تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهيةالعدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكام
أهل الأثرالأرشيف العلمي

العدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكام

عن هذه الطبعة
عَلَم
وليد السعيدان
الكتاب
تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
المؤلف
وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]

1 فلا إفراط ولا تفريط، وهذه القاعدة من أكبر القواعد الفقهية بل حقها أن تجعل من مقاصد الشريعة؛ لأن مبنى الشريعة عليها في عقائدها وأحكامها، فنحن أمة وسطًا في أصول الدين وفروعه 1 ، كما قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ والوسط هم الخيار العدول، فأمة الإسلام وسط بين الأمم، وأهل السنة والجماعة وسط بين فرق الأمة وسطية الأمة بين الأمم، وقد دل على هذه القاعدة الاستقراء التام لأدلة الشريعة أصولاً وفروعًا، وقولنا: (بلا إفراط) أي بلا غلو ومجاوزة للحد، وقولنا: (بلا تفريط) أي التساهل والترك والتضييع، ومن أدلتها الآية السابقة، وهي من أهمها ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد قال - رضي الله عنه -: لأقومن الليل ولأصومن النهار ما عشت.
فقال له - صلى الله عليه وسلم -: (أنت الذي قلت ذلك) . فقال: نعم بأبي وأمي أنت يا رسول الله.
فقال: (إنك لا تستطيع ذلك ولكن قم ونم وصم وافطر وصم من الشهر ثلاثة أيام … إلخ) متفق عليه، فقوله: (قم ونم وصم وافطر) تربية على الوسطية، ومنهج بين الإفراط والتفريط، أي لا تقم الليل كله ولا تنم الليل كله، ولكن قم بعضه ونم بعضه، ولا تصم الدهر كله ولا تفطره كله ولكن صم بعضه وافطر بعضه، فلا رهبانية في الإسلام ولا غلو ولا تقصير، بل عدل ووسط، فهو دين يعطي النفس رغبتها من العبادة ويعطيها ما تقتضيه فطرتها من الراحة.
ومن ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب

يستغفر فيسب نفسه) أي ما دام أن الإنسان نشيط على العبادة فليقم الليل لكن إذا فترت قواه وجاءه النوم فلا يجاهده حتى لا يقع في المحظور وهو سب النفس وذهاب الخشوع، فقوله: (ليصل أحدكم نشاطه) هو نفي للتفريط في العبادة بحيث ينام الإنسان إلى الصباح بلا صلاة، وقوله: (فإذا فتر أو عجز فليرقد) هي نفي للإفراط والغلو في العبادة فديننا ليس فيه غلو ولا إفراط، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (عليكم من الأعمال بما يطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه) رواه البخاري وغيره.
وقال - عليه الصلاة والسلام -: (أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل) فكثرة العبادة الحاصلة بإجهاد النفس ليست بمرادة لله تعالى ولكن مقصود الشريعة المداومة على العبادة وإن كانت قليلة، فقولي: (المداومة على العبادة) نفي للتفريط وقولي: (وإن كانت قليلة) نفي للإفراط، ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة مع محبته للعبادة لكن ليربي أمته على منهج الوسطية الذي به تستقيم الأمور، فالوسطية حزام أمان من الغلو والتفريط، فإن من غلا في عبادة أو معتقد أو فرط فيها يوشك أن ينقلب عليه الأمر، ومن الأدلة: قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: (إن لنفسك عليك حقًا ولربك عليك حقًا ولزوجك عليك حقًا فأعط كل ذي حقٍ حقه) .

ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - للشباب الذين سألوا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عبادته فلما أخبروا بها فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم ولا أنام.
وقال الآخر: وأنا أصوم ولا أفطر.
وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء.
فصعد النبي - صلى الله عليه وسلم - المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا أما إني لأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، والأدلة على ذلك كثيرة جدًا وفيما مضى كفاية لمن أراد الهدى، وإليك الفروع حتى يتضح تطبيقها: فمن ذلك: مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات فإن مبناه على العدل والوسطية بين مذهب التعطيل والتمثيل، فمذهبنا إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل فلا إفراط كأهل التمثيل ولا تفريط كأهل التعطيل.
ومن ذلك: مذهبنا في القدر أيضًا مبناه على العدل والوسطية بين فرقة الجبرية وفرقة القدرية كما هو معروف.
ومنها: مذهبنا في آل البيت نحبهم خلافًا للخوارج ولا نفرط في حبهم خلافًا للشيعة.
ومنها: مذهبنا في مرتكب الكبيرة فهو وسط بين الوعيدية والمرجئة فلا نعطيه الإيمان المطلق كالمرجئة، ولا نسلبه مطلق الإيمان كالوعيدية، وكذلك في الآخرة لا نحكم له بالجنة ولا بالنار وإنما هو تحت المشيئة إن شاء غفر له وأدخله الجنة ابتداءً، وإن شاء عذبه بقدر كبيرته وأدخله الجنة انتقالاً، والله أعلم.
هذا من ناحية الأصول أو العقائد، وأما من ناحية الأحكام فإليك بعض الفروع: فمنها: أن بعض الناس يتعبدون لله بقيام الليل كله وبصيام الدهر كله فنقول: ليس هذا من الشريعة في شيء، بل العدل الذي جاءت به السنة قيام بعض الليل وصيام بعض الدهر ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا صام من صام الدهر) .

