الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص ٦ فيه بوجه من الوجوه.
وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة ٧ والتوبة والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحب = كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره.
فمن جعل شيئا ٨ من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا مثل له ٩، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.
ولشدة قبحه
وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة.
ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين ١ لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل.
هذا تمام العبودية ٢، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين.
فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه، وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم، وأفسدتها عليهم، واجتالتهم ٣ عنها.
ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم، فازدادوا بذلك نورا على نور، ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ [النور: ٣٥].
إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد ٤ لغيره فقد شبه المخلوق به.
ومنها: التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
ومنها: التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به ١.
ومنها: الحلف باسمه تعظيما وإجلالا له ٢، فمن حلف بغيره فقد شبهه به.
هذا في جانب التشبيه.
وأما في جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر، ودعا الناس إلى إطرائه في المدح، والتعظيم، والخضوع، والرجاء، وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة به، فقد تشبه بالله، ونازعه ربوبيته ٣
وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه.
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يقول الله عز وجل: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا ٤ منهما عذبته" ٥.
وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة ٦ بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة لتشبهه ٧ بالله في مجرد الصنعة، فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية؟ كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أشد الناس عذابا يوم القيامة
المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" ١.
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا ٢ كخلقي؟ فليخلقوا ذرة! ٣ فليخلقوا ٤ شعيرة" ٥.
فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما ٦ وأكبر.
والمقصود أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة ٧، فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته؟ وكذلك من تشبه به في الاسم ٨ الذي لا ينبغي إلا لله وحده ٩، كملك الأملاك، وحاكم الحكام، ونحوه.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بشاهان شاه: ملك الملوك ١٠، ولا ملك
إلا الله" ١.
وفي لفظ: "أغيظ رجل على الله رجل تسمى بملك الأملاك" ٢.
فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له.
فهو سبحانه ملك الملوك وحده ٣، وهو حاكم الحكام وحده، فهو الذي يحكم على الحكام كلهم، ويقضي عليهم كلهم، لا غيره.
فصل
إذا تبين هذا، فههنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به ٤، فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، وظن ٥ به ما يناقض ٦ أسماءه وصفاته.
ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى:
﴿عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (٦)﴾ [الفتح: ٦].
وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣].
وقال تعالى حاكيا ١ عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم ٢ إنه قال لقومه: ﴿ماذا تعبدون (٨٥) أئفكا آلهة دون الله تريدون (٨٦) فما ظنكم برب العالمين (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٧]. أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره؟ وماذا ظننتم به حتى ٣ عبدتم معه غيره؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك ٤ إلى عبودية غيره؟
فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه ٥، وأنه المتفرد ٦ بتدبير خلقه، لا يشركه فيه غيره ٧، والعالم بتفاصيل الأمورا فلا تخفى ٨ عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه.
وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم، وإلى من يعينهم على قضاء
حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم ١ بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم، وعجزهم، وضعفهم، وقصور علمهم.
فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص ٢ بحق ربوبيته، وإلهيته، وتوحيده ٣؛ وظن به ظن السوء.
وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح.
ويوضح هذا أن العابد معظم لمعبوده، متأله له، خاضع ذليل له.
والرب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والإجلال والتأله والخضوع والذل.
وهذا خالص حقه، فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه ٤ لغيره، أو يشرك بينه وبينه فيه، ولا سيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه، كما قال تعالى: ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم﴾ [الروم: ٢٨].
أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد ٥ به، وهو الإلهية التي لا تنبغي لغيري، ولا تصلح لسواي؟ فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري،
ولا عظمني حق تعظيمي، ولا أفردني بما أنا منفرد ١ به وحدي دون خلقى ٢.
فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (٧٣) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (٧٤)﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤].
فما قدر الله حق قدره من عبد معه من لا يقدر على خلق أضعف حيوان وأصغره، وإن سلبه ٣ الذباب شيئا مما عليه لم يقدر على استنقاذ منه ٤.
وقال تعالى: (﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من ذلك البتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه! فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل! وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولا ولا أنزل كتابا، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن
منه ١، من إهمال خلقه، وتضييعهم، وتركهم سدى، وخلقهم باطلا عبثا.
