الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)من أعظم عقوبات الذنوب: الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة.

من أعظم عقوبات الذنوب: الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة.

فصل

ولما كانت الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها تفاوتت عقوباتها في الدنيا والآخرة بحسب تفاوتها.

ونحن نذكر فيها بعون الله وتوفيقه ٣ فصلا وجيزا جامعا، فنقول:

أصلها نوعان: ترك مأمورا وفعل محظور.
وهما الذنبان اللذان ابتلى الله سبحانه بهما أبوي الجن والإنس.

وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلى ظاهر على الجوارح، وباطن في القلب.

وباعتبار متعلقه إلى حق لله، وحق لخلقه ١.
وإن كان كل حق لخلقه فهو متضمن لحقه ٢، لكن سمي حقا للخلق لأنه يجب بمطالبتهم ويسقط بإسقاطهم.

ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية، وشيطانية، وسبعيه، وبهيمية، ولا تخرج ٣ عن ذلك.

فالذنوب الملكية: أن يتعاطى ما لا يصلح له من صفات الربوبية كالعظمة، والكبرياء، والجبروت، والقهر، والعلو، واستعباد الخلق، ونحو ذلك.

ويدخل في هذا ٤: الشرك بالرب تعالى، وهو نوعان: شرك به في أسمائه وصفاته، وجعل آلهة أخرى ٥ معه.
وشرك به في معاملته، وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار، وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره.

وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب.
ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه وأمره.
فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه ربوبيته وملكه، وجعل له ندا.
وهذا ١ أعظم الذنوب عند الله، ولا ينفع معه عمل.

فصل

وأما الشيطانية، فالتشبه بالشيطان في الحسد، والبغي، والغش والغل، والخداع، والمكر، والأمر بمعاصي الله ٢ وتحسينها، والنهي عن طاعته، وتهجينها، والابتداع في دينه، والدعوة إلى البدع والضلال.

وهذا النوع يلي النوع الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه.

فصل

وأما السبعية، فذنوب العدوان، والغضب، وسفك الدماء، والتوثب على الضعفاء والعاجزين.
ويتولد منها أنواع أذى النوع الإنساني، والجرأة على الظلم والعدوان.

وأما الذنوب البهيمية، فمثل الشره والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج.
ومنها يتولد الزنى، والسرقة، وأكل أموال اليتامى ٣، والبخل والشح، والجبن، والهلع، والجزع، وغير ذلك.

وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعية

والملكية.
ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرهم إليها بالزمام، فيدخلون منه إلى الذنوب السبعية، ثم إلى الشيطانية، ثم إلى منازعة الربوبية والشرك في الوحدانية.

ومن تأمل هذا حق التأمل تبين له أن الذنوب دهليز ١ الشرك، والكفر، ومنازعة الله ربوبيته ٢.

فصل

وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر.
قال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١].
وقال تعالى: (﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ [النجم: ٣٢] ٣.

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ٤: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر" ٥.

وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات: إحداها ٦: أن تقصر عن تكفير الصغائر، لضعفها وضعف

الإخلاص فيها والقيام بحقوقها؛ بمنزلة الدواء الضعيف ١ الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية.

الثانية: أن تقاوم الصغائر، ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر.

الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر، وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر.

فتأمل هذا، فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة.

وفي الصحيحين ٢ عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ٣: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قلنا: بلى يا رسول الله.
قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور".

وفي الصحيحين ٤ عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات".

قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله ٥، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".

وفي الصحيحين ١ عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل: أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو لله ندا، وهو خلقك".
قيل: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك".
قيل ٢: ثم أي؟ قال: "أن تزاني بحليلة جارك".
فأنزل الله تعالى تصديقها: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ [الفرقان: ٦٨].

واختلف الناس في الكبائر، هل ٣ لها عدد يحصرها؟ على قولين.

ثم الذين ٤ قالوا بحصرها اختلفوا في عددها:

فقال عبد الله بن مسعود: هي أربع ٥.

