تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهيةكل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها

عن هذه الطبعة
عَلَم
وليد السعيدان
الكتاب
تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
المؤلف
وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]

اعلم - رحمك الله تعالى - أن هذه الشريعة كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، ولا يخرج عنها شيء من الأشياء يحتاجه الناس في عباداتهم أو معاملاتهم إلا وله فيها حكم شرعي، ويفرق بين كونه وسيلةً أو مقصدًا،فإن كان مقصدًا من المقاصد فحكمه واضح؛ لأن الشريعة حرصت على تبيين أحكام المقاصد، وإن كان وسيلة فإنه يكون تابعًا لحكم قصده، فإن كان يقصد به حرامًا فهو حرام، وإن كان يقصد به واجبًا لا يتم إلا به فهو واجب، وإن كان يقصد به سنة فهو سنة، أو مكروهًا فهو مكروه أو مباحًا فهو مباح، ولا يخرج شيء عن هذه الأحكام الخمسة، وهذا من كمال الشريعة، فإنها إذا حرمت شيئًا حرمت جميع الوسائل المفضية إليه وإذا أوجبت شيئًا أوجبت جميع الوسائل التي لا يتم إلا بها وهكذا، ذلك لأن من تمام تحريم الشيء تحريم وسائله وسد جميع ذرائعه، ومن تمام إيجاب الشيء إيجاب جميع الأشياء التي يتوقف حصوله عليها، فيدخل تحت هذا الأصل الكبير قواعد كثيرة نأتي عليها قاعدة قاعدة بفروعها - إن شاء الله تعالى - فأقول: القاعدة الأولى: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) : أي أن جميع الأشياء التي يتوقف عليه تحقق الواجب وصحته فهي واجبة إن كانت داخلة قدرة الإنسان وكان مأمورًا بتحصيلها، وأزيد الأمر وضوحًا فأقول: إن ما لا يتم الواجب إلا به قسمان: الأول: أن لا يكون داخلاً تحت قدرة المكلف أصلاً كزوال الشمس لوجوب الظهر، وغروبها لوجوب المغرب، وحلول شهر رمضان لوجوب الصوم وهكذا فهذا لا يدخل تحت قاعدتنا.

الثاني: أن يكون داخلاً تحت قدرة المكلف واستطاعته فهذا لا يخلو إما أن لا يكون مطالبًا بتحصيله أو يكون مطالبًا بذلك، فإن لم يكن مطالبًا بتحصيله فهذا لا يدخل تحت قاعدتنا 1 وذلك كتحصيل النصاب لوجوب الزكاة، والإقامة لوجوب الصوم ونحو ذلك، وإن كان داخلاً تحت قدرة المكلف ومأمورًا بتحصيله فهذا هو المراد بهذه القاعدة، وخلاصة الكلام أن يقال: يشترط لتحقق هذه القاعدة شرطان: أن يكون الفعل داخلاً تحت قدرة المكلف، وأن يكون المكلف قد أمر بتحصيله، أي أن الفعل الذي لا يتم الواجب إلا به لا تعلق له بالوجوب أصلاً، بل له تعلق بالصحة مثلاً أو بإقامته ونحو ذلك وبالمثال يتضح المقال: فمن الأمثلة: الطهارة للصلاة، فإنه لا تتم الصلاة إلا بالطهارة الكاملة فتكون الطهارة مأمورًا بها لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لكن لو لم يتطهر العبد فإن عدم تطهره لا يؤثر في إسقاط الصلاة، فالصلاة واجبة سواءً تطهر أم لم يتطهر لكن لا تصح الصلاة إلا بالطهارة الكاملة.
ومنها: المشي لصلاة الجماعة، فإن الصلاة مع الجماعة واجبة، للأدلة من الكتاب والسنة وهو القول الراجح، لكن لا تتم الصلاة الجماعة إلا بالمشي إلى المساجد لتقام الجماعة فيها فصلاة الجماعة واجب يتوقف حصوله على المشي لها فصار المشي واجبًا؛ لأنه لا يقوم هذا الواجب إلا به، والمشي للصلاة وسيلة لإقامة الجماعة فكان واجبًا؛ لأنه يقصد به تحقيق الواجب فالوسائل لها أحكام المقاصد.
ومنها: الأكل من الميتة للمضطر لإحياء نفسه واجب يأثم بتركه، مع أن الأكل في أصله مباح لكنه لما كان في هذه الحالة وسيلة لواجب الذي هو إحياء النفس صار واجبًا؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ومنها: طلب الماء قبل التيمم فإن الفقهاء – رحمهم الله تعالى – نصوا على وجوب الطلب فقالوا: (من دخل عليه وقت الصلاة وهو عادم للماء فعليه أن يتحراه في مضانه فيفتش عنه في رحله ويستبرئ الأمكنة القريبة المجاورة له وإن وجده يباع بثمن مثله أو بزيادة يسيرة عن ثمن المثل بماله وجب عليه شراؤه ذلك لأن هذا البحث والطلب يتحقق به إقامة الواجب الذي هو الطهارة للصلاة بالماء، فصار هذا الطلب واجبًا؛ لأنه وسيلة إلى واجب) . ومنها: إقامة الحدود بأنواعها فإنها وسيلة لحفظ الضرورات الخمس فلا يتحقق حفظ النفس إلا بالقصاص فصار واجبًا لأنه وسيلة لواجب، ولا يتحقق حفظ الأعراض إلا بإقامة حد القذف وحد الزنا فصار واجبًا؛ لأنه وسيلة إلى واجب، ولا يتحقق حفظ الأمن واستقرار الناس إلا بإقامة حد قطاع الطريق والبغاة، ولا يتحقق حفظ العقول إلا بإقامة حد الخمر، ولا حفظ الأموال إلا بإقامة حد السرقة وهكذا فصارت إقامة هذه الحدود من باب الواجبات؛ لأنها وسائل إلى الواجب والوسائل لها أحكام المقاصد.
ومنها: النكاح يكون واجبًا إذا قدر الإنسان عليه ماليًا وخاف على نفسه العنت كما قاله الفقهاء، ذلك لأن المحافظة على النفس من الوقوع في المحظور واجب ولا يتحقق هذا الواجب إلا بالزواج فكان واجبًا لأنه وسيلة إلى واجب.
والفروع كثيرة ويكفي اللبيب الإشارة، والله أعلم.
القاعدة الثانية: (ما لا يتم الحرام إلا به فهو حرام وتركه واجب) : ومعناها: أن جميع الوسائل المفضية إلى الحرام حرام لأن بها يتحقق الحرام ولا يمكن أبدًا أن تحرم الشريعة شيئًا وتفتح الأبواب التي تفضي إليه؛ لأن هذا ينافي الحكمة، والشارع حكيم عليم، فكان من مقتضى الحكمة أنه إذا حرم شيئًا حماه بسياجٍ منيع وذلك بسد جميع الأبواب المفضية إليه، فوسائل الحرام حرام وإذا كانت حرامًا فتركها حينئذٍ واجب.
وإليك بعض الفروع لتتضح أكثر:

