تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهيةمن أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلا
أهل الأثرالأرشيف العلمي

من أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلا

عن هذه الطبعة
عَلَم
وليد السعيدان
الكتاب
تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
المؤلف
وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]

اعلم - رحمك الله تعالى - أن الأصل أن كل من أتلف شيئًا فإن عليه ضمانه، وهذا الأصل قد دلت عليه الأدلة الشرعية، لكن هذا الأصل ليس على إطلاقه وإنما يخص منه الجزء الثاني من هذه القاعدة، وذلك أن الإنسان إذا تعمد إتلاف شيء فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون لضرورة وإما لا، فإن كان أتلف مال غيره بلا ضرورة فهو ضامن مطلقًا، وأما إذا أتلفه للضرورة فلا يخلو من حالتين: إما أن يتلفه حتى يدفع الضرورة به، وإما أن يتلفه ليدفع ضرره عنه، والحالتان مختلفتان وبيان اختلافهما هو أن الضرورة إذا قامت بالإنسان كجوعٍ ونحوه ووجد حيواناً لإنسان آخر فذبحه ليأكله فإنه في هذه الحالة أتلف مال غيره ليدفع به الضرورة عن نفسه، وأما الثانية كأن يصول عليه حيوان مفترس لغيره فيدفع ضرره عنه بقتله.
ففي الحالة الأولى لم يصدر من المُتْلَفِ أيَّ أذىً وإنما حصل الاعتداء عليه، وفي الحالة الثانية لم يحصل من المُتْلِفِ تعدٍ وإنما الأذى حصل من المُتْلَفِ فدفع المُتْلِفِ أذى المُتْلَفِ عنه، فبان الفرق بينهما.
إذا علمت هذا واتضح الفرق فاعلم أنه إذا تعدى أحد على مال غيره بإتلاف لقصد الانتفاع بمال الغير فإنه متعدٍ وكل متعدٍ فهو ضامن لما أتلفه، ومن دفع عن نفسه أذى غيره فالواجب عليه أن يدفعه بالأسهل فالأسهل فإن أدى دفاعه عن نفسه إلى إتلاف المتعدي فإنه في هذه الحالة لا ضمان عليه لأنه لم يتعد وإنما دفع الأذى عن نفسه وهذا واضح - إن شاء الله - ويتضح أكثر بذكر الفروع على كلا الأمرين:

منها: من صال عليه إنسان يريد عرضه أو نفسه فإنه يجب عليه مدافعته بالأسهل فالأسهل، فإن اندفع بالتخويف لم يجز له ضربه، وإن اندفع بضربه لم يجز جرحه، وإن اندفع بجرحه لم يجز قتله، وإن لم يندفع إلا بقتله فله قتله ولا ضمان عليه ولا دية ولا كفارة؛ لأنه لم يقتله لينتفع به وإنما قتله ليدفع ضرره عنه.
هذا بالنسبة للمدافعة عن العرض والنفس، وأما المال فإن المدافعة عنه جائزة لو تركها الإنسان لم يأثم، وكذا المدافعة عن النفس حال الفتنة لا تجب بل تركها أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل) وقوله: (فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك) . ومنها: من أصابته مجاعة فوجد حيوانًا فأتلفه بالذبح ليدفع به ضرورة الجوع فإنه يضمنه لأنه أتلفه لينتفع به وكل من أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه 1 . ومنها: إذا صال على المحرم صيد فله دفعه بالأسهل فالسهل، فإن لم يندفع إلا بقتله فله ذلك، وليس عليه ضمانه لأنه أتلفه ليدفع ضرره عنه لا به.
ومنها: لو خرجت شعره في مكانٍ من جسد المحرم فآذته كما لو نزلت على عينه ونحو ذلك فله قلعها ولا فدية عليه؛ لأنه أتلفها ليدفع ضررها عنه.
ومنها: لو أشرفت سفينة على الغرق فألقى رجل متاع غيره في البحر فإنه يضمن ذلك المتاع؛ لأنه أتلفه لينتفع هو بالبقاء، لكن لو سقط عليه متاع غيره من الأعلى فأبعده عن نفسه فأتلفه فلا ضمان؛ لأنه أتلفه ليدفع ضرر المتاع عنه، ومن أتلف شيئًا ليدفع ضرره عنه فلا ضمان عليه.
ومنها: لو قلع شوك الحرم لأذاه أي لأن الشوك مؤذٍ فلا ضمان على القالع؛ لأنه أتلفه ليدفع ضرره عنه، لكن لو احتاج إلى إيقاد نار فقلع الشوك أو غصن شجرة ضمنه؛ لأنه فعل ذلك لينتفع به.
وعلى ذلك فقس.

