تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهيةالشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهما
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهما

عن هذه الطبعة
عَلَم
وليد السعيدان
الكتاب
تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
المؤلف
وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]

اعلم - رحمك الله تعالى - أن الشروط عندنا نوعان: شروط صحة، وشروط وجوب.
فشروط الصحة هي التي لا يصح الفعل إلا بها كالطهارة شرط لصحة الصلاة وكذلك استقبال القبلة وستر العورة وإزالة النجاسة.
وشروط الوجوب هي التي لا تعلق لها بالصحة وإنما لها تعلق بالوجوب فلا يجب الفعل إلا بها لكن يصح بدونها كشرط المحرم للمرأة في الحج، لا يجب عليها الحج إلا عند توفر المحرم، لكن لو حجت بلا محرم فحجها صحيح مع الإثم، كاشتراط الإقامة لوجوب الصوم، فلو صام المسافر لصح صيامه لكن لا يجب عليه إلا بالإقامة، وهكذا إذا علمت هذا فاعلم أن قولنا في القاعدة (الشروط) إنما نعني بها شروط الصحة لا شروط الوجوب فانتبه لهذا حتى لا تشكل عليك بعض الفروع.
ثم اعلم أن شروط الصحة عندنا نوعان: الأول: شروط كانت معدومة فأمر المكلف بإيجادها، فهذه هي المراد بقولي: (في باب المأمورات) يعني أن المكلف أمر بإيجادها، كالطهارة للصلاة كانت معدومة فأمر المكلف بإيجادها عند كل صلاةٍ إذا كان محدثًا، فالطهارة شرط مأمور بإيجاده.
الثاني: شروط أمر المكلف بعدم التلبس بها أي باجتنابها والابتعاد عنها، فهذه هي المرادة بقولي: (في باب التروك) يعني أن المكلف أمر بتركها، كإزالة النجاسة هو شرط تركي بمعنى أن المكلف أمر باجتناب النجاسة والابتعاد عنها لا بفعلها، وإن أشكل عليك ذلك فإليك هذين السؤالين اللذين يوضحان الفرق: فأقول: إذا أشكل عليك شرط من شروط الصحة هل هو من شروط الإيجاد أو من شروط الترك؟ فاسأل نفسك سؤالين:

هل الله أمرنا بالإتيان بهذا الشرط أي بإيجاده وقد كان معدومًا؟ أم أن الله أمرنا بتركه واجتنابه والابتعاد عنه؟ إذا كان الجواب بالأول:نعم، أي أن الله أمرنا بإيجاده فاعرف أنه من شروط المأمورات.
وإذا كان الجواب بالثاني:نعم، أي أن الله أمرنا بتركه واجتنابه والابتعاد عنه فاعرف أنه من شروط التروك، كالطهارة لصحة الصلاة، وترك الأكل لصحة الصيام.
فتقول: هل الله أمرني بفعل الطهارة وإيجادها والتلبس بها أو أمرني بترك الطهارة؟ الجواب: نعم أمرك الله بإيجاد الطهارة عند إرادة الصلاة، إذًا الطهارة شرط مأمور بإيجاده فلا يسقط بالجهل والنسيان.
وتقول: هل الله أمرني إذا صمت أن أوجد الأكل والشرب أو أترك الأكل والشرب؟ الجواب: هو أن أترك الأكل والشرب، إذًا الأكل والشرب لصحة الصوم شرط تركي فيسقط بالجهل والنسيان وهذا واضح جدًا.
وقولنا: (لا تسقط بالجهل والنسيان) المراد به هو الجهل الذي لا يعذر فيه صاحبه كالجهل الذي يقدر المكلف أن يرفعه عن نفسه لكنه فرط في ذلك.
وأما النسيان فهو عارض طبيعي يغطي على التفكير ويقطع اتصاله، ولا يؤاخذ الإنسان به في حالٍ دون حال، إذا علمت هذا فاعلم أن دليل هذه القاعدة هو الاستقراء التام لأدلة الشريعة كما سنذكره الآن في بعض الفروع، والله أعلم.
فمنها: رجل صلى بلا ستر عورة ناسيًا أو جاهلاً فما الحكم؟ نقول: هل ستر العورة مما أمر المكلف بإيجاده والتلبس به أو مما أمر المكلف بتركه واجتنابه؟ لاشك أن الجواب هو الأول إذا هو شرط مأمور بإيجاده، والشروط المأمور بإيجادها لا تسقط بالجهل والنسيان إذاً صلاته باطلة ويلزمه إعادتها، والله أعلم.

