الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)صفحات 448-487

الحب والإرادة أصل كل فعل ومبدؤه،

صفحات 448-487

والبغض والكراهة أصل كل ترك ٧ ومبدؤه.
وهاتان القوتان في القلب أصل سعادة العبد وشقاوته.

ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والإرادة.
وأما عدم الفعل فتارة يكون لعدم مقتضيه وسببه، وتارة يكون لوجود البغض والكراهة المانع منه.
وهذا متعلق الأمر والنهي، وهو

الذي ١ يسمى الكف، وهو متعلق الثواب والعقاب.

وبهذا ٢ يزول الاشتباه في مسألة الترك، هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ والتحقيق أنه قسمان: فالترك المضاف إلى عدم السبب المقتضي عدمي، والمضاف إلى السبب المانع من الفعل وجودي ٣.

فصل

وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين إنما يؤثره الحي لما فيه من حصول المنفعة التي يلتذ بحصولها، أو زوال الألم ٤ الذي يحصل له الشفاء بزواله ٥.
ولهذا يقال: شفى صدره، وشفى قلبه.
قال:

هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها … وليس منها شفاء الداء مبذول ٦

وهذا مطلوب يؤثره العاقل، بل الحيوان البهيم؛ ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطا قبيحا، فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه ٧ أعظم

الألم، فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها، ويشفي ١ قلبه بما يعقب عليه غاية المرض.

وهذا شأن من قصر نظره على العاجل، ولم يلاحظ العواقب.
وخاصة العقل: النظر في العواقب ٢، فأعقل الناس من آثر لذته وراحته الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة، وأسفه الخلق من باع نعيم الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص ٣ فيها ولا نقص ٤ بوجه ما، بلذة منغصة مشوبة بالآلام والمخاوف، وهي سريعة الزوال ٥ وشيكة الانقضاء.

قال بعض العلماء ٦: فكرت فيما يسعى فيه العقلاء، فرأيت سعيهم كله في مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم.
فهذا بالأكل والشرب ٧، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، وهذا باللهو واللعب.
فقلت: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلها غير موصلة إليه، بل لعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده.
ولم أر في جميع هذه الطرق طريقا موصلة

إلا ١ الإقبال على الله ومعاملته وحده، وإيثار مرضاته على كل شيء.

فإن سالك هذه الطريق إن فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه، وإن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء.
وإن ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهنأ الوجوه.
فليس للعبد أنفع من هذه الطريق ولا أوصل منها إلى لذته وبهجته وسعادته.
وبالله التوفيق.

فصل

والمحبوب قسمان: محبوب لنفسه، ومحبوب لغيره.
والمحبوب لغيره لابد أن ينتهي إلى المحبوب لنفسه، دفعا للتسلسل المحال.
وكل ما سوى المحبوب الحق فهو محبوب لغيره، وليس شيء يحب لنفسه إلا الله وحده، وكل ما سواه مما يحب وإنما محبته تبع لمحبة الرب تعالى ٢، كمحبة ملائكته وأنبيائه وأوليائه، فإنها تبع لمحبته سبحانه، وهي من لوازم محبته، فإن محبة المحبوب توجب محبة ٣ ما يحبه.

وهذا موضع يجب الاعتناء به، فإنه محل فرقان بين المحبة النافعة لغيره، والتي ٤ لا تنفع، بل قد تضر.

فاعلم أنه لا يحب لذاته إلا من كماله من لوازم ذاته، وإلهيته وربوبيته وغناه من لوازم ذاته.
وما سواه وإنما يبغض ويكره لمنافاته

محابه ومضادته لها، وبغضه وكراهته بحسب قوة هذه المنافاة وضعفها، فما كان أشد منافاة ١ لمحابه كان أشد كراهة من الأعيان والأوصاف والأفعال والإرادات وغيرها.

فهذا ٢ ميزان عادل يوزن به موافقة الرب ومخالفته، وموالاته ومعاداته.
فإذا رأينا شخصا يحب ما يكرهه ٣ الرب تعالى، ويكره ما يحبه، علمنا أن فيه من معاداته بحسب ذلك.
وإذا رأينا الشخص يحب ما يحبه ٤ الرب، ويكره ما يكرهه، وكلما كان الشيء أحب إلى الرب كان أحب إليه وآثر عنده، وكلما كان أبغض إلى الرب كان أبغض إليه وأبعد منه = علمنا أن فيه من موالاة الرب بحسب ذلك.

فتمسك بهذا الأصل غاية التمسك في نفسك وفي غيرك.
فالولاية عبارة عن موافقة الولي ٥ الحميد في محابه ومساخطه، ليست بكثرة صوم ولا صلاة ولا تمزق ولا رياضة.

والمحبوب لغيره قسمان أيضا:

أحدهما: ما يلتذ المحب بإدراكه وحصوله.

والثاني: ما يتألم به ٦، ولكن يحتمله ٧ لإفضائه إلى محبوبه،

كشرب الدواء الكريه.