ولا قدره حق قدره من نفى حقائق ٢ أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فنفى سمعه وبصره، وإرادته واختياره، وعلوه فوق خلقه، وكلامه، وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد ٣؛ أو نفى عموم قدرته
وتعلقها بأفعال عباده من طاعاتهم ٤ ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاؤون بدون مشيئة الرب؛ فيكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون! تعالى الله ٥ عن قول أشباه المجوس علوا كبيرا.
وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد، ولا له عليه قدرة، ولا تأثير له فيه البتة، بل هو نفس فعل الرب جل جلاله، فيعاقب عبده على فعله، وهو ٦ سبحانه الذي جبر العبد عليه، وجبره على الفعل أعظم من إكراه المخلوق للمخلوق.
وإذا كان من المستمر في الفطر والعقول أن السيد لو أكره عبده على فعل أو ألجأه إليه ثم عاقبه عليه لكان قبيحا، فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير، ولا هو واقع بإرادته، بل ولا هو فعله البتة، ثم يعاقب عليه عقوبة الأبد؟
تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وقول هؤلاء شر من قول أشباه المجوس، والطائفتان ما قدروا الله حق قدره.
وكذلك ما قدره ١ حق قدره من لم يصنه عن بئر ٢ ولا حش ولا مكان يرغب عن ذكره، بل جعله في كل مكان؛ وصانه عن عرشه أن يكون مستويا عليه، يصعد إليه ٣ الكلم الطيب والعمل الصالح ٤، وتعرج الملائكة والروح إليه وتنزل من عنده، ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ٥.
فصانه عن استوائه على سرير الملك، ثم جعله في كل مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه.
وما قدره ٦ حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا من نفى حقيقة فعله ولم يجعل له فعلا اختياريا يقوم به، بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه، فنفى حقيقة مجيئه ٧ وإتيانه، واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى من جانب الطور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها، وزعموا أنهم بنفيها قد قدروه حق قدره.
وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدا، أو جعله ١ يحل في مخلوقاته، أو جعله عين ٢ هذا الوجود.
وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه رفع أعداء رسوله وأهل بيته، وأعلى ٣ ذكرهم، وجعل فيهم الملك والخلافة والعز، ووضع أولياء رسوله وأهل بيته، وأهانهم، وأذلهم، وضرب عليهم الذلة ٤ أينما ثقفوا.
وهذا يتضمن غاية القدح في الرب، تعالى عن قول الرافضة علوا كبيرا.
وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين: إنه أرسل ملكا ظالما، فادعى النبوة لنفسه، وكذب على الله، ومكث زمنا طويلا ٥ يكذب عليه كل وقت، ويقول: قال كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذاة وينسخ شرائع أنبيائه ورسله، ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم، ويقول: الله أباح لي ذلك! والرب تعالي يظهره، ويؤيده ٦، ويعليه، ويعزه ٧، ويجيب دعواته ٨، ويمكنه ممن يخالفه، ويقيم الأدلة على صدقه، ولا يعاديه أحد إلا ظفر به، فيصدقه بقوله وفعله
وتقريره، ويحدث أدلة تصديقه شيئا بعد شيء.
ومعلوم أن هذا يتضمن
أعظم القدح والطعن في الرب سبحانه وتعالى وعلمه وحكمته ورحمته وربوبيته.
تعالى الله عن قول الجاحدين علوا كبيرا.
فوازن بين قول هؤلاء وبين قول ١ إخوانهم من الرافضة تجد القولين:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ٢ … بأسحم داج عوض لا نتفرق ٣
وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه يجوز أن يعذب أولياءه ومن لم يعصه طرفة عين ويدخلهم دار الجحيم، وينعم أعداءه ومن لم يؤمن به طرفة عين ويدخلهم دار النعيم، وإن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء، وإنما الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك، فمنعناه للخبر، لا لمخالفة حكمته ٤ وعدله.
وقد أنكر سبحانه في كتابه ٥ على من جوز عليه ذلك غاية الإنكار ٦، وجعل الحكم به من أسوأ الأحكام.
وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيى الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع ٧ خلقه ليوم يجازي المحسن فيه ٨ بإحسانه والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه، ويكرم
المتحملين للمشاق ١ في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويبين ٢ لخلقه الذي يختلفون فيه، ويعلم ٣ الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين.
وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعته.
فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدم في ذلك؛ لأنه المهم عنده.
يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه، وهو في قبضته، وناصيته بيده.
ويعظم نظر المخلوق إليه واطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه ٤.
ويستحيي من الناس، ولا يستحيي من الله.
ويخشى الناس، ولا يخشى الله.
ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وإن قام في خدمة إلهه من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل النصيحة ٥، وقد فرغ له قلبه وجوارحه، وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام في حق ربه -إن ساعد القدر- قام قياما لا يرضى مثله مخلوق من مخلوق، وبذل له من ماله ما يستحيي أن يواجه به مخلوق لمثله! فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه؟ وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض
حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟ فلو جعل له من أقرب الخلق إليه شريكا في ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبا على محض حقه، واستهانة به، وتشريكا بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح إلا له سبحانه، فكيف وإنما شرك بينه ١ وبين أبغض الخلق إليه، وأهونهم عليه، وأمقتهم عنده.
وهو عدوه على الحقيقة، فإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان، كما قال تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (٦٠) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (٦١)﴾ [يس: ٦٠ - ٦١] ٢.
ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم للشيطان، وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة ٣.
كما قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (٤٠) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١].
فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته، ويوهمه أنه ملك.
وكذلك عباد الشمس والقمر والكواكب يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب، وهي التي تخاطبهم، وتقضي لهم الحوائج.
ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان، فيسجد لها الكفار، فيقع سجودهم له، وكذلك عند غروبها.
وكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبدهما، وإنما عبد الشيطان، فإنه
يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه، ورضيها لهم، وأمرهم بها.
وهذا هو الشيطان الرجيم لعنة الله عليه، لا عبد الله ورسوله.
فنزل ١ هذا كله على قوله تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (٦٠)﴾ [يس: ٦٠] ٢.
فما عبد أحد من بني آدم ٣ غير الله كائنا من كان إلا وقعت عبادته للشيطان، فيستمتع ٤ العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضي الشيطان.
ولهذا قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾ أي من إغوائهم وإضلالهم ﴿وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (١٢٨)﴾ [الأنعام: ١٢٨].
فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في العذاب ٥، وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه، بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله.
وكيف يظن بالمنفرد ٦ بالربوبية والإلهية والعظمة
والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فصل
فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذي خلق الله له الخلق وأمر لأجله بالأمر كان أكبر الكبائر عند الله.
وكذلك الكبر وتوابعه كما تقدم، فإن الله سبحانه خلق الخلق وأنزل الكتب لتكون الطاعة له وحده، والشرك والكبر ينافيان ذلك.
ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر، فلا يدخلها ١ من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ٢.
فصل
ويلي ذلك في كبر المفسدة ٣: القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، ووصفه بضد ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله.
فهو ٤ أشد شيء مناقضة ومنافاة لكمال ٥ من له الخلق والأمر، وقدح في نفس الربوبية وخصائص الرب.
فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك، وأعظم إثما عند الله.
فإن المشرك المقر بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله.
كما ١ أن من أقر لملك ٢ بالملك، ولم يجحد ملكه، ولا الصفات التي استحق بها الملك، لكن جعل معه شريكا في بعض الأمور يقربه إليه = خير ممن جحد ٣ صفات الملك وما يكون به ملكا.
هذا أمر مستقر في سائر الفطر والعقول.
فأين القدح في صفات الكمال والجحد لها، من عبادة واسطة بين المعبود الحق وبين العابد ٤ يتقرب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظاما له وإجلالا؟ فداء التعطيل هو ٥ الداء العضال الذي لا دواء له.
ولهذا حكى الله عن إمام المعطلة فرعون أنه أنكر على موسى ما أخبر به من ٦ أن ربه فوق السموات، فقال: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (٣٦) أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]. واحتج الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتبه على
المعطلة بهذه الآية، وقد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب ٧.
والقول على الله بلا علم والشرك متلازمان.
ولما كانت البدع المضلة جهلا بصفات الله وتكذيبا بما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله ١ عنادا وجهلا ٢ كانت من أكبر الكبائر -إن ٣ قصرت عن الكفر- وكانت أحب إلى إبليس من كبار الذنوب، كما قال بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها ٤.
