فصل: محبة رسول الله ﷺ
فإنه من علامة محبة الله.
وإذا أردت أن تعلم ٦ ما عندك وعند غيرك من محبة الله، فانظر إلى محبة القرآن ٧ من
قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب ١ الملاهي والغناء المطرب ٢ بسماعهم، فإنه من المعلوم أن من أحب محبوبا كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه، كما قيل:
إن كنت تزعم حبي … فلم هجرت كتابي
أما تأملت ما فيـ … ـه من لذيذ خطابي ٣
وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبنا لما شبعت ٤ من كلام الله ٥.
وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه، وهو غاية مطلوبه! وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما لعبد الله بن مسعود: "اقرأ علي"، فقال: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ فقال: "إني أحب أن أسمعه من غيري".
فاستفتح، وقرأ سورة النساء، حتى إذا بلغ قوله: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (٤١)﴾ [النساء: ٤١] قال: "حسبك".
فرفع رأسه، فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تذرفان من البكاء" ٦.
وكان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون ١.
فلمحبي القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعاف ما لمحبي السماع الشيطاني.
فإذا رأيت الرجل: ذوقه وجده وطربه ونشوته ٢ في سماع الأبيات دون سماع الآيات، وفي سماع الألحان دون سماع القرآن، وهو كما قيل:
تقرا عليك الختمه ٣ … وأنت جامد كالحجر
وبيت من الشعر ينشد ٤ … تميل كالنشوان ٥
فهذا من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه، وتعلقه بمحبة سماع الشيطان؛ والمغرور يعتقد أنه على شيء!
ففي محبة الله وكلامه ورسوله أضعاف أضعاف ما ذكر ١ السائل من فوائد العشق ومنافعه، بل لا حب على الحقيقة أنفع منه؛ وكل حب سوى ذلك باطل، إن لم يعن عليه ويشوق المحب ٢ إليه.
فصل
وأما محبة النسوان فلا لوم على المحب فيها، بل هي من كماله ٣.
وقد امتن الله سبحانه بها ٤ على عباده فقال: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (٢١)﴾ [الروم: ٢١].
فجعل المرأة سكنا للرجل يسكن قلبه إليها، وجعل بينهما خالص الحب، وهو المودة المقترنة بالرحمة.
وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحل لنا من النساء وما حرم منهن: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (٢٦) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (٢٧) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨].
ذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاووس عن أبيه:
قال ١: إذا نظر إلى النساء لم يصبر ٢.
وفي الصحيح من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه رأى امرأة، فأتى زينب، فقضى حاجته منها، وقال: "إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه" ٣.
ففي هذا الحديث عدة فوائد:
منها: الإرشاد إلى التسلي عن المطلوب بجنسه، كما يقوم الطعام ٤ مقام الطعام، والثوب مقام الثوب.
ومنها: الأمر بمداواة الإعجاب بالمرأة المورث لشهوتها بأنفع الأدوية، وهو قضاء وطره من أهله، وذلك ينقض شهوته لها.
وهذا كما أرشد المتحابين إلى النكاح، كما في سنن ابن ماجه ٥
مرفوعا: "لم ير للمتحابين مثل النكاح".
فنكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله ١ دواءه شرعا وقدرا.
وبه تداوى داود صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يرتكب نبي الله مرما، وإنما تزوج المرأة، وضمها إلى نسائه لمحبته لها، وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته.
ولا يليق بنا المزيد على هذا ٢.
وأما قصة زينب بنت جحش، فزيد كان قد عزم على طلاقها ولم توافقه، وكان يستشير النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فراقها ٣، وهو يأمره بإمساكها، فعلم
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه مفارقها ولا بد، فأخفى في نفسه أن يتزوجها إذا فارقها زيد، وخشي مقالة الناس أن رسول الله ١ صلى الله عليه وآله وسلم تزوج زوجة ابنه، فإنه كان قد تبنى زيدا قبل النبوة، والرب تعالى يريد أن يشرع شرعا عاما ٢ فيه مصالح عباده.
فلما طلقها زيد، وانقضت عدتها منه ٣، أرسله إليها يخطبها لنفسه.
فجاء زيد، واستدبر الباب بظهره، وعظمت في صدره لما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فناداها من وراء الباب: يا زينب إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطبك.
فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، وقامت إلى محرابها، فصلت.
فتولى الله عز وجل نكاحها من رسوله ٤ بنفسه، وعقد النكاح له فوق عرشه، وجاء الوحي بذلك: ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوقته، فدخل عليها ٥.
