تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهيةكل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسر

عن هذه الطبعة
عَلَم
وليد السعيدان
الكتاب
تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
المؤلف
وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]

12 اعلم - أرشدك الله لطاعته - أن الأصل هو أن الشريعة الإسلامية يسيرة سهلة، فهي أخف الشرائع السماوية على الإطلاق، وهي الحنيفية السمحة.
قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ وليس في الشريعة حكم يخرج عن حدود الطاقة البشرية، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ . وأجمع العلماء أن الله تعالى لم يكلفنا بما لا نطيق، وهذا من فضله ورحمته جل وعلا فهذا هو الأصل العام في جميع الأحكام أصولاً وفروعًا، لكن قد يعرض أحيانًا للمكلف ما يكون تطبيق الحكم معه فيه حرج ومشقة، فإذا كان ذلك كذلك فإن الشريعة تخفف هذا الحكم إما بإسقاطه كله، أو بإسقاط بعضه، أو بالتخيير بين فعله وتركه، أو بإبداله بشيء أخف منه ونحو ذلك من أنواع التخفيف وذلك حتى تنتفي هذه المشقة ويرتفع ذلك الحرج.
وهذه القاعدة هي ما يعبر عنها بعض الفقهاء بـ (المشقة تجلب التيسير) وقد دلت عليها أدلة كثيرة عامة وخاصة.
فأما العامة فهي كل دليل من القرآن أو السنة فيه نفي الحرج ورفعه وأن الله لا يكلفنا ما لا نطيق، ولا يحملنا ما لا طاقة لنا به، وأنه يريد اليسر لا العسر، وأنه وضع عنا الآصار والأغلال، وأنه خفف عنا ما كان على من قبلنا فكل ذلك دليل على هذه القاعدة.
وأما الأدلة الخاصة فسنذكر طرفًا منها في الفروع -إن شاء الله تعالى-.
وهذه القاعدة من أعظم ميزات هذه الشريعة السمحة عن سائر الشرائع، فالحمد لله تعالى أن جعلنا من أهلها، وممن يدين بها فإنه من فضل الله ورحمته التي أمرنا أن نفرح بها قال تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ . وحتى تتضح معالم هذه القاعدة اذكر لك طرفًا من فروعها فأقول:

منها: قصر الصلاة في السفر فإن الأدلة دلت على تأكيد سنية قصر الصلاة في السفر حتى قيل بوجوبه وتحريم الإتمام، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذلك لأن حالة السفر حالة تخالف حالة الإقامة، فالمسافر يجد من الحرج والمشقة في تطبيق بعض الأحكام ما لا يجده المقيم فروعيت حالة السفر وشرع فيه من التخفيف والتيسير ما لم يشرع للمقيم.
من ذلك قصر الرباعية، وجواز الجمع، وجواز المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها، وإسقاط الجمعة عنه، وجواز الفطر في رمضان، بل استحبابه على قولٍ في المذهب كل ذلك مراعاة لحالة المسافر حتى لا يكون عليه حرج ولا عسر ولا مشقة.
وهذه الأحكام السابقة متعلقة بما يسمى سفرًا عرفًا وإن لم يكن مصحوبًا بالمشقة في آحاده، أي بالنسبة لبعض الناس، فالعبرة بالغالب الشائع لا القليل النادر، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (السفر قطعة من العذاب) ، والله أعلم.
ومنها: جواز الانتقال من الطهارة المائية إلى الترابية إذا كان في استعمال الأولى حرج ومشقة كخوف من زيادة مرض، أو تأخر برء، أو شدة بردٍ، أو وجد الماء يباع بثمن زائد على ثمن المثل كثيرًا ونحوه، فإنه يجوز له حينئذٍ الانتقال وذلك مراعاة لحاله ورفعاً للحرج والعسر عنه بهذا التيسير، وعليه حديث عمرو بن العاص لما صلى بأصحابه وقد أجنب ثم تيمم خوفًا من الهلاك؛ لأنه كان في ليلة باردة 1 . ومنها: جواز الفطر في رمضان لمريضٍ يلحقه بترك الفطر مشقة من زيادة مرضٍ أو تأخر برء ونحوه، فلما حصل العسر حل اليسر.
ومنها: جواز الصلاة قاعدًا في فرض للمريض إذا كان القيام يزيد في مرضه، أو لمداواةٍ لقول طبيب مسلم.
ومنها: جواز صلاة القصاب في ثيابه وربما أصابها شيء من الدم لوجود العسر عليه بكثرة إبدالها فارتفع العسر وحل اليسر إذا لم يتيقن نجاستها.

