تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهيةمن سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

من سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرم

عن هذه الطبعة
عَلَم
وليد السعيدان
الكتاب
تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
المؤلف
وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]

اعلم - رحمك الله تعالى - أن المحرمات في الشريعة قسمان: قسم ثبت تحريمه وليس فيه عقوبة دنيوية قد نص عليها أي لا حَدَّ فيه ولا قصاص ولا ضمان ولا كفارة، وأعني بقولي: (ليس فيها عقوبة) أي عقوبة مقدرة من قبل الشارع الحكيم، فهذا النوع من المحرمات لا يدخل معنا في هذه القاعدة، بل تكون عقوبته أخروية أو تعزيرية في الدنيا لكن لا تعلق له بهذه القاعدة.
والقسم الثاني: محرمات ثبت تحريمها ورتبت الشريعة عليها عقوبات فمن ارتكبها فعليه هذه العقوبة المقدرة شرعًا وهذا القسم هو الذي يدخل معنا في هذه القاعدة، والحكم الشرعي في هذا القسم أن من ارتكب هذا المحرم أن عليه عقوبته إذا توفرت شروط إقامتها وانتفت موانعه، لكن إذا ارتكبها الإنسان وتخلف فيه شرط من الشروط أو وجد فيه مانع حال دون إقامتها فإنها تسقط عنه العقوبة لكن يعاقب بعقوبة أخرى وهي مضاعفة الغرم أي أنه يضمن الشيء الذي انتهكه مرتين عقوبة له على فعله للمحرم، وكأن هذه العقوبة قد نزلت منزلة البدل للأصل، ذلك لأن الأصل أن تقام عليه العقوبة المقدرة شرعًا، لكن تعذر إقامتها لفوات شرطٍ أو وجود مانعٍ فسقطت لذلك، أي سقط الأصل فقام البدل مقامه وهو مضاعفة الغرم عليه أي إذا كان ارتكاب هذا المحرم يوجب غرمًا فإنه يضاعف عليه مرتين، ويتم فهم هذه القاعدة بفهمك لشروط إقامة العقوبات الشرعية وموانع إقامتها حتى تعرف هل توفرت الشروط وانتفت الموانع فتقام العقوبة الأصلية؟ أو تخلف شيء من ذلك فتقام العقوبة البدلية؟ فعليك أن تحفظ الشروط والموانع لتؤتي هذه القاعدة ثمارها.
فإن قلت: فهل دل على مضاعفة الغرم دليل؟ فأقول: نعم بل أدلة كثيرة:

فمن ذلك: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: (من أصاب بفيه من ذي حاجةٍ غير متخذٍ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ... ) الحديث.
فالثمر المعلق إذا أخذ الإنسان منه شيئًا وخرج به فإنه في منزلة السارق والسرقة عقوبتها قطع اليد، لكن هذا سقط عنه القطع؛ لأنه لم يأخذ المال من حرزه، والثمر مادام على رؤوس الشجر فليس في حرز، فلما سقطت عنه العقوبة ضوعف عليه الغرم في قوله: (فعليه غرامة مثليه) أي عليه ثمن ما أخذه ومثله معه، وهذا الحديث رواه النسائي والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن وفي بعض النسخ: حسن صحيح، والمراد أنه لما سقطت عنه العقوبة لعدم الأخذ من الحرز ضوعف عليه الغرم مرتين.
ومن الأدلة عليها: ما قضى به عمر - رضي الله عنه - وعثمان وعلي وابن عمر - رضي الله عنهم - من أنه إذا قلع الأعور عين الصحيح أنه لا يقتص منه؛ لأنه لو شرع القصاص في عينه العوراء لأدى ذلك إلى ذهاب بصره بالكلية وهذا حيف، ومن شرط إقامة القصاص الأمن من الحيف، وهنا فيه حيف، ذلك لأن الصحيح بقيت له عين ينظر بها، وأما الأعور فإنه ليس له إلا عين واحدة ينظر بها والأخرى ممسوحة فلو قلعناها قصاصًا لذهب بصره بالكلية، فسقطت عنه عقوبة القصاص، فلما سقطت عنه ضوعف عليه الغرم فقضى عليه الصحابة بأن على الأعور الدية كاملة مع أن العين الواحدة فيها نصف الدية، لكن ضوعف عليه الغرم لسقوط العقوبة عنه ولا يعرف لهؤلاء الصحابة مخالف فكان إجماعًا مع أن منهم عمر وعلياً وعثمان هم من الخلفاء الذين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) وهذا هو المشهور من مذهبنا وفاقًا لمالك.

