فصل: محبة رسول الله ﷺ
فإنه من علامة محبة الله.
وإذا أردت أن تعلم (^٦) ما عندك وعند غيرك من محبة الله، فانظر إلى محبة القرآن (^٧) من
(^١) ز: "قلبه".
(^٢) س، ف: "محبة الله".
(^٣) "الروح" من ف.
(^٤) ل: "خير" دون "من".
(^٥) ف: "سرائر حب".
والبيت للأحوص الأنصاري.
انظر: شعره المجموع (١٤٥). وقد تمثل المؤلف به في روضة المحبين (٤٠٥) والتبيان (٦٦).
(^٦) ف: "أن تعرف"، وهو ساقط من س.
(^٧) ما عدا ز: "فانظر محبة القرآن".
الجزء: 1 - الصفحة: 549
قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب (^١) الملاهي والغناء المطرب (^٢) بسماعهم، فإنه من المعلوم أن من أحب محبوبا كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه، كما قيل:
إن كنت تزعم حبي … فلم هجرت كتابي
أما تأملت ما فيـ … ـه من لذيذ خطابي (^٣)
وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبنا لما شبعت (^٤) من كلام الله (^٥).
وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه، وهو غاية مطلوبه! وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما لعبد الله بن مسعود: "اقرأ علي"، فقال: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ فقال: "إني أحب أن أسمعه من غيري".
فاستفتح، وقرأ سورة النساء، حتى إذا بلغ قوله: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (٤١)﴾ [النساء: ٤١] قال: "حسبك".
فرفع رأسه، فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تذرفان من البكاء" (^٦).
(^١) "أصحاب" ساقط من ز.
(^٢) ف: "الغناء والطرب".
(^٣) البيتان في روضة المحبين (٣١٢).
(^٤) س، ف: "ما شبعت".
(^٥) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد (٦٧٨) وفي زوائده على فضائل الصحابة (٧٧٥) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٧٢، ٣٠٠)، من طريق سفيان بن عيينة قال: قال عثمان بن عفان فذكره.
وسنده ضعيف للانقطاع.
(^٦) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب البكاء عند قراءة القرآن (٥٠٥٥)، ومسلم في صلاة المسافرين، باب فضل استماع القرآن (٨٠٥).
الجزء: 1 - الصفحة: 550
وكان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون (^١).
فلمحبي القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعاف ما لمحبي السماع الشيطاني.
فإذا رأيت الرجل: ذوقه وجده وطربه ونشوته (^٢) في سماع الأبيات دون سماع الآيات، وفي سماع الألحان دون سماع القرآن، وهو كما قيل:
تقرا عليك الختمه (^٣) … وأنت جامد كالحجر
وبيت من الشعر ينشد (^٤) … تميل كالنشوان (^٥)
(^١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٧٩) والدارمي في سننه (٣٥٣٩،٣٥٣٦) وابن حبان في صحيحه (٧١٩٦) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٨) والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٣١) وغيرهم من طرق عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوت قال: وكان عمر بن الخطاب، فذكره.
وسنده ضعيف للانقطاع، فأبو سلمة لم يدرك عمر بن الخطاب.
انظر جامع التحصيل (٣٧٨).
ورواه جعفر بن برقان عن حبيب بن أبي مرزوق قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب، فذكره.
ورواه أبو نضرة المنذر بن مالك العبدي قال: قال عمر لأبي موسى، فذكره.
أخرجهما ابن سعد في الطبقات (٤/ ١٠٩).
قلت: حبيب يروي عن نافع وعروة وعطاء، فهو لم يدرك عمر.
وأبو نضرة سمع من صغار الصحابة كابن عباس وأبي سعيد الخدري فلعله تلقاه منهم.
وهذا يدل على أن لهذا الأثر أصلا، والله أعلم.
(^٢) ف: "شوقه".
ل: "تشوقه"، وكلاهما تصحيف.
(^٣) س:"يقرأ".
(^٤) في س، ل: "بيت" دون الواو قبلها.
وفي ف: "وبيت شعر".
وفي خب: "بيت الشعر".
(^٥) ف: "فتميل".
ل: "كالسكران".
الجزء: 1 - الصفحة: 551
فهذا من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه، وتعلقه بمحبة سماع الشيطان؛ والمغرور يعتقد أنه على شيء!
ففي محبة الله وكلامه ورسوله أضعاف أضعاف ما ذكر (^١) السائل من فوائد العشق ومنافعه، بل لا حب على الحقيقة أنفع منه؛ وكل حب سوى ذلك باطل، إن لم يعن عليه ويشوق المحب (^٢) إليه.
فصل
وأما محبة النسوان فلا لوم على المحب فيها، بل هي من كماله (^٣).
وقد امتن الله سبحانه بها (^٤) على عباده فقال: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (٢١)﴾ [الروم: ٢١].
فجعل المرأة سكنا للرجل يسكن قلبه إليها، وجعل بينهما خالص الحب، وهو المودة المقترنة بالرحمة.
وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحل لنا من النساء وما حرم منهن: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (٢٦) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (٢٧) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨].
ذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاووس عن أبيه:
(^١) ف: "طلب".
(^٢) ف: "يسوق" بالمهملة.
وفي ز: "يسوق المحبة".
(^٣) ف: "هي كماله".
(^٤) ف: "امتن … " بإسقاط "وقد".
و"بها" ساقط من س.
الجزء: 1 - الصفحة: 552
قال (^١): إذا نظر إلى النساء لم يصبر (^٢).
وفي الصحيح من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه رأى امرأة، فأتى زينب، فقضى حاجته منها، وقال: "إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه" (^٣).
ففي هذا الحديث عدة فوائد:
منها: الإرشاد إلى التسلي عن المطلوب بجنسه، كما يقوم الطعام (^٤) مقام الطعام، والثوب مقام الثوب.