قال تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]، فأخبر سبحانه أن القتال مكروه لهم، مع أنه خير لهم لإفضائه إلى أعظم محبوب ١ وأنفعه.

والنفوس تحب الراحة والدعة ٢ والرفاهية، وذلك شر لها لإفضائه إلى فوات هذا المحبوب.
فالعاقل لا ينظر إلى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها، وألم المكروه العاجل فيرغب عنه، فإن ذلك قد يكون شرا له؛ بل قد يجلب عليه غاية الألم، ويفوته أعظم اللذة.
بل ٣ عقلاء الدنيا يتحملون المشاق المكروهة لما يعقبهم ٤ من اللذة بعدها، وإن كانت منقطعة.

فالأمور أربعة:

مكروه يوصل إلى مكروه.

ومكروه يوصل إلى محبوب.

ومحبوب يوصل إلى محبوب.

ومحبوب يوصل إلى مكروه ٥.

فالمحبوب الموصل إلى المحبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين، والمكروه الموصل إلى مكروه قد اجتمع فيه ١ داعي الترك من وجهين.

بقي القسمان الآخران يتجاذبهما الداعيان، وهما معترك الابتلاء والامتحان.
فالنفس تؤثر أقربهما جوارا منهما، وهو العاجل.
والعقل والإيمان يؤثران ٢ أنفعهما وأبقاهما.
والقلب بين الداعيين، وهو إلى هذا مرة، وإلى هذا مرة.

وها هنا محل الابتلاء شرعا وقدرا.
فداعي العقل والإيمان ينادي ٣ كل وقت: حي على الفلاح، عند الصباح يحمد القوم السرى ٤، وفي الممات يحمد العبد التقى.
فإن اشتد ظلام ليل المحبة، وتحكم سلطان الشهوة والإرادة يقول ٥: يا نفس اصبري،

فما هي إلا ساعة ثم تنقضي … ويذهب هذا كله ويزول ٦

فصل

وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله.

وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة، أو شبهة تمنع كمال التصديق؛ فهي معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له.
فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت كفرا وشركا أكبر، وإن لم تعارضه قدحت في كماله، وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب.
وهي تحجب الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب.

فلا تصح الموالاة إلا بالمعاداة، كما قال تعالى عن إمام ١ الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: ﴿قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (٧٥) أنتم وآباؤكم الأقدمون (٧٦) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (٧٧)﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. فلم تصح لخليل الله الموالاة ٢ والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة فإنه لا ولاء إلا ببراء ٣، أو، ٤ لا ولاء لله إلا بالبراءة ٥ من كل معبود سواه.
قال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾ [الممتحنة: ٤].

وقال تعالى ١: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (٢٦) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (٢٧)﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]. أي جعل هذه الموالاة لله والبراءة ٢ من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض.
وهي كلمة ٣ لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة.

وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات.
وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد.
وهي الكلمة

العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار.
وهي المنشور الذي لا يدخل أحد ٤ الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق ٥ بسببه.

وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام.
وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد.
وبها انفصلت دار الكفر من دار الإيمان، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان.
وهي العمود الحامل للفرض والسنة، "ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة" ٦.

وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب -جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره- بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل ١ والإنابة والرغبة والرهبة.
فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره وإنما يحب تبعا لمحبته وكونه وسيلة إلى زيادة محبته.
ولا يخاف سواه ولا يرجى سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا باسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يطاع إلا أمره، ولا يتحسب إلا به، ولا يستغاث ٢ في الشدائد إلا به، ولا يلتجأ ٣ إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه.
ويجتمع ذلك كله في حرف واحد، وهو أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.

ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة ٤.
ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام

بها، كما قال تعالى: ﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون (٣٣)﴾ [المعارج: ٣٣]، فيكون قائما بشهادته في ظاهره وباطنه، في قلبه وقالبه.
فإن من الناس من تكون شهادته ميتة، ومنهم من تكون نائمة إذا نبهت انتبهت، ومنهم من تكون مضطجعة، ومنهم من تكون إلى القيام أقرب.
وهي في القلب بمنزلة

الروح في البدن، فروح ميتة وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن.

وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحا" ١.

فحياة الروح بحياة هذه الكلمة ٢ فيها، كما أن حياة البدن بوجود الروح فيه.
وكما أن من مات على هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها، فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى، وعيشه أطيب عيش.
قال تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (٤٠) فإن الجنة هي المأوى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١].

فالجنة مأواه يوم اللقاء، وجنة المعرفة والمحبة والأنس بالله

والشوق إلى لقائه والفرح ١ والرضى به وعنه مأوى روحه في هذه الدار.
فمن كانت هذه الجنة مأواه ها هنا، كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد.
ومن حرم هذه الجنة، فهو لتلك أشد حرمانا.
والأبرار في النعيم، وإن اشتد بهم العيش، وضاقت عليهم الدنيا.
والفجار في جحيم، وإن اتسعت عليهم الدنيا.

