الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)صفحات 257-264

فصل

ومن عقوباتها: أنها تستجلب مواد هلاك العبد في دنياه وآخرته.

فإن الذنوب هي أمراض متى استحكمت قتلت، ولابد.
وكما أن البدن لا يكون صحيحا إلا بغذاء يحفظ قوته، واستفرغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، وحمية يمتنع بها من تناول ما يؤذيه ويخشى ضرره؛ فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة يحفظ قوته، واستفرغ بالتوبة النصوح يستفرغ ١ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة منه، وحمية توجب له حفظ الصحة وتجنب ما يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة.
والتقوى اسم متناول ٢ لهذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره.

وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية، وتوجب التخليط المضاد للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح.

فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط الرديئة ٣ ومواد المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها، كيف تكون صحته وبقاؤه؟ ولقد أحسن ٤ القائل:

جسمك بالحمية حصنته … مخافة من ألم طاري

وكان أولى بك أن تحتمي … من المعاصي خشية النار ١

فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهي، واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح = لم يدع للخير مطلبا، ولا من الشر مهربا.
والله المستعان.

فصل

فإن لم ترعك ٢ هذه العقوبات، ولم تجد ٣ لها تأثيرا في قلبك، فأحضره ٤ العقوبات الشرعية التي شرعها الله ورسوله على الجرائم، كما قطع اليد في سرقة ثلاثة دراهم، وقطع اليد والرجل في قطع الطريق على معصوم المال والنفس.
وشق الجلد بالسوط على كلمة قذف لمحصن، أو قطرة خمر يدخلها جوفه.
وقتل بالحجارة أشنع قتلة في إيلاج الحشفة في فرج حرام، وخفف هذه العقوبة عمن لم يتم عليه نعمة الإحصان بمائة جلدة ونفي سنة عن وطنه وبلده إلى بلاد الغربة.
وفرق بين رأس العبد وبدنه إذا وقع على ذات رحم محرم منه ٥، أو ترك الصلاة المفروضة، أو تكلم بكلمة كفر.
وأمر بقتل من وطئ ذكرا مثله

وقتل المفعول به.
وأمر بقتل من أتى بهيمة وقتل البهيمة معه.
وعزم على تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة.
وغير ذلك من العقوبات التي رتبها على الجرائم، وجعلها بحكمته على حسب الدواعي إلى تلك الجرائم ١، وحسب الوازع عنها.

فما كان الوازع عنه طبيعيا ٢ وليس في الطباع داع إليه اكتفى فيه بالتحريم مع التعزير ولم يرتب عليه حدا كأكل الرجيع، وشرب الدم، وأكل الميتة.
وما كان في الطباع داع إليه رتب عليه من العقوبة بقدر مفسدته وبقدر داعي الطبع إليه ٣.

ولهذا لما كان داعي الطباع إلى الزنى من أقوى الدواعي كانت عقوبته العظمى أشنع القتلات ٤ وأعظمها، وعقوبته السهلة أعلى أنواع الجلد مع زيادة التغريب.
ولما كان اللواط فيه الأمران كان حده القتل بكل حال.
ولما كان داعي السرقة قويا، ومفسدتها كذلك، قطع فيها ٥ اليد.

وتأمل حكمته في إفساد العضو الذي باشر به الجناية، كما أفسد على قاطع الطريق يده ورجله اللتين هما آلة قطعه، ولم يفسد على القاذف لسانه الذي جنى به، إذ مفسدة قطعه تزيد على مفسدة الجناية ولا تبلغها، فاكتفى من ذلك بإيلام جميع بدنه بالجلد.

فإن قيل: فهلا أفسد على الزاني فرجه الذي باشر به المعصية؟ قيل ١: لوجوه:

أحدها: أن مفسدة ذلك تزيد على مفسدة الجناية، إذ فيه قطع النسل وتعريضه للهلاك.

الثاني: أن الفرج عضو مستور لا يحصل بقطعه مقصود الحد من الردع والزجر لأمثاله من الجناة، بخلاف قطع اليد.

الثالث: أنه إذا قطع يده أبقى له يدا أخرى تعوض عنها، بخلاف الفرج.

الرابع: أن لذة الزنى عمت جميع البدن، فكان الأحسن أن تعم العقوبة جميع البدن، وذلك أولى من تخصيصها ببضعة منه.

فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه، وأوفقها للعقل، وأقومها بالمصلحة.

والمقصود أن الذنوب إما أن تترتب ٢ عليها العقوبات الشرعية أو القدرية ٣، أو يجمعهما الله للعبد، وقد يرفعهما ٤ عفن تاب وأحسن.

فصل

وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية.
فإذا أقيمت الشرعية ٥

رفعت العقوبات القدرية أو خففتها.
ولا يكاد الرب تعالى يجمع على عبده ١ بين العقوبتين، إلا إذا لم تف إحداهما برفع موجب الذنب ولم تكف في زوال دائه ٢.

وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت دونها، ولكنها تعم، والشرعية تخص، فإن الرب تبارك وتعالى لا يعاقب شرعا إلا من باشر الجناية أو تسبب إليها.
وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة، فإن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة.
وإذا رأى الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمهم الله بعقابه.

وقد تقدم أن العقوبة الشرعية شرعها الله سبحانه على قدر مفسدة الذنب وتقاضي الطبع له ٣، وجعلها سبحانه ثلاثة أنواع: القتل، والقطع، والجلد.
وجعل القتل بإزاء الكفر وما يليه ويقرب منه، وهو الزنا واللواط، فإن هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد الإنساب ونوع الإنسان.

قال الإمام أحمد: لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزنى ٤، واحتج بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال: يا رسول الله أي الذنب أعظم ٥؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك".
قال: قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني

بحليلة جارك.
فأنزل الله سبحانه تصديقها: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ [الفرقان: ٦٨] ١.

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر من كل نوع أعلاه، ليطابق جوابه سؤال السائل، فإنه سأله عن أعظم الذنب، فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعها، وما هو أعظم كل نوع.

فأعظم أنواع الشرك: أن يجعل العبد لله ندا.

وأعظم أنواع القتل: أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه.

وأعظم أنواع الزنى: أن يزني بحليلة جاره، فإن مفسدة الزنى تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من الحق.

فالزنى ٢ بالمرأة التي لها زوج أعظم إثما وعقوبة من التي لا زوج لها، إذ فيه انتهاك حرمة الزوج، وإفساد فراشه، وتعليق نسب عليه لم يكن منه، وغير ذلك من أنواع أذاه.
فهو أعظم إثما وجرما من الزنى بغير ذات البعل.

فإن كان زوجها جارا له انضاف إلى ذلك ٣ سوء الجوار وأذى

جاره ١ بأعلى أنواع الأذى، وذلك من أعظم البوائق.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" ٢.
ولا بائقة أعظم من الزنى بامرأته، فالزنى بمائة امرأة لا زوج لها أيسر عند الله من الزنى بامرأة الجار.

فإن كان الجار أخا له أو قريبا من أقاربه انضم إلى ذلك قطيعة الرحم، فيتضاعف ٣ الإثم.

فإن كان الجار غائبا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد تضاعف الإثم، حتى إن الزاني بامرأة المغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة، ويقال ٤: خذ من حسناته ما شئت.
قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم: "فما ظنكم؟ " ٥ أي ما ظنكم أن ٦ يترك له من حسنات؟ قد حكم في أن يأخذ منها ما شاء، على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة، حيث لا يترك

الأب لابنه ولا الصديق لصديقه حقا يجب له ١ عليه.

فإن اتفق أن تكون المرأة رحما منه انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها.

فإن اتفق أن يكون الزاني محصنا كان الإثم أعظم، فإن كان شيخا كان أعظم إثما ٢، وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ٣.

فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام، أو بلد حرام، أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلاة وأوقات الإجابة = تضاعف الإثم.

وعلى هذا فاعتبر مفاسد الذنوب، وتضاعف درجاتها في الإثم والعقوبة.
والله المستعان.

فصل

وجعل سبحانه القطع بإزاء إفساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه؛ لأنه يأخذ المال في اختفاء، وينقب الدور، ويتسور من غير الأبواب، فهو كالسنور أو الحية ٤ التي تدخل عليك من حيث لا تعلم.
فلم ترتفع مفسدة سرقته إلى القتل، ولا تندفع بالجلد، فأحسن ما دفعت به مفسدته إبانة العضو الذي يتسلط به على الجناية.

وجعل الجلد بإزاء إفساد العقول ١ وتمزيق الأعراض بالقذف.

فدارت عقوباته -سبحانه- الشرعية على هذه الأنواع الثلاثة، كما دارت الكفارات على ثلاثة أنواع: العتق وهو أعلاها، والإطعام، والصيام.

ثم إنه سبحانه جعل

٣ - الجلد في إفساد العقود وتمزيق الأعراض بالقذف

قسما ٢ فيه الحد، فهذا لم يشرع فيه كفارة، اكتفاء بالحد.

وقسما لم يرتب عليه حدا، فشرع فيه الكفارة كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام، والظهار، وقتل الخطأ، والحنث في اليمين، وغير ذلك.

وقسما لم يرتب عليه حدا ولا كفارة، وهو نوعان:

أحدهما: ما كان الوازع عنه طبعيا كأكل العذرة، وشرب البول والدم.

والثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رتب عليه الحد كالنظر، والقبلة، واللمس، والمحادثة، وسرقة فلس، ونحو ذلك.

وشرع

جارٍ التحميل