وقال إبليس: أهلكت بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله.
فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون، ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا! ٥
ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على النوع.
وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة.
والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه، والمذنب
ليس كذلك.
والمبتاع قادح في أوصاف الرب وكماله ١، والمذنب ليس كذلك.
والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول، والعاصي ليس كذلك.
والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة، والعاصي بطيء السير بسبب ذنوبه.
فصل
ثم لما كان الظلم والعدوان منافيا للعدل الذي قامت به ٢ السموات والأرض، وأرسل الله سبحانه رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس به = كان من أكبر الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظم بحسب مفسدته في نفسه.
وكان ٣ قتل الإنسان ولده الطفل الصغير الذي لا ذنب له، وقد جبل الله سبحانه القلوب على رحمته، وعطفها عليه ٤، وخص الوالدين من ذلك بمزية ظاهرة، فقتله خشية أن يشاركه في مطعمه ومشربه وماله = من أقبح الظلم وأشدة.
وكذلك قتله أبويه الذين كانا سبب وجوده، وكذلك قتله ذا رحمه.
وتتفاوت ٥ درجات القتل بحسب قبحه، واستحقاق من قتله السعي ٦ في إبقائه ونصيحته.
ولهذا كان أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا، أو قتله نبي.
ويليه من قتل إماما، أو عالما يأمر الناس
بالقسط، ويدعوهم إلى الله، وينصحهم في دينهم.
وقد جعل الله سبحانه جزاء قتل النفس المؤمنة عمدا الخلود في النار، وغضب الجبار، ولعنته، وإعداد العذاب العظيم له ١.
هذا موجب قتل المؤمن عمدا، ما لم يمنع منه مانع.
ولا خلاف أن الإسلام الواقع بعد القتل طوعا واختيارا مانع ٢ من نفوذ ذلك الجزاء.
وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه؟ ٣ فيه قولان للسلف والخلف، وهما روايتان عن أحمد.
والذين قالوا: لا تمنع التوبة من نفوذه، رأوا أنه حق لآدمي لم يستوفه في دار الدنيا، وخرج منها بظلامته، فلابد أن يستوفى له في دار العدل.
قالوا: وما استوفاه الوارث وإنما استوفى محض حقه الذي خيره الله بين استيفائه والعفو عنه، وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه، وأي استدراك لظلامته حصل له باستيفاء وارثه؟
وهذا أصح القولين في المسألة أن حق المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث.
وهما وجهان لأصحاب أحمد والشافعي وغيرهم.
ورأت طائفة ٤ أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث، فإن التوبة تهدم
ما قبلها، والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حده.
قالوا: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر وما هو أعظم إثما ١ من القتل فكيف تقصر عن هو أثر القتل؟ وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءه، وجعلهم من خيار عباده، ودعا الذين أولياءه ٢ وفتنوهم عن دينهم ٣ إلى التوبة، وقال: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
فهذه في حق التائب، وهي تتناول الكفر وما دونه.
قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب، ويعاقب عليه بعد التوبة؟ هذا معلوم انتفاؤه في شرع الله وجزائه.
قالوا: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه، ولا يمكن تسليمها إلى المقتول، فأقام الشارع وليه مقامه، وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول، بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه، فإنه يقوم مقام
تسليمه للمورث ٤.
والتحقيق في هذه المسألة ٥ أن القتل يتعلق به ثلاث ٦ حقوق: حق لله، وحق للمقتول، وحق للولي.
فإذا سلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي ندما على ما فعل، وخوفا من الله، وتوبة نصوحا،
سقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو ١، وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يذهب حق هذا، ولا تبطل توبة هذا.
وأما مسألة المال ٢ فقد اختلف فيها، فقالت طائفة: إذا أدى ما عليه من المال إلى الوارث فقد برئ من عهدته في الآخرة، كما بريء منها ٣ في الدنيا.
وقالت طائفة: بل المطالبة لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامة، وهو لم يستدرك ظلامته بأخذ وارثه له، فإنه منعه من انتفاعه به في طول حياته، ومات ولم ينتفع به.
وهذا ظلم لم يستدركه هو، وإنما انتفع غيره باستدراكه.
وبنوا على هذا أنه لو انتقل من واحد إلى واحد وتعدد الورثة كانت المطالبة به للجميع؛ لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلى كل واحد منهم عند كونه هو الوارث.
وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد.
وفصل شيخنا بين الطائفتين، فقال: إن تمكن الموروث ٤ من أخذ ماله والمطالبة به فلم يأخذه حتى مات صارت المطالبة به للوارث في الآخرة، كما هي كذلك في الدنيا.
وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه بل حال بينه وبينه ظلما وعدوانا فالطلب له في الآخرة.
وهذا التفصيل من أحسن ما يقال، فإن المال إذا استهلكه الظالم على الموروث، وتعذر عليه أخذه منه، صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل، وداره التي أحرقها غيره، وطعامه وشرابه الذي أكله وشربه غيره.
ومثل هذا إنما تلف على الموروث ١ لا على الوارث، فحق المطالبة لمن تلف على ملكه.
بقي ٢ أن يقال: فإذا كان المال عقارا أو أرضا أو أعيانا ٣ قائمة باقية بعد الموت، فهي ملك للوارث ٤، يجب على الغاصب دفعها إليه كل وقت ٥.
فإذا لم يدفع إليه أعيان ماله استحق المطالبة بها عند الله، كما يستحق المطالبة ٦ بها في الدنيا.
وهذا سؤال قوي لا مخلص منه إلا بأن يقال: المطالبة لهما ٧ جميعا، كما لو غصب مالا مشتركا بين جماعة استحق كل منهم المطالبة بحقه منه، وكما لو استولى على وقف مرتب على بطون، فأبطل حق البطون كلهم منه، كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم، ولم يكن بعضهم أولى بها ٨ من بعض.
والله أعلم.
فصل
ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة ١ قال تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (٣٢)﴾ [المائدة: ٣٢].
وقد أشكل فهم هذا ٢ على كثير من الناس، وقالوا: معلوم أن إثم قاتل مائة أعظم عند الله من إثم قاتل نفس واحدة.
وإنما أتوا من ظنهم أن التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة، واللفظ لم يدل على هذا، ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه.
وقد قال تعالى: ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٦] وقال: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (٣٥)﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وذلك لا يوجب أن ٣ لبثهم في الدنيا إنما كان هذا المقدار.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله" ٤، أي مع العشاء، كما جاء في لفظ آخر ٥.
وأصرح من هذا قوله: "من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر" ١، وقوله: "من قرأ ﴿قل هو الله أحد (١)﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن" ٢.
ومعلوم أن ثواب فاعل هذه الأشياء لم يبلغ ثواب المشبه به، فيكون قدرهما سواء.
ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلي العشاء والفجر جماعة ٣ منفعة في قيام الليل غير التعب والنصب.
وما أوتي عبد بعد الإيمان أفضل من الفهم عن الله ورسوله، وذلك فضل الله يوتيه من يشاء.
فإن قيل: ففي أي شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس واحدة وقاتل الناس جميعا؟
قيل: في وجوه متعددة:
أحدها: أن كلا ١ منهما عاص لله ورسوله، مخالف ٢ لأمره، متعرض لعقوبته.
وكل منهما قد باء بغضب الله ٣، ولعنته، واستحقاق الخلود في نار جهنم، وأعد له عذابا عظيما، وإن تفاوتت دركات العذاب، فليس إثم من قتل نبيا أو إماما عادلا أو عالما يأمر الناس بالقسط كإثم من قتل من لا مزية له ٤ من آحاد الناس.
الثاني: أنهما سواء في استحقاق إزهاق النفس.
الثالث: أنهما سواء في الجراءة على سفك الدم الحرام، فإن من قتل نفسا بغير استحقاق، بل لمجرد الفساد في الأرض أو لأخذ ماله، فإنه يتجرأ على قتل كل ٥ من ظفر به، وأمكنه قتله، فهو معاد للنوع الإنساني.
ومنها ٦: أنه يسمى قاتلا أو فاسقا أو ظالما أو ٧ عاصيا بقتله واحدا، كما يسمى كذلك بقتله الناس جميعا.
ومنها: أن الله سبحانه جعل المؤمنين ٨ في توادهم وتراحمهم
وتواصلهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو ١ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ٢.
فإذا أتلف القاتل من هذا الجسد عضوا، فكأنما أتلف سائر الجسد، وآلم جميع أعضائه.
