الأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- وليد السعيدان
- الكتاب
- تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
- المؤلف
- وليد بن راشد السعيدانراجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة [الكتاب مرقم آليا]
وبالقرينة يفيد ما تفيده القرينة
هذا هو الأصل الذي ينبغي مراعاته وهو قول الجمهور، أن الدليل إذا خرج مخرج الأمر فإنه يحمل على الوجوب إلا إذا اقترنت به قرينة تخرجه عن هذا الأصل إلى غيره فينصرف من الوجوب إلى ما دلت عليه هذه القرينة من إباحة أو ندب.
ونعني بالأمر هو طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء، ولا يشترط له الإرادة خلافاً للمعتزلة، ولا يشترط لإفادته الوجوب اقترانه بعقوبة لتاركه، أو اقترانه بثواب لفاعله، بل إنما يدل على الأمر بمجرد صيغته وهي (افعل) وما تصرف منها.
والذي يدل على ذلك أي على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب أمور:
منها: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِيْنَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ فتوعد على مخالفة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالعذاب، والوعيد لا يكون إلا على ترك واجب فدل على أن امتثال أمره واجب وهو المطلوب.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فتوعدهم بالويل بقوله: (ويل يومئذٍ للمكذبين لأنهم خالفوا الأمر ولم يركعوا مما يدل على أن الأمر كان واجبًا.
ومنها: قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ … الآية﴾ فذم إبليس وعاقبه بالعقوبة المعروفة لأنه ترك السجود لآدم تحيةً، وذلك ذم على مخالفة الأمر المجرد فدل على أنه يقتضي الوجوب.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وفي حديث آخر: (مع كل وضوء) فدل ذلك دلالة واضحة على أنه لو أمرهم به لأصبح واجبًا ولتحققت به المشقة، لكن لم يأمرهم لوجود المشقة، مما يدل على أن الأمر يفيد الوجوب وهذا من أوضح الأدلة.
ومنها: أن العبد إذا خالف أمر سيده فعاقبه لم يلم على عقابه باتفاق العقلاء، ولولا إفادة الأمر المجرد والوجوب لاتجه لوم السيد في هذه الصورة، لكنه لا يتجه فدل على أن إفادة الأمر المجرد للوجوب وهو المطلوب.
إذا علم هذا فليعلم أن هذه القاعدة مطردة في جميع الفروع، فلا يشذ منها شيء فكل أمرٍ ورد بصيغته المقررة عند الأصوليين سواءً في قرآنٍ أو سنة فالواجب بمقتضى الأدلة هو حمله على الوجوب مباشرة بحيث يثاب فاعله امتثالاً ويستحق العقاب تاركه، إلا إذا اقترنت بهذا الأمر قرينة تصرفه عن بابه إلى شيء آخر سواءً كانت قرينةً متصلة أو منفصلة فإننا نحمل الأمر في هذه الحالة على ما دلت عليه هذه القرينة.
وإليك الفروع حتى تتضح القاعدة أكثر: فمنها: الأمر بالصلاة والزكاة والحج والصوم وبر الوالدين كل ذلك واجب بقوله تعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ . وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فحجوا) . وقوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ 1 . وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صوموا لرؤيته) . وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ . وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (بروا آباءكم) فكل هذه أوامر محمولة على الوجوب؛ لأنه الأصل فيها ولعدم وجود قرينة صارفة.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري، فيه أمر وهو قوله: (صلوا) فيحمل ذلك الأمر على الوجوب، فكل فعل فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة فإنه واجب إلا ما دلت القرائن على أنه سنة فيخرج من هذا العموم، ويبقى باقي الأفعال والأقوال على الوجوب لهذا الأمر، وكذلك حديث المسيء صلاته خرج مخرج الأمر فقال - صلى الله عليه وسلم - له: (أسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن … الخ) كل ذلك خرج بصيغة الأمر فيحمل على الوجوب إلا فيما وردت فيه قرينة تصرفه عن بابه إلى الندب فيحمل على الندب، والله أعلم.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (خذوا عني مناسككم) دليل على أن كل شيء فعله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع أنه للوجوب لأمره بأخذه، والأمر للوجوب إلا فيما وردت القرائن بصرفه عن بابه إلى الندب فيحمل عليه 1 ، والله أعلم.
ومنها: قوله تعالى في العبيد: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ دليل على وجوب مكاتبة السيد عبده إن علم فيه قدرة على الكسب والعمل حتى يؤدي ما عليه، لكن هذا الأمر أعني قوله تعالى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ليس على بابه وهو الوجوب؛ لأنه دلت القرينة على أنه للندب، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا الأمر لم يكاتب عبيده، ولا كل الصحابة أيضًا كاتبوا عبيدهم، فلو كان الأمر واجبًا لامتثلوه أتم امتثال، لكن عدم امتثالهم صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، فتكون مكاتبة السيد لعبده بالشرط المذكور في الآية مستحبة لا واجبة.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده) فقوله: (فليغسل) صيغة من صيغ الأمر وهو الفعل المضارع المقرون بلام الأمر، فيدل على أن غسل اليدين بعد الاستيقاظ من نوم الليل خاصة واجب ثلاثًا، لأن الأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوب إلا بقرينة، ولم تأت قرينة تصرف هذا الأمر عن بابه، فقلنا أنه يفيد الوجوب، والله أعلم.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) وقوله لمن جلس يوم الجمعة: (قم فصل ركعتين) متفق عليهما، فقوله: (فليركع ركعتين) أمر فهو على الوجوب، فتكون تحية المسجد واجبة؛ لأنها خرجت مخرج الأمر، والأمر يقتضي الوجوب وهو قول أهل الظاهر وليس ببعيد، لكن رد الجمهور ذلك بأنه قد ورد لهذا الأمر صارف وذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن تخطى رقاب الناس يوم الجمعة: (اجلس فقد آذيت) فلو كانت واجبة لما أمره بالجلوس حتى يصليها، ولحديث: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد) واقتصاره على هذه الخمس يدل على أن غيرها ليس بواجب، حديث من سأله عن الإسلام فقال: (خمس صلوات في اليوم والليلة) ، وبهذا تكون القاعدة قد اتضحت - إن شاء الله تعالى -، وعلى هذه الفروع قس، والله تعالى أعلى وأعلم.
القاعدة الثالثة والعشرون 23 -