الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)الدعاء من أقوى الأسباب.

فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال! وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب.

ولما كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الأمة بالله ورسوله، وأفقههم في دينه، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم.
وكان عمر بن الخطاب ٢ رضي الله عنه يستنصر به على عدوه، وكان ٣ أعظم جنديه ٤، وكان يقول للصحابة ٥: لستم تنصرون بكثرة، وإنما تنصرون من السماء ٦.

وكان يقول: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء.
فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه ٧.

وأخذ الشاعر هذا، فنظمه، فقال:

لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه … من جود كفك ما عودتني الطلبا ١

فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة، فإن الله سبحانه يقول: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] وقال: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٦].

وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من لم يسأل الله يغضب عليه" ٢.

وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته.
وإذا رضي الرب تبارك وتعالى فكل ٣ خير في رضاه، كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه.

وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد ٤ أثرا ٣: "أنا الله، لا إله إلا أنا، إذا رضيت باركت، وليس لبركتي منتهى ٦.
وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد".

وقد ٧ دل العقل والنقل والفطر وتجارب الأمم -على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها- على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى خلقه، من أعظم الأسباب الجالبة لكل

خير.
وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر.
فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل طاعته والتقرب إليه، والإحسان إلى خلقه.

وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة ١ وحصول الشرور في الدنيا والآخرة ٢ في كتابه على الأعمال، ترتيب ٣ الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب.

وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع ٤.

فتارة يرتب الحكم الخبري الكوني والأمري ٥ الشرعي على الوصف المناسب له، كقوله تعالى: ﴿فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (١٦٦)﴾ [الأعراف: ١٦٦]، وقوله: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم﴾ [الزخرف: ٥٥]، وقوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨] وقوله: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ إلى قوله.
﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ [الأحزاب: ٣٥] وهذا كثير جدا.

وتارة يرتبه عليه بصيغة الشرط والجزاء، كقوله: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقوله: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: ١١] وقوله: ﴿وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (١٦)﴾ [الجن: ١٦]، ونظائره.

وتارة يأتي بلام التعليل، كقوله: ﴿ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب (٢٩)﴾ [ص: ٢٩] وقوله: ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة: ١٤٣].

وتارة يأتي بأداة (كي) التي للتعليل، كقوله: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ [الحشر: ٧].

وتارة يأتي بباء السببية كقوله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت أيديكم﴾ [آل عمران: ١٨٢، والأنفال: ٥١] وقوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾ [الأعراف: ٤٣] ١ و﴿بما كانوا يكسبون﴾ [الأنعام: ١٢٩] ٢ وقوله: ﴿ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا﴾ ٣ [الأعراف: ١٤٦].

وتارة يأتي بالمفعول لأجله ظاهرا أو محذوفا ١، كقوله: ﴿فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾ [الأنعام: ١٥٦] أي كراهة أن تقولوا.

وتارة يأتي بفاء السببية، كقوله: ﴿فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (١٤)﴾ [الشمس: ١٤] وقوله: ﴿فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (١٠)﴾ [الحاقة: ١٠] وقوله: ﴿فكذبوهما فكانوا من المهلكين (٤٨)﴾ [المؤمنون: ٤٨]، ونظائره.

وتارة يأتي بأداة (لما) الدالة على الجزاء، كقوله: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم﴾ [الزخرف: ٥٥]، ونظائره.

وتارة يأتي بإن وما عملت فيه، كقوله: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقوله في ضد هؤلاء: ﴿إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (٧٧)﴾ [الأنبياء: ٧٧].

وتارة يأتي بأداة (لولا) الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها، كقوله: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين (١٤٣) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤].

وتارة يأتي بـ (لو) الدالة على الشرط، كقوله: ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم﴾ [النساء: ٦٦]

وبالجملة، فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب ١ الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب ٢ أحكام الدنيا ٣ والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال.

ومن فقه ٤ هذه المسألة، وتأملها حق التأمل، انتفع بها غاية النفع، ولم يتكل ٥ على القدر جهلا منه وعجزا وتفريطا وإضاعة، فيكون توكله عجزا، وعجزه توكلا.

بل الفقيه كل الفقيه الذي يرد القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر، بل لا يمكن الإنسان يعيش ٦ إلا بذلك، فإن الجوع والعطش والبرد وأنول المخاوف والمحاذير هي من القدر، والخلق كلهم ساعون ٧ في دفع هذا القدر بالقدر ٨.