فمن آذى مؤمنا واحدا، فكأنما آذى جميع المؤمنين.
ومن آذى جميع المؤمنين آذى جميع الناس ٣، فإن الله إنما يدفع عن الناس بالمؤمنين الذين بينهم، فإيذاء الخفير إيذاء المخفر ٤.
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تقتل نفس ظلما بغير حق إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ٥؛ لأنه أول من سن القتل" ٦.
ولم يجئ هذا الوعيد في أول زان، ولا أول سارق، ولا أول شارب مسكر ٧؛ وإن كان أول المشركين قد يكون أولى بذلك من أول قاتل؛ لأنه أول من سن الشرك.
ولهذا رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن لحي يعذب أعظم العذاب في النار؛ لأنه أول من غير دين إبراهيم ٨.
وقال تعالى: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ [البقرة: ٤١]، أي فيقتدي بكم من بعدكم، فيكون إثم كفره عليكم.
وكذلك حكم من سن سنة سيئة فاتبع عليها.
وفي جامع الترمذي ١ عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم -قال: "يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دما، يقول: يا رب سل هذا: فيم قتلني؟ " فذكروا لابن عباس التوبة، فتلا ٢
هذه الآية ﴿ومن يقتل مؤمنا م﴾ [النساء: ٩٣]، ثم قال: ما نسخت هذه الآية ولا بدلت، وأنى له التوبة! قال الترمذي ١: هذا حديث حسن.
وفيه أيضا ٢ عن نافع قال: نظر عبد الله بن عمر يوما ٣ إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم عند الله ٤ حرمة منك.
قال الترمذي ٥: هذا حديث حسن.
وفي صحيح البخاري ٦ عن جندب ٧ قال: أول ما ينتن من
الإنسان بطنه.
فمن استطاع منكم أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل، ومن استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم أهراقه فليفعل".
وفي صحيحه أيضا ١ عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما".
وذكر البخاري ٢ أيضا عن ابن عمر قال: "من ٣ ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها ٤: سفك الدم الحرام بغير حله".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ٥ يرفعه ٦: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".
وفيهما أيضا ٧ عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض".
وفي صحيح البخاري ١ عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما".
هذه ٢ عقوبة قاتل ٣ عدو الله إذا كان في عهده وأمانه ٤، فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن؟
وإذا كانت امرأة قد دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا، فرآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النار، والهرة تخدشها في وجهها وصدرها ٥، فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم؟
وفي بعض السنن ٦ عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل
مؤمن بغير حق".
فصل
ولما كانت مفسدة الزنى من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب، وحماية الفروج، وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وابنته وأخته وأمه، وفي ذلك خراب العالم = كانت تلي مفسدة القتل في الكبر.
ولهذا قرنها الله سبحانه بها ١ في كتابه، ورسوله بها في سنته ٢، كما تقدم.
قال الإمام أحمد: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئا أعظم من الزنى ٣.
وقد أكد سبحانه حرمته بقوله: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (٦٨) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (٦٩) إلا من تاب﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، فقرن الزنى بالشرك وقتل النفس، وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف ٤ مالم يرفع ٥ العبد موجب
ذلك ١ بالتوبة والإيمان والعمل الصالح.
وقال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]، فأخبر عن فحشه في نفسه، وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول حتى عند كثير من الحيوان، كما ذكر البخاري في صحيحه ٢ عن عمرو بن ميمون الأودي قال: "رأيت في الجاهلية قردا ٣ زنى بقردة، فاجتمع القرود عليهما، فرجموهما حتى ماتا".
ثم أخبر عن غايته بأنه ساء سبيلا، فإنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في الدنيا، وسبيل عذاب وخزي ونكال في الآخرة.
ولما كان نكاح أزواج الآباء من أقبحه خصه بمزيد ذم، فقال: ﴿إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢].
وعلق سبحانه فلاح العبد على حفظ فرجه منه، فلا سبيل له إلى الفلاح بدونه، فقال: ﴿قد أفلح المؤمنون (١) الذين هم في صلاتهم خاشعون (٢) والذين هم عن اللغو معرضون (٣) والذين هم للزكاة فاعلون (٤) والذين هم لفروجهم حافظون (٥) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (٦) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (٧)﴾ [المؤمنون: ١ - ٧].
