كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
و"وَبيصَ الطيب": بالصاد المهملة، بريقُه، ولمعانُه 1.
والمفارق: جمع مفرِق بكسر الراء، وهي وسط الرأس، حيث يتفرَّق الشعر يميناً وشمالاً 2، والله أعلم.
قوله 3: "وأمَّا تطييب ثياب الإحرام قصداً فيه ثلاثة أوجه" 4. الأصح منها الجواز 5.
وقوله: "قصداً 6 " فيه احتراز مما إذا طيَّب بدنه، فتعطَّر منه ثوبه، فذلك واقع ضمناً لا 7 قصداً، فلا بأس بلا خلافٍ 8، والله أعلم.
والأصح فيما لو نزعه، ثم عاد فلبسه بعد الإحرام، أنّه يلزمه الفدية 9، والله أعلم.
قوله في استحباب خضاب المرأة قبل الإحرام: "تعميماً لليد لا تطريفاً" 10.
أي لا تقتصر 1 على خضاب أطراف أصابعها 2، والله أعلم.
قوله: "ثم يحرم في مصلاَّه بعد السلام قاعداً، وقال في الجديد: لا يهل حتى تنبعث به راحلته" 3.
فالأول منسوب عنده وعند غيره إلى القديم 4، وهو مروي أيضاً عن "المناسك الصغير" من كتاب "الأم" 5، فإذاً فيه في الجديد قولان 6، وهو الأصح عند المؤلف، على ما أشعر به إيراده، وهو الأصح أيضاً عند طائفة 7، وهو مروي عن مالك 8، وأبي حنيفة 9، وأحمد 10.
لكن الأصح عند الأكثرين: أنّه لا يهل حتى تنبعث به راحلته 1.
قال الإمام أبو المعالي 2: "ليس المراد من انبعاثها ثورانها، بل المراد استواءها في صوب مكة".
قلت 3: قد جاء مفسَّراً في بعض روايات الصحيحين "حتى 4 تستوي به قائمة"، وتصحيح 5 هذا القول أصح؛ إذ ورد به أحاديث ثابتة في الصحيحين، (من حديث ابن عمر وغيره 6، والحديث الوارد بالآخر، لم يخرَّج في الصحيحين) 7، وهو مروي عن ابن عباس بإسناد
فيه ضعف 1.
وفي صحيح مسلم 2 من رواية ابن عباس (عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه أحرم حين استوت به راحلته) والله أعلم.
و 3 قولهم: "لبيك" التثنية فيه للتأكيد 4، ومعناه: إجابة مني لك بعد إجابة.
وقيل معناه: أنا مقيم على طاعتك إقامةً بعد إقامة.
وقيل معناه: إجابتي لك لازمة 1
و 2 قوله: "إن الحمد لك"، المختار: أنّه بكسر الهمزة، ومنهم من 3 يفتحها 4. والله أعلم.
و 5 قوله: "وإذا رأى شيئاً أعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة" 6.
هذا مستنده ما رواه الشافعي 7 - رحمه الله - بإسناده عن مجاهد 8، قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يظهر من التلبية "لبيك اللهم لبيك ... فذكر التلبية المعروفة -" قال: حتى إذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه، كأنه أعجبه ما هو فيه فزاد فيها
"لبيك إن العيش عيش الآخرة"".
هذا مرسل يصلح, لأن يعتمد في الفضائل مثل هذا الذكر 1، والله أعلم.23
القول الأصح 1: أنّه يلبي في كل مسجد 2، وأنّه لا يلبي في كل طواف 3، والله أعلم.
قوله: "يغتسل بذي طوى" 4. هو بفتح الطاء، ويجوز ضمها وكسرها، وهي بأسفل مكة في صوب طريق العمرة 5، وهذا لمن جاء على طريق مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن جاء من طريق غيرها اغتسل في غيرها 6، والله أعلم.
قوله: "يدخل من ثنيَّة كَدَاء بفتح الكاف، ويخرج من ثنيَّة كُدى بضم الكاف" 7.
و 8 الثنية: عبارة عن الطريق الضيقة بين الجبلين 9.
وثنية كَدَاء: بفتح الكاف والمد هي: بأعلى مكة ينحدر منها إلى المقابر التي هي بالموضع الذي تسميه العامة "المَعْلَى" على وزن المَوْلى 1، وإلى "المُحَصِّب" وهو الأبطح ممّا يلي طريق منى 2. وأمَّا ثَنِيَّة كُدى: هي بضم الكاف، والقصر، والتنوين وهي: بأسفل مكة إلى صوب طريق ذي طوى 3، وذكر بعض أئمتنا أن الخروج إلى عرفات يكون من هذه الثنيَّة السفلى أيضاً 4. وهناك موضع ثالث، يسمى "كُدَيَّاً" بضم الكاف، وفتح الدال، وثشديد الياء، وهو في طريق من يخرج من مكة إلى اليمن 5. اشتبه أمره على بعضهم، إذ وجده في الشعر مشدَّداً 6، فاعتقد غالطاً أن "كُدَى" التي هي الثنية السفلى مشدَّدة 7. والله أعلم.
