أهل الأثرالأرشيف العلمي

كما قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا

(^١) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾، (٧٤١٥) وغيره؛ ومسلم في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١٩٣). (^٢) ف: "فإنه" مكان "والله ". (^٣) ف: "فقال".
(^٤) كلمة "أصل" ساقطة من ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 439

أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، فأخبر سبحانه أن من الناس من يشرك به، فيتخذ من دونه ندا يحبه كحب الله، وأخبر أن الذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم.

وقيل: بل المعنى أنهم أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لله، فإنهم وإن أحبوا الله، لكن لما أشركوا (^١) بينه وبين أندادهم في المحبة ضعفت محبتهم لله (^٢).
والموحدون لله لما خلصت (^٣) محبتهم له كانت أشد من محبة أولئك.
والعدل برب العالمين والتسوية بينه وبين الأنداد هو في هذه المحبة، كما تقدم.

ولما كان مراد الله من خلقه هو خلوص هذه المحبة له أنكر على من اتخذ من دونه وليا أو شفيعا (^٤) غاية الإنكار، وجمع ذلك تارة، وأفرد أحدهما عن الآخر بالإنكار تارة، فقال تعالى: ﴿الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (٤)﴾ (^٥) [السجدة: ٤]، وقال: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (٥١)﴾ [الأنعام: ٥١].

وقال في الإفراد: ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا

(^١) ما عدا س: "شركوا".
(^٢) "لله" ساقط من ز. (^٣) ز: "والموحدون لما حصلت"، سقط وتحريف.
(^٤) ز: "وليا وشفيعا".
(^٥) هذه الآية ساقطة من ز. وجاءت مكانها الآية الثالثة من سورة يونس.
وقد وردت كلتاهما في ف. ولا شك أن إيراد الآية المذكورة من سورة يونس في هذا السياق خطأ من بعض النساخ، فإنها من مواضع الإفراد لا الجمع.

الجزء: 1 - الصفحة: 440

لا يملكون شيئا ولا يعقلون (٤٣)[الزمر: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (١٠)﴾ [الجاثية: ١٠].

فإذا والى (^١) العبد ربه وحده أقام له الشفعاء، وعقد الموالاة (^٢) بينه وبين عباده المؤمنين، فصاروا أولياءه في الله، بخلاف من اتخذ مخلوقا وليا من دون الله.

فهذا لون وذاك لون، كما أن الشفاعة الشركية الباطلة لون، والشفاعة الحق الثابتة التي إنما تنال بالتوحيد لون.
وهذا موضع فرقان بين أهل التوحيد وأهل الإشراك.
والله يهدي من يشاء إلى صراط

مستقيم.

والمقصود أن حقيقة العبودية لا تحصل مع الإشراك بالله في المحبة، بخلاف المحبة لله، فإنها من لوازم العبودية وموجباتها، فإن محبة الرسول -بل تقديمه في الحب (^٣) على الأنفس (^٤) والآباء

والأبناء- لا يتم الإيمان إلا بها، إذ محبته من محبة الله.
وكذلك كل حب في الله ولله، كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان"- وفي لفظ في الصحيح: "لا يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال-: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه

(^١) ف: "فإن ولى".
(^٢) ل: "وعقد له الموالاة".
(^٣) "في الحب" ساقط من س. وفي ل: "في المحبة".
(^٤) ف: "النفس".

الجزء: 1 - الصفحة: 441

الله منه، كما يكره أن يلقى في النار" (^١).

وفي الحديث الذي في السنن: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان" (^٢).

وفي حديث آخر: "ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه" (^٣).

(^١) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الإيمان، باب حلاوة الإيمان (١٦)، باللفظ الأول، وفي الأدب، باب الحب في الله (٦٠٤١) باللفظ الثاني؛ ومسلم في الإيمان، باب خصال من اتصف بمن وجد حلاوة الإيمان (٤٣). (^٢) أخرجه أبو داود (٤٦٨١) والطبراني (٨/ رقم ٧٧٣٧) والبغوي في شرح السنة (١٣/ رقم ٣٤٦٩) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٦١٨) وغيرهم من طريق يحيى بن الحارث الذماري عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة فذكره مرفوعا.
ورواه عبد الرحمن بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة موقوفا.
أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٤٥ (٣٤٧١٩) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٧١٤). قلت: عبد الرحمن بن يزيد جاء مصرحا عند اللالكائي بأنه "ابن جابر"، وهو ثقة.
والصواب أنه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو ضعيف كما أشار إلى ذلك البخاري وغيره.
وروي من طرق أخرى عن يحيى الذماري، ولا تثبت.
وورد من حديث معاذ الجهني عند الترمذي (٢٥٢١) وقال: "حسن"، وأحمد (٣/ ٤٣٨) وفي سنده ضعف.
(^٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٤٤) والطيالسي في مسنده (٢١٦٦) وابن حبان في صحيحه (٥٦٦) والبزار في مسنده (١٣/ رقم ٦٨٦٩) والحاكم ٤/ ١٨٩ (٧٣٢١) وغيرهم من طريق مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس مرفوعا فذكره.
والحديث صححه ابن حبان والحاكم.
وقال الذهبي: هذا حديث حسن =

