والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات.
وفي جامع الترمذي ٢ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل.
ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة".
وهو سبحانه كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة، فكذلك جعل الخوف لأهل الأعمال ١.
فعلم أن الرجاء والخوف النافع هو ما اقترن ٢ به العمل.
قال الله تعالى: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (٥٧) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (٥٨) والذين هم بربهم لا يشركون (٥٩) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (٦٠) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (٦١)﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].
وقد روى الترمذي في جامعه ١ عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية فقلت ٢: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ٣ ويتصدقون، ويخافون أن لا يتقبل منهم.
أولئك يسارعون في الخيرات".
وقد روي من حديث أبي هريرة أيضا ٤.
والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن.
ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف.
ونحن جمعنا بين التقصير -بل التفريط- والأمن! فهذا الصديق يقول: "وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن".
ذكره أحمد عنه ١.
وذكر عنه أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد! ٢
وكان يبكي كثيرا، ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا ٣.
وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل ٤.
وأتي بطائر، فقلبه، ثم قال: ما صيد من صيد ولا قطعت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح ١.
ولما احتضر قال لعائشة: يا بنية، إني أصبت من مال المسلمين هذه العباءة، وهذا الحلاب ٢، وهذا العبد، فأسرعي به إلى ابن الخطاب ٣.
وقال: والله لوددت أني كنت ٤ هذه الشجرة، تؤكل وتعضد! ٥ وقال قتادة: بلغني أن أبا بكر قال: وددت أني خضرة تأكلني الدواب ٦.
وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور ٧ حتى بلغ: ﴿إن عذاب ربك لواقع (٧)﴾ [الطور: ٧]، فبكى ٨، واشتد بكاؤه، حتى مرض وعادوه ٩.
وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني.
ثم قال: ويل أمي ١ إن لم يغفر لي ٢، ثلاثا، ثم قضى ٣.
وكان يمر بالآية في ورده بالليل، فتخنقه ٤، فيبقى في البيت أياما ٥ يعاد، يحسبونه مريضا ٦.
وكان في وجهه رضي الله عنه خطان أسودان من البكاء ٧.
وقال له ابن عباس: مصر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل وفعل، فقال: وددت أني أنجو، لا أجر ولا وزر ٨.
وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه كان إذا وقف على القبر يبكي
حتى يبل لحيته ١.
وقال: لو أنني بين الجنة والنار، لا أدري إلى أيهما ٢ يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادا، قبل أن أعلم إلى أيهما أصير ٣.
وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبكاؤه وخوفه.
وكان يشتد خوفه من اثنتين ٤: طول الأمل، واتباع الهوى.
قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق.
ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما ٥ بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل ٦.
وهذا أبو الدرداء كان يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال لي: يا أبا الدرداء قد علمت، فكيف عملت فيما علمت؟ ١
وكان يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة، ولا شربتم شرابا على شهوة، ولا دخلتم بيتا ٢ تستظلون فيه، ولخرجتم إلى الصعيد، تضربون صدوركم، وتبكون على أنفسكم.
ولوددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل ٣.
وكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع ٤.
وكان أبو ذر يقول: ياليتني كنت شجرة تعضد، ووددت أني لم أخلق ٥.
وعرضت عليه النفقة فقال: عندنا عنز ٦ نحلبها، وأحمرة ننقل عليها، ومحرر يخدمنا، وفضل عباءة.
وإني أخاف الحساب
فيها ١.
وقرأ تميم الداري ليلة سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (٢١)﴾ [الجاثية: ٢١] جعل يرددها ويبكي حتى أصبح ٢.
وقال أبو عبيدة بن الجراح: وددت أني كبش، فذبحني أهلي، وأكلوا لحمي، وحسوا مرقي ٣.
وهذا باب يطول تتبعه.
قال البخاري في صحيحه ٤: "باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا ٥.
وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي- صلى الله عليه وآله وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد ٦ يقول
إنه على إيمان جبريل وميكائيل ١.
ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق" ٢.
وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: أنشدك الله، هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ يعني في المنافقين فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدا ٣.
فسمعت شيخنا رحمه الله ٤ يقول: ليس مراده أني لا أبرئ غيرك من النفاق، بل المراد: لا أفتح علي هذا الباب، فكل من سألني: هل سماني لك رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم؟ فأزكيه.