ومنها: صلى رجل بلا استقبال للقبلة جاهلاً الحكم جهلاً لا يعذر فيه أو ناسيًا لاستقبالها، فما الحكم؟ الجواب أن نقول: هل استقبال القبلة مما أمر المكلف بإيجاده أو مما أمر المكلف بتركه واجتنابه؟ الجواب هو الأول إذًا استقبال القبلة من شروط الإيجاد فلا يسقط بالجهل والنسيان فصلاته إذًا باطلة، والله أعلم.
ومنها: رجل تكلم في الصلاة جاهلاً أو ناسيًا فما الحكم؟ نقول إن الكلام في الصلاة مما أمر المكلف بتركه واجتنابه لا مما أمر بفعله فإذًا هو من شروط التروك وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان إذًا صلاته صحيحة ولا شيء عليه ويدل على ذلك حديث معاوية بن الحكم في مسلم.
ومنها: أن من أكل أو شرب في الصلاة ناسيًا أو جاهلاً فإن صلاته صحيحة كثيرًا كان الأكل أو قليلاً؛ لأن الأكل والشرب في الصلاة مما أمر المكلف بتركه واجتنابه فهو شرط تركي وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان.
ومنها: أن من صلى بلا نية ناسيًا لها أن صلاته باطلة؛ لأن النية مما أمر المكلف بإيجاده والتلبس به فهي من شروط الإيجاد وشروط الإيجاد لا تسقط بالجهل والنسيان.
ومنها: أن من أكل أو شرب ناسيًا في رمضان لا شيء عليه ويتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه ذلك لأن الأكل والشرب في رمضان مما أمر المكلف بتركه واجتنابه فهو شرط تركي وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان فصومه صحيح وعلى ذلك يدل حديث أبي هريرة: (من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه …) متفق عليه.
ومنها: من جامع في نهار رمضان جاهلاً أو ناسيًا فإنه لا شيء عليه وصومه صحيح؛ لأن الجماع في نهار رمضان مما أمر المكلف بتركه واجتنابه وعدم فعله فهو إذًا شرط تركي وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان وهذا هو الصحيح خلافًا للمذهب.

ومنها: من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام، أيَّا كان ذلك المحظور جاهلاً أو ناسيًا فلا كفارة ولا فدية؛ لأن هذه المحظورات مما أمرنا بتركها واجتنابها حال الإحرام فهي من شروط التروك وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان وهذا هو الصحيح خلافًا لمن فرق بين الصيد وما كان من باب الإيلاف وبين غيره، والله أعلم.
ومنها: من ترك التسمية على الذبيحة جاهلاً أو ناسيًا فذبيحته حرام وميتة؛ لأن التسمية على الذبيحة مما أمر المكلف بإيجاده وفعله فهي من شروط الإيجاد والشروط في باب الإيجاد لا تسقط بالجهل والنسيان، هذا هو الصحيح وعليه قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، وكذلك من ترك التسمية عند إرسال الجارحة أو آلة الصيد كالبندقية ونحوها لا يحل ما اصطاده لأن التسمية من شروط الإيجاد فلا تسقط بالجهل والنسيان، هذا الصحيح خلافًا لمن قال تسقط التسمية في الكل مع النسيان، وخلافًا لمن فرق بينهما فقال تسقط عند الذبح ولا تسقط على الصيد، فإن التسمية على الذبح كالطهارة مع الصلاة،فمن أحَلَّ الذبيحة التي تركت التسمية عليها فليصحح الصلاة التي لا طهارة قبلها، فإن شروط الإيجاد بابها واحد وحكمها واحد وهي متماثلة في أن كل واحد منها مما أمر المكلف بإيجاده، ولذلك اختار شيخ الإسلام حرمة ما ترك عليه التسمية أيًا كان ذبيحة أو صيدًا والحق معه، والله أعلم.
وفروعها كثيرة لكن فيما مضى كفاية - إن شاء الله تعالى -.