قال تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ [النحل: ٩٧].

وطيب الحياة جنة الدنيا.

وقال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ [الأنعام: ١٢٥].

فأي نعيم أطيب من شرح الصدر؟ وأي عذاب أمر من ضيق الصدر؟ وقال تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٦٢) الذين آمنوا وكانوا يتقون (٦٣) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].

فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشا، وأنعمهم بالا، وأشرحهم صدرا، وأسرهم قلبا.
وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة.

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا".
قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر" ٢.

ومن هذا: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" ١.

ومن هذا قوله، وقد سألوه عن وصاله في الصوم، فقال: "إني لست كهيئتكم، إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني" ٢.
فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب الحسي، وأن ما يحصل له من ذلك أمر يختص ٣ به، لا يشركه فيه غيره، فإذا أمسك عن الطعام والشراب فله عنه عوض يقوم مقامه، وينوب منابه، ويغني عنه، كما قيل ٤:

لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد

لها بوجهك نور تستضيء به … ومن حديثك في أعقابها حاد ٥

إذا شكت من كلال السير أوعدها … روح اللقاء فتحيا عند ميعاد ٦

فصل ١

وكلما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو إليه أحوج، كان تألمه بفقده أشد.
وكلما كان عدمه أنفع له ٢ كان تألمه بوجوده أشد ٣.
ولا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله، واشتغاله بذكره ٤، وتنعمه بحبه، وإيثاره لمرضاته؛ بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور ٥ ولا بهجة إلا بذلك.
فعدمه آلم شيء له، وأشده عذابا عليه.
وإنما يغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب اشتغالها بغيره، واستغراقها في ذلك الغير، فتغيب به ٦ عن شهود ما هي فيه من ألم الفوت بفراق أحب شيء إليها وأنفعه لها.

وهذا بمنزلة السكران، المستغرق في سكره، الذي احترقت ٧ داره وأمواله وأهله وأولاده، وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك ٨ الفوت وحسرته، حتى إذا صحا وكشف عنه غطاء السكر، وانتبه من رقدة الخمر ٩، فهو أعلم بحاله حينئذ.

وهكذا الحال سواء عند كشف الغطاء، ومعاينة طلائع الآخرة، والإشراف على مفارقة الدنيا، والانتقال منها إلى الله؛ بل الألم والحسرة والعذاب هناك أشد بأضعاف مضاعفة.
فإن المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته بالعوض، ويعلم أنه قد أصيب بشيء زائل لا بقاء له؛ فكيف بمن مصيبته بما لا عوض عنه، ولا بدل منه ١، ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعها؟ فلو قضى الله سبحانه بالموت من هذه الحسرة والألم لكان العبد جديرا به، وإن الموت ليعود أعظم أمنيته وأكبر حسراته.
هذا ٢ لو كان الألم على مجرد الفوات ٣، فكيف وهناك من العذاب على الروح والبدن بأمور أخرى وجودية ما لا يقدر قدره؟ فتبارك من حمل هذا الخلق الضعيف هذين الألمين العظيمين اللذين لا تحملهما الجبال الرواسي! فأعرض الآن على نفسك أعظم محبوب لك في الدنيا بحيث لا تطيب لك الحياة إلا معه، فأصبحت وقد أخذ منك، وحيل بينك وبينه، أحوج ما كنت إليه، كيف يكون حالك؟ هذا، ومنه كل عوض، فكيف بمن لا عوض عنه؟

من كل شيء إذا ضيعته عوض … وما من الله إن ضيعته عوض ٤

وفي أثر إلهي: "ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن

فتك فاتك كل شيء.
وأنا أحب إليك من كل شيء" ١.

فصل

ولما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما يذكر ٢ فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به من أنواعها، ولا يصلح إلا له وحده، مثل العبادة والإنابة ونحوهما ٣؛ فإن العبادة لا تصلح إلا له وحده، وكذلك الإنابة ٤.

وقد تذكر المحبة باسمها المطلق، كقوله تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥].

وأعظم أنواع المحبة المذمومة: المحبة مع الله، التي يسوي المحب فيها بين محبته لله ومحبته للند ٥ الذي اتخذه من دونه.
وأعظم أنواعها المحمودة: محبة الله وحده، ومحبة ما أحب.
وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها، التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها.
والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها، التي لا يبقي في العذاب إلا أهلها.
فأهل المحبة الذين أحبوا الله، وعبدوه وحده لا شريك له،

لا يدخلون النار، ومن دخلها منهم بذنوبه فإنه لا يبقى ١ فيها منهم أحد.

ومدار القرآن ٢ على الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن المحبة الأخرى ٣ ولوازمها، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، وذكر قصص النوعين، وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم ومعبود كليهما وأخباره عن فعله بالنوعين، وعن حال النوعين ٤ في الدور الثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار.
فالقرآن في شأن النوعين.

وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إنما هو ٥ عبادة الله وحده لا شريك له، المتضمنة لكمال حبه، وكمال الخضوع والذل له، والإجلال والتعظيم، ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى.

وقد ثبت في الصحيحين ٦ من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".

وفي صحيح البخاري ٧ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

يا رسول الله، والله ١ لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.
فقال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك".
فقال: والذي ٢ بعثك بالحق لأنت أحب إلي من نفسي.
قال: "الآن يا عمر".

فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله، ووجوب تقديمها على محبة نفس الإنسان وولده ووالده والناس أجمعين، فما الظن بمحبة مرسله سبحانه وتعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه؟

ومحبة الرب تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه بها.
فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب إليه من ذلك كله.

والشيء قد يحب من وجه دون وجه ٣، وقد يحب لغيره.
وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الألوهية إلا له، و﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] والتأله ٤ هو المحبة، والطاعة، والخضوع ٥.

فصل

وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فأصلها المحبة، فهي علتها الفاعلية والغائية ١.

وذلك لأن الحركات ثلاثة أنواع: حركة اختيارية إرادية، وحركة طبيعية، وحركة قسرية.

والحركة الطبيعية ٢ أصلها السكون، وإنما يتحرك الجسم إذا خرج عن مستقره ومركزه الطبيعي ٣، فهو يتحرك للعود إليه.
وخروجه عن مركزه ومستقره إنما هو بتحريك القاسر المحرك له.
فله حركة قسرية بمحركه ٤ وقاسره، وحركة طبيعية بذاته يطلب بها العود إلى مركزه.
وكلا حركتيه ٥ تابعة للقاسر المحرك، فهو أصل الحركتين.

والحركة الاختيارية الإرادية هي ٦ أصل الحركتين الأخريين، وهي متابعة للإرادة والمحبة، فصارت الحركات الثلاث تابعة للمحبة والإرادة.

والدليل ١ على انحصار الحركات في هذه الثلاث أن المتحرك إن كان له شعور بالحركة فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور بها، فإما أن تكون على وفق طبعه أو لا.
فالأولى هي الطبيعية ٢، والثانية القسرية.

إذا ثبت هذا، فما في السموات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجنة في بطون أمهاتها، وإنما هي بواسطة الملائكة المدبرات أمرا والمقسمات أمرا، كما دل على ذلك نصوص القرآن والسنة في غير موضع.

والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة، فإن الله وكل بالرحم ملائكة، وبالقطر ملائكة، وبالنبات ٣ ملائكة، وبالرياح، وبالأفلاك، وبالشمس والقمر والنجوم.

ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة: كاتبين على يمينه ٤ وشماله، وحافظين من بين يديه ومن خلفه.
ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرها من الجنة أو النار ٥، وملائكة بمسألته وامتحانه في قبره وعذابه هناك أو نعيمه ٦، وملائكة تسوقه إلى المحشر إذا قام من قبره،

وملائكة بتعذيبه في النار أو نعيمه ١ في الجنة.

ووكل بالجبال ملائكة، وبالسحاب ملائكة تسوقه حيث أمرت به، وبالقطر ملائكة تنزله بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله، ووكل ملائكة بغرس الجنة وعمل آلتها ٢ وفرشها وبنائها ٣ والقيام عليها، وملائكة بالنار كذلك.

فأعظم جند الله الملائكة.
ولفظ "الملك" يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره وليس ٤ لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله.
وهم يدبرون الأمر، ويقسمونه بأمر الله وإذنه.

قال تعالى إخبارا عنهم: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦].

وأقسم سبحانه بطوائف الملائكة المنفذين لأمره في الخليقة، كما قال: ﴿والصافات صفا (١) فالزاجرات زجرا (٢) فالتاليات ذكرا (٣)﴾ [الصافات: ١ - ٣] وقال: ﴿والنازعات غرقا (١) والناشطات نشطا (٢) والسابحات سبحا (٣) فالسابقات سبقا (٤) فالمدبرات أمرا (٥)﴾ [النازعات: ١ - ٥].

وقد ذكرنا معنى ذلك وسر الإقسام به في كتاب "أيمان القرآن" ١.

وإذا ٢ عرف ذلك فجميع تلك المحبات والحركات والإرادات والأفعال هي عبادة منهم لرب الأرض والسماوات، وجميع الحركات الطبيعية ٣ والقسرية تابعة لها.
فلولا الحب ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب النيرات ٤، ولا هبت الرياح المسخرات، ولا مرت السحب الحاملات، ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات، ولا انصاع عن الحب أنواع النبات، ولا اضطربت أمواج البحار الزاخرات، ولا تحركت ٥ المدبرات والمقسمات، ولا سبحت بحمد فاطرها الأرضون والسماوات، وما فيها ٦ من أنواع المخلوقات.
فسبحان من ٧ تسبحه السماوات السبع والأرض ومن فيهن، ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].

