أهل الأثرالأرشيف العلمي

من أعظم عقوبات الذنوب: الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة.

فصل

ولما كانت الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها تفاوتت عقوباتها في الدنيا والآخرة بحسب تفاوتها.

ونحن نذكر فيها بعون الله وتوفيقه (^٣) فصلا وجيزا جامعا، فنقول:

(^١) "منه" ساقط من س. (^٢) رويت أحاديث الحوض عن جماعة من الصحابة.
قال المؤلف في شرح السنن (١٣/ ٥٦): "وقد روى أحاديث الحوض أربعون من الصحابة، وكثير منها وأكثرها في الصحيح".
ومنها أحاديث متفق عليها، ومنها ما انفرد به البخاري أو مسلم.
(^٣) ز: " … وقوته وتوفيقه".

الجزء: 1 - الصفحة: 286

أصلها نوعان: ترك مأمورا وفعل محظور.
وهما الذنبان اللذان ابتلى الله سبحانه بهما أبوي الجن والإنس.

وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلى ظاهر على الجوارح، وباطن في القلب.

وباعتبار متعلقه إلى حق لله، وحق لخلقه (^١).
وإن كان كل حق لخلقه فهو متضمن لحقه (^٢)، لكن سمي حقا للخلق لأنه يجب بمطالبتهم ويسقط بإسقاطهم.

ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية، وشيطانية، وسبعيه، وبهيمية، ولا تخرج (^٣) عن ذلك.

فالذنوب الملكية: أن يتعاطى ما لا يصلح له من صفات الربوبية كالعظمة، والكبرياء، والجبروت، والقهر، والعلو، واستعباد الخلق، ونحو ذلك.

ويدخل في هذا (^٤): الشرك بالرب تعالى، وهو نوعان: شرك به في أسمائه وصفاته، وجعل آلهة أخرى (^٥) معه.
وشرك به في معاملته، وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار، وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره.

(^١) ف: "حق الله تعالى وحق خلقه".
(^٢) ز: "كل حق فهو متضمن" فأسقط "لخلقه" و"لحقه".
(^٣) ل: "لا تخرج" دون واو العطف.
(^٤) ز: "في ذلك".
(^٥) ف: "أخر".

الجزء: 1 - الصفحة: 287

وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب.
ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه وأمره.
فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه ربوبيته وملكه، وجعل له ندا.
وهذا (^١) أعظم الذنوب عند الله، ولا ينفع معه عمل.

فصل

وأما الشيطانية، فالتشبه بالشيطان في الحسد، والبغي، والغش والغل، والخداع، والمكر، والأمر بمعاصي الله (^٢) وتحسينها، والنهي عن طاعته، وتهجينها، والابتداع في دينه، والدعوة إلى البدع والضلال.

وهذا النوع يلي النوع الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه.

فصل

وأما السبعية، فذنوب العدوان، والغضب، وسفك الدماء، والتوثب على الضعفاء والعاجزين.
ويتولد منها أنواع أذى النوع الإنساني، والجرأة على الظلم والعدوان.

وأما الذنوب البهيمية، فمثل الشره والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج.
ومنها يتولد الزنى، والسرقة، وأكل أموال اليتامى (^٣)، والبخل والشح، والجبن، والهلع، والجزع، وغير ذلك.

وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعية

(^١) ف: "وهو".
(^٢) ز: "بالمعاصي".
(^٣) س: "وأكل أموال الناس وأموال اليتامى".

الجزء: 1 - الصفحة: 288

والملكية.
ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرهم إليها بالزمام، فيدخلون منه إلى الذنوب السبعية، ثم إلى الشيطانية، ثم إلى منازعة الربوبية والشرك في الوحدانية.

ومن تأمل هذا حق التأمل تبين له أن الذنوب دهليز (^١) الشرك، والكفر، ومنازعة الله ربوبيته (^٢).

فصل

وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر.
قال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١].
وقال تعالى: (﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ [النجم: ٣٢] (^٣).

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (^٤): "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر" (^٥).

وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات: إحداها (^٦): أن تقصر عن تكفير الصغائر، لضعفها وضعف

(^١) الدهليز بكسر الدال: ما بين الباب والدار، فارسي معرب.
الصحاح (٣/ ٨٧٨). (^٢) ز: "في ربوبيته".
(^٣) في ز تقدمت هذه الآية على الآية السابقة.
(^٤) "أنه قال" لم يرد في س. (^٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في الطهارة، باب الصلوات الخمس … (٢٣٣). (^٦) س: "أحدها".

