الفصل الرابع: دراسة كتاب "شرح مشكل الوسيط"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ابن الأشعث السجستاني, وأبو عبد الله ابن ماجه القزويني في سننيهما 1, وأبو عبد الرحمن النسائي في كتابه في "عمل اليوم والليلة" 2, وهو حديث حسن 3. وما يحتج به من الحديث عند أهل الحديث قسمان: أحدهما: الموسوم بالصحيح.
والثاني: الموسوم بالحسن: وهو ينحطُّ درجة عن الصحيح, مع كونه حجَّة أيضاً, وموضع بيانهما وتحقيق الفرق بينهما كتابنا في "معرفة علوم الحديث" 4, وإنما ذكرنا هذا القدر منه؛ لمسيس الحاجة إليه فيما سنتكلم عليه من الأحاديث في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى سبحانه.
وأما في 1 خاتمتها فشكراً على نعمة تمامها, ونستأنس في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 2 وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 3. وأما قوله "والصلاة على رسوله التي هي جالبة كلَّ ثواب" 4 فكلمة "كل" في هذا وما 5 بعده يراد بها الكثرة لا الاستغراق كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ 6, وقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ 7 8. وقوله: "ينسدُّ بيمنهم خلل كل اضطراب" 9 وقع في بعض النسخ بالنون قبل السين, وفي بعضها بالتاء قبل الدال المشدَّدة 10, وعلى هذا ينبغي أن يجعل من السِداد بكسر السين وهو ما سدَّ الخلل, لا من السَداد بالفتح الذي هو الصواب والاستقامة 11؛ فإنه اللائق بهذا, وإن صحّ استعمال ذلك فيهما على الجملة, والله أعلم
قوله 1: "ولا يُعْوِزُه 2 من مسائل "البسيط" أكثر من العشر" 3 وقع في بعض النسخ "أكثر من ثلث العشر" وكأنه إصلاح أوجبه تأمل مسائل الكتابين وأن المعوز منها في "الوسيط" لا يبلغ العشر ولا قريبًا منه 4، وكل هذا على التقريب لا على التقدير المحقَّق، والله أعلم.
قوله: "صغَّرت حجمه بحذف الأقوال الضعيفة، والوجوه المزيَّفة السخيفة" 5 كان ينبغي أن يقول/: بحذف أقوال ووجوه ضعيفة.
بصيغة التنكير أو نحو هذا؛ فإن 6 "الوسيط" معروف عند نقلة المذهب بكثرة الأقوال والوجوه الضعيفة، وفيه منها ما ليس في أكثر مصنفات المذهب 7، وقد أفصح هو بوصف كثير منها بذلك 8، فإذًا إنما حذف بعضها، وهو مراده بهذه العبارة على ما فيها من الإيهام، والله أعلم بالصواب.
ومن كتاب الطهارة
قوله: "الطهوريَّة مخصوصة بالماء من بين سائر المائعات" 1 هذا صحيح من حيث 2 إن هذه الخصوصية إنما هي بالنسبة إلى المائعات فحسب لا مطلقاً؛ فإن التراب طهور أيضًا بنص الحديث 3، فهذا وجه يصحُّ به هذا الكلام في نفس الأمر، لكن كأنه أراد غيره؛ فإنه حصر كتاب الطهارة في قسمين، في كل قسم أربعة أبواب، ليس منها باب التيمم، بل أفرده خارجًا عنها، فيكون مراده بقوله "من بين سائر المائعات" التأكيد، والتصريح بنفي الطهوريَّة عن المائعات التي هي غير الماء، ولا يكون مراده 4 الاحتراز عن التيمم؛ فإنه إذا لم يجعله طهارة لم يجعل التراب طهوراً، وذلك غير مرضي؛ لمخالفته نصَّ الحديث الثابت، ولما اشتهر في كلام الأئمة من الحكم بكونه طهارة 5، وهو أيضاً (قد) 6 جعله في باب صفة الوضوء من "الوسيط" من طهارات
الأحداث 1. ثمّ إن في كلامه هذا استعمالاً منه للفظة سائر بمعنى الجميع 2، وذلك مردود عند أهل اللغة، معدود في غلط العامة، وأشباههم من الخاصة، قال أبو منصور الأزهري 3 صاحب كتاب "تهذيب اللغة" فيه: "أهل اللغة اتفقوا على أن معنى سائر الباقي" 4. قلت: ولا التفات إلى قول الجوهري 5 صاحب كتاب 6 "صحاح اللغة": "سائر الناس جميعهم" 7؛ فإنه ممن لا يقبل ما ينفرد به، وقد حُكم عليه بالغلط في هذا من وجهين: أحدهما في تفسير 8 ذلك بالجميع.
والثاني: أنه ذكره في فصل "سير" وحقه أن يذكره 9 في فصل "سار"؛ لأنه
من السؤر بالهمز وهو بقية الشراب وغيره 1، والله أعلم.
قوله: "أما في طهارة الحدث فبالإجماع" 2 قد ينكر عليه؛ لأنه إن أراد به إجماع الشافعي وأبي حنيفة لم يستقم؛ لما عرف من خلاف أبي حنيفة في النبيذ 3 على أن الإجماع بهذا 4 المعنى إنما يستعمل في علم الخلاف دون علم المذهب.
