كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2
قول المصنف رحمه الله: "والأضحى" 3.
يعني به الضحَايَا، يقال: أضْحَاةُ في الواحد، والجمع أضْحَى، ويقال: أيضاً ضَحَّيةٌ وضحَايَا، وأُضْحِيَّة، وأضاحيّ 4 بتشديد الياء 5. والله أعلم.
الحديث الذي رواه: (كتب عليّ ثلاث لم تكتب عليكم: الضحى، والأضحى، والوتر) 6
حديث غير ثابت ضعفّه الحافظ أحمد البيهقي في كتابه في "الخلافيات" 7 بعد أن أسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، ولفظه: (ثلاث هنّ عليّ فرائض،18
وهي لكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا 1 الضحى) 2. قوله: "وكالتهجد" 3 يريد أنه وجب عليه - صلى الله عليه وسلم -، أن يتهجد خارجاً عن الوتر، وهذا قول أكثر الأصحاب 4 عملاً بظاهر الأمر في قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ
فَتَهَجَّدْ 1 بِهِ نَافِلَةً لَكَ} 2 محمول على 3 أن ذلك يقع لا محالة زيادةً في حسناته بخلاف غيره، فإن تهجد غيره، وتطوعاتهم يجبر منها النقصان المتطرق إلى مفروضاتهم، وهو - صلى الله عليه وسلم - معصوم عن الخلل في مفروضاته، فيمحض تهجده زيادة على مفروضاته.
وهذا المذهب وإن قوي بعض القوة بما ذكرناه فالأشبه خلافه.
وقد حكى الشيخ أبو حامد - رحمه الله - بعد حكايته ذلك عن الأصحاب، إن الشافعي - رحمه الله - نص على أنه نسخ وجوب ذلك في حقه - صلى الله عليه وسلم -، وحق غيره.
4
قلت: هذا هو الصحيح 5 الذي تشهد له الأحاديث، منها حديث سعد ابن هشام 6 عن عائشة، وهو في الصحيح 7 معروف.
والله أعلم.
وفي وجوب السواك عليه 1 - صلى الله عليه وسلم -، يقوي بما رواه أبو داود في "سننه" 2 أنه - صلى الله عليه وسلم -، (أمر بالسواك لكل صلاة).
قلت: ومع هذا ترددوا في وجوب السواك عليه 3، وقطعوا بوجوب الضحى، والأضحى، والوتر عليه 4، مع أن مستنده الحديث الذي ذكرنا 5 ضعفه، ولو عكسوا فقطعوا بوجوب السواك عليه، وترددوا في الأمور الثلاثة لكان أقرب، ويكون مستند التردد فيها أن ضعفه من جهة ضَعْف راويه أبي جَنَاب الكَلْبي 6، وفي ضعفه خلاف بين أئمة الحديث وقد وثقه بعضهم 7 والله أعلم.
قوله: (يوغِر صدورَهنّ 1) 2 أي يحميها بالغيظ.
3
قوله: (حين ضاق ذرعه) 4 المعروف ضاق بالأمر ذرعا من غير إضافة، أي لم يطقه ولم يَقْوَ عليه.
5
حديث عائشة المذكور ثابت في الصحيح 6 7 بلفظ آخر ليس فيه (وأرادت أن يختار أزواجه الفراق) 8.
قوله: "بأجمُعهنّ" 1 الصحيح فيه أنه بضم الميم، وهو جمع كلمة جمع كالمجموع.
توجيه 2 قول من قال: لو اختارت الدنيا والفراق، لبانت بنفس هذا الاختيار 3، أن 4 ذلك يقع مضاداً لصحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيجب عليها فراقها، والفرقة إذا وجبت وقعت، ولهذا استدللنا بوجوب الفرقة في اللعان على وقوعها.
والقول بوجوب جوابهن على الفور 5 ينبني على القول بالبينونة بنفس اختيار الفراق، آخذاً من أحد القولين في أن الجواب على الفور فيما إذا قال: لها طلقي نفسك 6. والله أعلم.