فصل

إذا عرف ٨ ذلك فكل حي له إرادة ومحبة وعمل بحسبه، وكل متحرك فأصل حركته ٩: المحبة والإرادة.
ولا صلاح للموجودات إلا

بأن تكون حركاتها ١ ومحبتها لفاطرها وبارئها وحده، كما لا وجود لها إلا بإبداعه ٢ وحده.

ولهذا قال تعالى ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ولم يقل سبحانه: لما وجدتا ولكانتا معدومتين، ولا قال ٣: لعدمتا، إذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد، لكن لا يمكن أن يكونا على وجه الصلاح والاستقامة، إلا بأن يكون الله وحده هو ٤ معبودهما ومعبود ما حولاه وسكن فيهما.
فلو كان للعالم إلهان لفسد نظامه غاية الفساد، فإن كل إله كان يطلب مغالبة الآخر، والعلو عليه، وتفرده دونه بالإلهية؛ إذ الشرك نقص ينافي كمال الإلهية، والإله لا يرضى لنفسه أن يكون إلها ناقصا.
فإن قهر أحدهما الآخر كان هو الإله وحده، والمقهور ليس بإله.
وإن لم يقهر أحدهما الآخر لزم عجز كل منهما ونقصه، ولم يكن تام الإلهية، فيجب أن يكون فوقهما إله قاهر لهما، حاكم عليهما، وإلا ذهب كل منهما بما خلق، وطلب كل منهما العلو على الآخر.
وفي ذلك فساد أمر ٥ السماوات والأرض ومن فيهما ٦، كما هو المعهود من فساد البلد إذا كان فيه ملكان متكافئان ٧، وفساد الزوجة إذا كان لها

بعلان، والشول ١ إذا كان فيه ٢ فحلان.

وأصل فساد العالم إنما هو من اختلاف الملوك والخلفاء.
ولهذا لم يطمع أعداء الإسلام فيه في زمن من الأزمنة إلا في زمن تعدد ملوك المسلمين واختلافهم وانفراد كل ٣ منهم ببلاد، وطلب بعضهم العلو على بعض.

فصلاح السماوات والأرض ٤ واستقامتهما وانتظام أمر المخلوقات على أتم نظام من أظهر الأدلة على أنه لا إله إلا الله ٥ وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأن كل معبود من لدن عرشه ٦ إلى قرار أرضه باطل إلا وجهه الأعلى.

قال تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (٩١) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (٩٢)﴾ [المؤمنون: ٩١، ٩٢] ٧.

وقال تعالى: ﴿أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (٢١) لو كان فيهما

آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (٢٢) لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٢، ٢٣].

وقال تعالى: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (٤٢)﴾ [الإسراء: ٤٢].

فقيل: المعنى: لابتغوا السبيل إليه بالمغالبة والقهر، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض.
ويدل عليه قوله في الآية الأخرى: ﴿ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (٩١)﴾ [المؤمنون: ٩١].

قال شيخنا ١: والصحيح أن المعنى: لابتغوا إليه سبيلا بالتقرب إليه وطاعته، فكيف تعبدونهم من دونه، وهم لو كانوا آلهة كما تقولون لكانوا عبيدا له؟

قال: ويدل على هذا وجوه:

منها: قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧].
أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم ٢ عبادي، كما أنتم عبادي ٣، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، فلماذا تعبدونهم دوني؟ ٤.

الثاني: أنه سبحانه لم يقل: لابتغوا عليه سبيلا، بل قال: لابتغوا

إليه سبيلا.
وهذا اللفظ إنما يستعمل في التقرب، كقوله تعالى: ﴿اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة: ٣٥].
وأما في المغالبة وإنما يستعمل بعلى كقوله: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ [النساء: ٣٤].

الثالث: أنهم لم يقولوا: إن آلهتهم تغالبه وتطلب العلو عليه، وهو سبحانه قد قال: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون﴾ [الإسراء: ٤٢]، وهم إنما كانوا يقولون: إن آلهتهم تبتغي التقرب إليه، وتقربهم زلفى إليه، فقال: لو كان الأمر كما تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدا له، فلماذا تعبدون عبيده من دونه؟

فصل

والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام، سواء كانت محمودة أو مذمومة، نافعة أو ضارة، من الذوق، والوجد ١، والحلاوة، والشوق، والأنس، والاتصال بالمحبوب والقرب منه، والانفصال عنه والبعد منه، والصد والهجران، والفرح والسرور، والبكاء والحزن، وغير ذلك من أحكامها ولوازمها.

والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه وآخرته، وهذه المحبة هي عنوان سعادته والضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضره في دنياه وآخرته، وهي عنوان شقاوته ٢.