فكانت ٦ تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ٧، وتقول: أنتن زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات ٨!
فهذه قصة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع زينب ٩.
ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد حبب إليه النساء ١، كما في الصحيح من حديث أنس عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" ٢.
هذا لفظ الحديث، لا ما يرويه بعضهم ٣: "حبب إلي من دنياكم ثلاث … ".
زاد الإمام أحمد في كتاب الزهد ١ في هذا الحديث: "أصبر عن الطعام والشراب، ولا أصبر عنهن".
وقد حسده أعداء الله اليهود على ذلك، فقالوا: ما همه إلا النكاح، فرد الله سبحانه عن رسوله، ونافح عنه، فقال: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤] ٢.
وهذا خليل الله إبراهيم إمام الحنفاء كان عنده سارة أجمل نساء العالمين، وأحب هاجر، وتسرى بها.
وهذا داود كان عنده تسعة وتسعون امرأة، فأحب تلك المرأة، وتزوج بها، فكمل المائة ٣.
وهذا سليمان ابنه كان يطوف في الليلة على تسعين امرأة ١.
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أحب الناس إليه، فقال: "عائشة ٢.
وقال عن خديجة ٣: "إني رزقت حبها" ٤.
فمحبة النساء من كمال الإنسان.
قال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساء ٥.
وقد ذكر الإمام أحمد ٦ أن عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم
جلولاء جارية كأن عنقها إبريق فضة.
قال عبد الله: فما صبرت أن قبلتها، والناس ينظرون.
وبهذا احتج الإمام أحمد على جواز الاستمتاع من المسبية قبل الاستبراء بغير الوطء، بخلاف الأمة المشتراة.
والفرق بينهما أنه لا يتوهم انفساخ الملك في المسبية، بخلاف المشتراة فقد ينفسخ فيها ١ الملك، فيكون مستمتعا بأمة غيره ٢.
وقد شفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعاشق أن تواصله معشوقته ٣ بأن تتزوج به، فأبت.
وذلك في قصة مغيث وبريرة، فإنه رآه يمشي خلفها بعد فراقها، ودموعه تجري على خديه، فقال لها: "لو راجعتيه"! ٤ فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: "لا، إنما أشفع".
فقالت ٥: لا حاجة لي به.
فقال لعمه: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة،
ومن بغضها له؟ " ١ ولم ينكر عليه حبها، وإن كانت قد بانت منه، فإن هذا ما لا يملكه ٢.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسوي بين نسائه في القسم، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك" ٣.
يعني الحب.
وقد قال تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ [النساء: ١٢٩]، يعني: في الحب والجماع.
ولم يزل الخلفاء الراشدون والرحماء من الناس يشفعون في العشاق إلى معشوقهم الجائز وصلهن، كما تقدم من فعل أبي بكر وعثمان.
وكذلك علي أتي بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل، فقال له: ما قصتك؟ قال: لست بسارق، ولكني أصدقك:
تعلقت في دار الرياحي خودة … يذل لها من حسن منظرها البدر ١
لها في بنات الروم حسن ومنظر … إذا افتخرت بالحسن جانبها الفخر ٢
فلما طرقت الدار من حر مهجة … أتيت وفيها من توقدها الجمر ٣
تبادر أهل الدار لي ثم صيحوا … هو اللص محتوما له القتل والأسر ٤
فلما سمع علي رضي الله عنه شعره رق له، وقال للمهلب بن رياح ٥: اسمح له بها، فقال: يا أمير المؤمنين سله من هو؟ فقال:
النهاس بن عيينة ١.
فقال: خذها، فهي لك ٢.
واشترى معاوية جارية، فأعجب بها إعجابا شديدا، فسمعها يوما تنشد أبياتا منها:
وفارقته كالغصن يهتز في الثرى … طريرا وسيما بعد ما طر شاربه
فسألها، فأخبرته أنها تحب سيدها، فردها إليه، وفي قلبه منها ٣.
وذكر الزمخشري في ربيعه ١ أن زبيدة ٢ قرأت في طريق مكة على حائط:
أما في عباد الله أو في إمائه … كريم يجلي الهم عن ذاهب العقل
له مقلة أما المآقي قريحة … وأما الحشا فالنار منه على رجل
فنذرت أن تحتال لقائلهما إن عرفته حتى تجمع بينه وبين من يحبه.
فبينا هي بالمزدلفة إذ سمعت من ينشد البيتين، فطلبته، فزعم أنه قالهما في ابنة عم له، نذر أهلها أن لا يزوجوها منه.
فوجهت إلى الحي، وما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوها منه؛ وإذا المرأة أعشق له منه لها.
فكانت تعده من أعظم حسناتها، وتقول: ما أنا بشيء أسر مني من جمعي بين ذلك الفتى والفتاة.
قال الخرائطي ٣: وكان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابان، فكتب الغلام لها يوما:
ولقد رأيتك في المنام كأنما … عاطيتني من ريق فيك البارد
وكأن كفك في يدي وكأننا … بتنا جميعا في فراش واحد
فطفقت يومي متراقدا … لأراك في نومي ولست براقد ٤
فأجابته الجارية؟
خيرا رأيت وكل ما أبصرته … ستناله مني برغم الحاسد
إني لأرجو أن تكون معانقي … فتبيت فوق ثدي ناهد
وأراك بين خلاخلي ودمالجي … وأراك فوق ترائبي ومجاسدي ١
فبلغ ذلك سليمان، فانكحها الغلام، وأحسن حالهما ٢، على فرط غيرته.
وقال جامع بن مرخية ٣:
سألت سعيد بن المسيب مفتي الـ … ـمدينة هل في حب دهماء من وزر ٤
فقال سعيد بن المسيب إنما … تلام على ما تستطيع من الأمر ٥
فقال سعيد: والله ما سألني أحد عن هذا، ولو سألني ما كنت ١ أجيب إلا به ٢.
فعشق النساء ٣ ثلاثة أقسام:
عشق هو قربة وطاعة، وهو عشق الرجل امرأته وجاريته.
وهذا العشق نافع فإنه أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح، وأكف للبصر والقلب عن التطلع ٤ إلى غير أهله.
ولهذا يحمد هذا العاشق عند الله وعند الناس.
وعشق هو مقت من الله، وبعد من رحمته، وهو أضر شيء على العبد في دينه ودنياه؛ وهو عشق المردان.
فما ابتلي به ٥ إلا من سقط من عين الله، وطرده عن بابه ٦، وأبعد قلبه عنه.
وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله، كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد من عين الله ابتلاه بمحبة المردان.
وهذه المحبة هي ١ التي جلبت على قوم لوط ما جلبت، فما أتوا إلا من هذا العشق ٢ قال تعالى ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢].
ودواء هذا الداء الدوي: الاستعانة ٣ بمقلب القلوب، وصدق اللجأ إليه، والاشتغال بذكره، والتعوض بحبه وقربه، والتفكر في الألم الذي يعقبه هذا العشق، واللذة التي تفوته به؛ فيترتب عليه فوات أعظم محبوب، وحصول أعظم مكروه.
فإن أقدمت نفسه على هذا وآثرته، فليكبر عليها تكبيره على الجنازة، وليعلم أن البلاء قد أحاط به!
والقسم الثالث من العشق: عشق مباح لا يملك، كعشق من وصفت له امرأة جميلة، أو رآها فجأة من غير قصد، فأورثه ذلك عشقا لها، ولم يحدث له ذلك العشق معصية؛ فهذا لا يملك ولا يعاقب عليه.
والأنفع له مدافعته، والاشتغال بما هو أنفع له.
والواجب على هذا أن يكتم، ويعف، ويصبر على بلواه.
فيثيبه الله على ذلك، ويعوضه على صبره لله، وعفته، وتركه طاعة هواه، وإيثار مرضاة الله وما عنده.
فصل
والعشاق ثلاثة أقسام ١:
منهم من يعشق الجمال المطلق.
ومنهم من يعشق الجمال المقيد، سواء طمع بوصاله أو لم يطمع.
ومنهم من لا يعشق إلا من يطمع في الوصول إليه.
وبين هذه الأنواع تفاوت في القوة والضعف.
فعاشق الجمال المطلق قلبه ٢ يهيم في كل واد، وله في كل صورة جميلة مراد!
يوما بحزوى ويوما بالعذيب ويو … ما بالعقيق ويوما بالخليصاء
وتارة تنتحي نجدا وآونة … شعب العقيق وطورا قصر تيماء ٣
فهذا عشقه واسع، ولكنه غير ثابت كثير التنقل ٤.
يهيم بهذا ثم يعشق غيره … ويسلاهم من وقته حين يصبح ٥
وعاشق الجمال المقيد أثبت على معشوقه، وأدوم محبة له.
ومحبته أقوى من محبة الأول لاجتماعها في واحد، وتقسم الأولى، ولكن يضعفها عدم الطمع في الوصال.
وعاشق الجمال الذي يطمع في وصاله أعقل العشاف وأعرفهم، وحبه أقوى لأن الطمع يمده ويقويه.