الجزء: 1 - الصفحة: 289

الإخلاص فيها والقيام بحقوقها؛ بمنزلة الدواء الضعيف (^١) الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية.

الثانية: أن تقاوم الصغائر، ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر.

الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر، وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر.

فتأمل هذا، فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة.

وفي الصحيحين (^٢) عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (^٣): "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قلنا: بلى يا رسول الله.
قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور".

وفي الصحيحين (^٤) عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات".

قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله (^٥)، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".

(^١) "الضعيف" ساقط من ز. (^٢) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور (٢٦٥٣)؛ ومسلم في الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (٨٧). (^٣) "أنه قال" انفردت به س. (^٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الوصايا، باب قول الله تعالى ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ [النساء: ١٠] الآية، (٢٧٦٦)، ومسلم في الإيمان" باب بيان الكبائر (٨٩). (^٥) ل: "الإشراك بالله".
ف: "الإشراك".

الجزء: 1 - الصفحة: 290

وفي الصحيحين (^١) عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل: أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو لله ندا، وهو خلقك".
قيل: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك".
قيل (^٢): ثم أي؟ قال: "أن تزاني بحليلة جارك".
فأنزل الله تعالى تصديقها: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ [الفرقان: ٦٨].

واختلف الناس في الكبائر، هل (^٣) لها عدد يحصرها؟ على قولين.

ثم الذين (^٤) قالوا بحصرها اختلفوا في عددها:

فقال عبد الله بن مسعود: هي أربع (^٥).

وقال عبد الله بن عمر: هي سبع (^٦).

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هي تسعة (^٧).

(^١) تقدم تخريجه في ص (٢٦٢). (^٢) س، ز: "قال".
(^٣) ز: "فقيل"، تحريف.
(^٤) ز: "إن الذين".
(^٥) أخرجه الطبري (٥/ ٤٠) وسنده صحيح.
وله طرق فيها اختلاف.
وورد عنه أنه قال: "الكبائر ثلاث": الياس من روح الله، والقنوط …، والأمن … ". أخرجه الطبري (٥/ ٤١) وفي سنده انقطاع.
وقد ثبت عن ابن مسعود أنه قال: "الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين منها".
أخرجه الطبري (٥/ ٣٧). (^٦) الذي وجدته عن ابن عمر أنها تسع، كما رواه عنه طيسلة بن مياس.
انظر التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٣٦٧) والطبري (٥/ ٣٩). (ز).
أما القول بأنها سبع فقد ورد عن علي بن أبي طالب وعبيد بن عمير الليثي وعطاء.
انظر تفسير الطبري (٨/ ٢٣٥ - ٢٣٨). (ص).
(^٧) كذا بتأنيث العدد في جميع النسخ.
وقد تقدم أن هذا القول ثابت عن ابن عمر.

الجزء: 1 - الصفحة: 291

وقال غيره: هي أحد عشر (^١).

وقال آخر: هي سبعون (^٢).

وقال أبو طالب المكي: جمعتها من أقوال الصحابة، فوجدتها: أربعة في القلب، وهي: الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله.
وأربعة في اللسان، وهي: شهادة

الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر.
وثلاث (^٣) في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا.
واثنان في الفرج، وهما: الزنا، واللواطة.
واثنان في اليدين، وهما: القتل، والسرقة.

وواحد في الرجلين، وهو الفرار من الزحف.
وواحد يتعلق بجميع الجسد وهو عقوق الوالدين (^٤).

والذين لم يحصروها بعدد، منهم من قال: كل ما نهى الله (^٥) عنه في القرآن فهو كبيرة، وما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهو صغيرة (^٦).

وقالت طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة

(^١) كذا في النسخ ما عدا ف. كان فيها "أحد عشرة" فأصلحها بعضهم: "إحدى عشرة".
وقد روي هذا القول عن ابن مسعود (زاد المسير ٢/ ٦٦) وعن علي (تفسير ابن كثير ١/ ٤٦٠). (^٢) روى طاووس وغيره عن ابن عباس أنها إلى السبعين أقرب.
وروى عنه سعيد بن جبير أنها إلى السبعمائة أقرب.
انظر تفسير الطبري (٨/ ٢٤٥). (^٣) كذا في جميع النسخ بتذكير العدد خلافا لما سبق.
(^٤) انظر قوت القلوب (٢/ ٢٨٨)، وفتح الباري (١٢/ ١٨٣). (^٥) لم يرد لفظ الجلالة في ف. وسقط "كل ما" من ل. (^٦) ل: "فهو كبير … فهو صغير".
وانظر تفسير الطبري (٨/ ٢٤٤).

