تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهيةإذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

إذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوم

عن هذه الطبعة
عَلَم
وليد السعيدان
الكتاب
تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
المؤلف
وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]

اعلم - رحمك الله تعالى - أن الواجب هو أداء الحقوق إلى أصحابها إذا عرفوا ولا يجوز منع أصحابها منها بغصبٍ أو مماطلةٍ ونحو ذلك، بل إذا عرف صاحب الحق فهو أحق به من غيره، سواءً كان صاحب الحق فردًا أو جهة معينة؛ لأن هذا من أداء الأمانات وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أهْلِهَا﴾ وهو نص عام في جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عز وجل على عباده من الصلاة والزكاة والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، وكذلك حقوق العباد بعضهم على بعضٍ كالودائع وغيرها، وعن سمرة بن جندبٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أحمد والأربعة وصححه الحاكم، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) رواه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه الحاكم، وعنه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ فالقاعدة العامة في الشريعة هو أن الإنسان يجب عليه أداء الحقوق إلى أصحابها، لكن هذا إذا كان أصحابها معروفين، أما إذا كانوا لا يعرفون وليس إلى معرفتهم سبيل أو علمناهم ولكن جهلناهم، فما العمل حينئذٍ في هذا الحق؟ هذا هو ما تقرره هذه القاعدة وهو أن صاحب الحق إذا جهل فإنه ينزل منزلة المعدوم أي كأنه لم يوجد، والمعدوم هو الذي ليس في حيز الوجود، فكل ما ليس في حيز الوجود فهو معدوم، فننزل صاحب هذا الحق منزلة المعدوم أي نخرجه عن حيز الوجود،

ونتصرف في حقه على ما تقتضيه المصلحة، هذا هو القول الراجح، ويدل عليه عدة أدلة: منها: قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن اللقطة، فقال: (اعرف عفاصها ووكائها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) متفق عليه، فأنزل صاحبها بعد تعريف اللقطة سنة منزلة المعدوم وأجاز لواجدها التصرف فيها، لكن إن تصرف فيها لنفسه فإنها تكون بمنزلة الدين في ذمته متى ما جاء ربها فإنه يؤديها إليه وفي بعض روايات الحديث الصحيحة: (فإن جاء ربها فأدها إليه) ، وعن جابر قال: (رخص لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به) رواه أحمد وأبو داود، أي لا يلزم تعريفه؛ لأنه لا تتبعه همة أواسط الناس لكننا نعلم أن له مالكًا لكننا لا نعرفه ولم نؤمر بالتعرف عليه في هذه الأمور البسيطة فنزل منزلة المعدوم فيأخذها الإنسان وينتفع بها.
ومن ذلك: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (وفي الركاز الخمس) ويوضح ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً وجد مالاً في قرية فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن وجدته في قريةٍ مسكونةٍ فعرفه وإن وجدته في قريةٍ غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس) ، ونحن نعلم يقينًا أن هذا المال المدفون له أصحاب سواء كانوا موجودين أو معدومين أو قد يكون لهم ورثة، لكن لما كان من دفن الجاهلية لم توجب الشريعة تعريفه، بل يملكه من أخذه بمجرد أخذه، وفيه الخمس، ذلك لأن أصحابه مجهولون فأنزلناهم منزلة المعدومين؛ لأنه يتعذر علينا البحث عنهم لتقادم عهد الجاهلية.

ومن ذلك: ما قضى به عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في امرأة المفقود، قال عبيد بن عمير: فقد رجل في عهد عمر فجاءت امرأته إلى عمر فذكرت ذلك له.
فقال: (انطلقي فتربصي أربع سنين، فتربصت ثم أتته) ، فقال: (انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرًا) ، ففعلت ثم أتته.
فقال: (أين ولي هذا الرجل فجاء وليه فقال: طلقها ففعل) فقال عمر: (انطلقي فتزوجي من شئت) وهو أثر صحيح.
قال أحمد: ما في نفسي شيء منه خمسة من الصحابة أمروها أن تتربص.
ا. هـ وهذا القول هو الذي حكم به الخلفاء من بعد عمر - رضي الله عنه -، وهو أصح الأقوال وأحراها بالقياس، واختاره الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم وابن عبدوس وصوبه في الإنصاف، فلما فقد الرجل ولم يعرف له حسٌّ ولا خبر جعله عمر كالمعدوم، وقد اتفق الصحابة على ذلك فهذه الأدلة تدل دلالة صريحة على أن صاحب الحق إذا تعذرت معرفته فإنه يجعل في حكم المعدوم ويتصرف في حقه بما هو الأصلح له أو بما هو الأصلح لواجده هذا من ناحية الشرح والتدليل.
وأما من ناحية التفريع فهي كثيرة أذكر أهمها فأقول:

