تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهيةلا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة

عن هذه الطبعة
عَلَم
وليد السعيدان
الكتاب
تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
المؤلف
وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]

هذه القاعدة من أصول الشريعة، وذلك أن الشريعة الإسلامية جاءت بالحنفية السمحة فلا أغلال فيها ولا آصار ولا تكليف فيها بما فيه حرج ومشقة شديدة لاتحتمل، بل كل تشريعاتها داخلة تحت القدرة والاستطاعة فهي كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ . وقال - صلى الله عليه وسلم -: (بعثت بالحنيفية السمحة) هذا هو الأصل في شريعتنا أنها يسيرة في تشريعاتها إذا علمت هذا فاعلم أن الأصل في كل واجب هو وجوب القيام به بنفسه فلا يجوز تركه أبدًا، والأصل في كل محرم وجوب تركه فلا يجوز فعله أبدًا، هذا هو الأصل إلا أن الإنسان قد تعرض له عوارض يعجز عن القيام بالواجب أو يحتاج إلى ارتكاب المحرم فحينئذٍ يجوز له ذلك، فيفوت من الواجب ما يعجز عنه ويرتكب من المحرم ما يضطر إليه؛ لأن أدلة الشريعة دلت على أن الواجبات تسقط بالعجز عنها؛ لأن من شروط التكليف بالفعل أن يكون مقدورًا عليه فإذا عجز الإنسان عن هذا الفعل الواجب فإنه لا يكون واجبًا في حقه، وإن عجز عن بعضه دون بعض فإن ما عجز عنه هو الذي يسقط دون ما قدر عليه، ولأن الأدلة أيضًا دلت على أن المحرم يحرم ارتكابه في حالة عدم الاضطرار إليه، أما إذا اضطر إليه فله ارتكاب ما تندفع به ضرورته فإذا اندفعت الضرورة عاد الحكم كما كان.
إذًا هذه القاعدة مكونة من جزئين نذكرهما كل واحد بأدلته وفروعه فأقول:

الأول: (لا واجب مع العجز) قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع في الجملة، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ وما يعجز عنه الإنسان فإنه ليس في وسعه فلا يكلف به وهذا واضح.
ومن الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ والقول بالتكليف مع العجز فيه إثقال وأغلال وآصار وقد أزيلت من الشريعة الإسلامية فمقتضى إزالتها أن لا يكلف العاجز عن الواجب به.
ومنها: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ والقول بتكليف العاجز مع عجزه منافٍ لإرادة الله تعالى؛ لأنه من العسر، لكن مقتضى هذه الإرادة أن يسقط التكليف عن العاجز عن الواجب بالإتيان بالواجب، وجماع ذلك كل دليل من القرآن فيه إخبار بيسر الشريعة وإرادة التخفيف وعدم تكليف النفس ما لا تطيق كل ذلك داخل في أدلة هذه القاعدة.
وأما أدلة ذلك من السنة: فحديث عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه البخاري.
ومثله حديث جابر عند البيهقي بسند قوي، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم) ، فعلق إتيان الأمر بالاستطاعة فغير المستطيع لا يطالب بما عجز عنه.
وأدلتها كثيرة لكن فيما مضى كفاية.
وإلى فروع هذه الجزئية من القاعدة فأقول: منها: من عجز عن القيام في الفرض سقط عنه ويصلي قاعدًا لحديث عمران بن حصين.
ومنها: من عجز عن الطهارة المائية لعذرٍ ما، سقطت عنه وينتقل إلى الطهارة الترابية ولا يعيد على الصحيح ولو قدر عليها في الوقت.
ومنها: من عجز عن الإتيان لصلاة الجماعة لعذرٍ من الأعذار سقطت عنه ويصلي في بيته.

