن علوما وإرادات وأعمالا وتروكا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد، وقد لا يعلمها، وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه.
وما يعلمه (^٥) قد يقدر عليه، وقد لا يقدر عليه (^٦)، وهو من الصراط المستقيم وإن عجز عنه.
وما يقدر عليه قد تريده نفسه، وقد لا تريده (^٧) كسلا وتهاونا أو لقيام مانع (^٨) وغير ذلك.
وما تريده قد يفعله، وقد لا
(^١) ف، ل: "جنة البرزخ".
(^٢) ف: "يتم له سلامة".
(^٣) س: "واحدة".
(^٤) ف: "إليه".
(^٥) "وما يعلمه" ساقط من ل.
(^٦) "وقد لا يقدر عليه" ساقط من س.
(^٧) "نفسه وقد لا تريده" ساقط من س.
(^٨) في س: "موانع"، وفي حاشيتها: "خ مانع".
الجزء: 1 - الصفحة: 283
يفعله.
وما يفعله قد يقوم فيه بشروط الإخلاص، وقد لا يقوم.
وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة، وقد لا يقوم.
وما يقوم فيه (^١) بالمتابعة قد يثبت عليه، وقد يصرف قلبه عنه.
وهذا كله واقع سار في الخلق، فمستقل ومستكثر.
وليس في طباع العبد الهداية إلى ذلك، بل متى وكل إلى طباعه حيل بينه وبين ذلك كله (^٢).
وهذا هو الإركاس الذي أركس الله به المنافقين بذنوبهم، فأعادهم إلى طباعهم، وما خلقت عليه نفوسهم من الجهل والظلم (^٣).
والرب تبارك وتعالى على صراط مستقيم في قضائه وقدره، ونهيه وأمره (^٤) فيهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم (^٥) بفضله ورحمته وجعله الهداية حيث تصلح، ويصرف من يشاء عن صراطه المستقيم (^٦) بعدله وحكمته لعدم صلاحية المحل، وذلك موجب صراطه المستقيم الذي هو عليه.
(^١) "بكمال … فيه" ساقط من ز.
(^٢) "كله" ساقط من ل.
(^٣) قال تعالى: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (٨٨)﴾ [النساء: ٨٨].
(^٤) قال تعالى: ﴿إن ربي على صراط مستقيم (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
وقد فصل المؤلف في تفسير الآية في إعلام الموقعين (١/ ١٦٢) وانظر نحوه في الفوائد (٢٣)، وشفاء العليل (٨٧، ٢٠١، ٢٧٥)، والمدارج (١/ ١٨)، (٣/ ٤٥٦)، وما سيأتي في ص (٤٨٠). ثم قارن بما ذهب إليه في بدائع الفوائد (٢٠٨).
(^٥) ل: "صراط مستقيم".
(^٦) "المستقيم" لم يرد في ل. و"بفضله ورحمته … المستقيم" ساقط من ز.
الجزء: 1 - الصفحة: 284
فهو على صراط مستقيم (^١)، ونصب (^٢) لعباده من أمره صراطا مستقيما دعاهم جميعا إليه حجة منه وعدلا، وهدى من شاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلا، ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل (^٣) عن صراطه المستقيم (^٤) الذي هو عليه.
فإذا كان يوم لقائه (^٥) نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إلى جنته، ثم صرف عنه من صرف عنه في الدنيا، وأقام عليه من أقامه عليه (^٦) في الدنيا، وجعل نور المؤمنين به وبرسوله وما جاء به الذي كان في قلوبهم في الدنيا نورا ظاهرا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الجسر (^٧)، وحفظ عليهم نورهم حتى قطعوه (^٨)، كما حفظ عليهم الإيمان به حتى لقوه.
وأطفأ نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه، كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا.
وأقام أعمال العصاة بجنبتي الصراط كلاليب وحسكا تخطفهم، كما خطفتهم في الدنيا عن الاستقامة عليه، وجعل قوة سيرهم وسرعتهم عليه على قدر قوة سيرهم وسرعتهم إليه في الدنيا (^٩).
(^١) ف: "صراطه المستقيم".
ل: "صراطه مستقيم".
(^٢) "ونصب" ساقط من ز.
(^٣) ز: "القصد"، تحريف.
(^٤) ف: "الصراط المستقيم".
(^٥) ل: "يوم القيامة".
(^٦) ف: "أقام عليه".
(^٧) ز، ل: "الحشر".
(^٨) س: "قطعوا".
(^٩) انظر الحديث الذي تقدم في ص (٧١).
الجزء: 1 - الصفحة: 285
ونصب للمؤمنين حوضا يشربون منه بإزاء شربهم من شرعه في الدنيا، وحرم من الشرب منه (^١) هناك من حرمه من الشرب من شرعه ودينه ها هنا (^٢).
فانظر إلى الآخرة كأنها رأي عين، وتأمل حكمة الله سبحانه في الدارين، تعلم حينئذ علما يقينا لا شك فيه أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وأنموذجها، وأن منازل الناس فيها في السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضدهما.
وبالله التوفيق.
ف