الجزء: 1 - الصفحة: 442

فإن هذه المحبة من لوازم محبة الله وموجباتها وكلما كانت أقوى كان أصلها كذلك.

فصل

وههنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينها:

أحدها: محبة الله.
ولا تكفي وحدها في النجاة من عذابه والفوز بثوابه (^١)، فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.

الثاني: محبة ما يحبه الله (^٢).
وهذه هي التي تدخله في الإسلام، وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم

= الإسناد.
وتابعه عبد الله بن الزبير الحميدي عن ثابت به ولا يثبت.
قلت: رفعه خطا، والصواب أنه من قول مطرف بن عبد الله الشخير.
وإليه ذهب الخطيب فرواه حماد بن سلمة عن ثابت عن مطرف قال: "كنا نتحدث أنه ما تحاب رجلان في الله … " ذكره الخطيب في تاريخه (٩/ ٤٤٠). ورواه سليمان بن المغيرة عن غيلان بن جرير سمعت مطرفا يقول: "ما تحاب قوم في الله عز وجل إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبها) فذكرت ذلك للحسن، فقال: صدق.
أخرجه أحمد في الزهد (١٣٢٦) وابن عساكر (٥٧/ ١٩٤). قال الدارقطني: "رواه حماد بن سلمة عن ثابت مرسلا وهو الصواب" العلل (٤/ ٣٦ ق/أ).
وقد ورد هذا اللفظ عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير وأبي فزارة.
أخرجه أحمد في الزهد (٢٢٤٢) وهناد في الزهد (٤٨٥). (^١) ف: "بنعيمه".
(^٢) ف، ل: "يحب الله".

الجزء: 1 - الصفحة: 443

فيها.

الثالث: الحب لله وفيه.
وهي من لوازم محبة ما يحب، ولا يستقيم محبة ما يحب إلا بالحب فيه وله.

الرابع (^١): المحبة مع الله.
وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئا مع الله، لا لله ولا من أجله ولا فيه، فقد اتخذه ندا من دون الله، وهذه محبة المشركين.

وبقي قسم خامس: ليس مما نحن فيه، وهو المحبة الطبعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم والزوجة (^٢) والولد.
فتلك لا تذم إلا إذا ألهت عن ذكر الله وشغلت عن محبته، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (٩)﴾ [المنافقون: ٩] وقال: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور: ٣٧].

فصل

ثم الخلة، وهي تتضمن (^٣) كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى في قلب المحب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما (^٤).
وهذا المنصب خلص (^٥) لخليلين صلوات الله وسلامه

(^١) ف: "والرابع".
(^٢) ل: "ومحبة الزوجة".
(^٣) س: "وهو يتضمن".
(^٤) "ما" ساقطة من ل. (^٥) ف: "خاص".

الجزء: 1 - الصفحة: 444

عليهما: إبراهيم ومحمد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا" (^١).

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله" (^٢).

وفي حديث آخر: "إني أبرأ إلى كل خليل من خلته" (^٣).

ولما سأل إبراهيم الولد، فأعطيه، وتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة؛ غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمره بذبحه (^٤).
وكان الأمر في المنام، ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء

وامتحانا.
ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه، ليخلص القلب للرب.
فلما بادر الخليل إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ولده؛ حصل المقصود، فرفع الذبح.
وفدي بذبح عظيم، فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله (^٥) رأسا، بل لابد أن يبقى بعضه أو بدله، كما أبقى شرعية الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمس صلوات بعد رفع الخمسين وأبقى ثوابها

(^١) من حديث جندب رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور … (٥٣٢). (^٢) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه (٢٣٨٣). (^٣) أخرجه مسلم في الموضع السابق من حديث ابن مسعود رضي الله عنه (٢٣٨٣/ ٧) ولفظه: "ألا إني أبرأ إلى كل خل من خله".
(^٤) ف: "بذبح ولده".
(^٥) ف: "وأبطله".

