الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- وليد السعيدان
- الكتاب
- تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
- المؤلف
- وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]
وهذا رواية عن الإمام أحمد وهي الموافقة للأدلة من الكتاب والسنة وهي أرجح من قول بعضهم: (الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة) فإنه يشكل عليه كثير من الأدلة ورد فيها الأمر بعد الحظر ولا يفيد الإباحة ونعني: (بالأمر بعد الحظر) أنه إذا حظر الشارع قولاً أو فعلاً ثم عاد فأمر به، فهذا أمر بعد حظر كأن يقول مثلاً: (لا تزوروا القبور) ، ثم يقول: (زوروها) ونحو ذلك، فهذا الأمر الذي أعقب الحظر ماذا يفيد؟ هل يفيد الوجوب كما كان يفيده لو لم يرد بعد حظر؟ أم أنه يفيد الندب أم يفيد الإباحة؟ أم يفيد حكمه قبل الحظر؟ في هذه المسألة خلاف بين الأصوليين والصواب هو مقتضى هذه القاعدة وهو أن الشارع إذا حرم شيئاً من الأقوال ثم أمر به فإنه يرجع بعد فك الحظر عنه إلى حكمه الأول، فإن كان قبل الحظر واجباً فهو بعد الحظر واجب وإن كان سنة فهو سنة وإن كان قبل الحظر مباحاً فهو بعد الحظر مباحًا.
وهذا هو الموافق للأدلة، وهي كثيرة:
فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فقتال المشركين كان واجبًا قبل الأشهر الحرم ثم حرمه الله في الأشهر ثم أمر به مرةً ثانية بعد انسلاخ الأشهر الحرم فقوله: ﴿فاقتلوا﴾ يفيد الوجوب؛ لأنه كان واجبًا قبل الحظر، ولا يمكن أن يقال هنا إنه مباح على قول من قال إنه يفيد الإباحة، فإن قتال الكفار يعلم من الدين بالضرورة أنه واجب، فلما فُكَّ الحظر عاد الحكم إلى ما كان يفيده قبل الحظر.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فحرم الله تعالى الصيد البري حال الإحرام ثم قال: ﴿وَإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ فأمر به بعد الإحلال، فالأمر بالصيد بعد الإحلال أمر بعد حظر، فنقول يرجع إلى ما كان يفيده قبل الحظر، فنظرنا فوجدنا أن الصيد مباح قبل الحظر فقلنا إن الأمر بالصيد إذًا بعد تحريمه يفيد الإباحة لأنه كان مباحًا قبل تحريمه.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فالأصل أن البيع جائز ثم حرمه الله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أي النداء الثاني الذي يعقبه الخطبة ثم أمر به في قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ وهذا الأمر بالانتشار والابتغاء من فضل الله يفيد الجواز؛ لأنه كان يفيده قبل تحريمه، والأمر إذا ورد بعد حظر أفاد ما كان يفيده قبل الحظر.
ومن ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) فالأصل أن زيارة القبور كانت جائزة أو مستحبة ثم نهى عنها ثم أمر بها في قوله: (فزوروها) فهذا الأمر يفيد الإباحة أو الاستحباب؛ لأنه كان يفيد ذلك قبل الحظر.
ومن ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروا ... ) الحديث.
فالأصل أن ادخار شيءٍ من لحم الأضحية جائز ثم نهي عنه من أجل الداقة أي الفقراء الذين نزلوا المدينة، ثم أمر به في قوله: (فادخروا) فهذا الأمر يفيد الإباحة لأنه كان مباحًا قبل الحظر.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فنهى عن جماع المرأة الحائض ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فأمر بإتيانها، وهذا الأمر يفيد الإباحة؛ لأن الإتيان قبل الحيض مباح، وبهذا يتبين لك جليًا أن الأمر بعد الحظر يرجع إلى حكمه السابق قبل الحظر إلا أنك تلاحظ أن غالب ما ورد في الشريعة من الأمر بعد الحظر إنما يفيد الإباحة ولذلك قال من قال إنه للإباحة، لكن الأجود هو القول بمقتضى هذه القاعدة، والله تعالى أعلى وأعلم.
القاعدة الثالثة والخمسون
53 - يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء (1)
وقد يقال: (البقاء أسهل من الابتداء) وكلها بمعنىً واحد، وقولنا: (يغتفر) أي يتسامح ويتساهل، وقولنا: (في البقاء) أي في أثناء الفعل وخلال الأمر وقولنا: (ما لا يغتفر في الابتداء) أي في إنشاء الفعل مرة أخرى من جديد، ومعناها: أن الشيء أحيانًا لا يجوز ابتداؤه لكن يجوز استمراره، فاستمراره لا يعطى حكمًا؛ لأنه مغفور، لكن لو ابتدأه مرةً أخرى فإنه يعطى حينئذٍ حكمًا، فبقاؤه لا حكم له، وابتداؤه له حكم.
وعلى ذلك فروع كثيرة جدًا هي كالأدلة لها:
منها: الطيب للمحرم، فإن السنة دلت على استحباب الطيب قبل الإحرام لحديث عائشة في المتفق عليه: (كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) فيستحب للمحرم أن يتطيب في بدنه فقط قبل عقد نية الإحرام وإذا أحرم بعد ذلك فإنه لاشك سيكون أثر الطيب باقٍ عليه فهذا الأثر لا بأس به؛ لأنه مغتفر لكن لو ابتدأ الطيب مرةً أخرى بعد عقد الإحرام فعليه حينئذٍ فدية؛ لأن ابتداء الطيب حال الإحرام لا يغتفر، فاغتفر بقاؤه ولم يغتفر ابتداؤه؛ لأنه