وإن أراد إجماع الأمة فلا يستقيم أيضاً لما ذكرناه، ولأن ابن أبي ليلى 5
والأصم 1 أجازا الوضوء بالمائعات 2. فأقول: أما خلاف الاسم فلا اعتداد به على ما ذهب إليه إمام الحرمين 3 والقاضي أبو بكر ابن الباقلاني 4، وهذا كأنه مستند قوله في "الوسيط" في كتاب الإجارة 5: "ولا مبالاة بخلاف ابن كيسان" وابن كيسان هذا هو الأصم، ولكن خلاف ابن أبي ليلى يمنع من دعوى إجماع
الأمة، فيبقى إجماع الإمامين صالحاً لأنّ يحمل كلامه عليه، ووجدت فيما علق عنه من لفظه في تدريسه "للوسيط" 1 ما يدل على أن مراده به إجماع الإمامين 2، إلا أن قوله في "البسيط" 3: "اتفقت الفِرق على ذلك" يشعر بأن مراده ههنا أيضاً إجماع الأمة فيبطله خلاف ابن أبي ليلى إن صحّ عنه 4. ولما كنت بخراسان 5 - حرسها الله وسائر بلاد الإسلام وأهله - وقفت على "تعليق للوسيط" 6 علَّقه عن الإمام الغزالي - رحمه الله وإيَّانا - فاضل من أصحابه يقال له: خلف بن أحمد 7، بلغني أنه مات قبله، علَّقه من لفظ المصنف في تدريسه له بعد رجوعه إلى بلاده، وفيه بسط لفظٍ، وجودة ضبطٍ، فعلقت منه أشياء
استضأت بها أنا أوردها إن شاء الله تعالى في شرحي هذا.
وأما خلاف أبي حنيفة في النبيذ فقد ذكر بعض أصحابه عنه أنه رجع عنه 1، والصحيح أن المجتهد إذا قال قولاً ثمّ رجع عنه 2 بطل كالمنسوخ 3، والله أعلم.
قوله: "واختصاص الطهوريَّة به 4 إما تعبُّد لا يعقل معناه، وإما أن يعلَّل باختصاص الماء بنوعٍ من اللطافة، والرقَّة، وتفرد في التركيب لا يشاركه فيها 5 سائر المائعات" 6 فتفرده في التركيب هو أنه جسم لم 7 يركَّب إلا من جوهر الماء، بخلاف ماء الورد وغيره من المائعات، فإنها 8 مركبة من جوهر الماء وغيره، ولهذا 9 إذا أُغلي 10 الصافي منها رسب له ثقل، والماء الصافي إذا أُغلي 11 لم يرسب له ثقل، وتفرده بهذا التركيب هو السبب في تفرده باللطافة والرقَّة، فعطف أحدهما على الآخر جمعاً بين السبب والمسبب، والله أعلم.
ومن فوائد هذا الاختلاف أنه إذا كان تعبُّداً انسدَّ باب القياس عليه من أصله، وإذا كان معلَّلاً توقف امتناع 1 القياس على إثبات قصور العلَّة وقيام الفارق 2 والله أعلم.
وقال أبو سعيد 3 محمَّد بن يحيى 4 تلميذ المصنف في كتابه "المحيط في شرح الوسيط" 5 - وإنما هو منه بمنزلة المهذب من التنبيه -: "هذا البحث عديم الأثر؛ فإنه حكم على التقديرين مخصوص بالماء".
وما ذكرناه أولى، والله أعلم.
قوله: "ثم 6 المياه 7 ثلاثة أقسام" 8 أراد المياه الطاهرة 9، وقد قدَّم في عقد الباب تخصيصه بالمياه الطاهرة، وإلا فهي أربعة أقسام بالماء النجس.
قوله: "الأول: ما بقي على أوصاف خلقته: فهو الطهور وهو الماء المطلق" 1 هذا ظاهره 2 أنه حدَّ الماء المطلق بالباقي على أوصاف خلقته، كما حدّه به الشيخ أبو محمَّد الجويني 3، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي 4 ولا ينبغي أن ينسب إليه تحديده ذلك بذلك؛ لأنه صرَّح من 5 بعد في القسم الثاني في المتغير عن وصف خلقته بطول المكث، وبما يتعذر صونه عنه وغير ذلك، بأنه من الماء المطلق أيضاً، فكأنه أراد بقوله أولاً في الباقي على أوصاف خلقته: أنه هو الماء المطلق.
(أي) 6 أنه هو الأصل في ذلك والقسم
الثاني ملتحق 1 به.