ومنها: أن بعض الناس يتعبدون لله بالتبتل الذي هو ترك الزواج للإقبال على العبادة فنقول: ليس هذا من السنة بل العدل الذي جاءت به السنة هو التعبد لله بالزواج وسائر العبادات ولا تعارض بين الزواج وطلب العلم أو بين الزواج وقيام الليل أو بين الزواج والدعوة إلى الله.
ومنها: أن الإنسان الذي يثقل على نفسه بقيام الليل حتى ينام عن صلاة الفجر أنه مخطئ فالعدل هو تقديم المحافظة على الفرائض قبل السنن؛ لأن الفريضة هي الأصل، فمن سهر الليل حتى ضيع صلاة الفجر فهو مخطئ سواءً سهر في عبادةٍ أم غيرها، والله أعلم.
ومنها: أن على الإنسان حقوقًا كثيرة: أولاً: حق الله وهو أداء ما افترضه عليه وهو الحق الواجب ويتبع ذلك السنن.
وثانيًا: حق لنفسه من الراحة وإعطائها ما تشتهيه من المطعم والمشرب ونحوه.
وثالثًا: حق للناس من نصحهم وإرشادهم وإعانتهم على حوائجهم.
ورابعًا: حق للزوجة وهو نصحها وإرشادها والاستمتاع بها وإشباع حاجتها من كسوةٍ ونفقة ومسكن، والعدل هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه فلا يفرط في حق على حساب حق، وهذا هو ما نشتكي منه ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولعل هذا كافٍ - إن شاء الله تعالى -، فيجب على الإنسان أن يراعي جانب العدل الذي هو شعرة بين الإفراط والتفريط والله المستعان.

القاعدة التاسعة 9 -

فصول الكتاب · 60 فصل · 116 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية · 116 صفحة
العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفةلا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها ويجوز بعد السبب وقبل شرط الوجوبلا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارضلا يعتبر الشك بعد الفعل ومن كثير الشكإذا تعذر الأصل يصار إلى البدلكل فعل توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركهالشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهماالعدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكامالنهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلاالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقلالأصل بقاء ما كان على ما كانالأصل براءة الذمم إلا بدليلالأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكرلا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورةلا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعةلا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بذكرٍ وعلمٍ وإرادةمن أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلاإذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ واحد ووقتٍ واحد وليست إحداهما مفعوله على وجه القضاء والتبع دخلت إحداهما في الأخرىكل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرفإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكنفعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكنالأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوبمن كرر محظورًا من جنسٍ واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد إن لم يخرج موجب الأولكل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخرمن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة،ولغيره يقبل مطلقًالا يضمن الأمين تلف العين بلا تعدٍ ولا تفريط والظالم يضمن مطلقًاالعبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍلا تكليف إلا بعقل وفهم خطاب واختياركل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسرالأصل في شروط العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليللا تكليف إلا بعلم ولا عقاب إلا بعد إنذارالتابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليلالحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنونالعبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالحيجوز التطوع بجنس الفرض الفائت قبل أدائه إن أمكن فعله في وقتهالاستثناء في المعاوضات لا تغتفر فيه الجهالة وفي التبرعات تغتفركل ما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًاسَدُّ الذرائعكل حيلة يتوصل بها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق فهي حرامإدراك العبادات التي تفوت بغير بدل أولى من إدراك ما يفوت إلى بدلتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوزمباشرة الحرام للتخلص منه جائزة43، 44 - يدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهماكل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها46، 47 - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف والأصل في العادات الحل والإباحةالقصود في العقود معتبرةمن لا يعتبر رضاه لفسخ عقدٍ أوحَلهِ لا يعتبر علمه بهكل من سبق إلى مباحٍ فهو أحق بهاليمين في جانب أقوى المتداعيين.الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظريغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّإذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحاظرإذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوممن تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانهتقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، واليسرى فيما عداهيثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالاً وقصدًامن سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرممن اجتهد وبذل ما في وسعه فلا ضمان عليه وكتب له تمام سعيهالأصل أن نفي الشيء يحمل على نفي الوجود إن أمكن، وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال
جارٍ التحميل