وهكذا ٩، من وفقه الله، وألهمه رشده، يدفع قدر العقوبة ١٠

الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة، فهذا وزان القدر المخوف في الدنيا وما يضاده سواء ١.
فرب الدارين واحد، وحكمته واحدة، لا يناقض بعضها بعضا، ولا يبطل بعضها بعضا.

فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها، ورعاها حق رعايتها، والله المستعان.

لكن يبقى عليه أمران، بهما تتم سعادته وفلاحه:

أحدهما؛ أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير، ويكون له بصيرة في ذلك بما يشاهده ٢ في العالم، وما جربه في نفسه وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديما وحديثا.

ومن أنفع ما في ذلك تدبر القرآن، فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه، وفيه أسباب الشر والخير ٣ جميعا مفصلة مبينة.
ثم السنة، فإنها شقيقة القرآن، وهي الوحي الثاني.
ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما عن غيرهما، وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما، حتى كأنك تعاين ذلك عيانا.

وبعد ذلك إذا تأملت أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة، ورأيت تفاصيل ٤ ما أخبر الله به ووعد به ٥، وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلك على أن

القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن الله ينجز وعده لا محالة.
فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله به ١ من الأسباب الكلية للخير والشر.

فصل

والأمر الثاني ٢: أن يحذر مغالطة نفسه له ٣ على هذه الأسباب.
وهذا من أهم الأمور، فإن العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه ٤ وآخرته، ولا بد، ولكن تغالطه نفسه ٥ بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة، وبالتسويف بالتوبة تارة، وبالاستغفار باللسان تارة، وبفعل المندوبات تارة، وبالعلم تارة، وبالاحتجاج بالقدر تارة، وبالاحتجاج بالأشباه والنظراء والاقتداء ٦ بالأكابر تارة.

وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل، ثم قال: "أستغفر الله" زال أثر الذنب، وراح هذا بهذا!

وقال لي رجل من المنتسبين إلى الفقه: أنا أفعل ما أفعل، ثم أقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة، وقد غفر ذلك أجمعه، كما صح عن النبي

صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من قال في يوم: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ١، ولو كانت مثل زبد البحر" ٢.

وقال لي آخر من أهل مكة: نحن أحدنا إذا فعل ما فعل اغتسل ٣ وطاف ٤ بالبيت أسبوعا ٣، وقد محيي عنه ذلك.

وقال لي آخر: قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أذنب عبد ذنبا، فقال: أي رب أصبت ذنبا فاغفره لي، فغفر له ٦.
ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا آخر، فقال: أي رب أصبت ذنبا، فاغفره لي، فغفره له.
ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا آخر، فقال: أي رب أصبت ذنبا، فاغفره لي ٧.
فقال الله عز وجل: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به.

قد غفرت لعبدي، فليصنع ما شاء! " ٨.

قال: وأنا لا أشك أن لي ربا يغفر الذنب، ويأخذ به.

وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص الرجاء، واتكل عليها، وتعلق بها ١ بكلتا يديه.
وإذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغفرته ونصوص الرجاء.

وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب، كقول بعضهم:

وكثر ما استطعت من الخطايا … إذا كان القدوم على كريم ٢

وقول الآخر: التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله!

وقول الآخر ٣: ترك الذنوب جراءة على مغفرة الله، واستصغار لها!

وقال أبو محمد بن حزم: رأيت بعض هؤلاء يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من العصمة!

ومن هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبر، وأن العبد لا فعل له البتة ولا اختيار، وإنما هو مجبور على فعل المعاصي.

ومن هؤلاء من يغتر بمسألة الإرجاء، وأن الإيمان هو مجرد التصديق، والأعمال ليست من الإيمان، وإيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل.

ومن هؤلاء من يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين، وكثرة التردد إلى قبورهم، والتضرع إليهم، والاستشفاع بهم، والتوسل إلى الله بهم، وسؤاله بحقهم عليه وحرمتهم عنده.

ومنهم من يغتر بآبائه وأسلافه، وأن لهم عند الله مكانة وصلاحا؛ فلا يدعون ١ أن يخلصوه، كما يشاهد في حضرة الملوك، فإن الملوك تهب لخواصهم ذنوب أبنائهم وأقاربهم، وإذا وقع أحد منهم في أمر مفظع خلصه أبوه وجده بجاهه ومنزلته.

ومنهم من يغتر بأن الله عز وجل غنى عن عذابه، وأن عذابه ٢ لا يزيد في ملكه شيئا، ورحمته له لا ينقص من ملكه شيئا، فيقول: أنا مضطر إلى رحمته، وهو أغنى الأغنياء ٣.
ولو أن فقيرا مسكينا، مضطرا ٤ إلى شربة ماء، عند من في داره شط يجري، لما منعه منها؛ فالله أكرم وأوسع، فالمغفرة لا تنقصه شيئا، والعقوبة لا تزيد ٥ في ملكه شيئا.