قلت: وقريب من هذا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للذي سأله أن يدعو له أن يكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "سبقك بها عكاشة" ٥.
ولم يرد أن عكاشة وحده أحق بذلك ممن عداه من
الصحابة.
ولكن لو دعا له ١ لقام ٢ آخر وآخر، وانفتح الباب، وربما قام من لم يستحق أن يكون منهم.
فكان الإمساك أولى، والله أعلم.
فصل
فلنرجع إلى ما كنا فيه من ذكر دواء الداء الذي إن استمر أفسد دنيا العبد وآخرته.
فمما ينبغي أن يعلم أن الذنوب تضر ولابد، وأن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر.
وهل في الدنيا والآخرة شر وداء ٣ إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم ٤ والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء، وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه ٥، فجعلت صورته ٦ أقبح صورة وأشنعها؛ وباطنه أقبح من صورته وأشنع؟ وبدل بالقرب بعدا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحا، وبالجنة نارا تلظى، وبالإيمان كفرا، وبموالاة الولي الحميد أعظم
عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك ١ والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان.
فهان على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى فأهواه، ومقته أكبر المقت فأرداه ٢.
فصار قوادا لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه بالقيادة، بعد تلك العبادة والسيادة ٣.
فعياذا بك اللهم من مخالفة ٤ أمرك وارتكاب نهيك.
وما الذي غرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟
وما الذي سلط الريح العقيم ٥ على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض، كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت ٦ عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ٧ ودوابهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة.
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟
وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم ١، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعا.
ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم.
ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد!
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر ٢ عليهم نارا تلظى؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم.
فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله ٣؟
وما الذي أهلك القرون من ٤ بعد نوح بأنواع العقوبات ٥، ودمرها تدميرا؟
وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟
وما الذي بعث على بني إسرائيل قوما أولى بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، وقتلوا الرجال، وسبوا الذرية والنساء، وأحرقوا الديار، ونهبوا الأموال.
ثم بعثهم عليهم مرة ثانية، فأهلكوا ما قدروا عليه،
وتبروا ما علوا تتبيرا؟
وما الذي سلط عليهم أنواع العقوبات مرة بالقتل ١ والسبي ٢ وخراب البلاد ٣، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير؟ وآخر ذلك أقسم الرب تبارك وتعالى: ﴿ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب﴾ [الأعراف: ١٦٧].
قال الإمام أحمد ٤: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، قال: لما فتحت قبرس ٥ فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض ٦، ورأيت ٧ أبا الدرداء جالسا وحده ٨ يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره! بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى!
وقال علي بن الجعد ١: أنبأنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم".
وفي مسند أحمد ٢ من حديث أم سلمة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده".
فقلت: يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟ قال: "بلى".
قالت: فكيف يصنع بأولئك؟ قال: "يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان".
وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وفي كنفه، ما لم يمالئ قراؤها أمراءها، وما لم يزك صلحاؤها فجارها، وما لم يهن خيارها شرارها.
فإذا هم فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم، ثم سلط عليهم جبابرتهم، فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر" ١.
وفي المسند ٢ من حديث ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".
وفيه أيضا ٣ عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يوشك أن تتداعى
عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها".
قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: "أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل.
تنزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن".
قالوا ١: وما الوهن؟ قال: "حب الحياة، وكراهة الموت".
وفي المسند ٢ من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم.
فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ " قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.
وفي جامع الترمذي ٣ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا بالدين ١، ويلبسون للناس ٢ مسوك الضأن ٣ من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر ٤، وقلوبهم قلوب الذئاب.
يقول الله عز وجل: أبي يغترون؟ وعلي يجترئون؟ فبي حلفت، لأبعثن على أولئك منهم ٥ فتنة تدع الحليم فيهم ٦ حيرانا ٧ ".
وذكر ابن أبي الدنيا ٨ من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده
قال: قال علي: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه.
مساجدهم يومئذ عامرة، وهي خراب من الهدى.
علماؤهم شر ١ من تحت أديم السماء.
منهم خرجت الفتنة، وفيهم تعود.
وذكر ٢ من حديث سماك بن حرب ٣، عن عبد الرحمن بن
عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: إذا ظهر الزنى والربا ١ في قرية أذن الله عز وجل بهلاكها.