منها: اللقطة: وقد قسمها العلماء إلى أقسام ثلاثة وتفصيلها يطول والمقصود أن هذه اللقطة سواءً وجب تعريفها أم لم يجب فإننا إن علمنا صاحبها وجب ردها إليه لحديث عياض بن حمار مرفوعًا: (فإن جاء ربها فهو أحق بها) وإن تعذرت معرفته فإنه ينزل منزلة المعدوم ويتصرف في اللقطة بما هو الأصلح، فإن كانت مالاً فله حفظه لصاحبه وله استنفاقه ويكون دينًا في ذمته، وله التصدق به على نية صاحبه، وإن كانت من بهيمة الأنعام التي لا تمتنع من صغار السباع كالغنم والدجاج والأرانب ونحوها فله أكلها، وله بيعها واستنفاق نفقتها أو حفظها لصاحبها، وله إمساكها والإنفاق عليها حتى يجد ربها، لحديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: (هي [أي ضالة الغنم] لك أو لأخيك أو للذئب) 1 . ومنها: المفقود إذا ضرب الحاكم له مدةً معلومةً إما باجتهاده أو المدة التي قضى بها عمر فانقضت المدةُ ولم يعرف له خبر ولا أثر فإنه ينزل منزلة المعدوم فيقسم ماله وتعتد زوجته.
ومنها: إذا سرق الإنسان مالاً أو غصبه وتاب رده إلى أهله وإن لم يجدهم لطول العهد واجتهد في البحث عنهم بدون جدوى، فإنه حينئذٍ يتصرف في هذا المال بما يعود نفعه عليهم من صدقةٍ ونحوها؛ لأن صاحب الحق إذا تعذر وجوده نزل منزلة المعدوم.
ومنها: من قبض وديعة من أحدٍ فغاب المالك غيبةً طويلة وسأل عنه المودَع حتى أيس من وجوده، فله حينئذٍ أن يتصرف في الوديعة بما هو الأصلح من بيع وتصدق بثمنها أو يدفعها إلى بيت المال أو يتصدق بعينها على الفقراء والمساكين بنية عن أصحابها.
ومنها: من مات وليس له وارث معلوم فإن ماله يكون لبيت مال المسلمين فيصرف في المصالح العامة؛ لأن صاحب الحق إذا تعذرت معرفته جعل كالمعدوم.

ومنها: الرهون التي لا يعرف أهلها، فقد نص الإمام أحمد على جواز الصدقة بها في رواية أبي طالب، أو تسلم للحاكم على ما هو الأصلح من هذا أو هذا، لكن إن قلنا: يتصدق بها فإن الصدقة تكون بنية عن أصحابها وموقوفة على إجازتهم فلو عرفوا في يوم من الأيام وقبلوا فأجرها لهم، وإلا ضمنها المتصدق بمثلها أو قيمتها ويكون أجر صدقته له، وعلى ذلك فقس، والله أعلم.

القاعدة السابعة والخمسون 57 -

فصول الكتاب · 60 فصل · 116 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية · 116 صفحة
العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفةلا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها ويجوز بعد السبب وقبل شرط الوجوبلا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارضلا يعتبر الشك بعد الفعل ومن كثير الشكإذا تعذر الأصل يصار إلى البدلكل فعل توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركهالشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهماالعدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكامالنهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلاالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقلالأصل بقاء ما كان على ما كانالأصل براءة الذمم إلا بدليلالأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكرلا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورةلا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعةلا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بذكرٍ وعلمٍ وإرادةمن أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلاإذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ واحد ووقتٍ واحد وليست إحداهما مفعوله على وجه القضاء والتبع دخلت إحداهما في الأخرىكل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرفإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكنفعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكنالأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوبمن كرر محظورًا من جنسٍ واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد إن لم يخرج موجب الأولكل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخرمن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة،ولغيره يقبل مطلقًالا يضمن الأمين تلف العين بلا تعدٍ ولا تفريط والظالم يضمن مطلقًاالعبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍلا تكليف إلا بعقل وفهم خطاب واختياركل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسرالأصل في شروط العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليللا تكليف إلا بعلم ولا عقاب إلا بعد إنذارالتابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليلالحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنونالعبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالحيجوز التطوع بجنس الفرض الفائت قبل أدائه إن أمكن فعله في وقتهالاستثناء في المعاوضات لا تغتفر فيه الجهالة وفي التبرعات تغتفركل ما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًاسَدُّ الذرائعكل حيلة يتوصل بها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق فهي حرامإدراك العبادات التي تفوت بغير بدل أولى من إدراك ما يفوت إلى بدلتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوزمباشرة الحرام للتخلص منه جائزة43، 44 - يدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهماكل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها46، 47 - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف والأصل في العادات الحل والإباحةالقصود في العقود معتبرةمن لا يعتبر رضاه لفسخ عقدٍ أوحَلهِ لا يعتبر علمه بهكل من سبق إلى مباحٍ فهو أحق بهاليمين في جانب أقوى المتداعيين.الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظريغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّإذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحاظرإذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوممن تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانهتقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، واليسرى فيما عداهيثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالاً وقصدًامن سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرممن اجتهد وبذل ما في وسعه فلا ضمان عليه وكتب له تمام سعيهالأصل أن نفي الشيء يحمل على نفي الوجود إن أمكن، وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال
جارٍ التحميل