دليل تحريم طلاقهن من الآية 7 هو في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ 8؛ لأن معنى التبدل بهن مفارقتهن أولاً، ثم التزوج بإبدالهن، ففي تحريمه تحريم مفارقتهن على ما لا يخفى تقريره.
والله أعلم.
من الدليل على النسخ 1، قول عائشة - رضي الله عنها - (ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى أحل له النساء) 2، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ 3 ناسخ لذلك، ولكن في التي هاجرت 4 معه 5 والله أعلم.
ثم قال الأصحاب: وإن أبيح له التبدل بهن، فإنه لم يتبدل بهن 6، والله أعلم.
أبيح له - صلى الله عليه وسلم - الغنائم، ولم تحل لغيره من الأنبياء 7 - صلى الله عليه وسلم -.
في صدقة التطوع قول للشافعي 1 - رحمه الله - خفي على المصنف، وشيخه، أنها لم تحرم عليه، وإنما كان يترفع 2 عنها، حكاه الشيخان أبو حامد إمام العراقيين، والقفال إمام الخراسانيين 3.
ثبت أن أبا أيوب الأنصاري 4 صنع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاماً فيه ثوم، فرده ولم يأكل منه، فقال له: (أحرام هو؟ قال: لا ولكني أكرهه، قال 5: فإني أكره ما كرهت) أخرجه مسلم في صحيحه 6 وهذا يبطل وجه التحريم 7، والله أعلم.
قول المصنف "بالفيء، المأخوذ على سبيل القهر والغلبة" 8 عبارة غير مرضية، في عرف الفقهاء؛ لأن هذا صفة الغنيمة كما ذكره المصنف في بابها 9، وأما الفيء في عرفهم، فغير متقيد بهذه الصفة، إذ منه مال من لا وارث له من أهل الذمة 10. والله أعلم.
وقوله "بمعاذ" 1 هو بفتح الميم، أي بمَلْجَاءٍ ومستجار 2. وقوله "فعلمتها نساؤه" زيادة لم أجد لها أصلاً ثابتاً، وحديث المستعيذة ثابت في صحيح البخاري، وغيره 3، بدون هذه الزيادة البعيدة، وقد رواها محمد بن سعد 4 في "طبقاته" 5 لكن بإسناد ضعيف.
واسم المستعيذة، أسماء بنت النعمان الجونية 1، وقيل: فيه غير ذلك 2
قال المصنف: "وقيل: إنهم لم يشاركوه في تحريم الصدقة" 3، فأورد هذا إيراد وجه ضعيف، أو غريب، وليس كذلك، فإنه هو المشهور الصحيح 4. والله أعلم.
قال: "ونحن لا نرى الخوض في أدلة ذلك" 5.
قلت، قال: شيخه 6 إن المحققين كرهوا الخوض في المسائل 7 التي اختلف 8 فيها الأصحاب من خصائص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قلت 1: وحكى الصَّيْمَري 2 عن أبي علي بن خيران أنه منع من الكلام في خصائص رسول الله 3 - صلى الله عليه وسلم -، في أحكام النكاح، وكذا في الإمامة 4.
ووجهه: أن ذلك قد انقضى فلا عمل يتعلق به، وليس فيه من دقيق العلم، ما يقع به التدريب، فلا وجه لتضييع الزمان برجم الظنون فيه، وهذا غريب مليح 5 والله أعلم.
"صفيه 6 المغنم" 7 وصفيُّ المغنم ما يصطفيه الرئيس من الغنيمة لنفسه قبل القسمة، أي يختاره 8.
قوله: "الاستبداد بخمس الخمس"، ينبغي أن يضاف إليه، وأربعة أخماس الفيء 1.
والاستبداد، معناه: الانفراد أي ينفرد بذلك 2 ويشارك الغانمين، فيستحق سهماً من الغنيمة كسهم أحدهم، والله أعلم.