الجزء: 1 - الصفحة: 292

فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة (^١).

وقيل: كل ما رتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة.
وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا فهو صغيرة (^٢).

وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة.

وقيل: كل ما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة.

وقيل: هي ما ذكر (^٣) من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١] (^٤).

والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر (^٥) قالوا: الذنوب كلها

(^١) روي نحو هذا عن ابن عباس والحسن البصري.
انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٤٤٤). (^٢) قال ابن حجر: "وممن نص على هذا: الإمام أحمد فيما نقله القاضي أبو يعلى، ومن الشافعية الماوردي، ولفظه: الكبيرة ما وجبت فيه الحدود، أو توجه إليها الوعيد".
الفتح (١٠/ ٤١٠). وأصله ما ورد عن ابن عباس وغيره في تفسير اللمم في قوله تعالى ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ [النجم: ٣٢] انظر تفسير الطبري (٢٢/ ٦٨). (^٣) ف، ل: "وقيل: ما ذكر".
وهو قول ابن مسعود فيما روى عنه مسروق وعلقمة وإبراهيم.
تفسير الطبري (٨/ ٢٣٣)، ونقل عن ابن عباس أيضا في زاد المسير (٢/ ٦٦). (^٤) وانظر حدودا أخرى في مدارج السالكين للمؤلف (١/ ٣٢١ - ٣٢٧). (^٥) منهم أبو إسحاق الاسفراييني، وأبو بكر بن الطيب الباقلاني، وحكاه القاضي عياض عن المحققين، واختاره إمام الحرمين وبين أنه لا يخالف ما قاله الجمهور.
انظر الفتح (١٠/ ٤٠٩)، ومدارج السالكين.

الجزء: 1 - الصفحة: 293

بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره كبائر، فالنظر إلى من عصي أمره وانتهكت محارمه يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر، وهي مستوية في هذه المفسدة.

قالوا: ويوضح هذا أن الله سبحانه لا تضره الذنوب ولا يتأثر بها، فلا يكون بعضها بالنسبة إليه أكبر من بعض، فلم يبق إلا مجرد معصيته ومخالفته، ولا فرق في ذلك بين ذنب وذنب.

قالوا: ويدل عليه أن مفسدة الذنوب إنما هي متابعة للجراءة والتوثب على حق الرب تعالى.
ولهذا لو شرب رجل خمرا أو وطئ فرجا حراما وهو لا يعتقد تحريمه لكان قد جمع بين الجهل وبين مفسدة ارتكاب الحرام.
ولو فعل ذلك من يعتقد تحريمه لكان آتيا بإحدى المفسدتين، وهو الذي يستحق العقوبة دون الأول.
فدل على أن مفسدة الذنب متابعة للجراءة والتوثب.

قالوا: ويدل على هذا أن المعصية تتضمن الاستهانة بأمر المطاع ونهيه، وانتهاك حرمته.
وهذا لا فرق فيه بين ذنب وذنب.

قالوا: فلا ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره في نفسه، ولكن ينظر إلى قدر من عصاه وعظمته، وانتهاك حرمته بالمعصية.
وهذا لا يفترق فيه الحال بين معصية ومعصية، فإن ملكا مطاعا عظيما (^١) لو أمر أحد مملوكيه أن يذهب في مهم له إلى بلد بعيد، وأمر اخر أن يذهب في شغل له إلى جانب الدار، فعصياه وخالفا أمره، لكانا في مقته والسقوط من عينه سواء.

(^١) ف: "عظيما مطاعا".

الجزء: 1 - الصفحة: 294

قالوا: ولهذا كانت معصية من ترك الحج من مكة أو ترك (^١) الجمعة وهو جار المسجد أقبح عند الله من معصية من تركه من المكان البعيد.
والواجب على هذا أكثر من الواجب على هذا.
ولو كان مع رجل مائتا درهم فمنع (^٢) زكاتها، ومع آخر مائتا ألف ألف فمنع زكاتها لاستويا (^٣) في منع ما وجب على كل واحد منهما.
ولا يبعد استواؤهما في العقوبة إذ كان كل منهما مصرا على منع زكاة ماله، قليلا كان المال أو كثيرا.

فصل

وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال:

إن الله عز وجل أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السموات والأرض، ليعرف، ويوحد، ويعبد، ويكون الدين كله له (^٤)، والطاعة كلها له، والدعوة له، كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].