ومن الأدلة أيضًا: ما رواه الإمام البيهقي في سننه بسنده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها) قال أبو بكر في التنبيه: وهذا حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يرد، وقد نص عليه الإمام أحمد.
ا. هـ والشاهد أن من كتم الضالة فإنه كالسارق لها وعقوبته القطع لكن تخلفت عنه العقوبة - التي هي القطع - لفوات شرطٍ من شروطها وهي الأخذ من الحرز.
فهو أخذ الضالة من غير حرزها ولذلك سقط عنه القطع فلما سقط عنه القطع ضوعف عليه الغرم في قوله: (غرامتها ومثلها معها) أي أنه يضمن قيمتها مرتين عقوبة له، فدل ذلك على أن من سقطت عنه العقوبة لموجبٍ تضاعف عليه الغرم.
ومن الأدلة أيضًا: حديث غلمان حاطب، وذلك أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - سرقوا ناقة لرجلٍ من مزينة فأتى بهم عمر فأقروا فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال له: (إن غلمان حاطبٍ سرقوا ناقة رجلٍ من مزينة وأقروا على أنفسهم) . فقال عمر: (يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم) ، فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: (أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم وأيم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك) ، ثم قال: (يا مزني بكم أريدت منك ناقتك) ؟ قال: بأربع مائة.
قال عمر: (اذهب فأعطه ثماني مائة) وهذا الأثر رجاله ثقات غير عارم فإنه قد اختلط لكن قال الدارقطني: ما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر وهو ثقة.
ا. هـ فالأثر صحيح، ووجه الدلالة منه واضحة وهي أن أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - أسقط عنهم القطع لحاجتهم إلى الطعام الذي سرقوه ولا قطع في مجاعة فلما أسقط عنهم القطع ضاعف عليهم الغرم، فالناقة ثمنها أربع مائة فغرمهم ضعفها مما يدل على أن من سقطت عنه العقوبة لموجبٍ ضوعف عليه الغرم.

ومن الأدلة أيضًا: حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا وجدتم الرجل قد غَلَّ فأحرقوا متاعه واضربوه) رواه أبو داود والترمذي وفي رواية: (وامنعوه سهمه) فهذا الغال من الغنيمة هو كالسارق لكن لا قطع عليه؛ لأنه لم يأخذ المال من حرزه، فعقوبة القطع ساقطة عنه لموجبٍ أسقطها فلما سقطت عوقب بأمرين: الأول: تحريق متاعه.
الثاني: حرمانه من سهمه، فلما سقطت عنه العقوبة ضوعف عليه الغرم؛ لأن سهمه قد يكون أكثر بكثير مما سرق ومع ذلك حرق متاعه، وقد يكون فيه ما هو أغلى مما سرق، فلما سقط عنه القطع ضوعف عليه الغرم.
فهذه الأدلة تدل دلالة صريحة على أن من سقطت عنه العقوبة المقدرة شرعًا إما لفوات شرطٍ أو لوجود مانع فإنه يتضاعف عليه الغرم مرتين.
وما مضى من الأدلة هو أدلة وفروع ونزيدها فروعًا فنقول: منها: من قتل ذميًا عمدًا عدوانًا فإنه لا يقتل به؛ لأن من شروط استيفاء القصاص المكافأة في الدين، وعليه أن يضمنه بدية مسلم، ومن المعلوم أنه لو كان خطأ لما ضمنه إلا بنصف دية المسلم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (عقل الكافر نصف عقل المسلم) أي ديته نصف دية المسلم، لكن لما قتله عمدًا عدوانًا وسقط عنه القصاص لفوات شرط المكافأة ضوعفت عليه الدية مرتين فقلنا: يضمنه بدية المسلم.
ومنها: من سرق أقل من ربع دينار فإنه لا قطع عليه؛ لأنه لا قطع إلا في ربع دينارٍ فصاعدًا، لكن عليه ضمان المسروق ومثله معه، فلما سقطت عنه العقوبة تضاعف عليه الغرم.
ومنها: السرقة في عام المجاعة أفتى الصحابة بأنه لا قطع فيها ونص عليه الإمام أحمد لكن عليه غرم ما سرقه مرتين؛ لأن من سقطت عنه العقوبة ضوعف عليه الغرم.