والصحيح في تحديد الماء المطلق: أنه الماء الذي يكتفى 2 في ذكره بمجرد اسم الماء، أو نقول: هو الماء الذي يتناوله مجرد اسم الماء 3. ثمَّ إنه ليس من شرطه أنه لا يُقيَّد، بل قد يُقيَّد فيقال: ماء السماء، وماء البحر، وماء البئر، ونحو ذلك، وليس هذا كتقييد ماء الورد وغيره، مما لا يتناوله مجرد اسم الماء ولا يكتفى في ذكره بمجرد اسم الماء؛ وذلك لأن الماء المطلق إنما سمِّى ماءً 4 مطلقاً؛ لأنه يطلق عليه اسم الماء ويفهم من إطلاق اسم الماء، والتقييد بالبئر ونحوه لا يمنع من فهمه 5 من اسم الماء، بخلاف قيد ماء الورد ونحوه فإنه لا يفهم من اسم الماء إذا أطلق، وإنما يفهم إذا قُيَّد فقيل: ماء الورد، فافهم ذلك؛ فإنَّه مزلَّة قدم، ورأيت جمعاً من المصنِّفين قد زلُّوا فيه، وفيهم من جعل المطلق عبارة عما لا يتقيَّد أصلاً، وقسَّم المقيَّد إلى طهور وإلى غير طهور 6، والله أعلم.
قوله: "ولا يستثنى عن هذا إلا الماء المستعمل" 7 ظاهره أنه عنده مطلق مستثنى، وهذا وإن كان خلاف ما هو الأقوى 8، وخلاف ما صار إليه صاحب
"المهذب" 1، وغيره 2، فهو قول غير واحد من الأئمة المحققين، قال صاحب "التقريب" - ومن نفس كتابه نقلت بخراسان -: "الصحيح أنه ماء مطلق منع من استعماله تعبُّداً" 3. وقرأت هناك أيضاً بخط الشيخ أبي محمَّد الجويني والد إمام الحرمين فيما علَّقه عن شيخه القفَّال 4 في شرح "التلخيص" لابن القاصِّ 5 قال: "قد 6 سمى صاحب الكتاب الماء المستعمل مطلقاً 7 وهذا صحيح، وكونه مستعملاً لا يخرجه عن 8 حدِّ الإطلاق؛ لأنه نعت من نعوته كالحرِّ والبرد" 9.
قوله: "ويدلُّ على طهارته قلة احتراز الأولين منه" 1 استدل فيما عُلَّق من درسه على عدم احتراز الأولين منه: بأنه 2 لو احترزوا لنقل إلينا.
وبمثل هذا يُثْبتُ كثيراً من الأمور المنفيَّة التي ينسبها في هذا الكتاب وغيره إلى الأولين، والله أعلم.
قوله: "ويدل على سقوط طهوريَّته أنَّ الأولين في إعواز المياه لم يجمعوا المياه المستعملة" 3 هذا يتضمن دعوى إجماع العلماء على ذلك قبل ظهور الخلاف، وقد قال صاحب "التقريب" - رحمه الله -: "و 4 لا نعلم 5 بين المتقدمين فيه خلافاً" 6. وذكر المزني 7 أنه إجماع العلماء، والله أعلم.
قوله: "ثم سقوط الطهوريَّة 1 باعتبار معنيين: أحدهما: تأدي العبادة به 2. والآخر: انتقال المنع إليه... إلى آخره" 3 فيه إشكال وبحث من جهات ثلاث: إحداها: أن لفظه هذا يشعر بالجمع بين المعنيين في الاعتبار؛ إما بأن يكونا جزأي العلَّة، والعلَّة مجموعهما، وإما بأن 4 يكونا علَّتين معاً مستقلتين حتى يكون ذلك من قبيل الحكم المعلَّل بعلَّتين معاً وذكر 5 الشيخ أبو الفتوح العجلي الأصبهاني 6 صاحب "حواشي الوجيز": أنه لم يجمع أحد في هذا 7 التعليل بين المعنيين، بل اختلفوا في أنه بأيَّهما يعلَّل 8. واتبعه على نحو 9 ذلك صاحب "شرح الوجيز" أبو القاسم الرافعي القزويني 10 عَصْرِيُّنا -رحمهما الله - فقال:
"اتفقوا على أنهما ليستا علَّتين مستقلتين وإلا لما صار بعضهم إلى نفي الطهوريَّة في صورة وجود أحد المعنيين دون الثاني، وعلى أنَّهما ليستا جزأي علة واحدة وإلا لما صار بعضهم إلى إثبات الطهورية فيها" 1. وفسَّر العجلي قوله في "الوسيط" "باعتبار المعنيين": بأن العلة لا تخرج عنهما, ولا تعدوهما من حيث إن العلَّة أحدهما.
ويتوجه ما قاله بأنه لمَّا كان كلُّ واحد منهما قد علَّل به معلِّل ساغ الجمع بينهما في الذكر.
وهذا الاتفاق الذي ادَّعياه لم أجده منقولاً في كتب من تقدم من الأئمة، والاستدلال عليه 2 باختلافهم في صورة انتفاء أحد المعنيين لا يصحُّ؛ فإن الخلاف 3 يتصور فيها بأن يكون بعضهم علَّل بالمجموع فأثبت الطهورية عند انتفاء أحد المعنيين لانتفاء المجموع، وخالفه غيره فصار إلى أنَّ العلَّة المعنى الموجود دون الثاني، أو إلى أنَّ كلَّ واحد 4 منهما علَّة مستقلة فنفى الطهورية لذلك، ويتصور الخلاف فيه أيضاً بأن يصير بعضهم إلى استقلال كل واحد منهما فينفى الطهوريَّة 5، ويصير آخر إلى أنَّ العلَّة المعنى المنتفي خاصة فلا ينفيها، ثم إنَّ المزني علَّل في "المختصر" 6 بأنه ما أُدي به الفرض مرة.
وهذا ظاهره التعليل بالمعنيين جميعاً؛ لأنَّ أداء فرض طهارة الحدث
من المسلم يشتمل على أداء 1 العبادة، وزوال المنع، وغسل الذمية التي تحت المسلم نادر يبعد أنَّه لاحظه في تعليله 2، ثم إنَّ في "البسيط" 3 التصريح بأنه على أحد الوجهين: يعتبر مجموع الوصفين، والله أعلم.
ووقَّفني أيَّام مقامي بنَيسابور 4 الشيخ أبو حامد الجاجرمي 5 على المجلد الأول من "شرحه للوسيط" - وكان قد عمل بعضه - فوجدته يقول فيه: "إنَّ الأصحاب اختلفوا في العلَّة على ثلاثة أوجه: أحدها: قال بعضهم - وهو منقول عن المزني -: هي أنَّه 6 أُدي به فرض الطهور".
وذكر المعنيين الآخرين، ثمَّ جمعني وإيَّاه الطريق فقلت له: من أين ذكرت هذا؟ فقال في الخلاصة: لأنَّه أُدي به الفرض.
فقلت له: هذا في "مختصر المزني" ولا كلام فيه، وإنما الجمع بين الثلاثة هو الذي ما رأيت أحداً ذكره، ولعلَّك لما رأيت هذا مذكوراً، ورأيت الآخرَين مذكورين جمعت بينهما.
فقال: يجوز.
ثمَّ بعد ذلك 1 طالبته بإسناده إلى كتاب فلم يقم به، فقلت 2 له: قد ذكره المزني، ولكن ليس ذلك معنىً ثالثاً؛ وإنما هو عبارة مختصرة عن المعنيين، والله أعلم.
ثمَّ إن قوله في "الوجيز" 3: "لتأدي العبادة به 4، وانتقال المنع إليه" وقع هكذا بحرف الواو في أكثر النسخ، أو في كثير منها، وأبي الواو بمعناها من الجمع العجلي والرافعي بناءً على ما سبق، وهو متداول بين الطلبة، أما العجلي فقال: "الواو سهو من الكاتب، والصحيح أو 5 ". وأما الرافعي فإنَّه أقرَّ الواو وجعلها بمعنى أو 6. قلت: وهذا كالهوش 7؛ فإن الواو بمعناها من الجمع لا يزيد على لفظه في "الوسيط" المصرح بالجمع، فإذا كان ذلك محمولاً على أن المراد أن العلَّة لا تعدوهما كما سبق بيانه، كان ذلك بلفظ الواو بمعناها من الجمع محمولاً على مثل ذلك.
وجمعني والرافعي - رحمه الله وإيَّانا - جامع
همذان 1 وهو قافل من الحج وأنا راحل إلى خراسان، فدار بيني وبينه في ذلك كلام لست أحصله الآن، والله أعلم.
الثانية: أن قوله: "انتقال 2 المنع إليه" مستنكر من حيث إنه موهم أنه انتقل من أعضاء المحدث منعٌ قائمٌ بها إلى الماء المستعمل، كما تنتقل النجاسة من محلها إلى الماء المستعمل في إزالتها, وليس كذلك؛ لأنّ هذا المنع ليس شيئاً قائماً بالأعضاء حتى يوصف بالانتقال منها، إنما هو حكم من أحكام الشرع، ولو كان قائماً بها لكان في حكم العرض، والعرض لا يتصور انتقاله، وأيضاً فإن انتقال المنع يتوقف على سقوط الطهوريَّة فلا يكون علَّة له أو مشبهاً 3 بالعلَّة له 4. وهذه العبارة من تصرفه في "الوسيط" دون "البسيط"، وإنما عبَّر شيخه إمام الحرمين 5 وغيره 6 وهو في "البسيط" 7 عن ذلك: بأداء الفرض، وذلك
شامل لغسل الذميَّة، وكذا وضوء الصبي، والوضوء للنافلة؛ لأنّ المراد بفرض الطهارة: ما لا يجوز الصلاة أو الوطء وغيرهما مما يتوقف عليها إلا به.
لا ما يأثم بتركه 1، والمُمكِّن في العذر عنه أن المراد بانتقال المنع: زوال منع من الأعضاء وثبوت منع آخر يماثله أو يقاربه في الماء، وتسمية ذلك نقلاً وانتقالاً كتسمية نسخ الكتاب نقلاً له، مع أنه ليس فيه انتقال المكتوب المنقول بعينه من موضع إلى موضع، وهذا أولى منه بذلك؛ إذ ليس في النسخ إلا إثبات المثل في محل آخر مع بقاء المنقول في محله، وهذا فيه إزالة المنقول من محله وإثبات مثله في محل آخر، فهو أقرب إلى النقل الحقيقي الذي يتوارد فيه الإزالة والإثبات على شيء 2 واحد بعينه.
وأما تعليل سقوط الطهورية به فوجهه ما يأتي في البحث الثالث، والإنصاف الاعتراف بأن قوله: "انتقال المنع إليه" تصرف منه غير لائق به و 3 بفنِّه، والله أعلم.
الثالثة: في صلاحية المعنيين للتعليل، وقد يتخيل أنهما انما هما: أداء العبادة، وأداء الفرض، فيتجه أن يقال: ما أديت به العبادة، أو أُدي به الفرض فلا يؤدى به 4 ذلك مرة أخرى حتى يتجدد ما تعود به صلاحيته كالعبد أو الطعام تؤدى به الكفارة، لا تؤدى به الكفارة مرة أخرى حتى يتجدد ما تعود به صلاحيته وهو تجدد الملك هناك، وتجدد الكثرة ببلوغه قلتين ههنا.
وذكر
الإمام أبو المعالي في "نهاية المطلب" 1 أن الأئمة ذكروا الأمرين لضبط المذهب، وخرَّجوا عليهما المتفق عليه والمختلف فيه، وقال: "المسلكان جميعاً لا يصلحان لإثبات أصل المذهب، وإنما معتمد المذهب ما قدمناه من التمسك بسيرة الماضين، ولكن ما كان فرضاً وعبادة فلا استرابة في أنه المستعمل الذي استدْللنا فيه بعادة الماضين، وما وجد فيه أحد هذين المعنيين تردد الأصحاب فيه، وليس منع استعمال 2 المستعمل مما يربط بمعنى صحيح على السير"، والله أعلم.
قوله: "لأنّ تلك القوة في حكم خصلة لا تتجزأ" 3 فقوله: تلك القوة إشارة إلى ما ذكر من القوَّتين 4 فالمَعْني إذاً بالقوة جنس القوى، وقوله لا تتجزأ أي ثبوتاً وارتفاعاً فإذا ارتفع بعضها ارتفع كلُّها بدلالة الأدلة المعتمد عليها في أصل الباب 5.
قوله: "فيما إذا بلغ الماء المستعمل قلَّتين فيه وجهان: أحدهما: يعود طهوراً كالماء النجس إذا بلغ قلَّتين، ولأن الكثرة تدفع حكم الاستعمال فإذا طرأت قطعت حكمه كالنجاسة" 1 اشتمل هذا على علتين وقياسين، أحدهما: يرتفع حكم الاستعمال بالكثرة كما يرتفع حكم النجاسة بها وأولى؛ لأنها أغلظ منه، فهذا إلحاق للرفع بمثله من الرفع.
والثاني: الكثرة تدفع حكم الاستعمال إذا طرأت كما تدفعه إذا قارنت 2، فهذا إلحاق الدفع بالدفع، ووجهه أن الدفع دلَّ على المنافاة بينهما 3، ويلزم منها الرفع أيضاً 4، ويتأكد أيضاً ذلك بالنجاسة من حيث إنَّا سوَّينا فيها بين الرفع والدفع، فإلحاق هذا بها 5 أولى من إلحاقه بالعدة والإحرام 6 الذَين لم يلحق الرفع فيهما بالدفع؛ لتباعد ذينك النوعين 7 وتقارب نوعي الطاهريَّة 8 والطهوريَّة، والله أعلم.
قوله: "إذا انغمس الجنب في ماء قليل وخرج ارتفعت جنابته، وصار الماء مستعملاً.
وقال الخضري 1: لا ترتفع جنابته" 2 صورته: ما إذا انغمس ناوياً 3، فأما إذا لم ينوِ حتى استوى عليه الماء 4 ارتفعت 5 بلا مخالفة فيه من الخضري 6. وقوله "وخرج" ليس شرطاً في ارتفاع جنابته؛ فإن جنابته ارتفعت قبل خروجه بوصول الماء إلى جميع بدنه، وإنما هو شرط في مجموع الحكمين المذكورين، وحاصله راجع إلى اشتراطه 7 في الثاني منهما وهو صيرورة الماء مستعملاً، فإنَّ الانفصال شرط فيه 8. قلت: ثمَّ إنهم إنما أخروا الحكم بالاستعمال إلى انفصال الماء عن الجميع لما ذكروه 9 من أنه لو صار مستعملاً بملاقاة أول جزء من البدن لارتفاع حدث ذلك الجزء، لاحتاج في كل جزء إلى
ماء جديد وذلك حرج، فتأخر لذلك الحكم بالاستعمال إلى الانفصال، وإلى خروج المنغمس من الماء، وهذا يحصل بدون ذلك بأن يؤخر ذلك إلى وصول الماء إلى جميع بدنه وإن لم يخرج بعد، فينبغي إذاً أن يحكم بالاستعمال قبل خروجه عند ارتفاع الجنابة عن جميع بدنه، وهكذا يلزم في الذي يصب الماء عليه أن نحكم فيه بالاستعمال عند تكامل وصول الماء إلى عضوه أو أعضائه وإن لم ينفصل بعد، هذا مشكل 1 لم أجد لهم جوابًا عنه 2 والممكِّن فيه أن الاستعمال صورة مستمرة إلى الانفصال فيسوَّى بين الجميع في هذا الحكم، ويلحق ما بعد زوال الحدث منه بما قبله في ذلك تبعًا 3 كما ألحقت التسليمة الثانية في عدَّها من الصلاة بما قبلها تبعًا، وإن خرج من الصلاة بالتسليمة الأولى 4، وحكم الاستعمال مستنده إجماع من تقدم كما تقدم 5 ولم يثبت ذلك عنهم إلا فيما بعد الانفصال، وهذا كله على ما عرف من 6 أن الحدث يرتفع عن كل عضو باستتمام غسله، ولا يتوقف على تمام وضوئه 7، فلا نقول: إنَّ ارتفاع الحدث عن وجهه يتأخر إلى تمام وضوئه، كما قاله 8 الإمام
أبو المعالي في "نهاية المطلب" 1 مستدلاً بامتناع مسَّ المصحف بوجهه قبل تمام وضوئه، فإنَّ هذا بعيد عجيب مخالف للمعروف 2 ولقاعدة المذهب، وإنما امتنع مسُّ المصحف لأن شرطه تمام الطهارة في جميع بدنه، والله أعلم.
قوله في قول الخضرى: "هو غلط" 3 يتضمن أنه ليس معدودًا وجهًا في المذهب، وأن المسألة لا خلاف فيها في المذهب، فاعرف ذلك فيه وفيما يرد عليك من أشباهه، وأيضًا فقد نُقل عن الخضرى أنه رجع عنه لمَّا عرف أنه خلاف النصِّ 4. وهو الخضري بكسر الخاء وإسكان الضاد، وهو أبو عبد الله محمَّد بن أحمد من أئمة مرو 5، والله أعلم.
قوله: "إن 6 غفل عن رفع الحدث وقصد الاغتراف" 7 استبعد شيخه 8 تصور هذا، فإن من ينقل الماء من الإناء فقصده الاغتراف لا غسل اليد في الماء
الذي في الإناء، وقد قطعا - رحمهما الله وإيَّانا - (بأنه) 1 إذا قصد الاغتراف لم يصر مستعملاً 2، ولم يخرِّجاه على الخلاف فيما إذا قصد التبرُّد في أثناء الوضوء عند غسل بعض الأعضاء 3، فأحد الوجهين أنه لا يعتبر القصد الطارئ، وتراعى نية رفع الحدث السابقة فيرتفع 4 الحدث؛ لأنَّ بقاءها حكمًا كبقائها حقيقة، وهذا كذلك، وينبغي أن يقال: إن ضمَّ إلى قصد الاغتراف قصد أن لا يرفع به حدث الكفِّ قطعنا بأن لا يرتفع 5 حدثها من غير خلاف 6، وإن اقتصر على قصد الاغتراف ولم يتعرض لرفع الحدث بنفي ولا إثبات فينبغي إجراء ذلك الخلاف فيه.
وهذا التفصيل يجري مثله في مسألة نية التبرُّد الطارئة 7، ونية التنفُّل في
مسألة إغفال اللُمعة 1، والله أعلم.
و 2 إذا غفل عن القصدين فقد قطع شيخه بأنه يصير مستعملاً 3. وقال هو من عنده: "ويتجه أن يقال: هيئة الاغتراف صارفة للملاقاة إلى هذه الجهة بحكم العادة فلا يصير مستعملاً" 4 وهذا لا يتجه بمجرد الهيئة العارية عن قصد الاغتراف مع بقاء ما سبق من قصد رفع الحدث حكمًا 5، وإنما اتجاهه بما ذكره في الدرس 6 من أنه لما جلس من الابتداء للوضوء فهو ناوٍ للوضوء والاغتراف معًا فاصطحبت النِّيتان، والهيئة الآن تخص جهة الاغتراف، وتمسَّك أيضًا بحال الأوَّلين 7، والله أعلم.
قوله: "القسم الثاني: ما تغيَّر عق وصف خلقته ولكن تغيرًا يسيرًا 1 لا يزول به اسم الماء المطلق" 2 أراد بكونه يسيرًا: كونه لم يسلب إطلاق اسم الماء وإن كان تغيرًا كثيرًا فاحشًا من حيث الصورة، كما في المتغيِّر بطول المكث 3، والمتغيِّر بما يجاوره 4، والمتغيِّر بما يجري عليه في مقره 5، فكل ذلك يطلق عليه أهل اللسان اسم الماء وإن تفاحش تغيُّره 6، والله أعلم.
قوله: "والنورة" 7 ليس المراد به النورة المعروفة المحرَّقة بالنَّار 8، وإنما النورة ههنا: حجارة رخوة فيها خطوط بيض إذا جرى عليها الماء 9 انحلت فيه 10، وهي مذكورة في "نهاية المطلب" في الرمي في الحج 11، والله أعلم.
قوله: "نعم في المشمَّس كراهيَّة من جهة الطبَّ" 1 هذه الكراهيَّة إذا أثبتناها على المشهور عند الأصحاب 2، فهل هي كراهيَّة شرعيَّة أو كراهيَّة إرشاديَّة؟ فيه وجهان:- والفرق في فنَّ أصول الفقه 3 بينهما: أن الكراهيَّة الشرعيَّة يتعلق فيها الثواب بالترك.
وكراهيَّة الإرشاد لا يتعلق بها ثواب على الترك، وفائدتها دنيويَّة لا دينيَّة، وهي مثل كراهيَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل التمر لصهيب وهو أرمد 4. أحدهما: أنها كراهيَّة إرشاديَّة من جهة الطبَّ، وهذا هو طريقة صاحب هذا 5 الكتاب، وأفصح عنه في التدريس 6 وهو ظاهر كلام الشافعي 7. والأظهر والوجه الثاني: أنها كراهيَّة شرعيَّة، وهذا طريقة صاحب "الحاوي" 8، وصاحب "المهذب" 9،
وغيرهما 1، والله أعلم.
قوله: "لأنَّ حمي الشمس يفصل من الإناء أجزاء تعلوا الماء كالهباء" 2 حمي الشمس بفتح الحاء وإسكان الميم على مثال الرمي، حكاه الأزهري في "تهذيب اللغة" 3 وغيره 4، يقال: حميت الشمس تحمي حميًا 5. والهباء بفتح الهاء والباء الموحدة والمدِّ هو ما يدخل من الكوَّة 6 مع ضوء الشمس شبيه بالغبار 7، والله أعلم.
الأواني المنطبعة 8: هي التي تطرق بالمطارق، من نحاس وغيره 9.
قوله 10: "ولعله لا يجري في الذهب والفضة" 11 ليس فيه جزم بالحكم، وقد
جزم غيره فقال الشيخ أبو محمَّد الجويني: "يجري فيهما أيضًا" 1. وقال الصيدلاني أبو بكر 2: "لا يجري فيهما وفيما عدا النُّحاس" 3، وخصَّص النُّحاس بالاعتبار.
والتخصيص بالنُّحاس موجود أيضًا في "تعليقة" القاضي حسين 4، وفي "التتمة" 5، و"التهذيب" 6، وغيرها 7، والله أعلم.
قوله: "ولأنَّ التراب مجاور فإنَّه يرسب على القرب" 8 كان ينبغي أن يقول:
إنَّه في حكم المجاور؛ إذ هو في تلك الحالة مخالط 1 حقيقة 2، والله أعلم.
قوله: "إذا 3 تغير الماء بالملح ففيه ثلاثة أوجه" 4 يعني به الملح المطروح فيه قصدًا 5.
قوله 6: "يفرَّق في الثالث بين الجبلي والمائي، ويشبَّه المائي بالجمد، وهو ضعيف؛ لأنه لو كان كالجمد لذاب في الشمس، ولكن تعليله: التشبيه بالتراب المطروح فيه قصدًا" 7 هذا كلام مشكل مُغلط، فاعلم أنه ليس الضمير في "ولكن تعليله" عائدًا إلى الفرق بين الجبلي والمائي، وإنما هو عائد على كون المائي لا يسلب الطهورية، فإن قوله: "ويشبَّه المائي بالجمد" المراد به أنَّه يشبَّه بالجمد في عدم السلب فقال: ليس تعليل عدم السلب فيه تشبيهه 8 بالجمد،
ولكن تعليله التشبيه بالتراب المطروح فيه قصدًا 1. ثم يلزم من ذلك بطلان الفرق بين المائي والجبلي، وإجراء وجهي التراب فيهما؛ فإنهما كلاهما 2 من أجزاء الأرض كالتراب، وفيما علقته مما علِّق عنه في درسه "للوسيط" مصداق ما شرحته 3، والله أعلم.
الجمد ذكره صاحب "العين" 4 بفتح الميم.
وقال صاحب "االصحاح" 5: "الجمد بالتسكين ما جمد من الماء، مصدر سمي به، والجمد بالتحريك جمع جامد، مثل خادم وخدم"، والله أعلم.
والمشهور في الملح المائي أنه لا يسلب الطهورية كالجمد، وهو المقطوع به في كثير من التصانيف المشهورة 6، وهو الأصح في بعضها 7. وهو كالجمد في أنه ماء منعقد وإن لم يكن مثله في الذوب، ولا مانع من 8 أن يكون المنعقد من الماء منقسمًا في ذلك 9. وما ذكره في سبب ملوحة البحر 10 فيه نزاع
واختلاف 1، والأصحُّ أنَّ الأصحَّ أنَّه يسلب الطهوريَّة؛ لأنَّه يسلب إطلاق اسم الماء 2. وأما إجراء الخلاف في الجبلي فبعيد غريب، والمشهور فيه القطع بأنه يسلب 3، والله أعلم.
قوله: "إذا صُبَّ مقدار من ماء الورد أو غيره من المائعات على ماء قليل، وكان بحيث لو خالف لونه لون الماء لتفاحش تغيره، خرج عن كونه طهورًا" 4 هذا فيه عليه استدراكات ثلاثة - اثنان عنهما جواب، والثالث لا جواب عنه مخلِّصًا.
الأول: في إطلاقه ماء الورد، والمسألة مخصوصة بماء الورد المنقطع الرائحة الموافق للماء في صفائه 5، وقد استبعد تصور ذلك صاحب "الشامل" 6، ولا يبعد عند امتداد مدته، أو يفرض فيما إذا كان الماء المصبوب عليه متغيِّرًا بطول المكث، أو نحوه تغيُّرًا صار به على وفْق صفة ماء الورد المنقطع.
ويجاب عن هذا الاستدراك بأنه اكتفى بإشعار قوله: "وكان بحيث لو خالف لونه" بأنَّ الكلام فيما ليس مخالفًا للماء، والله أعلم.