وفي مراسيل الحسن: "إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا ٢ بالقلوب، وتقاطعوا بالأرحام = لعنهم الله عز وجل عند ذلك، فأصمهم، وأعمى أبصارهم ٣.
وفي سنن ابن ماجه ٤ من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: كنت عاشر عشرة وهي من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوجهه، فقال: "يا معشر المهاجرين، خمس خصال وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا.
ولا نقص قوم المكيال ٥ والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور
السلطان.
وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، فلولا البهائم لم يمطروا.
ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم ١ عدوهم من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم.
وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم".
وفي المسند والسنن ٢ من حديث عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي عبيدة، عن عبد الله ٣ بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن من كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه الناهي تعذيرا ٤، فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة بالأمس.
فلما رأى الله عز وجل ذلك منهم ٥ ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم.
ذلك بما عصوا، وكانوا يعتدون.
والذي نفس محمد بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم
كما لعنهم".
وذكر ابن أبي الدنيا ١ عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم.
قال: يا رب، هؤلاء الأشرار، فما بال
الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم.
وذكر أبو عمر بن عبد البر عن أبي هزان ٢ قال: بعث الله عز وجل ملكين إلى قرية أن: دمراها بمن فيها.
فوجدا فيها رجلا قائما يصلي في مسجد ٣، فقالا: يا رب إن فيها عبدك فلانا يصلي.
فقال الله عز وجل: دمراها، ودمراه معها ٤، فإنه ما تمعر وجهه في قط.
وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة قال: حدثني سفيان بن سعيد، عن مسعر أن ملكا أمر أن يخسف قرية، فقال: يا رب إن فيها فلانا العابد.
فأوحى الله عز وجل إليه أن: به فابدأ، فإنه لم يتمعر وجهه في
ساعة قط ٥.
وذكر ابن أبي الدنيا ١ عن وهب بن منبه قال: لما أصاب داود الخطيئة قال: يا رب اغفر لي.
قال: قد غفرت لك، وألزمت عارها بني إسرائيل.
قال: يا رب كيف، وأنت الحكم العدل لا تظلم أحدا، أعمل أنا الخطيئة ٢، ويلزم عارها غيري؟ فأوحى الله إليه: إنك لما عملت الخطيئة ٣ لم يعجلوا عليك بالإنكار.
وذكر ابن أبي الدنيا ٤ عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة هو
ورجل آخر، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنا ١، وشربوا الخمر ٢، وضربوا بالمعازف، غار الله عز وجل في سمائه، فقال للأرض: "تزلزلي بهم".
فإن تابوا ونزعوا، وإلا هدمها عليهم.
قال: يا أم المؤمنين، أعذابا لهم؟ قالت: بل موعظة ورحمة للمؤمنين، ونكالا وعذابا وسخطا ٣ على الكافرين.
فقال أنس: ما سمعت حديثا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا أشد فرحا مني بهذا الحديث.
وذكر ابن أبي الدنيا ٤ حديثا مرسلا أن الأرض تزلزلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوضع يده عليها، ثم قال ٥: "اسكني فإنه لم يأن لك بعد".
ثم التفت إلى أصحابه، فقال: "إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه".
ثم تزلزلت بالناس على عهد عمر بن الخطاب، فقال: أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه.
والذي نفسي بيده لئن عادت لا أساكنكم فيها أبدا!
وفي مناقب عمر لابن أبي الدنيا ١ أن الأرض زلزلت ٢ على عهد عمر، فضرب يده عليها، وقال ٣: مالك؟ مالك؟ أما إنها لو كانت القيامة حدثت أخبارها.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إذا كان يوم القيامة فليس فيها ذراع ولا شبر إلا وهو ينطق".
وذكر الإمام أحمد ٤ عن صفية قالت: زلزلت ٥ المدينة على عهد عمر، فقال: يا أيها الناس ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتم، لئن عادت لا أساكنكم فيها.
وقال كعب: إنما تزلزل ٦ الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي، فترعد فرقا من الرب جل جلاله أن يطلع عليها ٧.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: أما بعد، فإن هذا الرجف ٨ شيء يعاتب الله عز وجل به العباد.