وقال تعالى: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ [الحجر: ٨٥].

وقال تعالى ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].

(^١) ما عدا ف: "وترك".
(^٢) ف: "ومنع".
(^٣) ز: "لا يستويا"، تحريف.
(^٤) ف، ز: "لله".

الجزء: 1 - الصفحة: 295

وقال تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧].

فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ [الحديد: ٢٥]، فأخبر أنه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل (^١).
ومن أعظم القسط: التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه، وإن الشرك لظلم عظيم.
فالشرك (^٢) أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل.
فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له.
وما كان أشد موافقة لهذا المقصود (^٣) فهو أوجب الواجبات، وأفرض الطاعات.

فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر به تفاصيله تعرف به حكمة أحكم الحاكمين وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده، وحرمه عليهم؛ وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي.

ولما (^٤) كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه

(^١) "الذي قامت به … العدل" ساقط من ز. (^٢) "لظلم عظيم فالشرك" ساقط من ل. (^٣) "فهو أكبر الكبائر … المقصود" ساقط من ف. (^٤) "ولما" ساقط من س. وفي ز: "فلما".
وفي ل: "فكلما"، وهو خطأ.

الجزء: 1 - الصفحة: 296

وماله وأهله (^١) لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدا لهم، لما تركوا (^٢) القيام بعبوديته.
وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك (^٣) عملا، أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة، فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه ندا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه؛ وإن كان المشرك لم يظلم ربه، وإنما ظلم نفسه (^٤).

ووقعت مسألة، وهي (^٥) أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى، وأنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك، فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية، وإنما قصد تعظيمه، وقال: إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه، وتدخلني عليه، فهو المقصود، وهذه وسائل وشفعاء.
فلم كان هذا القدر موجبا لسخطه وغضبه تبارك وتعالى، ومخلدا في النار، وموجبا لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم؟

وترتب (^٦) على هذا سؤال آخر، وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله

(^١) لم يرد "أهله" في ل، ز. وسقط "ماله" من ف. (^٢) ف: "ما تركوا".
(^٣) ف: "لمشرك".
(^٤) وقع في ف: "وإن المشرك لم يظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه"، وهو خلاف المقصود هنا.
(^٥) ز: "وهو".
ومن هنا إلى آخر الفصل التالي نقله المقريزي بتصرف في رسالته "تجريد التوحيد المفيد" (٥٩ - ٦٢). (^٦) ز: "ويترتب".

الجزء: 1 - الصفحة: 297

سبحانه لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط (^١)، فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع، أم ذلك قبيح في الفطر والعقول، ممتنع (^٢) أن تأتي به شريعة، بل جاءت الشرائع بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح؟ وما السر في كونه لا يغفر من بين سائر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨].

فتأمل هذا السؤال، واجمع قلبك وذهنك على جوابه، ولا تستهونه، فإنه (^٣) به يحصل الفرق بين الموحدين والمشركين (^٤)، والعالمين بالله والجاهلين به، وأهل الجنة وأهل النار.
فنقول، وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد المعونة والتسديد، فإنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع:

الشرك شركان:

شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.

وشرك في عبادته ومعاملته (^٥)، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (^٦).

(^١) ف: "إليه بالوسائط".
(^٢) ف، ز: "يمتنع".
ل: "تمتنع".
(^٣) ف، ل: "فإن".
(^٤) ما عدا س: "المشركين والموحدين".
(^٥) ف: "معاملته وعبادته".
(^٦) "وشرك في عبادته … أفعاله" ساقط من ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 298

والشرك الأول نوعان:

أحدهما: شرك التعطيل.
وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: وما رب العالمين؟ (^١)، وقال لهامان: ابن لي صرحا، لعلي أطلع إلى إله موسى، وإني لأظنه من الكاذبين (^٢).
والشرك والتعطيل متلازمان.
فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك؛ لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد (^٣).

وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع (^٤) إليها هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: تعطيل (^٥) المصنوع عن صانعه وخالقه.

وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس، بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله (^٦).

وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.

ومن هذا: شرك (^٧) طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق، ولا ها هنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق

(^١) كما في سورة الشعراء (٢٣). (^٢) كما في سورة القصص (٣٨) وغافر (٣٦ - ٣٧). وفي س: "وإني لأظنه كاذبا".
(^٣) ز: "خلق التوحيد"، تحريف.
(^٤) ف: "رجع".
(^٥) كلمة "تعطيل" ساقطة من ف. (^٦) "وتعطيل الصانع … أفعاله" ساقط من ف. (^٧) ز: "أشرك"، خطأ.