خائنة الأعين، وإظهار ما يخالف الإضمار 3 مذكور في جملة المحرمات عليه - صلى الله عليه وسلم -، ومن الحجة في ذلك ما رويناه في السنن للبيهقي 4 بإسناده في قصة ابن أبي السرح 5 حتى أحضر يوم الفتح بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه لما أنكر على
أصحابه إمساكهم عن المبادرة بقتله، قالوا: هلا أومأت 1 إلينا بعينك، قال: (إنه لا ينبغي أن تكون لنبيًّ خائنةُ الأعين).
فقيل: في تفسيرها ها هنا، هي الإيماء بالعين.
وقيل: هي مسارقة النظر 2.
ولم يوفق المصنف - رحمه الله - في شذوذه عن الأصحاب، ومخالفته الأصحاب 3 فيما ذكره في خصيصة إيجاب الطلاق على زوج من وقع عليها بصره - صلى الله عليه وسلم -، من النساء، ووقعت في نفسه, لأن حاصل ما ذكره أنه لم يكتف في حقه - صلى الله عليه وسلم - بالنهي، والتحريم زاجراً عن مسارقة النظر، وحاملاً له على غض البصر عن نساء غيره، حتى 4 شدد عليه بتكليف لو كلف به غيره، لما فتحوا أعينهم حتى في الطرقات 5 ومن تأمل هذا لم يخف عليه أنه 6 غير لائق بمنزلته الرفيعة - صلى الله عليه وسلم -، وزعم أن هذا الحكم في حقه في غاية التشديد، والله سبحانه وتعالى يقول: (في ذلك) 7 ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ 8.
وأما ما حكاه عن عائشة - رضي الله عنها - فإنما ذلك لأمر آخر خارج عن هذا الحكم، وهو إظهار ما دار بينه، وبين زيد 1 مولاه وعتابه عليه، إذ الوارد في الرواية الصحيحة عن عائشة، أنها قالت: لو كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، كاتماً من الوحي لكتم هذه الآية ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ الآية 2. والله أعلم.
اختلف الأصحاب، في أن المنكوحات في حقه - صلى الله عليه وسلم -، هل كنَّ بمنزلة السراري في حقنا؟ فمن جعلهنَّ كالسراري قال 3: كان ينعقد نكاحه بغير وليٍّ ولا 4 شهود، وفي حالة الإحرام، وبلفظ الهبة من الجانبين، ولا ينحصر عددهن في مبلغ، ولا يجب عليه القسم بينهنَّ 5. والله أعلم.
أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، أمهات المؤمنين في التحريم، والتكريم، ولا يتعدى ذلك إلى باقي أحكام الأمومة، وأثارها، من 6 تجويز الخلوة، والنظر،
ومن كون إخوتهنَّ، وأخواتهنَّ، وبنيهنَّ وبناتهنَّ، أخوالاً وخالات، وإخوة وأخواتٍ للمؤمنين 1. وهذا أولى من عبارة المصنف 2 عن ذلك.
والله أعلم.
قول 3 من قال: بتحريم مطلقاته مطلقاً 4، وهو ظاهر نص الشافعي 5 وهو أشبه بظاهر القرآن، فإن قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ 6 يعمهنّ 7، وقيل: إن وجه التفصيل أصح 8، والله أعلم.
"روى أنه - صلى الله عليه وسلم - أعتق صفية 9 وجعل عتقها صداقها" 10.
هذا لفظ الحديث، وهو ثابت في الصحيحين 1 من رواية أنس - رضي الله عنه -، وفي خاصيته - صلى الله عليه وسلم - في ذلك وجه ثالث، لم يذكره المؤلف، وهو أصح، وأقرب إلى لفظ الحديث، وهو ما حكى عن أبي إسحاق 2 وقطع به البيهقي 3 أن خاصيته في ذلك، أنه تزوجها ولم يجعل لها مهراً أصلاً.
4
قال البيهقي: أعتقها مطلقاً.
قلت: فيكون معنى قوله "وجعل عتقها صداقها" أنه لم يجعل لها شيئاً غير العتق، فحل محل الصداق، وإن لم يكن صداقاً، وهو من قبيل قولهم: "الجوع زاد من لا زاد له" وهو متجه.
وأما الوجهان الآخران، فبعيدان من لفظ الحديث جداً.
وقوله في الوجه الأول "أن قيمتها كانت مجهولة" معناه أنه أعتقها بشرط أن تتزوج به 5، فوجب له عليها قيمتها ثم تزوجها 6 بها، فهيَ 7 غير معلومةٍ.
ويخرج من هذا، أن ما ادعاه أولاً من الاتفاق على أن فيه خاصية له - صلى الله عليه وسلم - ليس على ما قاله, لأن لنا وجهاً حكاه هو فيما بعد، وغيره أنه يجوز لغيره أن يتزوجها كذلك 1 إلا أن يكون القائل بذلك هنالك 2 غير 3 القائل به ها هنا 4، والله أعلم.
حديث (يا معشر الشباب) 5 ثابت في الصحيحين 6 من رواية ابن مسعود ولفظه الأشهر (من استطاع منكم الباءة فليتزوج) يقال فيه (الباه) بالها غير ممدود والباءة 7 بالتاء ممدوداً، وهو في اللغة، الجماع 8 وجعل 9 صاحب "البيان" 10 وبعض من تقدمه من الفقهاء، ها هنا
عبارة عن المهر، والنفقة 1، وحملها 2 على ذلك قوله: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) لأنه لو أريد به 3 الجماع، لصار تقديره "ومن لم يستطع الجماع فعليه بالصوم ومن لا يقدر 4 على الجماع فلا حاجة به إلى قطعه بذلك.
قلت: وهذا فاسد؛ لأنه ليس معناه، من لم يستطع الجماع لعجزه عن نفس الجماع، بل معناه ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن الطريق الموصل إليه، وهو المهر، والنفقة، فاعلم، والله أعلم.
وشبه 5 الصوم بالوِجاء الذي هو رضَّ خصيتي الفحل لقطع غائلة فحولته 6. والله أعلم.
7 قوله: (من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه، فليتق الله في الثلث الباقي) 8، رواه في الإحياء 9 (من تزوج فقد أحرز شطر دينه فليتق الله في الشطر
الثاني) وكلا الحديثين لم نجد له ثبوتاً 1.
وفسر هو في "الإحياء" 1 الثاني، بأن المفسد لدين المرأ في الأغلب فرجه، وبطنه، فإذا تزوج فقد أحرز (شطر دينه، لإحرازه إياه من إحدى الجهتين.
قلت: بل الوجه أن يجعل إحراز أحد) 2 الشطرين بإحراز الفرج والآخر بإحراز اللسان نظراً إلى ما ثبت من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: (من حفظ ما بين لحييه، وما بين رجليه دخل الجنة) 3
وأما قوله "فقد أحرز ثلثي دينه" فيحمل 4 على أنه جعل للفرج أكثر ما 5 لقسيمه الذي يقابله؛ لأن المعصية به أفحش، وعقوبتها أغلظ، وحكى إمام الحرمين 6 أن الثلث الباقي هو أكل الحلال، وهذا مثل ما ذكره تلميذه الغزالي، في الحديث الآخر، وهو على ما اخترته وقررته، وهو حفظ اللسان.
والله أعلم.
روى الشافعي - رحمه الله - في القديم 1 بإسناده أن عمر - رضي الله عنه - قال (لأبي الزوائد 2: ما يمنعك من النكاح، إلا عَجْزٌ، أو فُجورٌ).
فقول المصنف " [لن] 3 يمنع من النكاح" 4 بحذف كاف الخطاب غير معروف وبينهما تفاوت معروف، والله أعلم.