وهذا يتضمن ثلاثة أمور ٤: أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من
المفلحين، وأنه من الملومين، ومن العادين.
ففاته الفلاح، واستحق اسم العدوان، ووقع في اللوم.
فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك.
ونظير هذا ١ أنه سبحانه ذم الإنسان، وأنه خلق هلوعا لا يصبر على سراء ولا ضراء ٢، بل إذا مسه الخير منع وبخل، وإذا مسه الشر جزع، إلا من استثناه بعد ذلك من الناجين من خلقه، فذكر منهم: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون (٢٩) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (٣٠) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (٣١)﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣١].
وأمر تعالى ٣ نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم ٤، مطلع عليها ٥، ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (١٩)﴾ [غافر: ١٩].
ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج، فإن الحوادث مبداها من النظر، كما أن معظم النار من مستصغر الشرر ٦.
فتكون نظرة، ثم خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة.
ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات.
فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، ويلازم الرباط على ثغورها، فمنها يدخل
عليه العدو، فيجوس خلال الديار، ويتبر ما علا ١ تتبيرا!
فصل
وأكثر ما تدخل ٢ المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة، فنذكر في كل واحد منها فصلا يليق به: فأما اللحظات فهي رائد الشهوة ورسولها ٣، وحفظها أصل حفظ الفرج.
فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة ٤ " ٥.
وفي المسند ٦ عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس،
فمن غض بصره عن محاسن امرأة لله ١ أورث الله قلبه ٢ حلاوة إلى يوم يلقاه".
هذا معنى الحديث.
وقال: "غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم" ٣.
وقال: "إياكم والجلوس على الطرقات".
قالوا: يا رسول الله، مجالسنا ما لنا منها بد.
قال: "فإن كنتم لابد فاعلين، فأعطوا الطريق حقه لا.
قالوا: وما حقه؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد
السلام" ١.
والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل، ولا بد، ما لم يمنع منه مانع.
وفي هذا ٢ قيل: الصبر على غض البصر ٣ أيسر من الصبر على ألم ما بعده ٤.
قال ٥ الشاعر:
كل الحوادث مبداها من النظر … ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة بلغت من قلب صاحبها … كمبلغ السهم بين القوس والوتر ٦
والعبد ما دام ذا طرف يقلبه … في أعين العين موقوف على الخطر ١
يسر مقلته ما ضر مهجته … لا مرحبا بسرور عاد بالضرر ٢
ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ٣ ما ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه.
وهذا من أعظم العذاب أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه، ولا قدرة لك على بعضه ٤.
قال الشاعر:
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا … لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر … عليه ولا عن بعضه أنت صابر ٥
وهذا البيت يحتاج إلى شرح.
ومراده أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه، ولا تقدر على شيء منه.
فإن قوله: "لا كله أنت قادر عليه" نفي لقدرته على الكل، التي لا تنتفي إلا بنفي القدرة عن كل واحد.
وكم ممن أرسل لحظاته، فما أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن ١ قتيلا، كما قيل:
يا ناظرا ما أقلعت لحظاته … حتى تشحط بينهن قتيل ٢
ولي من أبيات ٣:
مل السلامة فاغتدت لحظاته … وقفا على طلل يظن جميلا ٤
ما زال يتبع إثره لحظاته … حتى تشحط بينهن قتيلا ٥
ومن العجب أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكانا من قلب الناظر ٦.
ولي من قصيدة:
يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا … أنت القتيل بما ترمي فلا تصب
وباعث الطرف يرتاد الشفاء له … احبس رسولك لا يأتيك بالعطب ١
وأعجب من ذلك أن النظرة تجرح القلب، فيتبعها جرحا على جرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها.
ولي أيضا في هذا المعنى:
ما زلت تتبع نظرة في نظرة … في إثر كل مليحة ومليح
وتظن ذاك دواء جرحك وهو في التـ … ـحقيق تجريح على تجريح
فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا … فالقلب منك ذبيح اي ذبيح ٢
وقد قيل: حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات ٣.
فصل
وأما الخطرات فشأنها أصعب، فإنها مبدأ الخير والشر، ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم.
فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه، وقهر هواه.
ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب، ومن استهان
بالخطرات قادته قسرا إلى الهلكات.
ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير منى باطلة: