ورواه الزبير بن بكار، عن عبد العزيز الماجشون ١، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس.
وهذا سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين نظر إلى زينب بنت جحش فقال: "سبحان مقلب القلوب" ٢.
وكانت تحت زيد بن حارثة مولاه، فلما هم بطلاقها قال له: "اتق الله وأمسك عليك زوجك".
فلما طلقها زوجها الله سبحانه من رسوله من ٣ فوق سبع سماوات، فكان هو وليها وولي تزويجها من رسوله.
وعقد عقد نكاحها
فوق عرشه، وأنزل على رسوله: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وهذا داود نبي الله لما كان تحته تسع وتسعون امرأة، ثم أحب تلك المرأة، فتزوجها، وكمل بها المائة! ١
وقال الزهري: أول حب ٢ كان في الإسلام حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة ٣، وكان مسروق يسميها "حبيبة رسول رب العالمين" ٤.
وقال أبو قيس مولى عبد الله بن عمرو: أرسلني عبد الله بن عمرو إلى أم سلمة أسألها: أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبل وهو صائم فقالت: لا.
فقال: إن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبلها وهو صائم.
فقالت أم سلمة: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رأى عائشة لا يتمالك عنها ١.
وذكر سعد ٢ بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: كان إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وآله وسلم يزور هاجر في كل يوم من الشام على البراق من
شغفه بها وقلة صبره عنها ١.
وذكر الخرائطي ٢ أن عبد الله بن عمر اشترى جارية رومية، فكان يحبها حبا شديدا، فوقعت ذات يوم عن بغلة له، فجعل يمسح التراب عن وجهها، ويفديها ٣.
وكانت تكثر أن تقول له: يا بطرون، أنت قالون.
تعني ٤: يا مولاي أنت جيد.
ثم إنها هربت منه، فوجد عليها وجدا شديدا، وقال:
قد كنت أحسبني قالون فانصرفت … فاليوم أعلم أني غير قالون
قال أبو محمد بن حزم: وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كثير ٥.
وقال رجل لعمر بن الخطاب: يا امير المؤمنين رأيت امرأة، فعشقتها.
فقال: ذاك ما لا تملك ١.
فالجواب -وبالله التوفيق- أن الكلام في هذا الباب لا بد فيه من التمييز بين الواقع والجائز ٢ والنافع والضار.
ولا يسجل ٣ عليه بالذم والإنكار ولا بالمدح والقبول من حيث الجملة ٤.
وإنما يتبين حكمه وينكشف أمره بذكر متعلقه، وإلا فالعشق من حيث هو لا يحمد ولا يذم.
ونحن نذكر النافع من الحب والضار والجائز والحرام.
اعلم أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جبلت القلوب على محبته، وفطرت الخليقة على تألهه.
وبها قامت الأرض والسماوات، وعليها فطرت المخلوقات.
وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله، فإن "الإله" هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل والخضوع، وتعبده.
والعبادة لا تصح إلا له وحده، و"العبادة" هي كمال الحب مع كمال الخضوع والذل.
والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله.
والله تعالى حيث لذاته من
جميع الوجوه، وما سواه وإنما يحب تبعا لمحبته.
وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع ١ كتبه المنزلة، ودعوة جميع رسله، وفطرته التي فطر عباده عليها، وما ركب فيهم من العقول، وما أسبغ عليهم من النعم- فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها، فكيف بمن كل ٢ الإحسان منه، وما بخلقه جميعهم من نعمة فمنه ٣ وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]؟ - وما تعرف به إلى عباده من أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وما دلت عليه آثار مصنوعاته من كماله ونهاية جلاله ٤ وعظمته.
والمحبة لها داعيان: الجمال والإجمال ٥، والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك، فإنه جميل يحب الجمال ٦، بل الجمال كله له، والإجمال ٧ كله منه.
فلا يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه.
قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم
يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (٥٤) إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (٥٥) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦].
والولاية أصلها الحب، فلا موالاة إلا بحب.
كما أن العداوة أصلها البغض.
والله ولي الذين آمنوا، وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم بمحبته لهم.
فالله ١ يوالي عبده بحسب محبته له.
ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء، بخلاف من وإلى أولياءه، فإنه لم يتخذهم من دونه، بل موالاته ٢ لهم من تمام موالاته.
وقد أنكر على من سوى بينه وبين غيره في المحبة، وأخبر أن من فعل ذلك فقد اتخذ من دونه أندادا يحبهم ٣ كحب الله، والذين آمنوا أشد حبا لله.
وأخبر عمن سوى بينه وبين الأنداد في الحب أنهم يقولون في النار لمعبوديهم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين (٩٧) إذ نسويكم برب العالمين (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨].
وبهذا التوحيد في الحب أرسل الله سبحانه جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وأطبقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، ولأجله خلق السماوات والأرض والجنة والنار، فجعل الجنة لأهله، والنار للمشركين به فيه ٤.
وقد أقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه "لا يؤمن عبد حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" ١ فكيف بمحبة الرب جل جلاله؟
وقال لعمر بن الخطاب: "لا حتى أكون أحب إليك من نفسك" ٢.
أي لا تؤمن حتى تصل محبتك لي إلى هذه الغاية.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بنا من أنفسنا في المحبة ولوازمها، أفليس الرب جل جلاله، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره- أولى بمحبيه ٣ وعباده من أنفسهم؟
وكل ما منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبته، مما يحب العبد أو يكره.
فعطاؤه ومنعه ٤، ومعافاته وابتلاؤه، وقبضه وبسطه، وعدله وفضله، وإماتته وإحياؤه، ولطفه وبره، ورحمته وإحسانه، وستره وعفوه، وحلمه وصبره على عبده، وإجابته لدعائه، وكشف كربه، وإغاثة لهفته، وتفريج كربته -من غير حاجة منه إليه، بل ٥ مع غناه التام عنه من جميع الوجوه ٦ - كل ذلك ٧ داع للقلوب إلى تألهه ومحبته.
بل تمكينه عبده من معصيته، وإعانته عليه وستره حتى يقضي وطره
منها، وكلاءته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته، بعينه، ويستعين عليها بنعمه = من أقوى الدواعي إلى محبته.
فلو أن مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته، فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس، مع إساءته؟ فخيره إليه نازل، وشره إليه صاعد، يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه، والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه ١! فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته، ولا معصية العبد ولؤمه يقطع إحسان ربه عنه!
فألأم اللؤم تخلف القلوب عن محبة من هذا شأنه، وتعلقها بمحبة سواه!
وأيضا فكل من تحبه من الخلق ويحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه منك، والله سبحانه وتعالى يريدك لك، كما في الأثر الإلهي: "عبدي، كل يريدك لنفسه، وأنا أريدك لك" ٢ فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له ٣ بهذه المنزلة، وهو معرض عنه، مشغول بحب غيره، قد استغرق ٤ قلبه محبة سواه؟
وأيضا فكل من تعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يعاملك،
ولا بد له ١ من نوع من أنواع الربح.
والرب تعالى إنما يعاملك لتربح أنت عليه أعظم الربح وأعلاه.
فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بواحدة، وهي أسرع شيء محوا.
وأيضا فهو سبحانه خلقك لنفسه، وخلق كل شيء لك في الدنيا والآخرة.
فمن أولى منه باستفراغ الوسع في محبته وبذل الجهد في مرضاته؟
وأيضا فمطالبك بل مطالب الخلق كلهم جميعا لديه، وهو أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله.
يشكر القليل من العمل وينميه، ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه ٢.
﴿يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].
لا يشغله سمع عن سمع، ولا يغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، بل يحب الملحين في الدعاء.
ويحب أن يسأل، ويغضب ٣ إذا لم يسال.
يستحي من عبده حيث ٤ لا يستحي العبد منه، ويستره حيث لا يستر نفسه، ويرحمه حيث لا يرحم نفسه.
دعاه بنعمه وإحسانه ٥ وأياديه إلى كرامته ورضوانه، فأبى.
فأرسل رسله في طلبه، وبعث إليه معهم عهده.
ثم نزل سبحانه إليه بنفسه، وقال: "من يسألني
فأعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟ " ١.
أدعوك للوصل تأبى … أبعث رسولي في الطلب ٢
أنزل إليك بنفسي … ألقاك في النوام! ٣
وكيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يجيب الدعوات إلا هو، ولا يقيل ٤ العثرات ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكربات ويغيث اللهفات وينيل الطلبات سواه؟
فهو "أحق من ذكر، وأحق من شكر، وأحق من عبد، وأحق من حمد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، وأرحم من استرحم، وأكرم من قصد" ٥، وأعز من التجئ إليه، وأكفى من توكل عليه ٦.
أرحم بعبده من الوالدة بولدها ٧، وأشد
فرحا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، إذا يئس من الحياة ثم وجدها ١.
وهو الملك لا شريك له، والفرد فلا ند ٢ له.
كل شيء هالك إلا وجهه.
لن يطاع إلا بإذنه، ولن يعصى إلا بعلمه.
يطاع فيشكر، وبتوفيقه ونعمته أطيع.
ويعصى فيغفر ويعفو ٣، وحقه أضيع.
فهو أقرب شهيد وأجل حفيظ.
وأوفى وفي بالعهد، وأعدل قائم بالقسط.
حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي، وكتب الآثار، ونسخ الآجال.
فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية.
والغيب لديه ٤
مكشوف، وكل أحد إليه ملهوف ٥.
عنت الوجوه لنور وجهه، وعجزت القلوب عن إدراك كنهه، ودلت الفطر والأدلة كلها على امتناع مثله وشبهه.
أشرقت لنور وجهه الظلمات، واستنارت له الأرض والسماوات، وصلحت عليه جميع المخلوقات.
"لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام.
يحفظ القسط، ويرفعه.
يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل.
حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه
بصره من خلقه" ١.
ما اعتاض باذل حبه لسواه … من عوض ولو ملك الوجود بأسره
فصل
وهاهنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به، وهو أن كمال اللذة والفرح والسرور ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين:
أحدهما: كمال المحبوب في نفسه وجماله وأنه أولى بإيثار الحب ٢ من كل ما سواه.
والأمر الثاني: كمال محبته، واستفرغ الوسع في حبه، وإيثار قربه والوصول إليه على كل شيء.
وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوة محبته.
فكلما كانت المحبة أقوى ٣ كانت لذة المحب ٤ أكمل.
فلذة من اشتد ظمؤه بإدراك الماء الزلال، ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهي ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرادته ومحبته.
وإذا ٥ عرف هذا فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه، بل هو مقصود كل حي، وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها، فهي
تذم ١ إذا أعقبت ألما أعظم منها، أو منعت لذة خيرا وأجل منها.
فكيف إذا أعقبت أعظم الحسرات، وفوتت أعظم اللذات والمسرات؟ وتحمد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجه ما ٢، وهي لذة الآخرة ونعيمها وطيب العيش فيها ٣.
قال تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا (١٦) والآخرة خير وأبقى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال السحرة لفرعون لما آمنوا: ﴿فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (٧٢) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (٧٣)﴾ ٤ [طه: ٧٢، ٧٣].
والله سبحانه خلق الخلق لينيلهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد، وأما الدنيا فمنقطعة، ولذاتها لا تصفو أبدا ولا تدوم، بخلاف الآخرة فإن لذاتها دائمة، ونعيمها خالص من كل كدر وأم، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مع الخلود أبدا.
ولا تعلم نفس ما أخفى الله لعباده فيها ٥ من قرة أعين، بل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وهذا المعنى الذي قصده الناصح لقومه بقوله: ﴿يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (٣٨) يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (٣٩)﴾ ٦ [غافر: ٣٨، ٣٩] فأخبرهم أن الدنيا متاع
يستمتع ١ بها إلى غيرها، وأن الآخرة هي المستقر.
وإذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة ٢، ولذلك خلقت الدنيا ولذاتها، فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها لم يذم تناولها، بل يحمد بحسب إيصالها إلى لذة الآخرة.
إذا عرف هذا، فأعظم نعيم الآخرة ولذاتها: النظر إلى وجه الرب جل جلاله، وسماع كلامه منه، والقرب منه؛ كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية: "فوالله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه" ٣.
وفي حديث آخر: "إنه إذا تجلى لهم ورأوه نسوا ما هم فيه من النعيم" ٤.
وفي النسائي ومسند الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك" ١.
وفي كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد ٢ مرفوعا: "كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن.
إذا سمعوه ٣ من الرحمن، فكأنهم ٤ لم يسمعوه قبل ذلك".
وإذا عرف هذا، فأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة هو أعظم لذات الدنيا على الإطلاق، وهو لذة معرفته سبحانه ولذة محبته، فإن ذلك هو جنة الدنيا ونعيمها العالي؛ ونسبة لذاتها الفانية إليه كتفلة في بحر، فإن الروح والقلب والبدن إنما خلق لذلك.
فأطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته، وأنشد ما ٥ في الجنة رؤيته ومشاهدته.
فمحبته ومعرفته قرة العيون، ولذة الأرواح، وبهجة القلوب، ونعيم الدنيا وسرورها.
بل لذات الدنيا القاطعة عن ذلك تنقلب آلاما وعذابا، ويبقى صاحبها في
المعيشة الضنك، فليست الحياة الطيبة إلا بالله.
وكان بعض المحبين تمر به أوقات، فيقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب! ١
وكان غيره يقول: لو علم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف ٢.
وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي هي عذاب على قلب المحب ٣ يقول في حاله:
وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى … ولا خير فيمن لا يحب ويعشق ٤
ويقول الآخر ٥:
أف للدنيا متى ما لم يكن ٦ … صاحب الدنيا محبا أو حبيبا ٧
ويقول الآخر:
ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها … وأنت وحيد مفرد غير عاشق ١
ويقول الآخر:
اسكن إلى سكن تلذ بحبه … ذهب الزمان وأنت منفرد ٢
ويقول الآخر:
تشكى المحبون الصبابة ليتني … تحملت ما يلقون من بينهم وحدي
فكانت لقلبي لذة الحب كلها … فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي ٣
فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب
لذة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلا بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمه، واللسان إذا فقد نطقه؟ بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحق أعظم من فساد البدن ١ إذا خلا من الروح.
وهذا أمر
لا يصدق به إلا من فيه حياة، و"ما لجرح بميت إيلام" ٢!
والمقصود أن أعظم لذات الدنيا هو السبب الموصل إلى أعظم لذة في الآخرة.
و