ما ذكره عن معاذ 5 - رضي الله عنه -، يوضحه ما روى عنه أنه توفيت زوجتاه 6 بالطاعون فقال: (وقد 7 ابتدأ به الطاعون، زوجوني 8 حتى لا
ألقى الله عزباً) 1. "ربع العادات من الإحياء" 2 هو بفتح العين جمع عادة، أي (المعتادات) 3. واختصار ما أحال عليه هنالك، أن النكاح فيه فوائد وآفات، ففوائده محصورة في خمس: وهو النسل، والتحصن بكسر 4 الشهوة، وتدبير أمر المنزل مع الاعتضاد بعشيرتها 5، وترويح القلب بالمعاشرة، والمحادثة 6 وأشباه ذلك، ومجاهدة النفس، ورياضتها برعاية الأهل، والقيام بهنَّ 7. وآفاته ثلاثة 8: التخليط في الاكتساب بسبب العجز عن كسب الحلال، والقصور [عن] 9 القيام بحقوقهنَّ، واحتمال اختلافهنَّ 10 والاشتغال عن الله تعالى بهنَّ، وبأولادهنَّ 11. وعند هذا فلينظر، فمن 12 وجدت في حقه هذه الفوائد كلها، أو بعضها، وانتفت عنه الآفات كلها فلا شك أن النكاح له أفضل.
ومن انتفت في حقه الفوائد، واجتمعت عليه الآفات، فالعزوبة له أفضل، وإن تقابلت الفوائد، والآفات في حقه على ما هو الغالب وقوعاً، فليزن الأمرين بميزان القسط، فإذا غلب على ظنه رجحان أحدهما، حكم بموجب الراجح.
1 والله أعلم.
حديث (تخيّروا لِنُطَفِكُمْ) 2 رويناه في كتاب "السنن الكبير" 3 للبيهقي عن عائشة - رضي الله عنها - وله أسانيد فيها مقال.
وأما حديث (وإياكم وخَضْراءَ الدِّمَن) 4 فرواه الواقدي 5 بإسناده عن أبي
سعيد الخدري، ويعد في أفراد الواقدي 1، وهو ضعيف.
"وخضراء الدمن" هي الشجرة الخضراء النابتة في مطارح البعر وهي الدِّمن بكسر الدال المهملة، وفتح الميم، واحدتها 2 "دِمْنة" 3 شبه بها المرأة الحسناء ذات النسب الفاسد، مثل أن تكون بنت الزنا.
والله أعلم 4.
(وحديث جابر) 5 في البكر 6 ثابت في الصحيح 7. ودونه في الثبوت حديث 8 (تزوجوا الوَدُودَ الولودَ) وهو حسن الإسناد رواه أبو داود
وغيره 1، من حديث معقل بن يسار 2 - رضي الله عنه -، وفي رواية (فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة).
وأما الحديثان بعده 3، فلم أجد لهما أصلاً معتمداً.
4 والله أعلم.
ومن سأل من المتفقهة، وقال: جمع المؤلف بين البكر والولود، فكيف يجتمع الوصفان؟ فهذا هَوش؛ لأن 1 كل خصلة من ذلك ملحوظة 2 على حيالها، والغرض بيان ترجحها على ضدها، فمن تعارض عنده بكر وثيب غير ولود ندبناه إلى البكر، ومن عرض له ثيب 3 ولود، وثيب 4 غير ولود ندبناه إلى ترجيح الولود.
والله أعلم.
قوله: "ضاوياًّ" بتشديد الياء 5 ودليله يشعر بأن ذات القرابة غير القريبة، في معنى الأجنبية، والأمر على ذلك، بل هي أولى من الأجنبية، والله أعلم.
ترك المؤلف - رحمه الله - أعلى المندوبات في ذلك: وهو ارتياد 6 ذات الدين، ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (تنكح المرأة 7 لأربع: لمالها, ولحسبها ولجمالها, ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) 8 وثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) 9.