فصل
وأما حديث "من عشق فعف ١ "، فهذا يرويه سويد بن سعيد، فقد أنكره حفاظ الإسلام عليه ٢.
قال ابن عدي في كامله ٣: هذا الحديث أحد ما أنكر على سويد.
وكذا ذكره البيهقي، وابن طاهر في الذخيرة ٤، والتذكرة ٥.
وأبو الفرج بن الجوزي، وعده في الموضوعات ٦.
وأنكره أبو عبد الله الحاكم ١ -على تساهله- وقال: أنا أتعجب منه ٢.
قلت: والصواب في الحديث أنه من كلام ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا عليه، فغلط سويد في رفعه ٣.
قال محمد بن خلف بن المرزبان ٤: حدثنا أبو بكر الأزرق، عن سويد به، فعاتبته على ذلك، فأسقط ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فكان ٥ بعد ذلك يسأل ٦ عنه، فلا يرفعه ٧.
ولا يشبه هذا كلام النبوة.
وأما رواية الخطيب ٨ له عن الأزهري: حدثنا المعافى بن زكريا،
حدثنا قطبة بن الفضل، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق، حدثنا سويد، حدثنا ابن مسهر ١، عن هشام بن عروة ٢، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا؛ فمن أبين الخطأ.
ولا يحتمل ٣ هشام عن أبيه عن عائشة ٤ مثل هذا عند من شم أدنى رائحة من الحديث ٥.
ونحن نشهد الله أن عائشة ما حدثت بهذا عن رسول الله ٦ صلى الله عليه وآله وسلم قط، ولا حدث به عنها عروة، ولا حدث به عنه هشام قط.
وأما حديث ابن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعا؛ فكذب على ابن الماجشون، فإنه لم يحدث ٧ بهذا ولا حدث به عنه الزبير بن بكار، وإنما هذا من تركيب بعض الوضاعين.
ويا سبحان الله! كيف يحتمل هذا الإسناد مثل هذا المتن؟ فقبح الله
الوضاعين!
وقد ذكره أبو الفرج ١ من حديث محمد بن جعفر بن سهل، حدثنا يعقوب بن عيسى من ولد عبد الرحمن ٢ بن عوف، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مرفوعا.
وهذا غلط قبيح، فإن محمد بن جعفر هذا هو الخرائطي، ووفاته سنة سبع وعشرين وثلاث مائة، فمحال أن يدرك شيخه يعقوب ابن أبي نجيح، لا سيما وقد رواه في كتاب الاعتلال ٣ عن يعقوب هذا، عن الزبير، عن عبد الملك، عن عبد العزيز، عن ابن أبي نجيح.
والخرائطي هذا ٤ مشهور بالضعف في الرواية، ذكره أبو الفرج ٥ في كتاب الضعفاء ٦.
وكلام حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم
يرجع في هذا الشأن.
وما صححه، بل ولا حسنه أحد يعول في علم الحديث عليه، ويرجع في التصحيح ١ إليه؛ ولا من عادته التساهل والتسامح، فإنه لم يطنف ٢ نفسه له.
ويكفي أن ابن طاهر الذي يتساهل في أحاديث التصوف، ويروي منها الغث والسمين والمنخنقة والموقودة قد أنكره، وحكم ببطلانه ٣.
نعم، ابن عباس غير مستنكر ذلك عنه.
وقد ذكر أبو محمد بن حزم عنه أنه سئل عن الميت عشقا، فقال: قتيل الهوى، لا عقل ولا قود! ٤ ورفع إليه بعرفات شاب قد صار ٥ كالفرخ، فقال: ما شأنه؟ قالوا: العشق.
فجعل عامة يومه يستعيذ من العشق ٦.
فهذا نفس من قال: من عشق وعف وكتم ومات، فهو شهيد.
ومما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عد الشهداء في الصحيح، فذكر المقتول في الجهاد، والمبطون، والحرق، والنفساء يقتلها ولدها، والغرق، وصاحب ذات الجنب ٧، ولم يعد منهم العاشق يقتله العشق.
وحسب قتيل العشق أن يصح ١ له هذا الأثر عن ابن عباس ٢ على أنه لا يدخل تحته حتى يصبر لله، ويعف لله، ويكتم لله.
وهذا لا يكون إلا مع قدرته على معشوقه، وإيثار محبة الله وخوفه ورضاه.
وهذا من أحق من دخل تحت قوله: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (٤٠) فإن الجنة هي المأوى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١] وتحت قوله: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا ممن آثر حبه على هواه، وابتغى بذلك قربه ورضاه ٣.