ومنها: جواز صلاة المرضع في ثيابها مع عدم خلوها غالبًا من نجاسة من بولٍ أو غائط بسبب كثرة حمل الطفل وإرضاعه، فترتفع حكم هذه النجاسة لوجود العسر عليها بكثرة إبدالها، والله أعلم.
ومنها: أنه يجوز للضعفة من الناس الدفع من مزدلفة إلى منى لرمي جمرة العقبة بعد غياب القمر تخفيفًا عليهم، وذلك لأنه يعسر عليهم الدفع مع الناس لوجود الزحام الشديد، فلما تحقق العسر عليهم بدفعهم مع الناس حل اليسر لهم بجواز الدفع في الليل.
ومنها: جواز المسح على الخفين، بل سنيته إن كانت الرجل في الخف، فلما كان خلع الخف دائمًا عند كل وضوءٍ فيه مشقة وحرج خففت الشريعة هذا وأجازت المسح على الخفين رفعًا للمشقة والحرج وإحلالاً لليسر مكان العسر.
ومنها: قول الأصحاب في باب المياه: إنه إذا تغير الماء بطاهر مما يشق صون الماء عنه من نابتٍ فيه، وورق شجر فإنه لا يؤثر في الماء أبدًا وعللوا ذلك بعسر التحرز منه إذ لا يمكن حماية الماء منه غالبًا فراعوا ذلك فلم يجعلوه مؤثرًا في الماء بخلاف ما لا يشق صون الماء عنه فإنه يؤثر في الماء، هذا على المذهب وليس على الراجح، وإنما المقصود مجرد التفريع فقط، والله أعلم.
ومنها: أن العلماء – رحمهم الله تعالى – أجازوا الجمع للمريض الذي يلحقه بترك الجمع مشقة كالمستحاضة لحديث حمنة بنت جحش، وذلك لأن ترك الجمع في هذه الحالة فيه عسر فارتفع العسر بجواز الجمع؛ لأن مع العسر يسرًا، والله أعلم.
ومنها: الأعذار التي يجوز معها ترك الجمعة والجماعة، كالمريض، والخائف بشرطهما المذكور في كتب الفقه فإن مطالبتهم بالحضور للجمعة والجماعة في هذه الحالة فيه عسر ومشقة وحرج فخفف الحكم في حقهم وارتفعت المشقة وزال الحرج بإسقاط الجمعة والجماعة عنهم فتحقق لهم اليسر بفضل الله ورحمته.

ومنها: جواز المسح على العمامة والجبيرة، فقد دلت الأدلة على جواز المسح عليهما، ولا يكلف لابسهما بخلعهما والإتيان بالفرض، بل اجتزأت الشريعة بالمسح عليهما وذلك لما في خلعهما من العسر والحرج.
ومنها: جواز جمع الاثنين والثلاثة من الأموات في قبرٍ واحدٍ للضرورة، وذلك لكثرة الموتى وقلة من يدفن وخيف الفساد عليهم، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهداء أحد فقد كان يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد ويقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن فيقدمه في اللحد، فلما وجد العسر في تخصيص كل واحد منهم بقبر ارتفع باليسر وهو جواز الجمع بينهم في القبر الواحد.
ومنها: إسقاط المؤاخذة عن من فعل محظورًا من المحظورات، كمحظورات الإحرام والمفطرات للصائم إذا كان ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا وذلك؛ لأن الامتثال في هذه الأحوال فيه عسر ومشقة فزال العسر وارتفعت المشقة بإسقاط الإثم والمؤاخذة وهذا هو الراجح الموافق للأدلة الشرعية.
وتقدم طرف منه في القاعدة السادسة عشرة، والله أعلم.
وتتبع هذا الباب يطول فعلى المفتي أن يجعل ذلك الأصل بين عينيه عند الإفتاء فيما يتعلق به، فلا يغلظ على الناس فيما لم يرد فيه دليل صريح، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخير بن أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، والله أعلم.

القاعدة الثلاثون 30 -

فصول الكتاب · 60 فصل · 116 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية · 116 صفحة
العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفةلا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها ويجوز بعد السبب وقبل شرط الوجوبلا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارضلا يعتبر الشك بعد الفعل ومن كثير الشكإذا تعذر الأصل يصار إلى البدلكل فعل توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركهالشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهماالعدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكامالنهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلاالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقلالأصل بقاء ما كان على ما كانالأصل براءة الذمم إلا بدليلالأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكرلا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورةلا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعةلا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بذكرٍ وعلمٍ وإرادةمن أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلاإذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ واحد ووقتٍ واحد وليست إحداهما مفعوله على وجه القضاء والتبع دخلت إحداهما في الأخرىكل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرفإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكنفعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكنالأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوبمن كرر محظورًا من جنسٍ واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد إن لم يخرج موجب الأولكل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخرمن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة،ولغيره يقبل مطلقًالا يضمن الأمين تلف العين بلا تعدٍ ولا تفريط والظالم يضمن مطلقًاالعبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍلا تكليف إلا بعقل وفهم خطاب واختياركل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسرالأصل في شروط العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليللا تكليف إلا بعلم ولا عقاب إلا بعد إنذارالتابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليلالحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنونالعبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالحيجوز التطوع بجنس الفرض الفائت قبل أدائه إن أمكن فعله في وقتهالاستثناء في المعاوضات لا تغتفر فيه الجهالة وفي التبرعات تغتفركل ما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًاسَدُّ الذرائعكل حيلة يتوصل بها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق فهي حرامإدراك العبادات التي تفوت بغير بدل أولى من إدراك ما يفوت إلى بدلتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوزمباشرة الحرام للتخلص منه جائزة43، 44 - يدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهماكل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها46، 47 - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف والأصل في العادات الحل والإباحةالقصود في العقود معتبرةمن لا يعتبر رضاه لفسخ عقدٍ أوحَلهِ لا يعتبر علمه بهكل من سبق إلى مباحٍ فهو أحق بهاليمين في جانب أقوى المتداعيين.الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظريغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّإذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحاظرإذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوممن تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانهتقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، واليسرى فيما عداهيثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالاً وقصدًامن سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرممن اجتهد وبذل ما في وسعه فلا ضمان عليه وكتب له تمام سعيهالأصل أن نفي الشيء يحمل على نفي الوجود إن أمكن، وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال
جارٍ التحميل