الثاني: في قوله: "على 1 ماء قليل" ولا فرق بين القليل والكثير؛ فإنَّ الكلام في التغيُّر 2. ويجاب عنه بأنَّه فرضه في القليل لأجل قوله في التفريع "فلو استعمل الكلَّ فهو جائز" 3 فإنَّ المراد لو استعمل الكلَّ في طهارة واحدة.
وإنما يقع هذا في القليل، لا فيما إذا كان قلَّتين.
والثالث: في تخصيصه المخالفة في اللون بالتقدير من بين المخالفات، والصواب أن المبتلى بذلك يستحضر في ذهنه المخالفات الثلاث بالأوصاف الثلاثة التي هي: الطعم واللون والرائحة.
ويعتبر الوسط الأعدل من كل واحد منها، ويلحظ مقدار تأثير كل واحد منها في تغيير الماء، ويقابل بينها ثم يقدَّر الوسط من الجميع في هذا المائع.
هذا تحقيق الحق في ذلك 4. وقد يجاب له عن هذا: بأنه ذكر اللون مثالاً لا تقييدًا 5، وآية ذلك أن شيخه خصَّ الطعم بالتقدير 6، وهذا لا يصفو به المخلِّص؛ فإنه لم يذكر ذلك ذكر المثال، وليس لفظه مشعرًا به، فهو إذًا دائر بين استدراكين خافيين إما من حيث اللفظ، وإما من حيث الحكم، ولا يمكننا أن نستدل بذلك منهما على أنه يتخيَّر فيما يقدره من الأوصاف، إذ لا سبيل إليه؛ فإنه قد يكون بتقدير وصف مُغيِّرًا فيكون
سالبًا للطهوريَّة، وبتقدير 1 وصف آخر لا يغيِّر فلا يكون سالبًا لها، فيلزم أن يكون مخيَّرًا بين أن يجعله طهورًا، وبين أن لا يجعله طهورًا، وذلك محال، والله أعلم.
ومن الباب الثاني في المياه النجسة
قوله: "فالجمادات أصلها على الطهارة إلا الخمر فإنها نجس" 1 لم يستثن الفضلات النجسة المنفصلة من باطن الحيوان 2؛ لكونه جعلها من قبيل أجزاء الحيوان، وذلك اصطلاح منه مع نفسه بعيد 3. قوله 4 "فإنها نجس" الأجود أن يقال: بفتح الجيم؛ فإنه مصدر يجوز أستعماله في المؤنث، ويجوز كسر الجيم على أن التقدير فيه 5: فإنها شيء نجس 6، والله أعلم.
قوله في الآدمي الميت: "لأنه تُعُبَّد بغسله والصلاة عليه، فلا يليق بكرامته الحكم بنجاسته" 7 إن أراد بغسله غسل الميت الشامل لبدنه فتأثيره من وجهين: أحدهما: دلالته على ما ذكره من كرامته المنافية لنجاسته.
والثاني: أنه لا عهد لنا بعين نجسة تغسل ولا معنى لذلك.
وإن أراد به غسله من نجاسة تقع عليه فإنه يجب إزالتها فوجه دلالته: أنه لا عهد لنا بنجاسة يجب إزالتها عن نجاسة 8، والله أعلم.
قوله: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: السمك
والجراد، والدمان: الكبد والطحال) 1 هذا هكذا حديث ضعيف عند أهل الحديث، غير أنه متماسك، رويناه في كتاب "السنن الكبير" 2 للحافظ أبي بكر البيهقي 3 بإسناده عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم 4 عن أبيه 5 عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... قال البيهقي: "كذلك رواه عبد الرحمن وأخواه عن أبيهم 6، ورواه غيرهم موقوفًا على ابن عمر وهو الصحيح" 7. قلت: أخواه هما عبد الله وأسامة، وإن كانوا 8 قد ضعفوا
ثلاثتهم 1، فعبد الله منهم قد 2 وثقه أحمد بن حنبل 3 وعلي بن المديني 4، وفي اجتماعهم على رفعه ما يقويه قوة صالحة، وقد أخرجه أبو عبد الله ابن ماجه القزويني في "سننه" 5، لكن لم يخرِّجه أحد من أصحاب الكتب الخمسة التي هي أصول الحديث وهي: الصحيحان، وسنن أبي داود السجستاني،
وجامع أبي عيسى الترمذي، وسنن أبي عبد الرحمن النسائي 1. ثم إن ثبوته عن ابن عمر كافٍ في صحة الاحتجاج به؛ لأن قوله "أحلت لنا ميتتان 2 " بمنزلة قول الصحابي: أُمرنا بكذا ونُهينا عن كذا، في أنه عندنا وعند أصحاب الحديث وأكثر أهل العلم في حكم المرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن مطلق ذلك منصرف إلى من إليه الأمر والنهي والإحلال وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 3، فثبت الحديث على الجملة، والله أعلم.
قوله فيما مات من دود الطعام: "يحلُّ أكله على أحد الوجهين" 4 يعني مع الطعام 5، وعلَّله الدرس بوجهين: بأنه 6 يصعب تكليف التفتيش وإخراجه منه، وبأنه كأنه جزء من الطعام.
وذكر شيخه 7 في أكله منفردًا عن الطعام وجهين.
وهذا يكون مرتبًا على قول من قال: يحل مع الطعام، والله أعلم.