وقال عبد الله بن عمر: هي سبع ٦.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هي تسعة ٧.

وقال غيره: هي أحد عشر ١.

وقال آخر: هي سبعون ٢.

وقال أبو طالب المكي: جمعتها من أقوال الصحابة، فوجدتها: أربعة في القلب، وهي: الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله.
وأربعة في اللسان، وهي: شهادة

الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر.
وثلاث ٣ في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا.
واثنان في الفرج، وهما: الزنا، واللواطة.
واثنان في اليدين، وهما: القتل، والسرقة.

وواحد في الرجلين، وهو الفرار من الزحف.
وواحد يتعلق بجميع الجسد وهو عقوق الوالدين ٤.

والذين لم يحصروها بعدد، منهم من قال: كل ما نهى الله ٥ عنه في القرآن فهو كبيرة، وما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهو صغيرة ٦.

وقالت طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة

فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة ١.

وقيل: كل ما رتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة.
وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا فهو صغيرة ٢.

وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة.

وقيل: كل ما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة.

وقيل: هي ما ذكر ٣ من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١] ٤.

والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر ٥ قالوا: الذنوب كلها

بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره كبائر، فالنظر إلى من عصي أمره وانتهكت محارمه يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر، وهي مستوية في هذه المفسدة.

قالوا: ويوضح هذا أن الله سبحانه لا تضره الذنوب ولا يتأثر بها، فلا يكون بعضها بالنسبة إليه أكبر من بعض، فلم يبق إلا مجرد معصيته ومخالفته، ولا فرق في ذلك بين ذنب وذنب.

قالوا: ويدل عليه أن مفسدة الذنوب إنما هي متابعة للجراءة والتوثب على حق الرب تعالى.
ولهذا لو شرب رجل خمرا أو وطئ فرجا حراما وهو لا يعتقد تحريمه لكان قد جمع بين الجهل وبين مفسدة ارتكاب الحرام.
ولو فعل ذلك من يعتقد تحريمه لكان آتيا بإحدى المفسدتين، وهو الذي يستحق العقوبة دون الأول.
فدل على أن مفسدة الذنب متابعة للجراءة والتوثب.

قالوا: ويدل على هذا أن المعصية تتضمن الاستهانة بأمر المطاع ونهيه، وانتهاك حرمته.
وهذا لا فرق فيه بين ذنب وذنب.

قالوا: فلا ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره في نفسه، ولكن ينظر إلى قدر من عصاه وعظمته، وانتهاك حرمته بالمعصية.
وهذا لا يفترق فيه الحال بين معصية ومعصية، فإن ملكا مطاعا عظيما ١ لو أمر أحد مملوكيه أن يذهب في مهم له إلى بلد بعيد، وأمر اخر أن يذهب في شغل له إلى جانب الدار، فعصياه وخالفا أمره، لكانا في مقته والسقوط من عينه سواء.

قالوا: ولهذا كانت معصية من ترك الحج من مكة أو ترك ١ الجمعة وهو جار المسجد أقبح عند الله من معصية من تركه من المكان البعيد.
والواجب على هذا أكثر من الواجب على هذا.
ولو كان مع رجل مائتا درهم فمنع ٢ زكاتها، ومع آخر مائتا ألف ألف فمنع زكاتها لاستويا ٣ في منع ما وجب على كل واحد منهما.
ولا يبعد استواؤهما في العقوبة إذ كان كل منهما مصرا على منع زكاة ماله، قليلا كان المال أو كثيرا.

فصل

وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال:

إن الله عز وجل أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السموات والأرض، ليعرف، ويوحد، ويعبد، ويكون الدين كله له ٤، والطاعة كلها له، والدعوة له، كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].

وقال تعالى: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ [الحجر: ٨٥].

وقال تعالى ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].

وقال تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧].

فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ [الحديد: ٢٥]، فأخبر أنه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل ١.
ومن أعظم القسط: التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه، وإن الشرك لظلم عظيم.
فالشرك ٢ أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل.
فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له.
وما كان أشد موافقة لهذا المقصود ٣ فهو أوجب الواجبات، وأفرض الطاعات.

فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر به تفاصيله تعرف به حكمة أحكم الحاكمين وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده، وحرمه عليهم؛ وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي.

ولما ٤ كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه

وماله وأهله ١ لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدا لهم، لما تركوا ٢ القيام بعبوديته.
وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك ٣ عملا، أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة، فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه ندا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه؛ وإن كان المشرك لم يظلم ربه، وإنما ظلم نفسه ٤.

ووقعت مسألة، وهي ٥ أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى، وأنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك، فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية، وإنما قصد تعظيمه، وقال: إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه، وتدخلني عليه، فهو المقصود، وهذه وسائل وشفعاء.
فلم كان هذا القدر موجبا لسخطه وغضبه تبارك وتعالى، ومخلدا في النار، وموجبا لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم؟

وترتب ٦ على هذا سؤال آخر، وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله

سبحانه لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط ١، فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع، أم ذلك قبيح في الفطر والعقول، ممتنع ٢ أن تأتي به شريعة، بل جاءت الشرائع بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح؟ وما السر في كونه لا يغفر من بين سائر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨].

فتأمل هذا السؤال، واجمع قلبك وذهنك على جوابه، ولا تستهونه، فإنه ٣ به يحصل الفرق بين الموحدين والمشركين ٤، والعالمين بالله والجاهلين به، وأهل الجنة وأهل النار.
فنقول، وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد المعونة والتسديد، فإنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع:

الشرك شركان:

شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.

وشرك في عبادته ومعاملته ٥، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ٦.

والشرك الأول نوعان:

أحدهما: شرك التعطيل.
وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: وما رب العالمين؟ ١، وقال لهامان: ابن لي صرحا، لعلي أطلع إلى إله موسى، وإني لأظنه من الكاذبين ٢.
والشرك والتعطيل متلازمان.
فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك؛ لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد ٣.

وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع ٤ إليها هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: تعطيل ٥ المصنوع عن صانعه وخالقه.

وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس، بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله ٦.

وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.

ومن هذا: شرك ٧ طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق، ولا ها هنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق

المشبه ١.

ومنه ٢: شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدوما أصلا بل لم يزل ولا يزال.
والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها العقول والنفوس.

ومن هذا: شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسما ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.

فصل

النوع الثاني: شرك من جعل معه إلها آخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح الها وأمه إلها.

ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة.

ومن هذا: شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها ٣ تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا أشباه المجوس.

ومن هذا: شرك الذي حاج إبراهيم في ربه ﴿إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت﴾ [البقرة: ٢٥٨] فهذا جعل نفسه ندا لله، يحيي ويميت بزعمه كما يحيي الله ويميت ١.
فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها.

وليس هذا انتقالا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزام ٢ على طرد الدليل إن كان حقا.

ومن هذا: شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابا مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم.

ومن هذا: شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم.

ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة.
ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة.
ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به.
ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه، حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه؛ فتارة تكثر الوسائط، وتارة تقل ٣.

فصل

وأما الشرك في العبادة، فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرا، فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر وينفع ويعطي ويمنع

إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة.
فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب.
وهذا حال أكثر الناس.

وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه ابن حبان في صحيحه ١: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل".
قالوا: وكيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: "قل: اللهم إني أعوذ بك أن

أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم".

فالرياء كله شرك.
قال تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. أي كما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده.
فكما ١ تفرد بالإلهية يجب أن يفرد ٢ بالعبودية.
فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء، المقيد بالسنة.

وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا ٣.

وهذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبا، فإنه ينزله منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر.

فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة ٤.
قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ [البينة: ٥].
فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به ٥، فلا يصح، ولا يقبل منه.

ويقول الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل "عملا

أشرك معي ١ فيه غيري، فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء" ٢.

وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر.

و

جارٍ التحميل