وقد كتبت إلى الأمصار أن
يخرجوا ١ في يوم كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، فمن كان عنده شيء فليتصدق به، فإن الله عز وجل يقول: ﴿قد أفلح من تزكى (١٤) وذكر اسم ربه فصلى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] وقولوا كما قال آدم: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقولوا كما قال نوح: ﴿وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (٤٧)﴾ [هود: ٤٧] وقولوا كما قال يونس: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧] ٢.
وقال الإمام أحمد ٣: حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله = أنزل الله بهم بلاء، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم".
ورواه أبو داود بإسناد حسن.
وذكر ابن أبي الدنيا ١ من حديث ابن عمر قال: لقد رأيتنا وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم.
ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، وأخذوا أذناب البقر = أنزل الله عليهم من السماء بلاء، فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم".
وقال الحسن: إن الفتنة والله ما هي إلا عقوبة من الله عز وجل على الناس ٢.
ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل إلى ما يصنع بهم بخت نصر، فقال: بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا ٣.
وقال بخت نصر لدانيال: ما الذي سلطني على قومك؟ قال: عظم خطيئتك، وظلم قومي أنفسهم ٤.
وذكر ابن أبي الدنيا ١ من حديث عمار بن ياسر وحذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله عز وجل إذا أراد بالعباد نقمة أمات الأطفال، وأعقم أرحام النساء، فتنزل النقمة، وليس فيهم مرحوم".
وذكر ٢ عن مالك بن دينار، قال: قرأت في الحكمة: يقول الله عز وجل: أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن ٣ أطاعني جعلتهم عليه رحمة ٤، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة.
فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ٥، ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم.
ومن مراسيل الحسن: إذا أراد الله بقوم خيرا جعل أمرهم إلى حلمائهم ٦، وفيئهم عند سمحائهم.
وإذا أراد بقوم شرا جعل أمرهم إلى
سفهائهم، وفيئهم عند بخلائهم ١.
وذكر الإمام أحمد ٢ وغيره عن قتادة: قال موسى ٣: يا رب أنت في السماء، ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من رضاك؟ قال: إذا استعملت عليكم خياركم فهو من علامة ٤ رضاي عنكم؟ وإذا استعملت عليكم شراركم فهو علامة سخطي عليكم.
وذكر ابن أبي الدنيا ٥ عن الفضيل بن عياض قال: أوحى الله إلى بعض الأنبياء: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني.
وذكر أيضا ٦ من حديث ابن عمر يرفعه: "والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأعوانا خونة، وعرفاء ظلمة، وقراء فسقة.
سيماهم سيما الرهبان ٧، وقلوبهم أنتن من
الجيف.
أهواؤهم مختلفة، فيتيح الله لهم فتنة غبراء مظلمة، فيتهاوكون ١ فيها.
والذي نفس محمد ٢ بيده، لينقضن الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال: الله الله.
لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فليسومنكم ٣ سوء العذاب.
ثم يدعو خياركم، فلا يستجاب لهم.
لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم".
وفي معجم الطبراني وغيره ٤ من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما طفف قوم كيلا ولا بخسوا ميزانا إلا منعهم الله عز وجل القطر.
وما ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت.
وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون، ولا ظهر في قوم القتل -يقتل بعضهم بعضا- إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف.
وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم، ولم يسمع
دعاؤهم".
ورواه ابن أبي الدنيا ١ من حديث إبراهيم بن الأشعث، عن عبد الرحمن بن زيد ٢، عن أبيه، عن سعيد، به.
وفي المسند ٣ وغيره من حديث عروة عن عائشة قالت: دخل علي
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد حفزه النفس، فعرفت في وجهه أن قد حفزه شيء، فما تكلم حتى توضأ، وخرج، فلصقت ١ بالحجرة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس إن الله عز وجل يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم".
وقال العمري الزاهد ٢: إن من غفلتك عن نفسك وإعراضك عن الله أن ترى ما يسخط الله، فتتجاوزه، ولا تأمر فيه، ولا تنهى عنه، خوفا ممن لا يملك ٣ ضرا ولا نفعا.
وقال: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة من المخلوقين نزعت منه الطاعة، ولو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف ٤ بحقه ٥.
