تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهيةكل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخر

عن هذه الطبعة
عَلَم
وليد السعيدان
الكتاب
تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
المؤلف
وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]

إن العقل لا يستقل بإدراك الشرع فأمور العبادة الأصل فيها هو الحظر والتوقيف على الدليل الشرعي الصحيح.
إذا علم هذا فليعلم أن هذه العبادة لا تنعقد إلا بدليل شرعي كالصلاة مثلاً فإنها لا تنعقد إلا بتكبيرة الإحرام، وكذلك الإحرام لا ينعقد إلا بنية الدخول في النسك وهكذا، فإذا انعقدت هذه العبادات بالدليل الشرعي فإنه تثبت أحكامها المترتبة على الدخول فيها، أو على انعقادها وبالتالي فإنه لا يجوز لأحدٍ كائنًا من كان أن يدعي بطلان ما انعقد بالدليل الشرعي إلا بدليل يدل على ذلك الإبطال، وإلا فلا يجوز، بل هو من التحكم في الشريعة بمحض الآراء والتقليد المذموم، فالأصل هو عدم الإبطال فمن ادعاه فعليه الدليل؛ لأنه مخالف للأصل.
ولقد قال الله تعالى في ذكر المحرمات: ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ . فباب إبطال العبادات باب توقيفي على الدليل، وليس مفتوحًا للشهوات والمذاهب والأقيسة الباطلة، فكل ما أثبته الدليل أنه ناقض لهذه العبادة فهو الناقض وما لا فلا.
إذا علمت هذا فاعلم أن بعض العلماء رضي الله عنهم يجعلون من نواقض بعض العبادات ما ليس منها، وإليك بعض ذلك:

فمنها: الوضوء: عبادة دل الدليل الشرعي على ثبوت حكمها بغسل الأعضاء الأربعة وأعني بحكمها أي رفع الحدث، فلا يجوز لنا أن نبطل هذا الحكم إلا بدليل يدل على بطلانها عند تحققه، وقد دل الدليل الشرعي على بطلانها بالبول والغائط والريح أي بالخارج من السبيلين، وبالنوم المستغرق أي المذهب للشعور، وبما هو أولى منه كالجنون والإغماء، وبالمذي وبما يوجب الغسل إلا الموت، وبمس الذكر بشهوة بلا حائل، وبأكل لحم الإبل خاصة، كل هذه النواقض ثبتت بالدليل الشرعي أنها رافعة لحكم الوضوء المنعقد بدليل شرعي.
أما لمس المرأة ولو لشهوةٍ، ومس حلقة الدبر، وحمل الميت أو تغسيله، والقهقهة وغير ذلك مما يدعيه البعض فليس ذلك من النواقض لهذه العبادة وذلك لعدم الدليل، بل هذه الأدلة إما صحيحة غير صريحة، وإما صريحة غير صحيحة، فالواجب عدم الاستدلال بها؛ لأن الوضوء انعقد حكمه بدليل شرعي فلا نبطله إلا بدليل شرعي آخر، والله أعلم.

ومنها: الصلاة: فإنه قد دل الدليل الشرعي على أن الإنسان يدخل فيها بتكبيرة الإحرام، فبناءً عليه فإنه لا يجوز أن نبطل صلاة أحدٍ دخل فيها على هذا الوجه إلا بدليل؛ لأن ما انعقد بالدليل لا يبطل إلا بالدليل فمن هنا تعلم خطأ من قال إنها تبطل بالتنحنح إذا بان حرفان لعدم الدليل وفي حديث علي - رضي الله عنه - قال: (كان لي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدخلان فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح لي) ، وتعلم خطأ من أبطلها بالإشارة المفهومة بل في حديث ابن عمر: (أنه قال لبلال كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي، قال: يقول هكذا وبسط كفه) فهي إشارة مفهومة، بل الصحابة لما تكلم معاوية بن الحكم في الصلاة رماه القوم بأبصارهم وضربوا أفخاذهم وهي إشارة مفهومة، وعائشة - رضي الله عنها - لما دخلت عليها أسماء يوم كسفت الشمس قالت لها: (ما شأن الناس فأشارت برأسها إلى السماء) . فقالت أسماء: آية؟ (فأشارت برأسها أي نعم) ، وهذه أيضًا إشارة مفهومة، والمهم أن الإشارة باليد أو بالرأس المفهومة لا تبطل الصلاة لعدم الدليل بل الدليل على خلافها.
وتعلم أيضًا خطأ من يبطل الصلاة بالكلام أو بالنجاسة ناسيًا أو جاهلاً وحديث معاوية بن الحكم في مسلم 1 وحديث صلاته - صلى الله عليه وسلم - بالنعلين النجسين حجة عليهم، وهكذا، فكل من ادعى أن هذا القول أو هذا الفعل يبطل الصلاة فإنه يطالب بالدليل إذ الأصل عدم الإبطال والدليل يطلب من الناقل عن الأصل.
والله أعلم.