مسألة: لو سأل سائل وقال: في حديث أنس في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص لكعب بن عجرة أن يحلق رأسه ويفدي مع أن رأسه كان يتساقط قملاً فهو أتلفه ليدفع ضرره عنه فكيف يضمن الفدية؟ الجواب: هذا سؤال جيد، لكن يتضح الأمر إذا قلنا: هل أتلف كعب بن عجرة شعره؛ لأن الأذى صدر من الشعر ذاته أم أن الأذى صدر من القمل ولكن لا يمكن إتلاف القمل إلا بذلك؟ الجواب هو الثاني فالشعر لا أذى منه وإنما الأذى حصل من القمل فالأذى من غير الشعر فيكون هو أتلف الشعر لينتفع هو بإتلاف القمل فيكون أتلفه لينتفع به، ومن أتلف شيئاً لينتفع به ضمنه، فلا إشكال حينئذٍ، والله تعالى أعلم.

القاعدة الثامنة عشر 18 -

فصول الكتاب · 60 فصل · 116 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية · 116 صفحة
العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفةلا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها ويجوز بعد السبب وقبل شرط الوجوبلا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارضلا يعتبر الشك بعد الفعل ومن كثير الشكإذا تعذر الأصل يصار إلى البدلكل فعل توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركهالشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهماالعدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكامالنهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلاالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقلالأصل بقاء ما كان على ما كانالأصل براءة الذمم إلا بدليلالأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكرلا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورةلا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعةلا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بذكرٍ وعلمٍ وإرادةمن أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلاإذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ واحد ووقتٍ واحد وليست إحداهما مفعوله على وجه القضاء والتبع دخلت إحداهما في الأخرىكل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرفإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكنفعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكنالأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوبمن كرر محظورًا من جنسٍ واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد إن لم يخرج موجب الأولكل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخرمن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة،ولغيره يقبل مطلقًالا يضمن الأمين تلف العين بلا تعدٍ ولا تفريط والظالم يضمن مطلقًاالعبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍلا تكليف إلا بعقل وفهم خطاب واختياركل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسرالأصل في شروط العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليللا تكليف إلا بعلم ولا عقاب إلا بعد إنذارالتابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليلالحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنونالعبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالحيجوز التطوع بجنس الفرض الفائت قبل أدائه إن أمكن فعله في وقتهالاستثناء في المعاوضات لا تغتفر فيه الجهالة وفي التبرعات تغتفركل ما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًاسَدُّ الذرائعكل حيلة يتوصل بها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق فهي حرامإدراك العبادات التي تفوت بغير بدل أولى من إدراك ما يفوت إلى بدلتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوزمباشرة الحرام للتخلص منه جائزة43، 44 - يدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهماكل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها46، 47 - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف والأصل في العادات الحل والإباحةالقصود في العقود معتبرةمن لا يعتبر رضاه لفسخ عقدٍ أوحَلهِ لا يعتبر علمه بهكل من سبق إلى مباحٍ فهو أحق بهاليمين في جانب أقوى المتداعيين.الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظريغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّإذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحاظرإذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوممن تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانهتقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، واليسرى فيما عداهيثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالاً وقصدًامن سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرممن اجتهد وبذل ما في وسعه فلا ضمان عليه وكتب له تمام سعيهالأصل أن نفي الشيء يحمل على نفي الوجود إن أمكن، وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال
جارٍ التحميل