ومنها: لو قتل الصغير الذي لم يبلغ معصومة الدم عمدًا وقلنا إن عمده صحيح فإنه لا قصاص عليه؛ لأن من شروط استيفاء القصاص البلوغ، لكن عليه ضمان المقتول مرتين أي بديتين؛ لأن من سقطت عنه العقوبة ضوعف عليه الغرم، والله أعلى وأعلم.

القاعدة الحادية والستون 61 -

فصول الكتاب · 60 فصل · 116 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية · 116 صفحة
العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفةلا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها ويجوز بعد السبب وقبل شرط الوجوبلا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارضلا يعتبر الشك بعد الفعل ومن كثير الشكإذا تعذر الأصل يصار إلى البدلكل فعل توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركهالشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهماالعدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكامالنهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلاالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقلالأصل بقاء ما كان على ما كانالأصل براءة الذمم إلا بدليلالأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكرلا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورةلا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعةلا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بذكرٍ وعلمٍ وإرادةمن أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلاإذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ واحد ووقتٍ واحد وليست إحداهما مفعوله على وجه القضاء والتبع دخلت إحداهما في الأخرىكل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرفإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكنفعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكنالأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوبمن كرر محظورًا من جنسٍ واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد إن لم يخرج موجب الأولكل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخرمن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة،ولغيره يقبل مطلقًالا يضمن الأمين تلف العين بلا تعدٍ ولا تفريط والظالم يضمن مطلقًاالعبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍلا تكليف إلا بعقل وفهم خطاب واختياركل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسرالأصل في شروط العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليللا تكليف إلا بعلم ولا عقاب إلا بعد إنذارالتابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليلالحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنونالعبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالحيجوز التطوع بجنس الفرض الفائت قبل أدائه إن أمكن فعله في وقتهالاستثناء في المعاوضات لا تغتفر فيه الجهالة وفي التبرعات تغتفركل ما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًاسَدُّ الذرائعكل حيلة يتوصل بها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق فهي حرامإدراك العبادات التي تفوت بغير بدل أولى من إدراك ما يفوت إلى بدلتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوزمباشرة الحرام للتخلص منه جائزة43، 44 - يدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهماكل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها46، 47 - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف والأصل في العادات الحل والإباحةالقصود في العقود معتبرةمن لا يعتبر رضاه لفسخ عقدٍ أوحَلهِ لا يعتبر علمه بهكل من سبق إلى مباحٍ فهو أحق بهاليمين في جانب أقوى المتداعيين.الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظريغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّإذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحاظرإذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوممن تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانهتقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، واليسرى فيما عداهيثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالاً وقصدًامن سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرممن اجتهد وبذل ما في وسعه فلا ضمان عليه وكتب له تمام سعيهالأصل أن نفي الشيء يحمل على نفي الوجود إن أمكن، وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال
جارٍ التحميل