الجزء: 1 - الصفحة: 299

المشبه (^١).

ومنه (^٢): شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدوما أصلا بل لم يزل ولا يزال.
والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها العقول والنفوس.

ومن هذا: شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسما ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.

فصل

النوع الثاني: شرك من جعل معه إلها آخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح الها وأمه إلها.

ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة.

ومن هذا: شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها (^٣) تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا أشباه المجوس.

(^١) "الخلق" ساقط من س. وفي ز: "الحق أكبره هو عين المشيئة"، تحريف.
وزاد في ل بعد "المنزه" واو العطف، وهو خطأ.
وقوله: "الحق المنزه … " من كلام ابن عربي في فصوص الحكم (٧٨). (^٢) ف: "ومن"، خطأ.
(^٣) ز: "إنما".

الجزء: 1 - الصفحة: 300

ومن هذا: شرك الذي حاج إبراهيم في ربه ﴿إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت﴾ [البقرة: ٢٥٨] فهذا جعل نفسه ندا لله، يحيي ويميت بزعمه كما يحيي الله ويميت (^١).
فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها.

وليس هذا انتقالا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزام (^٢) على طرد الدليل إن كان حقا.

ومن هذا: شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابا مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم.

ومن هذا: شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم.

ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة.
ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة.
ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به.
ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه، حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه؛ فتارة تكثر الوسائط، وتارة تقل (^٣).

فصل

وأما الشرك في العبادة، فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرا، فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر وينفع ويعطي ويمنع

(^١) ف: "يحيي ويميت".
وسقط "فهذا جعل نفسه … ويميت" من س. (^٢) س، ل:"إلزاما".
(^٣) س: "يكثر … يقل".

الجزء: 1 - الصفحة: 301

إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة.
فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب.
وهذا حال أكثر الناس.

وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه ابن حبان في صحيحه (^١): "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل".
قالوا: وكيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: "قل: اللهم إني أعوذ بك أن

(^١) ليس في المطبوع، ولعل المؤلف وهم فيه.
وقد ورد نحو هذا المتن عن أبي موسى وأبي بكر وعائشة وابن عباس، وكلها لا تثبت.
وأصحها حديث أبي موسى الأشعري.
فقد أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤٠٣ (١٩٦٠٦) والبخاري في الكنى (٥٠٩) وغيرهما من طريق أبي علي الكاهلي قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: "يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل … -وفيه: قال أبو موسى- خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فقال.
فذكر نحوه.
قال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط.
ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي علي، ووثقه ابن حبان" المجمع (١٠/ ٢٢٣). وانظر الترغيب والترهيب (١/ ٤٠). وقد ورد موقوفا عن ابن مسعود وابن عباس أخرجه ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٤٢) من طريق كردوس الثعلبي عن ابن مسعود قال: "الشرك في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي المصلين أخفى من دبيب النمل".
وسنده لا بأس به.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢٣٠) من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾ قال: "هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي، ويقول: لولا كلبه هذا لأتانا اللصوص … " وسنده حسن.

الجزء: 1 - الصفحة: 302

أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم".

فالرياء كله شرك.
قال تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. أي كما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده.
فكما (^١) تفرد بالإلهية يجب أن يفرد (^٢) بالعبودية.
فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء، المقيد بالسنة.

وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا (^٣).

وهذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبا، فإنه ينزله منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر.

فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة (^٤).
قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ [البينة: ٥].
فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به (^٥)، فلا يصح، ولا يقبل منه.

ويقول الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل "عملا

(^١) س: "وكما".
(^٢) س: "يتفرد".
(^٣) أخرجه أحمد في الزهد (٦١٥) من طريق الحسن أن عمر كان يقول، فذكره.
والحسن لم يسمع عن عمر.
وأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (١٠١٨) من طريق آخر.
(^٤) س: "خالصا".
(^٥) ز: "شيئا غير الذي أمر به".

الجزء: 1 - الصفحة: 303

أشرك معي (^١) فيه غيري، فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء" (^٢).

وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر.

و

فصول الكتاب · 28 فصل
الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)
تأليف ابن القيم
تقدّمك في الكتاب: من أعظم عقوبات الذنوب: الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة. — 22 من 28
جارٍ التحميل