ومنهم من يغتر بفهم فاسد فهمه ١ هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة ٢، فاتكلوا عليه، كاتكال بعضهم على قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى (٥)﴾ [الضحى: ٥] قالوا ٣: وهو لا يرضى أن يكون في النار أحد ٤ من أمته! وهذا من أقبح الجهل، وأبين الكذب عليه.
فإنه يرضى بما يرضي ٥ ربه عز وجل، والله تعالى يرضيه تعذيب الظلمة والفسقة والخونة والمصرين على الكبائر.
فحاشا رسوله أن لا يرضى مما يرضى به ربه ٦ تبارك وتعالى.

وكاتكال بعضهم على قوله تعالى: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾.
وهذا أيضا من أقبح الجهل.
فإن الشرك داخل في هذه الآية، فإنه رأس الذنوب وأساسها، ولا خلاف أن هذه الآية في حق التائبين، فإنه يغفر كل ذنب للتائب ٧، أي ذنب كان ٨.
ولو كانت الآية في حق غير التائبين ٩ لبطلت نصوص الوعيد كلها، وأحاديث إخراج

قوم من الموحدين ١ من النار بالشفاعة.

وهذا إنما أتي صاحبه من قلة علمه وفهمه، فإنه سبحانه ههنا عمم وأطلق فعلم أنه أراد التائبين.
وفي سورة النساء خصص وقيد، فقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، فأخبر سبحانه أنه لا يغفر ٢ الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه.
ولو كان هذا في

حق التائب لم يفرق بين الشرك وغيره ٣.

وكاغترار بعض الجهال بقوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (٦)﴾ ٤ [الانفطار: ٦] فيقول: كرمه! وقد يقول بعضهم: إنه لقن المغتر حجته، وهذا جهل قبيح.
وإنما غره بربه الغرور -وهو الشيطان- ونفسه الأمارة بالسوء، وجهله، وهواه.

وأتى سبحانه بلفظ "الكريم"، وهو السيد العظيم المطاع ٥ الذي لا ينبغي الاغترار به ولا إهمال حقه، فوضع هذا المغتر الغرور في غير موضعه، واغتر بمن لا ينبغي الاغترار به.

وكاغترار بعضهم بقوله تعالى في النار: ﴿لا يصلاها إلا الأشقى (١٥) الذي كذب وتولى (١٦)﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿أعدت للكافرين﴾ [البقرة: ٢٤].
ولم يدر هذا المغتر أن قوله: ﴿فأنذرتكم نارا تلظى (١٤)﴾ [الليل: ١٤] هو لنار

مخصوصة من جملة دركات جهنم.
ولو كانت جميع جهنم، فهو سبحانه لم يقل: "لا يدخلها"، بل قال: ﴿لا يصلاها إلا الأشقى﴾ ولا يلزم ١ من عدم صليها عدم دخولها، فإن الصلي أخص من الدخول، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.

ثم إن هذا المغتر لو تأمل الآية التي بعدها لعلم أنه غير داخل فيها، فلا يكون مضمونا له أن يجنبها.

وأما قوله في النار: ﴿أعدت للكافرين﴾ [البقرة: ٢٤]، فقد قال في الجنة: ﴿أعدت للمتقين (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ولا ينافي إعداد النار للكافرين أن تدخلها الفساق والظلمة، ولا ينافي إعداد الجنة للمتقين أن يدخلها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، ولم يعمل خيرا قط.

وكاتكال ٢ بعضهم على صوم يوم عاشوراء، أو يوم عرفة ٣، حتى يقول بعضهم: يوم عاشوراء ٤ يكفر ذنوب العام ٥ كلها، ويبقى صوم يوم عرفة ٦ زيادة في الأجر ٧.
ولم يدر هذا المغتر أن صوم رمضان

والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، وهي إنما تكفر ما بينها ١ إذا اجتنبت الكبائر ٢.