ومنها: من عجز عن استقبال القبلة لعذرٍ سقط عنه ويصلي على حسب حاله ولا يعيد.
ومنها: من عجز عن الحج بنفسه سقط عنه ووجب بغيره وتقدم.
ومنها: من عجز عن الصوم لكبرٍ أو مرضٍ لا يرجى برؤه سقط عنه ويطعم عن كل يومٍ مسكينًا.
ومنها: من عجز عن إزالة أثر النجاسة سقطت عنه ويصلي ولا يضيره هذا الأثر وعليه حديث أبي هريرة عن خوله عند أبي داود.
ومنها: من عجز عن السجود والركوع أو أحدهما أومأ بهما أو أومأ بما عجز عنه.
وجماع هذه الفروع أن كل واجب عجزت عنه كله سقط كله وإن كان العجز عن بعضه فإنه يسقط ما عجزت عنه، وعلى ذلك تخرج الفروع.
الجزء الثاني: (لا محرم مع الضرورة) أي أنه في حالة الضرورة يجوز المحرم ولا يكون محرمًا، وقد دل على ذلك قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من بهيمة الأنعام: ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ 1 يعني أن هذه المحرمات السابق ذكرها تجوز في حالة الضرورة.
ومن الأدلة: جميع الأدلة التي فيها رفع الحرج والآصار والأغلال، وأنه لا تكلف نفس إلا وسعها، وأن الله لا يحمل النفس إلا ما تطيق، كل ذلك يدل على هذه القاعدة؛ لأنه لو لم يجز ارتكاب المحرم مع قيام الضرورة لكان ذلك من الحرج ومن تكليف مالا يطاق، فإن الضرورة حالة لو لم تراعى لأدى ذلك إلى فوات النفس أو الطرف.

إذا علمت هذا فإن هذا الجزء من القاعدة ليس بمطلق وإنما هو مقيد بحالة الضرورة فقط أي أنه يجوز تناول الحرام بالقدر الذي تندفع به الضرورة فإذا زالت الضرورة عاد الحكم إلى ما كان عليه ولذلك قال العلماء: (الضرورة تقدر بقدرها) فالحرام جاز لعلة وهي الضرورة والحكم مناط بعلة ينتفي بانتفائها، فإذا زالت العلة التي هي الضرورة زال الجواز وعاد الحكم إلى الحرمة.
ثم اعلم: أن الإنسان إذا اضطر إلى ارتكاب المحرم من أجل الضرورة لإنقاذ نفسه أو طرفٍ من أطرافه ولكنه لم يفعل ومات فإنه يموت عاصيًا آثمًا، لأن حفظ نفسه وأطرافه واجب عليه، ففعل المحرم حال الاضطرار ليس من الرخص المستحبة وإنما هو من الرخص الواجبة فهو عزيمة لا يجوز تركه.
ثم اعلم: أن الإنسان إذا ارتكب المحرم للضرورة ولكنه زاد عن حدها أي فعل ما تندفع به ضرورته وزاد، فهل يأثم على الجميع أو لا يأثم إلا على القدر الزائد فقط؟ فيه خلاف في المذهب، والراجح منه أنه راجع إلى نيته إن كان لا ينوي بارتكاب المحرم إلا دفع الضرورة ثم زاد على ذلك فإنه لا يأثم إلا على الزائد فقط، وإن كان ينوي به التلذذ أو الاستمتاع فإنه يأثم على الجميع، ذلك لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ فقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي غير مريد لارتكاب المحرم وإنما اضطرته ضرورته وإلا فهو لا يبغي ارتكابه، وقوله: ﴿وَلا عَادٍ﴾ أي غير متعدٍ لحد الضرورة، وقوله: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي بهذين الوصفين، والحكم المعلق بوصفٍ يثبت بثبوته وينتفي بزواله، فنقول: من زاد على المحرم إن كان غير باغ له فإنه يأثم على الزيادة فقط لأنه تعدى حد الضرورة، وإن كان باغياً للمحرم ومتعدياً لحد الضرورة فإنه يأثم مرتين على إرادة الحرام تلذذًا، وعلى تعدي حد الضرورة.