ومن المندوبات: أن لا يتزوج إلا ذات عقل 1، وأن لا يتزوَّج المرأة إلا بعد بلوغها 2، نصَّ الشافعي 3 - رحمه الله -. ويستحب، أن لا يتزوج إلا من يستحسنها 4. قوله: "يُؤدم بينهما" 5 هو بضم الياء ثم بهمزة ساكنة، ثم دالٍ مهملةٍ مفتوحةٍ، أي يجعل بينهما الُمحَبَّةَ، والاتفاق 6. وهذا الحديث رويناه بأسانيد ثابتة لا بهذا اللفظ العام، بل بخطاب 7 خاص، وأن المغيرة بن شعبة 8 - رضي الله عنه -، أراد أن يتزوج امرأة فقال:
له 1 النبي - صلى الله عليه وسلم -: (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) 2 والله أعلم.
ما ذكره، من استحباب هذا النظر، هو قول أكثر أئمتنا 3، ومنهم من قصره على الإباحة 4، وهو متجه.
والله أعلم.
ما ذكره المؤلف في الوسيط 1 والوجيز 2 من أنه يقتصر على النظر إلى الوجه، غير صحيح، والصحيح نقلاً ومعنىً، أنه ينظر إلى الوجه والكفين، نص عليه الشافعي 3 والأصحاب 4.
وعلله بعضهم، بأن في الوجه ما يستدل به على الجمال، وفي الكفين ما يستدل به على خصب البدن ونعومته 5. والله أعلم.
"ويحرم المس كالنظر" 6 يستفاد منه، أنه لا يجوز للدّلاك في الحمام أن يدلك من تحت الإزار، بل يدلك من فوق الإزار 7.
8 قلت: وقد يحرم المسُّ مع حل النظر كما في وجه المرأة وكفيها عند الخطبة ونحوها.
والله أعلم.
قوله: في الأمرد (عند خوف الفتنة، "فالوجه الإباحة، إلا في حق من أحسَّ من نفسه الفتنة" 9 فيه إشكال، وكشفه أن خوف الفتنة ليس معناه، أن يغلب
على الظن وقوعها، بل يكفي في تحقيق الخوف، أن لا يكون المخوف نادراً بعيداً، فهذا بمجرده لا يوجب التحريم على هذا الوجه، فإن أحسَّ بالفتنة، أي غلب على ظنه وقوعها حرم النظر حينئذٍ ابتداءً كان أو عادةً، فيكون النظر إلى الأمرد بغير شهوة على ثلاث مراتب:
إحداها: أن يأمن الفتنة، فيجوز.
والثانية: أن يغلب على ظنه وقوع الفتنة، فلا يجوز.
والثالثة: أن يخاف مجرد خوف، من غير ظهورٍ وغلبة وقوعٍ، فلا يحرم على هذا الوجه الذي اختاره 1.
قلت: والصحيح خلافه، وأنه يحرم 2 كما في المرأة، فإن النظر إلى وجهها) 3 عند خوف الفتنة حرام قطعاً 4 كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
والأمرد بذلك أولى؛ لأنه 5 غير قابل للاستباحة أصلاً.
والحديث الذي ذكره 1 ضعيف (لا أصل له أصلاً 2 واحتجاجه بظهور المُرد بين الناس مكشوفين من) 3 غير تنقيب، غير صحيح؛ لأن سبب ذلك أنهم 4 لو منعوا (من ذلك لأضرَّ بهم إضراراً عظيماً؛ لكونهم من نوع الذكور المجبولين على أحوالٍ تنافي ذلك) 5 ولو ضرب عليهم الحجاب إلى أن يلتحوا، لفاتهم من تعلم الصنائع، والتحرج من 6 وجوه المصالح، وأسباب المنافع، وغير ذلك مما يتعذر عليهم تلافيه فكان تمكينهم من ذلك وإيحاب الغض على من يخاف الافتتان بهم متعيناً لما في ذلك من رعاية الجانبين.
وللمؤلف في هذا، في كتاب "الإحياء" 1 كلام خير من كلامه ها هنا، قال فيه: "كل من يتأثر قلبه بجمال صورة الأمرد، بحيث يدرك 2 في نفسه الفرق بينه وبين الملتحي - يعني من حيث الشهوة - فلا يحل له النظر".