فرمضان [إلى رمضان] ٣ والجمعة إلى الجمعة لا يقوى على تكفير الصغائر الله مع انضمام ترك الكبائر إليها، فيقوى مجموع الأمرين ٤ على تكفير الصغائر.
فكيف يكفر صوم يوم تطوع كل كبيرة عملها العبد، وهو مصر عليها، غير تائب منها؛ هذا محال، على أنه لا يمتنع أن يكون صوم يوم عرفة ٥ ويوم عاشوراء مكفرا لجميع ذنوب العام على عمومه، ويكون من نصوص الوعد ٦ التي لها شروط وموانع، ويكون إصراره على الكبائر مانعا من التكفير.
فإذا لم يصر على الكبائر تساعد الصوم وعدم الإصرار وتعاونا على عموم التكفير، كما كان رمضان والصلوات

الخمس مع اجتناب الكبائر متساعدين متعاونين على تكفير الصغائر، مع أنه سبحانه قد قال ١: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١].

فعلم أن جعل الشيء سببا للتكفير لا يمنع ٢ أن يتساعد هو وسبب آخر على التكفير، ويكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه مع انفراد أحدهما، وكلما قويت أسباب التكفير كان أقوى وأتم وأشمل ٣.

وكاتكال بعضهم على قوله صلى الله عليه وآله وسلم حاكيا عن ربه: "أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء" ٤ يعني: ما كان في ظنه، فإني فاعله به ٥.

ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع "الإحسان" فإن المحسن حسن الظن بربه أنه يجازيه ٦ على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته.
وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات، فإن وحشة

المعاصي والظلم والإجرام تمنعه ١ من حسن الظن بربه.
وهذا موجود في الشاهد، فإن العبد الآبق المسيء ٢ الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به ٣.

ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن ٤ أبدا، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته.
وأحسن الناس ظنا بربه أطوعهم له، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن أحسن الظن بربه، فأحسن العمل.
وإن الفاجر أساء الظن بربه، فأساء العمل ٥.

وكيف يكون محسن الظن ٦ بربه من هو شارد عنه، حال مرتحل في مساخطه وما يغضبه ٧، متعرض ٨ للعنته، قد هان حقه وأمره عليه فأضاعه، وهان نهيه عليه فارتكبه، وأصر عليه!

وكيف يحسن الظن به ٩ من بارزه بالمحاربة، وعادى أولياءه، ووالى أعداءه، وجحد صفات كماله، وأساء الظن بما وصف به نفسه

ووصفته به رسله ١، وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر؟.

وكيف يحسن الظن به من يظن ٢ أنه لا يتكلم، ولا يأمر، ولا ينهى، ولا يرضى، ولا يغضب؟

وقد قال تعالى في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات، وهو السر من القول: ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣]، فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيرا مما يعملون، كان هذا إساءة لظنهم برئهم، فأرداهم ذلك الظن.

وهذا شأن كل من جحد صفات كماله ونعوت جلاله ووصفه بما لا يليق به.
فإذا ظن هذا أنه يدخله الجنة كان هذا غرورا وخداعا من نفسه، وتسويلا من الشيطان، لا إحسان ظن بربه ٣.

فتأمل هذا الموضع، وتأمل شدة الحاجة إليه! وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله، وأن الله ٤ يسمع كلامه، ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى عليه خافية من أمره، وأنه ٥ موقوف بين يديه ومسؤول عن كل ما عمل، وهو مقيم على مساخطه، مضيع لأوامره، معطل لحقوقه.
وهو مع هذا محسن الظن ٦

به؟ وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني؟

وقد قال أبو أمامة بن سهل ١ بن حنيف: دخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة رضي الله عنها فقالت: لو ٢ رأيتما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرض له، وكانت عندي ستة دنانير- أو سبعة- فأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أفرقها.
قالت: فشغلني وجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى عافاه الله.
ثم سألني عنها فقال: "ما فعلت؟ أكنت فرقت الستة الدنانير ٣؟ " فقلت: لا، والله لقد كان شغلني ٤ وجعك.
قالت: فدعا بها، فوضعها في كفه، فقال: "ما ظن نبي الله لو لقي الله، وهذه عنده؟ " ٥ وفي لفظ: "ما ظن محمد بربه لو لقي الله، وهذه عنده؟ ".

فيالله! ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه، ومظالم العباد

عندهم؟ فإن كان ينفعهم قولهم: "حسنا ظنوننا بك ١ "، لم يعذب ظالم ولا فاسق ٢.
فليصنع العبد ما شاء، وليرتكب كل ما نهاه الله عنه، وليحسن ظنه بالله، فإن النار لا تمسه! فسبحان الله، ما يبلغ الغرور بالعبد!.

وقد قال إبراهيم لقومه: ﴿أئفكا آلهة دون الله تريدون (٨٦) فما ظنكم برب العالمين (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٦ - ٨٧] أي: فما ٣ ظنكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره؟

ومن تأمل هذا الموضع ٤ حق التأمل علم أن

جارٍ التحميل