تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهيةالعبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

العبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍ

عن هذه الطبعة
عَلَم
وليد السعيدان
الكتاب
تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
المؤلف
وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]

وهذه القاعدة من أهم القواعد والضوابط الفقهية؛ لأنها تبين ما يمكن تداركه عند فواته من العبادات مما لا يمكن تداركه، فأقول: اعلم – رحمك الله تعالى – أن العبادات باعتبار التوقيت وعدمه نوعان: عبادات مطلقة عن الوقت أي ليس لها وقت معلوم وإنما هي جائزة في كل وقتٍ، فيسن فعلها في كل وقتٍ فهذه لا تعلق بها في هذه القاعدة أصلاً لأنه ليس لها وقت يفوت لأن جميع الأوقات بالنسبة لها واحدة، كالصدقة المندوبة، وبر الوالدين والإحسان إليهما، والنوافل المطلقة في غير وقت النهي، وصيام التطوع في غير الأيام الخمسة أعني العيدين وأيام التشريق الثلاثة 1 ، والعمرة في جميع أوقات العام ونحوها، فكلها لا تدخل معنا في هذه القاعدة لما ذكرناه سابقًا.
الثانية: عبادة قد حدت بوقت أي لها وقت معلوم تفعل فيه له بداية ونهاية كشهر رمضان، والصلوات الخمس، والرواتب القبلية والبعدية، وكالوقوف بعرفة، وذبح الأضاحي المعينة، وصدقة الفطر، وكالنذر المؤقت بوقت ونحوها، فهذه العبادات كلها لها وقت معلوم لا تفعل قبله بالاتفاق لكن السؤال الآن: ما الحكم في هذه العبادات إذا فاتت أي تركها المكلف حتى خرج وقتها فهل يسوغ له فعلها ولو بعد وقتها؟ أم أنه لا يسوغ له ذلك؟ هذا هو نص القاعدة.

أقول: من فوت شيئًا من هذه العبادات فإنه لا يخلو من حالتين: إما أن يكون فوتها لعذرٍ شرعي، وإما أن يكون تفويته لها عمدًا بلا عذرٍ شرعي، فإن فوتها بعذرٍ شرعي فإنه يجوز له أن يفعلها ولو خارج وقتها ويعطى أجر من فعلها في وقتها لا ينقص من أجره شيء، فمن ترك الصلاة ناسيًا أو نائمًا حتى خرج وقتها فإنه يفعلها إذا ذكر أو استيقظ لحديث أنس في الصحيحين مرفوعًا: (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) ، والنسيان والنوم عذر شرعي فلا يأثم الإنسان بهذا التفويت لحديث: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم: (وعن النائم حتى يستيقظ) وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أوْ أخْطَأْنَا﴾ وفي صحيح مسلم: (قال الله: قد فعلت) وكذلك من أفطر يومًا من رمضان وهو مريض مسافر فلا بأس وله أن يقضيه في يوم آخر قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أخَرَ﴾ . ومن فاته شيء من الرواتب القبلية أو البعدية ناسيًا أو نائمًا أو نحوه فله قضاؤها، واختاره الشيخ تقي الدين، ووقت الراتبة القبلية من دخول الوقت إلى إقامة الصلاة، والبعدية من السلام إلى خروج الوقت.
ومن فاته إخراج زكاة الفطر ناسيًا أو نائمًا ولم يستيقظ إلا بعد الصلاة أعني صلاة العيد أو لم يجد فقيرًا إلا بعد الصلاة فله إخراجها بعد الصلاة ونرجو له الأجر والثواب وتجزئ عنه - إن شاء الله -. ومن نذر صلاة وقتٍ محدد ثم فوته نسيانًا أو جهلاً أو بنوم أو مرض فله أن يصلي ما نذر بعده إن لم يكن وقت نهي ولا كفارة عليه على الراجح لعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أوْ أخْطَأْنَا﴾ .

وإذا تصورنا أن إنسانًا فوت ذبح الأضحية المعينة 1 في الوقت المشروع كالمغمى عليه طيلة يوم عيد الأضحى وثلاثة الأيام بعده، ولا وكيل له ولم يستفق إلا بعد غروب شمس اليوم الثالث إن تصورنا ذلك فله ذبحها بنية الأضحية بعده وهكذا، فهؤلاء جوزنا لهم فعل العبادة المؤقتة بعد فوات وقتها؛ لأنهم معذورون في هذا التفويت غير آثمين بسببه، فلا يؤاخذون بحرمانهم من أجر هذه العبادات بمنعهم من قضائها؛ لأنهم ما تجانفوا لإثم، فالعفو عنهم وتجويز فعل هذه العبادات لهم هو روح الشريعة، وهو القول المناسب لها؛ لأن فيه رحمة وتخفيف على هؤلاء فلا يحسن عقابهم بحرمانهم من قضائها؛ لأنهم فعلوا ما يوجب عقوبتهم، وقد دلت الأدلة العامة على عدم مؤاخذة الناسي والمخطئ، والله أعلم.