ومقتضى هذا الكلام، تحريم النظر إلى الأمرد على كل من يخاف الفتنة، وعلى بعض من لا يخاف الفتنة، فاعلم.
والله أعلم.
ذكر 3 المؤلف، اضطجاع الرجلين في ثوب واحدٍ 4 وهكذا يكره مثل ذلك للمرأتين، وللمرأة وابنها , وللرجل وابنته المراهقين.
5
وقولنا: "في ثوب واحد" يفيد أنه يكره، وإن نام أحدهما في جانب من الثوب، والآخر في الجانب الآخر منه.
وأما ما ذكره صاحب "التهذيب" 6 من أنه يكره المعانقة دون المصافحة فقد ذكر ذلك شيخه، القاضي حسين 7 - رحمه الله - ونسب ذلك إلى أبي حنيفة 8 وقال: لم يذكر الشافعي هذه المسألة.
قلت: لكن مذهب الشافعي اتباع 1 الأثبت من الحديث، وما روي في تجويز معانقة الرجل الرجل إذا لم تكن مؤدية إلى تحريك شهوةٍ أثبت مما روي في النهي عنها، روينا في السنن الكبير 2 بإسناد جيد عن الشعبي قال: كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا التقوا صافحوا فإذا قدموا من سفر عانق بعضهم بعضاً).
3 والله أعلم.
قوله "وقيل: إنه لا يحل للمسلمة التكشف للذمية" 4 معناه أنها 5 لا تكشف لها إلا ما يجوز للأجنبي أن يراه منها، فإنها أجنبية في الدين.
وقيل: إن هذا هو الصحيح 6 خلاف ما صار إليه المؤلف، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ 7 فخص المسلمات، وكتب عمر إلى أبي عبيدة 8
- رضي الله عنهما - بالشام يأمر أن يمنع المسلمات من أن يدخلن الحمامات مع المشركات) أخرجه البيهقي 1. قال المؤلف: "وحمل الأصحاب النهي على الكراهة" 2. قلت: 3 حكايته لذلك عن الأصحاب عموماً غير مرضي 4 , لأن الخلاف منهم في التحريم (معروف ذكره الشيخ أبو حامد في "التعليق" 5 وأبو المعالي في "نهاية المطلب" 6 وغيرهما 7 وذكر بعض من ذكر الخلاف في التحريم) 8 وهو القاضي حسين، 9 وغيره 10 أن الكراهة ثابتة من غير خلاف.
ثم في "النهاية" وغيرها أن نفي التحريم هو الصحيح 1، وفي "التعليق" أنه نص الشافعي - رحمه الله - وضعف صاحب "الشامل" 2 الحديث الوارد في النهي بما لا يصلح موجباً لضعفه، وليس بضعيف، فقد أورد الحافظان 3 أبو أحمد بن عدي 4 وأبو بكر البيهقي 5 بإسناد جيد عن ابن عباس أن النبي، قال: (لا
ينظر أحد منكم 1 إلى فرج زوجته، ولا فرج جاريته إذا جامعها، فإن ذلك يورث العمي)، ثم قيل: إنه يورث العمي في الشخص الناظر.
وقيل: في الولد، فيولد أعمى 2، والأول أصح.
والله أعلم.
"المِهْنَة 3 الخدمة 4 بفتح الميم وبكسرها، وأبى الأصمعي 5 الكسر.
وقول المؤلف: "كالوجه، والأطراف" قصور عمَّا ذكره شيخه في "النهاية" 6 فإنه قال: "كالساق، والساعد، والعنق، والرأس، والوجه وفي بعض التصانيف نصف الساق، ونصف الساعد".
والله أعلم.
في الثدي طريقان: أحدهما 7: إلحاقه بمحل الوجه.
والثاني: إلحاقه بما يبدو في المَهنَة 8.