ومنها: الأمر بمداواة الإعجاب بالمرأة المورث لشهوتها بأنفع الأدوية، وهو قضاء وطره من أهله، وذلك ينقض شهوته لها.
وهذا كما أرشد المتحابين إلى النكاح، كما في سنن ابن ماجه (^٥)
(^١) ف: "كان".
س، ل: "قال: كان".
(^٢) لم أجده في المطبوع.
والذي فيه (٩٣): "سفيان عن معمر عن طاوس في قوله: ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ قال: من أمر النساء".
كذا في تفسيره.
والصواب: "سفيان عن معمر عن ابن طاووس عن طاووس".
هكذا أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ رقم ٥٥٣) والطبري (٥/ ٣٠) وغيرهما.
فلعل أبا حذيفة راوي تفسير الثوري وهم فيه أو سقط من الناسخ.
والذي ذكره المؤلف عن الثوري أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب (١١٧) وابن الجوزي في ذم الهوى (١٦٤)، وسنده صحيح.
(^٣) أخرجه مسلم في النكاح، باب ندب من رأى امرأة … (١٤٠٣).
(^٤) ف: "كما تقدم، كقيام الطعام".
(^٥) برقم (١٨٤٧). وأخرجه ابن أبي حاتم في العلل (٢٢٥٢) والعقيلي في الضعفاء (٤/ ١٣٤) والطبراني (١١/ رقم ١١٠٠٩) وتمام في فوائده (الروض =
الجزء: 1 - الصفحة: 553
مرفوعا: "لم ير للمتحابين مثل النكاح".
فنكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله (^١) دواءه شرعا وقدرا.
وبه تداوى داود صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يرتكب نبي الله مرما، وإنما تزوج المرأة، وضمها إلى نسائه لمحبته لها، وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته.
ولا يليق بنا المزيد على هذا (^٢).
وأما قصة زينب بنت جحش، فزيد كان قد عزم على طلاقها ولم توافقه، وكان يستشير النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فراقها (^٣)، وهو يأمره بإمساكها، فعلم
= البسام: ٧٣٢ - ٧٣٤) وغيرهم من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس فذكره.
ورواه سفيان بن عيينة وعبد الملك بن جريج ومعمر بن راشد كلهم عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا.
أخرجه العقيلي (٤/ ١٣٤) وعبد الرزاق (٦/ ١٥١، ١٦٨) وغيرهما.
قال العقيلي: "هذا أولى".
ورواه عبد الصمد بن حسان ومؤمل بن إسماعيل عن الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس مرفوعا.
أخرجه الخليلي في الإرشاد (٢/ ٦٥٣) و(٣/ ٩٤٧) وابن جميع في معجمه (٢٤٤). قال الخليلي: "هذا جوده عبد الصمد والمؤمل بن إسماعيل عن سفيان.
ورواه غيرهما عن سفيان عن طاووس مرسلا.
ورواه محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم مجودا".
قلت: كلامه هذا يدل على أن من رفعه عن الثوري أخطأ فيه، ولهذا عد الخليلي هذا الحديث مما تفرد به عبد الصمد عن الثوري.
راجع: الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام (٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨) للدوسري.
(^١) سقط لفظ الجلالة من ز.
(^٢) بل القصة نفسها باطلة من أكاذيب اليهود، ولم يسلم نبي من أنبيائهم من القبائح التي افتروها عليهم.
وانظر ما سبق في ص (٥٢٩).
(^٣) ل: "بفراقها".
الجزء: 1 - الصفحة: 554
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه مفارقها ولا بد، فأخفى في نفسه أن يتزوجها إذا فارقها زيد، وخشي مقالة الناس أن رسول الله (^١) صلى الله عليه وآله وسلم تزوج زوجة ابنه، فإنه كان قد تبنى زيدا قبل النبوة، والرب تعالى يريد أن يشرع شرعا عاما (^٢) فيه مصالح عباده.
فلما طلقها زيد، وانقضت عدتها منه (^٣)، أرسله إليها يخطبها لنفسه.
فجاء زيد، واستدبر الباب بظهره، وعظمت في صدره لما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فناداها من وراء الباب: يا زينب إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطبك.
فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، وقامت إلى محرابها، فصلت.
فتولى الله عز وجل نكاحها من رسوله (^٤) بنفسه، وعقد النكاح له فوق عرشه، وجاء الوحي بذلك: ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوقته، فدخل عليها (^٥).
فكانت (^٦) تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك (^٧)، وتقول: أنتن زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات (^٨)!
فهذه قصة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع زينب (^٩).
(^١) ف: "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم".
(^٢) "عاما" ساقط من س.
(^٣) "منه" ساقط من ز.
(^٤) س، ل: "رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".
(^٥) أخرجه مسلم في النكاح، باب زواج زينب بنت جحش (١٤٢٨) من حديث أنس رضي الله عنه.
(^٦) ف: "وكانت".
(^٧) "بذلك" لم يرد في ز.
(^٨) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد (٧٤٢٠، ٧٤٢١) من حديث أنس رضي الله عنه.
(^٩) انظر ما نقلنا في ص (٥٢٨) من كلام المؤلف في زاد المعاد (٤/ ٢٦٦).
الجزء: 1 - الصفحة: 555
ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد حبب إليه النساء (^١)، كما في الصحيح من حديث أنس عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" (^٢).
هذا لفظ الحديث، لا ما يرويه بعضهم (^٣): "حبب إلي من دنياكم ثلاث … ".
(^١) لم ترد "كان" في ل. ولم ترد "قد" في ف. ثم سقطت كلمة "النساء" من ز.