أما من فوت هذه العبادات بلا عذرٍ وإنما بتعمد لذلك التفويت من تكاسلٍ عنها أو قلة حرصٍ أو اشتغال بالدنيا ونحوها فهذا إذا فات وقتها وخرج فإنه لا يسوغ له فعلها أبدًا ولو فعلها في غير وقتها ألف مرة فإنها لا تجزئه أبدًا، لأن التوقيت في العبادة له حكمة عظيمة، فالشريعة لم تخص هذا الوقت بهذه العبادة إلا لأن إيقاعها فيه فيه مصلحة وحكمة بالغة لا تكون في غيره، فإذا فعلت في غير هذا الوقت فإنه لا تتحقق منها المصلحة المرجوة من فعلها في وقتها، وإنما جاز فعلها لمن فوتها لعذرٍ؛ لأن الدليل دل على عدم مؤاخذته، وأما من فوتها متعمدًا بلا عذرٍ فهذا مؤاخذ بهذا التفويت، ومؤاخذته قد تكون في عدم تمكينه من هذه العبادة، بل يحرم أجرها، وليس إسقاطنا عنه قضاء العبادة إسقاط تخفيف، بل هو إسقاط حرمان، وإسقاط الحرمان عقوبة بخلاف إسقاط التخفيف فهو رحمة، فمن فوت الصلاة وأخرجها عن وقتها عامدًا بلا عذرٍ فلا يسوغ له قضاؤها أبدًا ولو فعلها ألف مرة لم تسقط عنه المطالبة بها وهو اختيار الشيخ تقي الدين.
وإنما قضاء الصلاة للمعذور فقط أما غير المعذور فلا، وإنما عليه التوبة النصوح المستجمعة لشروطها المعروفة وعليه الإكثار من النوافل لتسد هذا الخلل العظيم.
ومن أفطر يومًا من رمضان عامدًا بلا عذر فإنه لا يسوغ له قضاؤه أبدًا فلو صام الدهر كله لم يسقط عنه المطالبة بهذا اليوم واختاره الشيخ تقي الدين وضعف زيادة (واقض يومًا مكانه) لعدول البخاري ومسلم عنها.
ومن لم يخرج زكاة الفطر في وقتها المشروع حتى فات بلا عذرٍ فإنه لا يجزئه إخراجها بعده، بل هو آثم بهذا التفويت، فلو تصدق بماله كله فإنه لا يسقط عنه المطالبة بها، وإنما عليه التوبة النصوح والإكثار من الصدقة لعل الله أن يغفر له ذلك الإثم.

ومن أخر ذبح أضحيته حتى خرج وقتها بلا عذر فلا تكون أضحية بذبحها بعد غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، بل يأثم على القول بالوجوب وهكذا.
ومأخذ ذلك هو أنه فوت العبادة المؤقتة بوقتٍ محدد بلا عذر ففاتت بذلك؛ لأن العبادة المؤقتة بوقت تفوت بفواتها إلا من عذرٍ، فليحرص المسلم على ذلك وليبادر بإيقاع العبادة في وقتها المحدد لها حتى تبرأ ذمته ويخرج من عهدة التكليف بها، ومن وقع في تفويت شيء بلا عذر فعليه المبادرة بالتوبة والإكثار من فعل جنسها نفلاً ما أمكن ذلك، والله يتجاوز عن الخطأ والزلل وهو أعلى وأعلم.

القاعدة الثامنة والعشرون 28 -

فصول الكتاب · 60 فصل · 116 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية · 116 صفحة
العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفةلا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها ويجوز بعد السبب وقبل شرط الوجوبلا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارضلا يعتبر الشك بعد الفعل ومن كثير الشكإذا تعذر الأصل يصار إلى البدلكل فعل توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركهالشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهماالعدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكامالنهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلاالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقلالأصل بقاء ما كان على ما كانالأصل براءة الذمم إلا بدليلالأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكرلا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورةلا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعةلا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بذكرٍ وعلمٍ وإرادةمن أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلاإذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ واحد ووقتٍ واحد وليست إحداهما مفعوله على وجه القضاء والتبع دخلت إحداهما في الأخرىكل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرفإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكنفعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكنالأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوبمن كرر محظورًا من جنسٍ واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد إن لم يخرج موجب الأولكل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخرمن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة،ولغيره يقبل مطلقًالا يضمن الأمين تلف العين بلا تعدٍ ولا تفريط والظالم يضمن مطلقًاالعبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍلا تكليف إلا بعقل وفهم خطاب واختياركل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسرالأصل في شروط العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليللا تكليف إلا بعلم ولا عقاب إلا بعد إنذارالتابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليلالحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنونالعبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالحيجوز التطوع بجنس الفرض الفائت قبل أدائه إن أمكن فعله في وقتهالاستثناء في المعاوضات لا تغتفر فيه الجهالة وفي التبرعات تغتفركل ما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًاسَدُّ الذرائعكل حيلة يتوصل بها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق فهي حرامإدراك العبادات التي تفوت بغير بدل أولى من إدراك ما يفوت إلى بدلتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوزمباشرة الحرام للتخلص منه جائزة43، 44 - يدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهماكل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها46، 47 - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف والأصل في العادات الحل والإباحةالقصود في العقود معتبرةمن لا يعتبر رضاه لفسخ عقدٍ أوحَلهِ لا يعتبر علمه بهكل من سبق إلى مباحٍ فهو أحق بهاليمين في جانب أقوى المتداعيين.الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظريغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّإذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحاظرإذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوممن تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانهتقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، واليسرى فيما عداهيثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالاً وقصدًامن سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرممن اجتهد وبذل ما في وسعه فلا ضمان عليه وكتب له تمام سعيهالأصل أن نفي الشيء يحمل على نفي الوجود إن أمكن، وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال
جارٍ التحميل