وأطلق المؤلف هذا الخلاف، وهو في "النهاية" 1 و"البسيط" 2 مقيد بزمان الرضاع دون غيره.
قوله "يحرم النظر إلى الأجنبية مطلقاً" 3 أي سواء فيه ما هو عورة وما ليس بعورة، سواء أمن من الفتنة، أو خافها، والتحريم عند خوف الفتنة مجمع عليه 4، وأمّا عند الأمن من الفتنة ففيه خلاف فيما ليس بعورة خاصةً، وهو الوجه والكفان جميعاً 5، وليس مقصوراً في الوجه كما ذكره المؤلف، والجواز حكاه شيخه 6 عن جمهور الأصحاب 7، والتحريم 8 عن طوائف منهم، قال: وإليه ميل العراقيين 9، والله أعلم.
قوله: "وكذلك لا يجوز للمخنَّث" 1 يتجه في قوله "كذلك" الكاف واللام.
"الهمّ"، بكسر الهاء وتشديد الميم هو الشيخ الفاني 2.
وقوله "حسما للباب" الأجود أن يقال: سداً للباب، فإن الحسم عبارة عن القطع 3، فيصير، كأنه قال: قطعاً للباب.
والله أعلم.
قوله "و 4 يجوز للممسوح" 5.
قلت: حكمه على هذا حكم الرجل المحرم 6 وهذا في الممسوح خاصَّةً فأمَّا المجبوب الذي لم تقطع خُصْيَاه، أو الخصي الذي ذكره باقٍ، فهو كالفحل 7.
وقد ذهب طوائف من أصحابنا، إلى أن الممسوح أيضاً كالفحل 8، وهذا أقوى؛ لأنه رجل يشتهي النساء.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ 9 فالأصح في تفسيره أنه المغفل في عقله
الذي لا يكترث للنساء، ولا يشتهيهنَّ، روينا ذلك عن ابن عباس 1 (وغيره) 2 - رضي الله عنهم - والله أعلم.
(ذكر بعض اللغويين الخراسانيين، إن هذا الجنس على ثلاثة أنواع:
ممسوح: وهو الذي قطع منه الذكر والخصيان جميعاً.
3
ومجبوب: وهو الذي قطع ذكره دون الخصيتين 4.
ومَخَصِيٌّ: وهو من نزعت خصياه 5) 6.
قلت: وقد يقال: للممسوح مجبوب ومخصي 7 وخصي أيضاً، ويلتحق بالخصي 8 المسلول، وهو الذي سُلَّت بيضتاه سلا 9 والله أعلم.
شرح ما ذكره الغزالي، في الطفل 10 وبسطه أن للصبي أحوالاً:
أحدها: أن لا يميز ولا تظهر فيه داعية الحكاية لما يراه، فهذا الذي قال: أولاً فيه لا يجب الإحتجاب عنه، يعني مطلقاً، لا في العورة ولا في غيرها 11.
الثاني: أن يظهر فيه داعية الحكاية، وذلك عند ظهور تباشير الفطنة فيه، قبل سن التمييز، (فهذا يجب ستر العورة عنه دون غيرها) 1.
الثالث: أن يتجاوز سن التمييز, وتحدث فيه أوائل الشهوة, ويظهر فيه التشوف إلى النساء، فهذا 2 كالرجل في وجوب الإحتجاب 3 قطع به في "النهاية" 4 و"البسيط" 5 من غير خلاف.
الرابع: أن يتجاوز سن التمييز, ويقارب البلوغ, ولكن لم يظهر منه التشوف إلى النساء، ففيه الخلاف المذكور 6.
وهذا الذي أوضحته مفهوم من المذكور في كتاب 7 "البسيط" 8 و"نهاية المطلب" 9 الذي هذه الكتب اختصاراً 10 له, نعم في غير هذه الطريقة ما يقتضي إجراء خلافٍ في القسم الثالث أيضاً حتى يكون على وجه كالمحارم في جواز النظر.
والله أعلم.