فمنها: شراء السلاح الأصل فيه الحل والإباحة لكن يحرم بيعه في الفتنة؛ لأنه حينئذٍ سيكون ذريعة لقتل المسلمين بعضهم بعضًا، فلما كان بيع السلاح في هذه الحالة مفضيًا إلى حرام وهو إزهاق النفس بغير حق، صار بيعه حرامًا؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وقس على ذلك جميع المباحات إذا جعلت وسائل يتوصل بها إلى الحرام، فإنها تكون حرامًا كشراء السكين لقتل مسلم، وشراء الكوب ليشرب فيه خمرًا، والسفر لبلد لمواقعة الفواحش، والمشي إلى مواضع المنكرات وغيرها، كل ذلك يكون حرامًا؛ لأنه صار وسيلة للحرام.
ومنها: تحريم البيع بعد نداء الجمعة الثاني كما في الآية فإنه حرام تحريم وسائل لا تحريم مقاصد، ذلك لأنه ذريعة إلى التشاغل عن حضور الذكر من الخطبة والصلاة وهذا حرام لا يجوز فكل شيءٍ يشغل عن استماع الذكر وعن الصلاة فإنه يكون حرامًا، ومن ذلك البيع بعد نداء الجمعة الثاني،ويدخل في ذلك السهر إن كان سببًا لتضييع صلاة الفجر فهو حرام؛ لأنه وسيلة إلى حرام حتى ولو كان السهر في طاعة.
ومنها: النظر إلى النساء حرام بالدليل الصحيح؛ لأنه مفضٍ إلى الحرام وهو الافتتان بالنساء ومن ثَمَّ الوقوع في المحظور، فصار حرامًا؛ لأنه وسيلة للحرام ووسائل الحرام حرام، وكذلك الخلوة بالأجنبية وسفر المرأة بلا محرم واختلاط الرجال بالنساء هو من هذا الباب، وجماع ذلك أن كل وسيلة تفضي إلى الزنا والافتتان بالنساء فهي حرام، وما أكثر الوسائل المفضية إلى ذلك في زماننا هذا - والله المستعان -. وخلاصة الأمر أن محرمات الشريعة قسمان: منها ما حرم تحريم وسائل ومنها ما حرم تحريم مقاصد، والله أعلم.
القاعدة الثالثة: (ما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب) . القاعدة الرابعة: (ما لا يتم المكروه إلا به فهو مكروه) : والكلام عليهما يطول فتطلب الفروع من كتب الفقه طلبًا للاختصار.