مسألة: اعلم أن المطالبة بفعل المأمور، أعظم من المطالبة بترك المنهي فمخالفة فعل المأمور أشد من ارتكاب المنهي ولذلك قلنا إن ترك المأمورات لا يسقط بالجهل والنسيان وارتكاب المنهي يسقط بالجهل والنسيان، وأضرب مثالاً واحدًا على ذلك فأقول: إن معصية أبينا آدم كانت من قبيل فعل المنهي، ومعصية عدونا إبليس كانت من قبيل ترك المأمور، فقد أمر أبونا آدم بترك الأكل من هذه الشجرة واجتنابها والابتعاد عنها فلما أكل عاتبه الله وعاقبه بالهبوط من الجنة لكنه تاب عليه وعادت حاله بعد التوبة أكمل فتاب الله عليه.
أما إبليس فإنه لما قال الله تعالى ﴿اسجدوا لآدم﴾ فإن الملائكة سجدوا جميعًا إلا هو، فخالف الأمر عنادًا وتكبرًا واغترارًا بأصله، فكانت حاله أسوأ حال وحرم من التوبة وطرد ولعن ومسخ على أقبح صورة (1) . فلذلك قلنا: إن ترك المأمور أشد عند الله من فعل المحظور، والله تعالى أعلم القاعدة الثامنة 8 -

فصول الكتاب · 60 فصل · 116 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية · 116 صفحة
العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفةلا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها ويجوز بعد السبب وقبل شرط الوجوبلا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارضلا يعتبر الشك بعد الفعل ومن كثير الشكإذا تعذر الأصل يصار إلى البدلكل فعل توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركهالشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهماالعدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكامالنهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلاالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقلالأصل بقاء ما كان على ما كانالأصل براءة الذمم إلا بدليلالأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكرلا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورةلا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعةلا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بذكرٍ وعلمٍ وإرادةمن أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلاإذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ واحد ووقتٍ واحد وليست إحداهما مفعوله على وجه القضاء والتبع دخلت إحداهما في الأخرىكل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرفإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكنفعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكنالأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوبمن كرر محظورًا من جنسٍ واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد إن لم يخرج موجب الأولكل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخرمن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة،ولغيره يقبل مطلقًالا يضمن الأمين تلف العين بلا تعدٍ ولا تفريط والظالم يضمن مطلقًاالعبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍلا تكليف إلا بعقل وفهم خطاب واختياركل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسرالأصل في شروط العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليللا تكليف إلا بعلم ولا عقاب إلا بعد إنذارالتابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليلالحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنونالعبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالحيجوز التطوع بجنس الفرض الفائت قبل أدائه إن أمكن فعله في وقتهالاستثناء في المعاوضات لا تغتفر فيه الجهالة وفي التبرعات تغتفركل ما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًاسَدُّ الذرائعكل حيلة يتوصل بها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق فهي حرامإدراك العبادات التي تفوت بغير بدل أولى من إدراك ما يفوت إلى بدلتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوزمباشرة الحرام للتخلص منه جائزة43، 44 - يدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهماكل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها46، 47 - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف والأصل في العادات الحل والإباحةالقصود في العقود معتبرةمن لا يعتبر رضاه لفسخ عقدٍ أوحَلهِ لا يعتبر علمه بهكل من سبق إلى مباحٍ فهو أحق بهاليمين في جانب أقوى المتداعيين.الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظريغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّإذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحاظرإذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوممن تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانهتقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، واليسرى فيما عداهيثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالاً وقصدًامن سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرممن اجتهد وبذل ما في وسعه فلا ضمان عليه وكتب له تمام سعيهالأصل أن نفي الشيء يحمل على نفي الوجود إن أمكن، وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال
جارٍ التحميل