ومعلوم أن الحي العاقل لا يختار محبة ما يضره ويشقيه، وإنما يصدر ذلك عن جهل وظلم، فإن النفس قد تهوى ما يضرها ولا ينفعها

  • وذلك ظلم من الإنسان ١ لنفسه- إما بأن تكون ٢ جاهلة بحال محبوبها بأن تهوى الشيء وتحبه غير عالمة بما في محبته من المضرة، وهذا حال من أتبع هواه بغير علم؛ وإما عالمة بما في محبته من المضرة، لكن تؤثر هواها على علمها؛ وقد تتركب ٣ محبتها من أمرين: اعتقاد فاسد، وهوى مذموم.
    وهذا حال من أتبع الظن وما تهوى الأنفس.

فلا تقع المحبة الفاسدة إلا من جهل واعتقاد فاسد، أو هوى غالب، أو ما تركب من ذلك، وأعان بعضه بعضا، فتتفق شبهة يشتبه ٤ بها الحق بالباطل تزين ٥ له أمر المحبوب، وشهوة تدعوه إلى حصوله.
فيتساعد جيش الشبهة والشهوة على جيش العقل والإيمان، والغلبة لأقواهما.

وإذا عرف هذا، فتوابع كل نوع من أنواع المحبة ٦ له حكم متبوعه ٧.
فالمحبة النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد، توابعها كلها نافعة له، حكمها حكم متبوعها.
فإن بكى نفعه، وإن حزن نفعه، وإن فرح نفعه، وإن انقبض نفعه ٨، وإن انبسط نفعه.
فهو يتقلب

في منازل المحبة وأحكامها في مزيد وربح وقوة.

والمحبة الضارة المذمومة، توابعها وآثارها كلها ضارة لصاحبها، مبعدة له من ربه، كيفما تقلب في آثارها ونزل في منازلها فهو في خسارة وبعد.

وهذا شأن كل فعل تولد عن طاعة ومعصية.
فكل ما تولد عن الطاعة فهو زيادة ١ لصاحبه وقربة ٢، وكل ما تولد عن المعصية فهو خسران لصاحبه وبعد.
قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (١٢٠) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (١٢١)﴾ [التوبة: ١٢٠، ١٢١].

فأخبر سبحانه في الآية الأولى ٣ أن المتولد عن طاعتهم وأفعالهم ٤ يكتب لهم به عمل صالح.
وأخبر في الثانية ٥ أن أعمالهم الصالحة التي باشروها تكتب لهم أنفسها.
والفرق بينهما أن الأول ليس من فعلهم، وإنما تولد عنه فكتب لهم به عمل صالح ٦.
والثاني نفس أفعالهم فكتبت ٧ لهم.

فليتأمل قتيل المحبة هذا الفصل حق التأمل ليعلم ما له وما عليه:

سيعلم يوم العرض أي بضاعة … أضاع وعند الوزن ما كان حصلا ١

فصل

وكما أن المحبة ٢ والإرادة أصل كل فعل كما تقدم، فهي أصل كل دين سواء كان حقا أو باطلا.
فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبة والإرادة أصل ذلك كله.

والدين هو الطاعة والعادة ٣ والخلق.
فهو الطاعة اللازمة الدائمة التي صارت خلقا وعادة.
ولهذا فسر الخلق بالدين في قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم (٤)﴾ [القلم: ٤].

قال الإمام أحمد: عن ابن عيينة، قال ابن عباس: لعلى دين عظيم ٤.

وسئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن ٥.

والدين فيه معنى الإذلال والقهر، وفيه معنى الذل والخضوع

والطاعة.
فلذلك يكون من الأعلى إلى الأسفل، كما يقال: دنته فدان، أي قهرته فذل.
قال الشاعر:

هو دان الرباب إذ كرهوا الـ .... ـدين فأضحوا بعزة وصيال ١

ويكون من الأدنى للأعلى، كما يقال: دنت الله، ودنت لله، وفلان لا يدين الله دينا، ولا يدين الله بدين.
فدان الله أي: أطاع الله وأحبه وخافه.
ودان لله أي: خشع له وخضع وذل وانقاد.

والدين ٢ الباطن لا بد فيه من الحب والخضوع كالعبادة سواء، بخلاف الدين الظاهر ٣ فإنه لا يستلزم الحب، وإن كان فيه انقياد وذل في الظاهر.

وسمى الله سبحانه يوم القيامة "يوم الدين" لأنه اليوم الذي يدين فيه الناس بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر ٤.
وذلك يتضمن جزاءهم وحسابهم، فلذلك فسر بيوم الجزاء ويوم الحساب.

وقال تعالى: ﴿فلولا إن كنتم غير مدينين (٨٦) ترجعونها﴾ ٥ [الواقعة: ٨٦، ٨٧]، أي: هلا تردون الروح إلى مكانها، إن كنتم غير مربوبين ولا مقهورين ٦ ولا مجزيين.