القاعدة الخامسة: (الغاية لا تبرر الوسيلة إلا بدليل) : أي أن سلامة المقصد لا يعطي الوسيلة المحرمة شرعية وجوازًا، إلا إذا دل الدليل على ذلك، فلا يجوز للإنسان أن يحتج بشرعية الوسيلة المحرمة بمجرد سلامة مقصدها، وذلك كرجل ينظر للنساء الأجانب ويقول: أنا أنظر لهن حتى أتفكر في خلق الله كما أمرني ربي بذلك، فنقول: نعم غايتك سليمة فإن التفكر في مخلوقات الله لتدلك على الله تعالى من المقاصد السليمة المشروعة لكن أنت اتخذت لذلك وسيلة محرمة، ومجرد سلامة مقصدك لا يعطي هذه الوسيلة حكمًا جديدًا بإباحتها؛ لأن الغاية لا تبرر الوسيلة، فإذًا لابد من النظر حينئذٍ في سلامة المقاصد وشرعية الوسائل، لكن إذا دل الدليل الشرعي الصحيح على إباحة الحرام من أجل سلامة الغاية فهذا يكون مخصوصًا لوحده فقط من حكم هذه القاعدة كالكذب لإصلاح ذات البين والكذب لإنقاذ النفس المعصومة من الهلكة، وكذب الرجل على أهله والكذب في الحرب، كما في الأدلة فهنا جاز الكذب مع أنه حرام لتحقيق هذه المقاصد، فالمقاصد هنا بررت الوسائل وهذا على خلاف الأصل، ولكن بعض أهل العلم حمل لفظ الكذب هنا على التعريض لا حقيقة الكذب، والتعريض يجوز مع الحاجة إليه، فعلى هذا فهذه الفروع لا إشكال فيها، والمقصود أن هذه القواعد تدخل تحت قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد، والله تعالى أعلم.

القاعدة السادسة والأربعون، والسابعة والأربعون

فصول الكتاب · 60 فصل · 116 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية · 116 صفحة
العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفةلا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها ويجوز بعد السبب وقبل شرط الوجوبلا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارضلا يعتبر الشك بعد الفعل ومن كثير الشكإذا تعذر الأصل يصار إلى البدلكل فعل توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركهالشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهماالعدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكامالنهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلاالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقلالأصل بقاء ما كان على ما كانالأصل براءة الذمم إلا بدليلالأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكرلا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورةلا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعةلا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بذكرٍ وعلمٍ وإرادةمن أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلاإذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ واحد ووقتٍ واحد وليست إحداهما مفعوله على وجه القضاء والتبع دخلت إحداهما في الأخرىكل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرفإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكنفعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكنالأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوبمن كرر محظورًا من جنسٍ واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد إن لم يخرج موجب الأولكل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخرمن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة،ولغيره يقبل مطلقًالا يضمن الأمين تلف العين بلا تعدٍ ولا تفريط والظالم يضمن مطلقًاالعبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍلا تكليف إلا بعقل وفهم خطاب واختياركل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسرالأصل في شروط العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليللا تكليف إلا بعلم ولا عقاب إلا بعد إنذارالتابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليلالحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنونالعبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالحيجوز التطوع بجنس الفرض الفائت قبل أدائه إن أمكن فعله في وقتهالاستثناء في المعاوضات لا تغتفر فيه الجهالة وفي التبرعات تغتفركل ما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًاسَدُّ الذرائعكل حيلة يتوصل بها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق فهي حرامإدراك العبادات التي تفوت بغير بدل أولى من إدراك ما يفوت إلى بدلتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوزمباشرة الحرام للتخلص منه جائزة43، 44 - يدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهماكل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها46، 47 - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف والأصل في العادات الحل والإباحةالقصود في العقود معتبرةمن لا يعتبر رضاه لفسخ عقدٍ أوحَلهِ لا يعتبر علمه بهكل من سبق إلى مباحٍ فهو أحق بهاليمين في جانب أقوى المتداعيين.الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظريغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّإذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحاظرإذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوممن تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانهتقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، واليسرى فيما عداهيثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالاً وقصدًامن سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرممن اجتهد وبذل ما في وسعه فلا ضمان عليه وكتب له تمام سعيهالأصل أن نفي الشيء يحمل على نفي الوجود إن أمكن، وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال
جارٍ التحميل