ثم اعلم أنه إذا كانت لا تندفع الضرورة إلا باستعمال ملك الغير 1 فإنه يجوز له استعماله إذا لم تتعلق به ضرورة مالكه، ولا يجوز لهذا المالك أن يمنع صاحب الضرورة من القدر الذي تندفع به ضرورته فإن منعه فلصاحب الضرورة قهره عليه واستعماله ولو بغير إذنه لكن يضمن صاحب الضرورة هذا المال إن كان طعامًا ضمن بدله أو ثمنه وهكذا، والقاعدة عند العلماء تقول: (الاضطرار لا يبطل حق الغير) 2 فعلى صاحب الضرورة ضمان ما أتلفه بسبب دفع ضرورته إذا لم يتبرع بها صاحب الملك، والله أعلم.
ثم اعلم أنه يجب أن يفرق الإنسان من حالة الضرورة وبين الحاجة فلا يخلط بينهما 3 فحالة الحاجة لا يؤدي عدم مراعاتها إلى تلف النفس أو الطرف بخلاف حالة الضرورة.
ولكي تتضح هذه القاعدة نذكر بعض فروعها: فمنها: من بلغ به الجوع حد الهلاك وليس عنده ما يطعمه إلا ميتة فيجوز له أن يأكل منها بقدر ما تندفع به الضرورة وليس له أن يشبع منها، بل يأكل ما يقيم أوده فقط.
ومنها: من غص وليس عنده ما يدفع به غصته إلا خمراً فله أن يشرب منه بالقدر الذي تندفع به الضرورة فقط.
ومنها: من اضطر إلى لبس الحرير لمرضٍ به كحكة أو نحوها فإنه يجوز له ذلك كما في الحديث عن أنس: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص الحرير في سفرٍ من حكةٍ كانت بهما) 4 متفق عليه.
وسيأتي زيادة إيضاح لذلك.

ومنها: من احتاجت أو احتاج لكشف عورته أو عورتها أو كشف وجهها لضرورة العلاج جاز ذلك لكن بالقدر الذي تدعو إليه الضرورة (1) ، والله المستعان من أهل هذا الزمان.
ومنها: أن الضرورة في هذه الأزمنة المتأخرة تدعو إلى إباحة تصوير ما يُعرِّف بالنفس كالبطاقة والشهادة والرخصة ونحوها، فهذه الصور لما دعت إليها الضرورة جازت، لكن بالقدر الذي تندفع به (2) . والله أعلى وأعلم.
وصلى الله على محمد وآله وسلم

القاعدة الخامسة عشر 15 -

فصول الكتاب · 60 فصل · 116 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية · 116 صفحة
العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفةلا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها ويجوز بعد السبب وقبل شرط الوجوبلا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارضلا يعتبر الشك بعد الفعل ومن كثير الشكإذا تعذر الأصل يصار إلى البدلكل فعل توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركهالشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهماالعدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكامالنهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلاالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقلالأصل بقاء ما كان على ما كانالأصل براءة الذمم إلا بدليلالأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكرلا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورةلا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعةلا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بذكرٍ وعلمٍ وإرادةمن أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلاإذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ واحد ووقتٍ واحد وليست إحداهما مفعوله على وجه القضاء والتبع دخلت إحداهما في الأخرىكل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرفإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكنفعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكنالأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوبمن كرر محظورًا من جنسٍ واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد إن لم يخرج موجب الأولكل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخرمن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة،ولغيره يقبل مطلقًالا يضمن الأمين تلف العين بلا تعدٍ ولا تفريط والظالم يضمن مطلقًاالعبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍلا تكليف إلا بعقل وفهم خطاب واختياركل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسرالأصل في شروط العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليللا تكليف إلا بعلم ولا عقاب إلا بعد إنذارالتابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليلالحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنونالعبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالحيجوز التطوع بجنس الفرض الفائت قبل أدائه إن أمكن فعله في وقتهالاستثناء في المعاوضات لا تغتفر فيه الجهالة وفي التبرعات تغتفركل ما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًاسَدُّ الذرائعكل حيلة يتوصل بها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق فهي حرامإدراك العبادات التي تفوت بغير بدل أولى من إدراك ما يفوت إلى بدلتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوزمباشرة الحرام للتخلص منه جائزة43، 44 - يدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهماكل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها46، 47 - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف والأصل في العادات الحل والإباحةالقصود في العقود معتبرةمن لا يعتبر رضاه لفسخ عقدٍ أوحَلهِ لا يعتبر علمه بهكل من سبق إلى مباحٍ فهو أحق بهاليمين في جانب أقوى المتداعيين.الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظريغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّإذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحاظرإذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوممن تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانهتقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، واليسرى فيما عداهيثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالاً وقصدًامن سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرممن اجتهد وبذل ما في وسعه فلا ضمان عليه وكتب له تمام سعيهالأصل أن نفي الشيء يحمل على نفي الوجود إن أمكن، وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال
جارٍ التحميل