وذكر الإمام أحمد في مسنده ٦ من حديث قيس بن أبي حازم قال:
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أيها الناس إنكم تتلون هذه الآية، وإنكم تضعونها على غير مواضعها ١: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ [المائدة: ١٠٥]. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه -وفي لفظ: إذا رأوا المنكر، فلم يغيروه- أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده".
وذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أخفيت ٢ الخطيئة لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت ٣ فلم تغير ضرت العامة" ٤.
وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ١ رضي الله عنه: توشك القرى أن تخرب، وهي عامرة.
قيل: وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها ٢، وساد القبيلة منافقها.
وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "سيظهر شرار أمتي على خيارها حتى يستخفي المؤمن فيهم ٣ كما يستخفي المنافق فينا اليوم" ٤.
وذكر ابن أبي الدنيا ٥ من حديث ابن عباس يرفعه قال: "يأتي زمان
يذوب فيه قلب المؤمن، كما يذوب الملح في الماء".
قيل: مم ١ ذاك يا رسول الله؟ قال: "مما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره ٢ ".
وذكر الإمام أحمد ٣ من حديث جرير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر ممن يعمله، لم يغيروه ٤، إلا عمهم الله بعقاب".
وفي صحيح البخاري ٥ عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر
وآتيه".
وذكر الإمام أحمد ١ عن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزله الرجال والنساء، فيعظهم، ويذكرهم بأيام الله.
فرأى بعض بنيه يوما يغمز النساء، فقال: مهلا يا بني، مهلا يا بني.
فسقط من سريره، فانقطع نخاعه، وأسقطت امرأته، وقتل بنوه.
فأوحى الله إلى نبيهم أن أخبر فلانا الحبر أني لا أخرج ٢ من صلبك ٣ صديقا أبدا.
ما كان غضبك لي إلا أن قلت: مهلا يا بني، مهلا يا بني!
وذكر الإمام أحمد ٤ من حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن علي الرجل حتى يهلكنه".
وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضرب لهن مثلا كمثل القوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود ٣، حتى جمعوا سوادا، وأججوا نارا، وأنضجوا ما قذفوا فيها.
وفي صحيح البخاري ٦ عن أنس بن مالك قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر ٧، إن كنا لنعدها على عهد رسول
صلى الله عليه وآله وسلم من الموبقات.
وفي الصحيحين ١ من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "عذبت امرأة في هرة حبستها ٢ حتى ماتت، فدخلت النار.
لا هي أطعمتها، ولا سقتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض".
وفي الحلية لأبي نعيم ٣ عن حذيفة أنه قيل له: في يوم واحد تركت بنو إسرائيل دينهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه، وإذا نهوا عن شيء ركبوه، حتى انسلخوا من دينهم، كما ينسلخ الرجل من قميصه.
ومن ها هنا قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، كما أن القبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق، والمرض بريد الموت ٤.
وفي الحلية أيضا ٥ عن ابن عباس أنه قال: يا صاحب الذنب لا
تأمن سوء عاقبته ١، ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته ٢: قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال، وأنت على الذنب، أعظم من الذنب.
وضحكك، وأنت لا تدري ما الله صانع بك، أعظم من الذنب ٣.
وفرحك بالذنب إذا ظفرت به ٤ أعظم من الذنب.
وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب.
وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك، وأنت على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك، أعظم من الذنب.
ويحك! هل تدري ما كان ذنب أيوب، فابتلاه الله بالبلاء في جسده وذهاب ماله؟ استغاث به مسكين على ظالم يدرؤه عنه ٥، فلم يغثه ٦، ولم ينه الظالم عن ظلمه، فابتلاه الله.
وقال الإمام أحمد ٧: حدثنا الوليد قال: سمعت الأوزاعي يقول: سمعت بلال بن سعد ٨ يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر
من عصيت ١؟
وقال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك، يعظم عند الله.
وبقدر ما يعظم عندك، يصغر عند الله ٢.
وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى: يا موسى إن أول من مات من خلقي إبليس، وذلك أنه عصاني، وإنما أعد من عصاني من الأموات ٣.
وفي المسند وجامع الترمذي ٤ من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن المؤمن إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن ٥ تاب، ونزع، واستغفر، صقل قلبه.
وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله عز وجل: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].
قال الترمذي: هذا حديث صحيح ٦.
وقال حذيفة: إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يصير