الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)مقدمة التحقيق

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد فإن هذا الكتاب الذي اشتهر بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، وطبع مرات باسم "الداء والدواء"، من أنفع الكتب في تهذيب النفوس، واستثارتها للكف عن المعاصي والتوبة النصوح.

وقد أفرد لمعالجة مرض من أخطر أمراض القلوب، "مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، وإذا تمكن واستحكم عز على الأطباء دواؤه، وأعيا العليل داؤه".
وهو مرض العشق الذي قال فيه

الشاعر:

الحب داء عضال لا دواء له … يحار فيه الأطباء النحارير

قد كنت أحسب أن العاشقين غلوا … في وصفه فإذا بالقوم تقصير

ومؤلفه رحمه الله من أطباء القلوب البارعين الذين لا يرجعون في مداواتهم لأمراض القلوب إلى حكماء اليونان، وإنما يصدرون عن كتاب الله الحكيم، الذي فيه هدى وموعظة وشفاء لما في الصدور، وسنة

رسول الله الذي إنما بعث لتعليم الناس الكتاب والحكمة، وإصلاح عقيدتهم وسلوكهم، وتزكية نفوسهم، وهدايتهم لمراشد الأمور، فكانت الجماعة التي تخرجت على يديه خير أمة أخرجت للناس، لم يعرف في التاريخ البشري لها نظير.

وكان أصل الكتاب استفتاء ورد على المؤلف، فسئل عن رجل ابتلي ببلية إن استمرت به أفسدت دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما تزداد إلا توقدا وشدة.
ونظر المجيب إلى الحالة المستعصية، وعموم البلوى، فرأى أن التفصيل أولى في هذا المقام من الإيجاز، ومقتضى النصح للسائل والشفقة عليه وعلى أمثاله أن يستوعب القول في أسباب المرض وعواقبه الوخيمة، وأن يرشد إلى طرق الوقاية وسبل الخلاص.
فكتب فصولا نفيسة في الدعاء وشروط قبوله والأسباب المانعة من ترتب أثره، وفي الفرق بين حسن الظن بالله والاغترار برحمته، وفي أضرار المعاصي وآثارها في حياة الأفراد والأمم وعقوباتها في الدنيا والآخرة، وحقيقة التعبد لله والإشراك به، والسر في كون الشرك لا يغفر من سائر الذنوب، ومضادة عشق الصور للتوحيد، ومفاسده الأخرى العاجلة والآجلة، وهكذا أصبح الجواب عن ذلك السؤال كتابا مفصلا.

ولئن كان المجتمع الذي عاش فيه المؤلف رحمه الله بحاجة إلى هذا الكتاب، على ما فيه من تمسك بالدين ومحافظة على الأخلاق والآداب = إن مجتمعاتنا إليه لأحوج، إذ صارت تمور بأسباب الفساد، بعد ما نجح الغواة في كثير من البلدان الإسلامية في استدراج المرأة المسلمة تحت شعارات خادعة إلى نزع الحجاب والاختلاط بالرجال فصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا.
ثم تفنن إخوان الشياطين في إيجاد وسائل جديدة لإثارة الغريزة الجنسية وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فقد علموا أن الانحلال الخلقي هو أقرب طريق إلى تدمير الأمة، والله المستعان.

وقد صدر الكتاب قديما في الهند سنة ١٣٥٧ هـ، ثم طبع في مصر،

وتوالت بعد ذلك طبعاته.
وكان منها طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله، الذي اعتمد فيها على نسخة خطية من القرن الثالث عشر.
ثم صدرت طبعات أخر، اعتمد في كل منها -زعموا- على نسخة واحدة متأخرة أو غير صالحة للاعتماد عليها.
وقد بذل أصحابها جهدا مشكورا في تصحيحها وتخريج أحاديثها وحسن إخراجها، غير أنها جميعا لم يتبع فيها المنهج العلمي المعروف في تحقيق النصوص.

أما هذه الطبعة التي بين أيديكم، فهي صادرة عن أربع نسخ خطية من القرن الثامن، وقد كتبت إحداها بعد وفاة المؤلف رحمه الله بتسع عشرة سنة، مع الاستئناس بنسختين من القرن الثاني عشر.
وقد عني فيها بتحرير متن الكتاب عناية بالغة، بالإضافة إلى التوثيق والتخريج والفهارس الوافية المتنوعة.

وقد أعددت دراسة للكتاب تشتمل على توثيق نسبة الكتاب، وتحقيق عنوانه، وتحليل مباحثه، وتفصيل موارده، ووصف النسخ المعتمدة في هذه الطبعة، والمنهج الذي أتبع في إعدادها.

وبعد، فإني أحمد الله عز وجل على أن وفق لإخراج هذه النشرة العلمية من الكتاب، وهو المسؤول أن يتقبل هذا العمل، وينفع به، ويبارك فيه.
ورضي الله عن مؤلفه الإمام ابن قيم الجوزية، وأعلى درجاته في جنات النعيم.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

محمد أجمل أيوب الإصلاحي الرياض

٩ جمادى الأولى ١٤٢٨ هـ

جارٍ التحميل