الجزء: 1 - الصفحة: 445

وقال: " لا يبدل (^١) القول لدي، هي خمس، وهي خمسون في الأجر" (^٢).

فصل

وأما ما يظنه بعض الغالطين أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله (^٣)، ومحمد حبيب الله، فمن جهله.
فإن المحبة عامة، والخلة خاصة، والخلة نهاية المحبة.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله اتخذه خليلا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره (^٤) بمحبته (^٥) لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم (^٦).

وأيضا فإن الله (^٧) سبحانه يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الصابرين، ويحب المحسنين، ويحب المتقين (^٨)، ويحب المقسطين.
وخلته خاصة بالخليلين.
والشاب التائب حبيب الله (^٩).

(^١) ف: "ما يبدل".
(^٢) "هي خمس و" ساقط من ف. وهو جزء من حديث الإسراء، أخرجه البخاري في أول كتاب الصلاة (٣٤٩)، ومسلم في الإيمان، باب الإسراء (١٦٣) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(^٣) "خليل الله" ساقط من ف. (^٤) س: "اختياره"، تصحيف.
(^٥) ف، ز: "بحبه".
(^٦) كما في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، أخرجه البخاري (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤) كلاهما في فضائل الصحابة.
(^٧) ف، ز: "وأيضا فالله".
(^٨) "ويحب المتقين" ساقط من ف. (^٩) كذا وقعت هذه الجملة هنا في جميع النسخ، وقد وضعت في ط المدني =

الجزء: 1 - الصفحة: 446

وإنما هذا (^١) من قلة العلم والفهم عن الله ورسوله.

فصل

وقد تقدم (^٢) أن العبد لا يترك ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه (^٣)، لكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة؛ كما أنه يفعل ما يكرهه لحصول ما محبته أقوى عنده من كراهة ما يفعله، أو لخلاصه من مكروه كراهته عنده أقوى من كراهة ما يفعله (^٤).

وتقدم أن خاصية العقل (^٥) إيثار أعلى المحبوبين على أدناهما، وأيسر المكروهين على أقواهما.
وتقدم (^٦) أن هذا كمال قوة الحب والبغض.

ولا يتم له هذا إلا بأمرين: قوة الإدراك، وشجاعة القلب.
فإن التخلف (^٧) عن ذلك والعمل بخلافه يكون إما لضعف الإدراك بحيث إنه

= وغيرها قبل الجملة السابقة، وهو أقرب.
وقد رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة وأبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث أنس بسند ضعيف.
وبلفظ "إن الله يحب الشاب التائب".
قاله العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ٥). (ص).
(^١) ف: "هذه".
(^٢) ف، ز: "قد تقدم" دون الواو.
(^٣) "إلا … يهواه" ساقط من ل. (^٤) "أو لخلاصه … يفعله" ساقط من س، ل. (^٥) ف: "خاصة العقل".
وفي ز: "خاصة الغفلة إيثارا المحبوبين"، تحريف وسقط.
(^٦) س: "وقد تقدم".
(^٧) ف: "المتخلف".

الجزء: 1 - الصفحة: 447

لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه على ما هي (^١) عليه، وإما لضعف في النفس وعجز في القلب لا يطاوعه لإيثار الأصلح له، مع (^٢) علمه بأنه الأصلح.
فإذا صح إدراكه، وقويت نفسه، وتشجع (^٣) القلب على إيثار المحبوب الأعلى والمكروه الأدنى، فقد وفق لأسباب السعادة.

فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوى من سلطان عقله وإيمانه، فيقهر الغالب الضعيف (^٤).
ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى (^٥) من سلطان شهوته.

وإذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره، فتأبى عليه نفسه وشهوته إلا تناوله، ويقدم شهوته على عقله، وتسميه الأطباء "عديم المروءة"؛ فهكذا أكثر مرضى القلوب يؤثرون ما يزيد مرضهم لقوة شهوتهم له (^٦).

فأصل الشر من ضعف الإدراك، وضعف النفس ودناءتها.
وأصل الخير من كمال الإدراك، وقوة النفس وشرفها وشجاعتها.

ف

فصول الكتاب · 28 فصل
الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)
تأليف ابن القيم
تقدّمك في الكتاب: أصل (^٤) الشرك بالله الإشراك به في المحبة، — 25 من 28
جارٍ التحميل