(^٢) أخرجه النسائي (٣٩٣٩، ٣٩٤٠) وأحمد ٣/ ١٢٨ (١٢٣١٥) والعقيلي (٢/ ١٦٠) والحاكم ٢/ ١٧٤ (٢٦٧٦) وابن أبي عاصم في الزهد (٢٣٥) وغيرهم من طريق سلام أبي المنذر وجعفر بن سليمان الضبعي وسلام بن أبي الصهباء كلهم عن ثابت عن أنس فذكره.
قلت: سلام في حفظه لين.
وقال العقيلي: "لا يتابع على حديث"، وذكر هذا الحديث ضمن مناكيره.
وأما رواية جعفر بن سليمان فالراوي عنه ضعيف.
وجعفر في حفظه مقال، وخاصة في روايته عن ثابت البناني.
وأما رواية سلام بن أبي الصهباء، فسلام ضعيف.
والحديث جعله ابن عدي ضمن مناكيره.
لكن خالفهم حماد بن زيد قال الدارقطني: "وخالفهم حماد بن زيد فرواه عن ثابت مرسلا".
وكذلك رواه محمد بن ثابت مرسلا.
انظر تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الكشاف للزيلعي (١/ ١٩٦).
ورواه سليمان بن طرخان وليث بن أبي سليم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنحوه.
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤/ رقم ٧٩٣٩). والحديث صححه الحاكم والضياء في المختارة والذهبي والمؤلف والعراقي وابن حجر.
(^٣) كالزمخشري في الكشاف، والغزالي في الإحياء، والقاضي عياض في مشارق الأنوار وغيرهم.
انظر لسان الميزان (١/ ١٣٩) و(٩/ ٥٨) وكشف الخفا (١/ ٤٠٦). وتكلم في هذا اللفظ جماعة منهم: شيخ الإسلام والمؤلف والزيلعي وابن حجر والعراقي والسخاوي والمناوي والزركشي وغيرهم.
راجع فيض القدير (٣/ ٣٧٠).
الجزء: 1 - الصفحة: 556
زاد الإمام أحمد في كتاب الزهد (^١) في هذا الحديث: "أصبر عن الطعام والشراب، ولا أصبر عنهن".
وقد حسده أعداء الله اليهود على ذلك، فقالوا: ما همه إلا النكاح، فرد الله سبحانه عن رسوله، ونافح عنه، فقال: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤] (^٢).
وهذا خليل الله إبراهيم إمام الحنفاء كان عنده سارة أجمل نساء العالمين، وأحب هاجر، وتسرى بها.
وهذا داود كان عنده تسعة وتسعون امرأة، فأحب تلك المرأة، وتزوج بها، فكمل المائة (^٣).
(^١) تقدم الكلام على هذه الزيادة في ص (٤٨٣).
(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ رقم ٥٤٧٠) والطبري من طريق العوفي عن ابن عباس.
وسنده ضعيف جدا.
وجاء عن سعيد بن جبير والسدي والضحاك وعطية نحو ذلك (ز).
وهو بعيد من السياق، والصواب "أن معنى الفضل في هذا الموضع: النبوة التي فضل الله بها محمدا وشرف بها العرب إذ آتاها رجلا منهم دون غيرهم … " كما قال ابن جرير (٨/ ٤٧٩).
وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٨٦) ولم يشر إلى قول آخر البتة: "يعني بذلك حسدهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما رزقه الله من النبوة العظيمة.
ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل".
ثم ما الذي يحمل اليهود على حسد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك.
أكان ذلك محرما عليهم أو على أنبيائهم؟ (ص).
(^٣) قصة باطلة، كما سبق (٥٢٩، ٥٥٤).
الجزء: 1 - الصفحة: 557
وهذا سليمان ابنه كان يطوف في الليلة على تسعين امرأة (^١).
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أحب الناس إليه، فقال: "عائشة (^٢).
وقال عن خديجة (^٣): "إني رزقت حبها" (^٤).
فمحبة النساء من كمال الإنسان.
قال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساء (^٥).
وقد ذكر الإمام أحمد (^٦) أن عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم
(^١) ف: "سبعين امرأة".
والحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في النكاح، باب قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائي (٥٢٤٢) وفيه: "بمائة امرأة".
وفي أحاديث الأنبياء (٣٤٢٤): "على سبعين"، وفيه: "قال شعيب وابن أبي الزناد: "تسعين" وهو أصح".
وأخرجه مسلم في الأيمان باب الاستثناء (١٦٥٤)، وفي إحدى رواياته: "كان لسليمان ستون امرأة".
ولفظ
الحديث: "قال: لأطوفن عليهن الليلة … " وبينه وبين قول المصنف: "كان يطوف" فرق واضح.
(^٢) سبق تخريجه (٤٤٦).
(^٣) ف: "في خديجة".
(^٤) من حديث عائشة رضي الله عنها.
أخرجه مسلم في "فضائل الصحابة" باب فضائل خديجة رضي الله عنها (٢٤٣٥).
(^٥) أخرجه البخاري في النكاح، باب كثرة النساء (٥٠٦٩) عن سعيد بن جبير عنه.
قال الحافظ ابن حجر: "والذي يظهر أن مراد ابن عباس بالخير: النبي صلى الله عليه وآله وسلم … ". الفتح (٩/ ١١٤).
(^٦) في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٢٦٠). وذكره الدوري في تاريخه (٤/ رقم ٤٩٨١) وأخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب (١٥١) كلهم من طريق هشيم بن بشير عن علي بن زيد بن جدعان عن أيوب بن عبد الله اللخمي عن ابن عمر فذكره.
قال الإمام أحمد ويحيى بن معين: "لم يسمعه هشيم من علي بن زيد".
ورواه جماعة عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد به بمثله.
أخرجه ابن أبي =
الجزء: 1 - الصفحة: 558
جلولاء جارية كأن عنقها إبريق فضة.
قال عبد الله: فما صبرت أن قبلتها، والناس ينظرون.
وبهذا احتج الإمام أحمد على جواز الاستمتاع من المسبية قبل الاستبراء بغير الوطء، بخلاف الأمة المشتراة.
والفرق بينهما أنه لا يتوهم انفساخ الملك في المسبية، بخلاف المشتراة فقد ينفسخ فيها (^١) الملك، فيكون مستمتعا بأمة غيره (^٢).
وقد شفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعاشق أن تواصله معشوقته (^٣) بأن تتزوج به، فأبت.
وذلك في قصة مغيث وبريرة، فإنه رآه يمشي خلفها بعد فراقها، ودموعه تجري على خديه، فقال لها: "لو راجعتيه"! (^٤) فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: "لا، إنما أشفع".
فقالت (^٥): لا حاجة لي به.
فقال لعمه: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة،
= شيبة (٣/ رقم ١٦٦٥٠) والبخاري في تاريخه (١/ ٤١٩) والحربي في غريب الحديث (٣/ ١١١٢) وابن المنذر في الأوسط (التلخيص الحبير: ٣/ ٤) والمحلى (١٠/ ٣٢٠). قلت: في هذا السند ضعف.
فعلي بن زيد في حفظه ضعف.
وأيوب اللخمي تابعي سمع ابن عمر، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه غيره.
(^١) ز: "بها".
وقد سقط منها: "والفرق … ينفسخ".
(^٢) وهي إحدى الروايتين عن أحمد.
والظاهر عنه تحريم مباشرتها فيما دون الفرج لشهوة.
قاله صاحب المغني (١١/ ٢٧٧).
(^٣) ز: "يواصله معشوقه".
وكذا في س مع تأنيث الفعل.
(^٤) كذا في جميع النسخ وفي رواية ابن ماجه (٢٠٧٥). وهي لغة ضعيفة.
وفي أصول صحيح البخاري: "راجعته".
انظر الفتح (٩/ ٤٠٩).
(^٥) ف: "قالت".
الجزء: 1 - الصفحة: 559
ومن بغضها له؟ " (^١) ولم ينكر عليه حبها، وإن كانت قد بانت منه، فإن هذا ما لا يملكه (^٢).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسوي بين نسائه في القسم، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك" (^٣).
يعني الحب.
وقد قال تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ [النساء: ١٢٩]، يعني: في الحب والجماع.
(^١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
أخرجه البخاري في الطلاق، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زوج بريرة (٥٢٨٣).
(^٢) ز: "لا يملك".
(^٣) أخرجه أبو داود (٢١٣٤) والترمذي (١١٤٠) والنسائي (٣٩٤٣) وابن ماجه (١٩٧١) وأحمد ٦/ ١٤٤ (٢٥١١١) وابن حبان (٤٢٠٥) والحاكم ٢/ ٢٠٤ (٢٧٦١) وغيرهم من طرق عن حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد -رضيع عائشة- عن عائشة فذكرته.
ورواه حماد بن زيد وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي -في الرواية الصحيحة عنه- كلهم عن أيوب عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا.
أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٣١٤، ٣١٥) وابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٣١) وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ رقم ١٧٥٣٤).
قال الترمذي: "هكذا رواه غير واحد عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ورواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسم.
وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة".
قلت: والحديث صححه ابن حبان والحاكم.
وتكلم فيه البخاري وأبو زرعة والنسائي والترمذي والدارقطني ورأوا أنه مرسل.
انظر: علل ابن أبي حاتم (١٢٧٩) والعلل الكبير للترمذي (٢٨٦) والتلخيص الحبير (٣/ ١٥٩) ونصب الراية (٣/ ٢١٤).
الجزء: 1 - الصفحة: 560
ولم يزل الخلفاء الراشدون والرحماء من الناس يشفعون في العشاق إلى معشوقهم الجائز وصلهن، كما تقدم من فعل أبي بكر وعثمان.
وكذلك علي أتي بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل، فقال له: ما قصتك؟ قال: لست بسارق، ولكني أصدقك:
تعلقت في دار الرياحي خودة … يذل لها من حسن منظرها البدر (^١)
لها في بنات الروم حسن ومنظر … إذا افتخرت بالحسن جانبها الفخر (^٢)
فلما طرقت الدار من حر مهجة … أتيت وفيها من توقدها الجمر (^٣)
تبادر أهل الدار لي ثم صيحوا … هو اللص محتوما له القتل والأسر (^٤)
فلما سمع علي رضي الله عنه شعره رق له، وقال للمهلب بن رياح (^٥): اسمح له بها، فقال: يا أمير المؤمنين سله من هو؟ فقال:
(^١) ف: "الرباحي" بالباء.
وفي ز بالنون.
وأهمل النقط في س، خب.
ولعل الصواب ما أثبت من ل واعتلال القلوب ومنازل الأحباب.
(^٢) س، خا: "الفجر".
وفي ز: "الهجر" تحريف.
وما قبلها في ل: "حافيها".
وفي غيرها: "حافتها".
وفي منازل الأحباب: "كان لها".
وفي روضة المحبين، والواضح المبين: "صدقها".
والأقرب إلى رسم النسخ ما أثبتنا من اعتلال القلوب.
فإن صح كان المعنى من قولهم: جانبه الشيء مجانبة: صار إلى جنبه، والكلمة من الأضداد.
انظر اللسان (جنب ١/ ٢٧٥). وفي ف: "فالحسن".
(^٣) ف، ز: "أبيت".
(^٤) "لي": كذا في ف، وروضة المحبين، والواضح المبين.
وفي غيرها: "بي".
وفي ف: "ثم أصبحوا"، تحريف.
(^٥) في اعتلال القلوب، ومنازل الأحباب زيادة: "اليربوعي".
وفي النسخ "رباح" =
الجزء: 1 - الصفحة: 561
النهاس بن عيينة (^١).
فقال: خذها، فهي لك (^٢).
واشترى معاوية جارية، فأعجب بها إعجابا شديدا، فسمعها يوما تنشد أبياتا منها:
وفارقته كالغصن يهتز في الثرى … طريرا وسيما بعد ما طر شاربه
فسألها، فأخبرته أنها تحب سيدها، فردها إليه، وفي قلبه منها (^٣).
= بالموحدة ولعله تصحيف.
ورياح بن يربوع بطن من تميم.
ولم أجد ترجمة للمهلب هذا.
(^١) في الاعتلال والمنازل وروضة المحبين زيادة: "العجلي".
وكذا وقع "عيينة" في النسخ والمصادر التي وردت فيها القصة.
وأراه مصحفا، والصواب: "عتيبة".
ولعل أباه عتيبة بن النهاس العجلي.
وكان من وجوه قومه، وله إدراك ومشاهد في خلافة أبي بكر رضي الله عنه.
وأخوه عتاب بن النهاس كان شريفا.
والمغيرة بن عتيبة بن النهاس كان قاضي الكوفة.
انظر الإصابة (٥/ ١٢١). فهذا النهاس -إن صحت القصة- سمي باسم جده.
(^٢) أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب (٢٣٢ - ٢٣٣) من طريق أبي مخنف قال: رفع إلى علي بن أبي طالب … فذكره.
وسنده تالف.
فيه أبو مخنف لوط بن يحيى، وكان شيعيا محترقا.
قال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث.
وقال ابن معين: ليس بثقة.
وقال الذهبي: أخباري تالف لا يوثق به.
انظر الجرح والتعديل (٧/ ١٨٢) ولسان الميزان (٦/ ٤٣٥ - ٤٣١). (ز).
وانظر القصة في منازل الأحباب (٢٦٥) والواضح المبين (٣١) وروضة المحبين (٥٢١). (ص).
(^٣) نقل المؤلف هذه القصة في روضة المحبين (٥٢٢) من كتاب امتزاج النفوس للحكيم محمد بن أحمد التميمي.
وكذا نقلها منه صاحب الواضح المبين (٣١). وفي الروضة والواضح المبين: "فسألها، فقالت: هو ابن عمي، فردها إليه، وفي نفسه منها".
وهنا وقف النص في الروضة.
وتكملته في الواضح المبين: " … المقيم المقعد".
الجزء: 1 - الصفحة: 562
وذكر الزمخشري في ربيعه (^١) أن زبيدة (^٢) قرأت في طريق مكة على حائط:
أما في عباد الله أو في إمائه … كريم يجلي الهم عن ذاهب العقل
له مقلة أما المآقي قريحة … وأما الحشا فالنار منه على رجل
فنذرت أن تحتال لقائلهما إن عرفته حتى تجمع بينه وبين من يحبه.
فبينا هي بالمزدلفة إذ سمعت من ينشد البيتين، فطلبته، فزعم أنه قالهما في ابنة عم له، نذر أهلها أن لا يزوجوها منه.
فوجهت إلى الحي، وما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوها منه؛ وإذا المرأة أعشق له منه لها.
فكانت تعده من أعظم حسناتها، وتقول: ما أنا بشيء أسر مني من جمعي بين ذلك الفتى والفتاة.
قال الخرائطي (^٣): وكان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابان، فكتب الغلام لها يوما:
ولقد رأيتك في المنام كأنما … عاطيتني من ريق فيك البارد
وكأن كفك في يدي وكأننا … بتنا جميعا في فراش واحد
فطفقت يومي متراقدا … لأراك في نومي ولست براقد (^٤)
(^١) ربيع الأبرار (٣/ ١٢١). ومنه نقلها في روضة المحبين (٥٣٠) أيضا.
(^٢) بنت جعفر، زوج هارون الرشيد.
(^٣) وكذا نقلها المؤلف عن الخرائطي في روضة المحبين (٥٣١) أيضا، ولم أجدها في اعتلال القلوب.
وهي في ربيع الأبرار (٣/ ١٢٢) والواضح المبين (٣٤).
(^٤) "طفقت لا هنا بمعنى لزمت.
انظر: المحكم لابن سيده (٦/ ١٧٦).
الجزء: 1 - الصفحة: 563
فأجابته الجارية؟
خيرا رأيت وكل ما أبصرته … ستناله مني برغم الحاسد
إني لأرجو أن تكون معانقي … فتبيت فوق ثدي ناهد
وأراك بين خلاخلي ودمالجي … وأراك فوق ترائبي ومجاسدي (^١)
فبلغ ذلك سليمان، فانكحها الغلام، وأحسن حالهما (^٢)، على فرط غيرته.
وقال جامع بن مرخية (^٣):
سألت سعيد بن المسيب مفتي الـ … ـمدينة هل في حب دهماء من وزر (^٤)
فقال سعيد بن المسيب إنما … تلام على ما تستطيع من الأمر (^٥)
(^١) الدمالج: جمع دملج، وهو ما يحيط بالعضد من الحلي.
والمجاسد: جمع مجسد، وهو الثوب الذي يلي الجسد.
(^٢) س: "حسن حالهما".
وفي الواضح المبين: "أحسن جهازهما"، وهو أجود.
(^٣) ف، ز: "مرحبة" مضبوطا في ف بفتح الحاء مع علامة الإهمال.
وفي س: "مزجية".
والصواب ما أثبتنا من الواضح المبين (٣٦). وهو جامع بن مرخية الكلابي من شعراء الحجاز في العصر الأموي.
ذكره صاحب الأغاني (٩/ ١٤٣) في ترجمة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
وسماه الغندجاني في فرحة الأديب (١٠٣) "جامع بن عمرو بن مرخية"، وأنشد ابن السكيت له بيتا في إصلاح المنطق (٢٩٠). وانظر اللسان (مهل، برم).
(^٤) ف: "في الحب دهما"! و"دهماء" صاحبة الشاعر.
ذكرها في أبيات أخرى أيضا (فرحة الأديب: ١٠٣). وفي الأغاني: "ظمياء".
(^٥) أثبت النساخ والناشرون البيتين كالنثر!
الجزء: 1 - الصفحة: 564
فقال سعيد: والله ما سألني أحد عن هذا، ولو سألني ما كنت (^١) أجيب إلا به (^٢).
فعشق النساء (^٣) ثلاثة أقسام:
عشق هو قربة وطاعة، وهو عشق الرجل امرأته وجاريته.
وهذا العشق نافع فإنه أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح، وأكف للبصر والقلب عن التطلع (^٤) إلى غير أهله.
ولهذا يحمد هذا العاشق عند الله وعند الناس.
وعشق هو مقت من الله، وبعد من رحمته، وهو أضر شيء على العبد في دينه ودنياه؛ وهو عشق المردان.
فما ابتلي به (^٥) إلا من سقط من عين الله، وطرده عن بابه (^٦)، وأبعد قلبه عنه.
وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله، كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد من عين الله ابتلاه بمحبة المردان.
(^١) ف، ز: "لما كنت".
(^٢) روى صاحب الأغاني عن الزبير بن بكار أن قول جامع لما بلغ سعيدا قال: "كذب والله ما سألني ولا أفتيته بما قال".
ونقل القصة صاحب الظرف والظرفاء (١٦٠) عن ثعلب، وفيه: "ابن مرجانة الشاعر".
وهو تحريف.
وانظر الرد على مثل هذه الفتاوى المزعومة في روضة المحبين (٢٤٧،٢٢٧).
(^٣) في حاشية س: "ظ فالعشق ثلاثة"، لأن القسم الثاني ليس من عشق النساء.
وقد يكون الصواب في المتن: "فعشق الناس".
(^٤) س: "إلى التطلع"، غلط.
(^٥) ز: "به أحد".
(^٦) ف، ل: "طرد".
وفي ف: "من بابه".
الجزء: 1 - الصفحة: 565
وهذه المحبة هي (^١) التي جلبت على قوم لوط ما جلبت، فما أتوا إلا من هذا العشق (^٢) قال تعالى ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢].
ودواء هذا الداء الدوي: الاستعانة (^٣) بمقلب القلوب، وصدق اللجأ إليه، والاشتغال بذكره، والتعوض بحبه وقربه، والتفكر في الألم الذي يعقبه هذا العشق، واللذة التي تفوته به؛ فيترتب عليه فوات أعظم محبوب، وحصول أعظم مكروه.
فإن أقدمت نفسه على هذا وآثرته، فليكبر عليها تكبيره على الجنازة، وليعلم أن البلاء قد أحاط به!
والقسم الثالث من العشق: عشق مباح لا يملك، كعشق من وصفت له امرأة جميلة، أو رآها فجأة من غير قصد، فأورثه ذلك عشقا لها، ولم يحدث له ذلك العشق معصية؛ فهذا لا يملك ولا يعاقب عليه.
والأنفع له مدافعته، والاشتغال بما هو أنفع له.
والواجب على هذا أن يكتم، ويعف، ويصبر على بلواه.
فيثيبه الله على ذلك، ويعوضه على صبره لله، وعفته، وتركه طاعة هواه، وإيثار مرضاة الله وما عنده.
(^١) لم ترد "هي" في ف، ل.
(^٢) ل: "إلا من هذا الباب الضيق".
(^٣) ف، ز: "الاستغاثة".
الجزء: 1 - الصفحة: 566
فصل
والعشاق ثلاثة أقسام (^١):
منهم من يعشق الجمال المطلق.
ومنهم من يعشق الجمال المقيد، سواء طمع بوصاله أو لم يطمع.
ومنهم من لا يعشق إلا من يطمع في الوصول إليه.
وبين هذه الأنواع تفاوت في القوة والضعف.
فعاشق الجمال المطلق قلبه (^٢) يهيم في كل واد، وله في كل صورة جميلة مراد!
يوما بحزوى ويوما بالعذيب ويو … ما بالعقيق ويوما بالخليصاء
وتارة تنتحي نجدا وآونة … شعب العقيق وطورا قصر تيماء (^٣)
فهذا عشقه واسع، ولكنه غير ثابت كثير التنقل (^٤).
يهيم بهذا ثم يعشق غيره … ويسلاهم من وقته حين يصبح (^٥)
(^١) انظر: روضة المحبين (١٨٧).
(^٢) "المطلق" ساقط من س. و"قلبه" ساقط من ف.
(^٣) ف: "ينتجي" تصحيف.
والبيتان من قصيدة صاحبية لأبي محمد الخازن.
انظر: اليتيمة (٣/ ١٩١)، وفيه: "بحزوى ويوما بالعقيق، وبالعذيب يوما".
(^٤) "كثير التنقل" ساقط من ل، وفيها: "وقال آخر".
(^٥) "ثم يعشق يخرج" ساقط من س. والبيت من أبيات لسمنون بن حمزة أوردها المؤلف في طريق الهجرتين (٣٢) دون نسبة.
وعزاها صاحب الزهرة (٦٢) إلى "بعض أهل هذا العصر".
وسمنون توفي بعد الجنيد (٢٩٧ هـ) فهو معاصر لأبي بكر المتوفى ٢٩٦ هـ أو ٢٩٧ هـ. وقد أوردها السلمي في طبقات الصوفية (١٩٨) لسمنون، ونقلها عنه الخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٢٣٦). وانظر صفة =
الجزء: 1 - الصفحة: 567
وعاشق الجمال المقيد أثبت على معشوقه، وأدوم محبة له.
ومحبته أقوى من محبة الأول لاجتماعها في واحد، وتقسم الأولى، ولكن يضعفها عدم الطمع في الوصال.
وعاشق الجمال الذي يطمع في وصاله أعقل العشاف وأعرفهم، وحبه أقوى لأن الطمع يمده ويقويه.
فصل
وأما حديث "من عشق فعف (^١) "، فهذا يرويه سويد بن سعيد، فقد أنكره حفاظ الإسلام عليه (^٢).
قال ابن عدي في كامله (^٣): هذا الحديث أحد ما أنكر على سويد.
وكذا ذكره البيهقي، وابن طاهر في الذخيرة (^٤)، والتذكرة (^٥).
وأبو الفرج بن الجوزي، وعده في الموضوعات (^٦).
= الصفوة (١/ ٤٨٥).
(^١) مكان "فعف" بياض في س. وفي ف: "فعف وكتم".
(^٢) سبق تخريجه (٥٢٨ - ٥٢٩)، وانظر: زاد المعاد (٤/ ٢٧٥ - ٢٧٨) وروضة المحبين (٢٨٧ - ٢٨٩).
(^٣) ليس في المطبوع فلعله مما سقط منه، وما أكثره!.
وإنما فيه بعد أن ساق له أحاديث (٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩) ليس هذا منها: "ولسويد مما أنكرت عليه غير ما ذكرت، وهو إلى الضعف أقرب".
(^٤) لم أجده في المطبوع.
(^٥) تذكرة الموضوعات (٩١).
(^٦) وكذا قال المؤلف في الزاد (٤/ ٢٧٧) والروضة (٢٨٩). قال الكناني في تنزيه الشريعة (٣٦٤): "ذكر غير واحد من المصنفين أن هذا الحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات وأعله بسويد بن سعيد.
وتعقبوه بأن سويدا من رجال مسلم وبأنه =
الجزء: 1 - الصفحة: 568
وأنكره أبو عبد الله الحاكم (^١) -على تساهله- وقال: أنا أتعجب منه (^٢).
قلت: والصواب في الحديث أنه من كلام ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا عليه، فغلط سويد في رفعه (^٣).
قال محمد بن خلف بن المرزبان (^٤): حدثنا أبو بكر الأزرق، عن سويد به، فعاتبته على ذلك، فأسقط ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فكان (^٥) بعد ذلك يسأل (^٦) عنه، فلا يرفعه (^٧).
ولا يشبه هذا كلام النبوة.
وأما رواية الخطيب (^٨) له عن الأزهري: حدثنا المعافى بن زكريا،
= تابعه المنجنيقي.
ومن طريقه أخرجه الدارقطني.
ولم يذكر السيوطي الحديث في كتبه.
فلعل نسخ الموضوعات تختلف، والله أعلم".
هذا، وقد ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (٧٧١).
(^١) في تاريخ نيسابور، كما في زاد المعاد (٤/ ٢٧٧).
(^٢) ف: "أعجب منه".
(^٣) وقال المؤلف في الزاد (٤/ ٢٧٧): "وفي صحته موقوفا على ابن عباس نظر".
وذلك من أجل سويد بن سعيد الذي رماه الناس بالعظائم، وأنكره يحيي بن معين، وقال: هو ساقط كذاب، لو كان لي فرس ورمح كنت أغزوه … إلى آخر ما ذكره المؤلف.
(^٤) ذم الهوى (٣٢٩).
(^٥) ل: "وكان".
(^٦) ف: "إذا سئل".
(^٧) ز: "ولا يرفع".
وانظر المقاصد الحسنة (٤٩١ - ٤٩٣).
(^٨) في تاريخ بغداد (١٢/ ٤٧٥) وابن الجوزي في ذم الهوى (٢٥٨). فيه أحمد بن محمد بن مسروق.
قال الدارقطني: "ليس بالقوي، يأتي بالمعضلات".
قلت: رواه جماعة -كما تقدم- بالطريق المشهور.
ولهذا قال الخطيب: "رواه غير =
الجزء: 1 - الصفحة: 569
حدثنا قطبة بن الفضل، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق، حدثنا سويد، حدثنا ابن مسهر (^١)، عن هشام بن عروة (^٢)، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا؛ فمن أبين الخطأ.
ولا يحتمل (^٣) هشام عن أبيه عن عائشة (^٤) مثل هذا عند من شم أدنى رائحة من الحديث (^٥).
ونحن نشهد الله أن عائشة ما حدثت بهذا عن رسول الله (^٦) صلى الله عليه وآله وسلم قط، ولا حدث به عنها عروة، ولا حدث به عنه هشام قط.
وأما حديث ابن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعا؛ فكذب على ابن الماجشون، فإنه لم يحدث (^٧) بهذا ولا حدث به عنه الزبير بن بكار، وإنما هذا من تركيب بعض الوضاعين.
ويا سبحان الله! كيف يحتمل هذا الإسناد مثل هذا المتن؟ فقبح الله
= واحد عن سويد عن علي عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس، وهو المحفوظ".
ومما يدل على عدم ثبوته أيضا أنه كان يضطرب فيه، فمرة على وجه الصواب كما عند ابن الجوزي في الذم (٢٥٦)، ومرة عن عائشة.
(^١) ف: "أبو مسهر"، خطأ.
وفي س تحرف كل "ثنا" في هذا السند إلى "بن".
فوقع فيه: "سويد بن مسهر".
ولعل الأصل كان "سويد ثنا ابن مسهر" كما في ز، ل: فلما تحرف "ثنا" إلى "بن" تكررت كلمة "بن" فحذفت إحداهما.
(^٢) ز: "عن عروة" خطأ.
(^٣) س: "ولا يحمل".
ف: "ولا يتحمل".
(^٤) "مرفوعا … عائشة" ساقط من ل.
(^٥) وانظر: زاد المعاد (٤/ ٢٧٧) وروضة المحبين (٢٨٩).
(^٦) ف: "عن النبي".
(^٧) ز: "ما حدث".
الجزء: 1 - الصفحة: 570
الوضاعين!
وقد ذكره أبو الفرج (^١) من حديث محمد بن جعفر بن سهل، حدثنا يعقوب بن عيسى من ولد عبد الرحمن (^٢) بن عوف، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مرفوعا.
وهذا غلط قبيح، فإن محمد بن جعفر هذا هو الخرائطي، ووفاته سنة سبع وعشرين وثلاث مائة، فمحال أن يدرك شيخه يعقوب ابن أبي نجيح، لا سيما وقد رواه في كتاب الاعتلال (^٣) عن يعقوب هذا، عن الزبير، عن عبد الملك، عن عبد العزيز، عن ابن أبي نجيح.
والخرائطي هذا (^٤) مشهور بالضعف في الرواية، ذكره أبو الفرج (^٥) في كتاب الضعفاء (^٦).
وكلام حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم
(^١) في العلل المتناهية (١٢٨٨) وذم الهوى (٣٢٦).
(^٢) "عبد الرحمن" تكرر في ل.
(^٣) اعتلال القلوب (٧٩).
(^٤) "هذا" ساقط من ف.
(^٥) بعده في س: "ابن الجوزي".
(^٦) لم يذكره ابن الجوزي في كتاب الضعفاء (٣/ ٤٦ - ٤٧) وإنما ذكر رجلين آخرين أحدهما محمد بن جعفر المدائني، والآخر محمد بن جعفر بن عبد الله بن جعفر، فلعل المؤلف رحمه الله قد وهم.
وقد نبه على ذلك الألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٥٨٩ - ٥٩٠) كما تعقب المؤلف في تضعيفه للخرائطي وقال: "أما الخرائطي فلا أعرف أحدا من المتقدمين رماه بشيء من الضعف … وقال فيه ابن ماكولا: كان من الأعيان الثقات … ".
الجزء: 1 - الصفحة: 571
يرجع في هذا الشأن.
وما صححه، بل ولا حسنه أحد يعول في علم الحديث عليه، ويرجع في التصحيح (^١) إليه؛ ولا من عادته التساهل والتسامح، فإنه لم يطنف (^٢) نفسه له.
ويكفي أن ابن طاهر الذي يتساهل في أحاديث التصوف، ويروي منها الغث والسمين والمنخنقة والموقودة قد أنكره، وحكم ببطلانه (^٣).
نعم، ابن عباس غير مستنكر ذلك عنه.
وقد ذكر أبو محمد بن حزم عنه أنه سئل عن الميت عشقا، فقال: قتيل الهوى، لا عقل ولا قود! (^٤) ورفع إليه بعرفات شاب قد صار (^٥) كالفرخ، فقال: ما شأنه؟ قالوا: العشق.
فجعل عامة يومه يستعيذ من العشق (^٦).
فهذا نفس من قال: من عشق وعف وكتم ومات، فهو شهيد.
ومما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عد الشهداء في الصحيح، فذكر المقتول في الجهاد، والمبطون، والحرق، والنفساء يقتلها ولدها، والغرق، وصاحب ذات الجنب (^٧)، ولم يعد منهم العاشق يقتله العشق.
(^١) ف، ل: "الصحيح"، تحريف.
(^٢) ل: "يطيف"، تصحيف.
طنفه بالأمر: اتهمه به.
وطنف للأمر: قارفه.
وطنف نفسه إلى الشيء: أدناها إلى الطمع فيه.
ولعل المقصود أن المتساهل أيضا لم يدفع نفسه إلى تصحيح الحديث.
(^٣) وذكره في تذكرة الموضوعات (٩١) كما سبق.
(^٤) طوق الحمامة (٦). وقد سقط من س "لا عقل".
(^٥) ز: "صار" دون "قد".
(^٦) سبق تخريجه (٤٩٨).
(^٧) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب النهي عن البكاء على الميت (٥٥٥) من حديث جابر بن عتيك.
قال النووي: "وهذا الحديث الذي =
الجزء: 1 - الصفحة: 572
وحسب قتيل العشق أن يصح (^١) له هذا الأثر عن ابن عباس (^٢) على أنه لا يدخل تحته حتى يصبر لله، ويعف لله، ويكتم لله.
وهذا لا يكون إلا مع قدرته على معشوقه، وإيثار محبة الله وخوفه ورضاه.
وهذا من أحق من دخل تحت قوله: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (٤٠) فإن الجنة هي المأوى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١] وتحت قوله: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا ممن آثر حبه على هواه، وابتغى بذلك قربه ورضاه (^٣).
= رواه مالك صحيح بلا خلاف، وإن كان البخاري ومسلم لم يخرجاه".
شرح النووي (١٣/ ٦٦).
(^١) س: "صح".
(^٢) ولكن المؤلف رحمه الله قال نفسه -كما تقدم- في زاد المعاد (٤/ ٢٧٧): "وفي صحته موقوفا على ابن عباس نظر".
(^٣) بعده في س: "آمين آخر الكتاب … ". وفي ف: "تم الكتاب والحمد لله رب العالمين … " وفي ز: "تم الكتاب بحمد الله وحسبنا الله ونعم الوكيل".
وفي ل: "بمنه وكرمه إنه جواد كريم" ثم بعد بياض كتب: "تم الكتاب … ". وكذا في خا.
الجزء: 1 - الصفحة: 573