مسألة: قد يقول قائل: قد حكمت سابقًا على أن من وجد الماء وقد شرع في الصلاة بالتيمم أن يخرج منها ويتوضأ ويستأنفها فقد ادعيت أن وجود الماء مبطل للصلاة فما هو الدليل؟ قلت: قد ذكرنا دليلنا على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا واجد للماء فالشرط لم يتحقق فلا يتحقق المشروط، ولم تفصل الآية بين ما إذا كان خارج الصلاة أو داخلها، وحديث أبي هريرة وأبي ذرٍ أيضًا يدلان أن من وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته بدون تفصيل بين حالٍ وحال وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يجري على العموم في المقال، وقد ذكرناها بأوسع من ذلك في قاعدتها فارجع إليها إن شئت، والله أعلم.
ومنها: الصيام ثبت الدليل أنه ينعقد بالنية من طلوع الفجر فإذا انعقد فلا يجوز لأحدٍ أن يدعي بطلانه بقولٍ أو فعلٍ إلا وعليه دليل صحيح صريح وإلا فالأصل عدم المبطل، فمن ذلك تعرف خطأ من يفطر الصائم بالحناء في الرجل أو بقطرة الأذن والعين وبالحقن غير المغذية إذا وجد طعم ذلك في حلقه لعدم الدليل، وتعرف خطأ من يفطره بالغيبة والقبلة والمذي وبالإغماء وبشم الروائح الزكية وبذوق الطعام وبلع النخامة والريق ونحوها، كل ذلك يدعي البعض أنه من المفطرات والصواب أنه ليس منها لعدم الدليل، والله أعلم.

القاعدة الخامسة والعشرون 25 -

فصول الكتاب · 60 فصل · 116 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية · 116 صفحة
العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفةلا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها ويجوز بعد السبب وقبل شرط الوجوبلا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارضلا يعتبر الشك بعد الفعل ومن كثير الشكإذا تعذر الأصل يصار إلى البدلكل فعل توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركهالشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهماالعدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكامالنهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلاالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقلالأصل بقاء ما كان على ما كانالأصل براءة الذمم إلا بدليلالأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكرلا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورةلا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعةلا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بذكرٍ وعلمٍ وإرادةمن أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلاإذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ واحد ووقتٍ واحد وليست إحداهما مفعوله على وجه القضاء والتبع دخلت إحداهما في الأخرىكل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرفإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكنفعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكنالأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوبمن كرر محظورًا من جنسٍ واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد إن لم يخرج موجب الأولكل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخرمن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة،ولغيره يقبل مطلقًالا يضمن الأمين تلف العين بلا تعدٍ ولا تفريط والظالم يضمن مطلقًاالعبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍلا تكليف إلا بعقل وفهم خطاب واختياركل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسرالأصل في شروط العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليللا تكليف إلا بعلم ولا عقاب إلا بعد إنذارالتابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليلالحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنونالعبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالحيجوز التطوع بجنس الفرض الفائت قبل أدائه إن أمكن فعله في وقتهالاستثناء في المعاوضات لا تغتفر فيه الجهالة وفي التبرعات تغتفركل ما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًاسَدُّ الذرائعكل حيلة يتوصل بها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق فهي حرامإدراك العبادات التي تفوت بغير بدل أولى من إدراك ما يفوت إلى بدلتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوزمباشرة الحرام للتخلص منه جائزة43، 44 - يدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهماكل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها46، 47 - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف والأصل في العادات الحل والإباحةالقصود في العقود معتبرةمن لا يعتبر رضاه لفسخ عقدٍ أوحَلهِ لا يعتبر علمه بهكل من سبق إلى مباحٍ فهو أحق بهاليمين في جانب أقوى المتداعيين.الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظريغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّإذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحاظرإذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوممن تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانهتقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، واليسرى فيما عداهيثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالاً وقصدًامن سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرممن اجتهد وبذل ما في وسعه فلا ضمان عليه وكتب له تمام سعيهالأصل أن نفي الشيء يحمل على نفي الوجود إن أمكن، وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال
جارٍ التحميل