وهذه الآية تحتاج إلى تفسير ١.
فإنها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب، ولا بد أن يكون الدليل مستلزما لمدلوله، بحيث ينتقل الذهن منه إلى المدلول، لما بينهما من التلازم، فكل ملزوم دليل على لازمه، ولا يجب العكس.

ووجه الاستدلال أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربهم، وأنكروا ٢ قدرته وربوبيته وحكمته.
فإما أن يقروا بأن لهم ربا قاهرا لهم، متصرفا فيهم كما يشاء، يميتهم إذا شاء، ويحييهم إذا شاء، ويأمرهم وينهاهم، ويثيب محسنهم ويعاقب مسيئهم؛ واما أن لا يقروا برب هذا شأنه.
فإن أقروا به آمنوا بالبعث والنشور والدين الأموي والجزائي.
وإن أنكروه وكفروا به فقد زعموا أنهم غير مربوبين ولا محكوم عليهم، ولا لهم رب يتصرف فيهم كما أراد، فهلا يقدرون على دفع الموت عنهم إذا جاءهم، وعلى رد الروح إلى مستقرها إذا بلغت الحلقوم؟

وهذا خطاب للحاضرين ٣ عند المحتضر، وهم يعاينون موته.
أي: فهلا تردون روحه إلى مكانها إن كان لكم قدرة وتصرف، ولستم مربوبين ولا مقهورين لقاهر قادر يمضي عليكم أحكامه، وينفذ فيكم أوامره؟

وهذا غاية التعجيز لهم إذ تبين عجزهم عن رد نفس واحدة من مكان

إلى مكان، ولو اجتمع على ذلك الثقلان!

فيا لها من آية دالة على ربوبيته سبحانه، ووحدانيته، وتصرفه في عباده، ونفوذ أحكامه فيهم وجريانها عليهم!

والدين دينان: دين شرعي أمري، ودين حسابي جزائي.
وكلاهما لله وحده، فالدين كله لله أمرا أو جزاء.
والمحبة أصل كل واحد من الدينين.

فإن ما شرعه سبحانه وأمر به يحبه ويرضاه، وما نهى عنه فإنه يكرهه ويبغضه لمنافاته يحبه ويرضاه، فهو يحب ضده.
فعاد دينه الأموي كله ١ إلى محبته ورضاه.
ودين العبد لله ٢ به إنما يقبل إذا كان عن محبة ورضى ٣، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا" ٤.
فهذا الدين قائم بالمحبة، وبسببها شرع، ولأجلها شرع ٥، وعليها أسس.

وكذلك دينه الجزائي، فإنه يتضمن مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وكل من الأمرين محبوب للرب، فإنهما عدله وفضله، وكلاهما من صفات كماله.
وهو سبحانه يحب أسماءه وصفاته، ويحب من يحبها.

وكل واحد من الدينين فهو صراطه المستقيم الذي هو عليه سبحانه، فهو على صراط مستقيم في أمره ونهيه وثوابه وعقابه، كما قال تعالى إخبارا عن نبيه هود أنه قال لقومه: ﴿أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (٥٤) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (٥٥) إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (٥٦)﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].

ولما علم نبي الله أن ربه على صراط مستقيم في خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، وقضائه وقدره، ومنعه وعطائه، وعافيته وبلائه، وتوفيقه وخذلانه، لا يخرج ١ في ذلك عن موجب كماله المقدس الذي تقتضيه أسماؤه وصفاته من العدل، والحكمة، والرحمة والإحسان والفضل، ووضع الثواب في موضعه، والعقوبة في موضعها اللائق بها، ووضع التوفيق والخذلان والعطاء والمنع والهداية والإضلال كل ذلك في أماكنه ومحاله اللائقة به، بحيث يستحق على ذلك كمال الحمد والثناء = أوجب له ذلك العلم والعرفان أن ٢ نادى على رؤوس الملأ من قومه بجنان ثابت وقلب غير خائف بل متجرد لله: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾ ٣.

ثم ٤ أخبر عن عموم قدرته وقهره لكل ما سواه، وذل كل شيء لعظمته، فقال: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾ فكيف أخاف ما ناصيته

بيد غيره، وهو في قبضته وتحت قهره وسلطانه ١ دونه، وهل هذا إلا من ٢ أجهل الجهل وأقبح الظلم!

ثم أخبر أنه سبحانه ٣ على صراط مستقيم، في كل ما ٤ يقضيه ويقدره، فلا يخاف العبد جوره ولا ظلمه، فلا أخاف ما دونه فإن ناصيته بيده، ولا أخاف جوره ولا ظلمه فإنه على صراط مستقيم.
فهو سبحانه ماض في عبده حكمه، عدل فيه قضاؤه، له الملك وله الحمد.

لا يخرج تصرفه في عباده عن العدل والفضل ٥: إن أعطى وأكرم وهدى ووفق، فبفضله ورحمته.
وإن منع وأهان ٦ وأضل وخذل وأشقى، فبعدله وحكمته.
وهو على صراط مستقيم في هذا وهذا ٧.

وفي الحديث الصحيح: "ما أصاب عبدا قط ٨ هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ٩ ربيع قلبي، ونور صدري،

وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي = إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحا ١ " ٢.

وهذا يتناول حكم الرب الكوني والأمري وقضاءه الذي يكون باختيار العبد وغير اختياره، فكلا الحكمين ٣ ماض في عبده، وكلا القضائين عدل فيه.
فهذا الحديث مشتق من هذه الآية، بينهما أقرب نسب ٤.

فصل

ونختم ٥ الجواب بفصل يتعلق بعشق الصور، وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة، وإن كانت أضعاف ما يذكره ذاكر، فإنه يفسد القلب بالذات.
وإذا فسد فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، وفسد نفس التوحيد ٦ كما تقدم، وكما سنقرره أيضا إن شاء الله.

والله سبحانه إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس، وهما اللوطية والنساء.
فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودته وكادته به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره الله عليه.
فإن موافقة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي ها هنا في غاية القوة،

وذلك من وجوه ١:

أحدها: ما ركبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة كما يميل العطشان إلى الماء ٢ والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء.
وهذا لا يذم إذا صادف حلا بل يحمد، كما في كتاب الزهد للإمام أحمد ٣ من حديث

يوسف بن عطية الصفار، عن ثابت ١ عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن".

الثاني: أن يوسف عليه السلام كان شابا، وشهوة الشباب وحدته أقوى.

الثالث: أنه كان عزبا ليس له زوجة ولا سرية تكسر شدة الشهوة ٢.

الرابع: أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى له في وطنه بين أهله ومعارفه.

الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث إن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها ٣.

السادس: أنها غير ممتنعة ولا آبية، فإن ٤ كثيرا من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها، يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها.
وكثير من الناس يزيده الإباء والامتناع إرادة وحبا، كما قال الشاعر:

وزادني كلفا في الحب أن منعت … أحب شيء إلى الإنسان ما منعا ٥

فطباع الناس مختلفة في ذلك، فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها، ويضمحل عند إبائها وامتناعها.

وأخبرني بعض القضاة أن إرادته وشهوته تضمحل ١ عند امتناع امرأته أو سريته ٢ وإبائها بحيث لا يعاودها.
ومنهم من يتضاعف حبه وإرادته بالمنع، وتشتد شهوته ٣ كلما منع، ويحصل له من اللذة بالظفر نظير ما يحصل ٤ من لذة بالظفر بالصيد ٥ بعد امتناعه ونفاره، واللذة بإدراك المسألة بعد استعصائها ٦ وشدة الحرص على إدراكها.

السابع: أنها طلبت وأرادت وراودت ٧ وبذلت الجهد، فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه.

الثامن: أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها بحيث ٨ يخشى إن لم يطاوعها من أذاها له؛ فاجتمع داعي الرغبة والرهبة.

التاسع: أنه لا يخشى أن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها، فإنها هي ٩ الطالبة والراغبة، وقد غلقت الأبواب، وغيبت الرقباء.

العاشر: أنه كان في الظاهر مملوكا لها في الدار بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها ولا ينكر عليه، فكان ١ الإنس سابقا على الطلب، وهو من أقوى الدواعي؛ كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب ٢: ما حملك على الزنى؟ قالت: "قرب الوساد، وطول السواد" ٣.
تعني قرب وساد الرجل من وسادي ٤، وطول السواد بيننا.

الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، فأرته إياهن، وشكت حالها إليهن، لتستعين بهن عليه؛ فاستعان هو بالله عليهن، فقال: ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (٣٣)﴾ [يوسف: ٣٣].

الثاني عشر: أنها تواعدته ٥ بالسجن والصغار.
وهذا نوع إكراه، إذ هو ٦ تهديد ممن يغلب ٧ على الظن وقوع ما هدد به، فيجتمع ٨ داعي الشهوة وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار.

الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر منه من الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما، ويبعد كلا منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما قابلهما به أن قال ليوسف: ﴿أعرض عن هذا﴾.
وللمرأة: ﴿واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (٢٩)﴾ [يوسف: ٢٩] وشدة الغيرة في الرجل من أقوى الموانع، وهذا لم يظهر منه غيرة.

ومع هذه الدواعي كلها، فآثر مرضاة الله وخوفه، وحمله حبه لله على أن اختار السجن ١ على الزنى، فقال: ﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني﴾ [يوسف: ٣٣]، وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرفه ٢ عنه صبأ إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين.
وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه.

وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة ٣، لعلنا إن وفق ٤ الله أن نفردها في مصنف مستقل ٥.

فصل

والطائفة الثانية الذين حكى ٦ عنهم العشق هم ٧ اللوطية، كما قال تعالى: ﴿وجاء أهل المدينة يستبشرون (٦٧) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (٦٨)

جارٍ التحميل