يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- وليد السعيدان
- الكتاب
- تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
- المؤلف
- وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]
1 ومنها: من محظورات الإحرام عقد النكاح، فلا يجوز للمحرم أن يَنْكِحُ ولا يُنْكَحُ لحديث عثمان - رضي الله عنه - عند مسلم مرفوعاً: (لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ ولا يُنْكَحُ ولا يَخْطُبُ) فلو أن المحرم ابتدأ عقد نكاحٍ بعد إحرامه فقد باء بالإثم ولا شك، لكن لو طلق الشخص زوجته ثم أحرم فبدا له أن يراجعها حال إحرامه فهل يجوز له أن يراجعها أم لا؟
نقول: نعم يجوز له ذلك لأن الرجعة ليست ابتداء عقد جديد ولكن هي استمرار لعقد النكاح الأول، فهي من باب البقاء لا من باب الابتداء، فيجوز للمحرم مراجعة زوجته؛ لأن الرجعة من باب البقاء ولا يجوز له أن ينشئ عقد نكاح جديد؛ لأنه من باب الابتداء، ويغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.
ومنها: من محظورات الإحرام قتل الصيد البري المتوحش طبعًا لقوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ لكن لو قتل شخص صيدًا وليس بمحرم ولا في الحرم، ثم عقد نية الإحرام، فهل يلزمه تخليته أم لا؟ الجواب: لا يلزمه تخليته؛ لأن وجود الصيد معه إنما هو من باب البقاء، لكن لو أنه بعد الإحرام قتل الصيد فإنه يأثم وعليه مثله من النعم لأن قتله حينئذٍ من باب الابتداء، والبقاء أسهل من الابتداء.
ومنها: الأموال المحرمة التي اكتسبها أصحابها وهم لا يعلمون بالتحريم كالأموال الربوية ونحوها، فإذا جهلوا جهة تحريمها ثم علموه فهل يلزمهم أن يتخلصوا من هذه الأموال أم لا؟ الجواب: لا يلزمهم ذلك لأنهم معذورون بجهلهم لتحريمها فيغتفر لهم إبقاؤها لكن لا يجوز لهم بعد العلم بالتحريم تحصيل شيء جديد من هذه الجهة المحرمة فلو فعلوا وجب عليهم التخلص منه؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء.
ومنها: صلاة التطوع المطلق أعني الذي لا سبب له، لو ابتدأه الإنسان في غير وقت النهي ثم أطاله حتى دخل عليه وقت النهي فإنه لا بأس به؛ لأنه من باب البقاء، لكن لو دخل عليه وقت النهي ثم ابتدأ فيه نافلة مطلقة فإنه حينئذٍ لا تصح؛ لأنه من باب الابتداء فاغتفر البقاء ولم يغتفر الابتداء؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء 1 .
ومنها: أن المرأة لا يجوز لها إسقاط المهر عن الزوج عند العقد، بل هو لا يسقط بالإسقاط 2 ؛ لأن من شروط صحة العقد أن يكون على مهرٍ وتسميته في العقد سنة وإن لم يسم فلها مهر مثلها لا وكس ولا شطط، لكن لو تم العقد بالمهر ثم بعد مدة أسقطته المرأة وعفت عنه، فهذا جائز لتمام العقد حينئذٍ فابتداء إسقاط المهر مع العقد لا يجوز وإسقاطه بعد تمام العقد يجوز؛ لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.
ومنها: بيع العبد الآبق فإن ابتداء بيعه وهو آبق لا يجوز؛ لأن من شروط صحة البيع القدرة على التسليم لكن لو باع الإنسان عبدًا ثم أبق فإباقه هذا بعد تمام عقد البيع لا يؤثر في صحة البيع فلم يجز ابتداء بيعه ولم يُفسدِ البيعَ إباقُه بعده؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء.
ومنها: الأرض التي وقع بها الطاعون، فإن من كان فيها لا يخرج منها هربًا منه فقعوده فيها مع ظنه الهلاك لا يؤثر؛ لأنه من باب البقاء، ولا يُعَدُّ بفعله ذلك قاتلاً لنفسه ولا أنه يلقي بنفسه للتهلكة، وأما من كان خارجًا عنها فإنه لا يجوز له ابتداء دخولها؛ لأن الإنسان يحرم عليه أن يلقي بنفسه في التهلكة، وهو مأمور بالمحافظة على نفسه، فالبقاء فيها مغتفر وابتداء دخولها محرم؛ لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء، وفي الصحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا: (إذا وقع عليكم وأنتم بأرضٍ فلا تخرجوا منها فرارًا منه وإذا سمعتم به في بلدٍ فلا تقدموا عليه) ، والله أعلم.
ومنها: نكاح الأمة فإنه يجوز بشرطين: أن لا يستطيع مهر حرة، وأن يخاف على نفسه العنت لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي الوقوع في الفاحشة، فإذا توفر هذان الشرطان فيجوز له نكاحها، فإذا أيسر أو ذهب خوف الوقوع في العنت فإنه حينئذٍ لا يصح له ابتداء نكاح أمةٍ أخرى لكن لا ينفسخ عقد الأمة التي عنده؛ لأن المحرم هو ابتداء العقد لا استمراره، ذلك لأن البقاء أسهل من الابتداء، ولو تتبعنا الفروع لأطلنا والمقصود الاختصار ما أمكن والإشارة تغني عن التطويل فعلى هذه الفروع قس، والله أعلم.
القاعدة الرابعة والخمسون 54 -