قوله: "اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً .... إلى آخره" 1. رواه الشافعي 2 عن ابن جريج 3 عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو منقطع معضل.
وقوله: "اللهم أنت السلام ... إلى آخره" 4 رواه الشافعي 5 عن سعيد بن المسيب
من قوله.
واستجاز الاعتماد في ذلك تساهل 1، وهو مقام تساهل، والله أعلم.
ما ذكره من أنَّ من يدخل مكة للتجارة 2 يستحب له الإحرام "وفي الوجوب قولان" 3. قد سبق ذكره لهما.
وكلامه هذا يتضمن أن الاستحباب مقطوع به على القولين، كأنما الخلاف في الوجوب، وصرَّح بذلك في "البسيط" 4 فقال: "لا شك في الاستحباب، وفي الوجوب قولان".
وهذا لا يلائم تحقيقه وتحقيق غيره في علم الأصول؛ فإن جواز الترك داخل في حدِّ الاستحباب، والوجوب مأخوذ في حدَّه تحريم الترك، فمن أثبت الوجوب، فقد نفى الاستحباب بالضرورة، فالاختلاف في الوجوب إذاً اختلاف في الاستحباب.
ولما كان هذا واضحاً، نعلم 5 أن مثله لا يسهو عن مثله، طلبنا له عذراً، فوجدناه وهو: أنّه أراد بالاستحباب مطلق رجحان الفعل على الترك، جرياً على أصل الاصطلاح اللغوي، أو اصطلاح بعض الفقهاء، وذلك موجود في الوجوب، والله أعلم.
"ثم إذا أوجبنا، فترك، ففي وجوب القضاء قولان" 6.
وقال غيره، وغير 1 شيخه 2 وجهان 3:
أصحهما - وهو المشهور -: أنّه لا يجب 4؛ لما ذكره 5.
والثاني: يجب 6، ويكون قصده بدخوله 7 في العود 8 القضاء 9، وهو يفارق دخول الأداء من حيث إنّه يكفي فيه مطلق إحرام 10 عن نذر، أو قضاء، أو غيره، ويكون دخوله للقضاء مانعاً من اقتضائه إحراماً آخر، كما إذا دخل بحج، أو عمرة، والله أعلم.
(الأصح في العبد إذا أذن له سيِّده في الدخول بإحرام: أنّه لا يلزمه 11، كما في الجمعة، والله أعلم) 12.
قوله: "قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام" 13. فقد 14 روي بمعناه عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروي 15
موقوفاً على ابن عباس من قوله 1، والموقوف أصح، والله أعلم.
المذكور في هذا الكتاب، وكثير من الكتب في كيفيَّة الطواف وشبهه 1 فيه ما يخفى على من لم يحج، ولم يشاهد 2، وقد اعتنيت بإزالة هذا المحذور بإشباع الوصف، والإيضاح المزيح 3 للبس في كتابنا كتاب "صلة الناسك في صفة المناسك"، ولم يصنَّف في المناسك مثله، والعلم عند الله.
الأصح فيما إذا استقبل البيت بوجهه في طوافه: أنه لا يصح 4، والله أعلم.
قوله فيمن حاذى الحجر في ابتداء طوافه ببعض بدنه، واجتاز 5: "فيه وجهان" 6، كذا قال شيخه 7، وإنما هما قولان منصوصان نقلهما كثيرون 8:
الجديد: أنه لا يعتد بطوافه تلك 9. والقديم: أنه يعتد 10، والله أعلم.
شاذَرْوَان الكعبة 11، ويذكر عن الشافعي بألف بعد الشين، (وبغير
ألف) 1، وهو القدر الذي تُرك من عَرْض الأساس الأول خارجاً عن عرض جدار الكعبة 2 لما جدَّدت قريش بنائها فبقي خالياً من البناء مع كونه جزءاً من البيت 3. وسمَّاه المزني 4: تأزير البيت، ويقرأ 5 بزائين معجمتين بمعنى التأسيس، هكذا ضبطه المصنِّف في الدرس، وكذلك ضبطه غيره 6، وهذا على إبدال السين زاياً, ويقرأ 7 بالزاي 8 المعجمة، والراء المهملة مأخوذ من لفظ الإزار 9، والله أعلم.
إذا طاف ويده في هواء الشاذروان، وباقي بدنه خارج قال: "صحَّ على الأظهر" 1.
والأصح الذي عليه أكثر أئمتنا، ومعهم شيخه 2: أنه لا يصح 3؛ لأن الشرط أن يكون بجميع بدنه خارجاً من البيت طائفاً به، والله أعلم.
قوله 4: "فيدور على محوط الحِجر؛ لأن ست أذرع من محوط الحجر كان من البيت، فأخرج منه لما قصرت 5 النفقة" 6 يعني من الحلال الطيَّب.
هذا مشكل من حيث إنه حكم أولاً بأنه لا يطوف في شيء من الحجر أصلاً بل خارجاً منه، ثم علل بما يقتضي جواز طوافه داخل الحجر خارجاً عن مقدار ست أذرع منه.
ووجه الانفصال عن هذا الإشكال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وسائر الناس أجمعين لم يطوفوا إلاَّ خارجاً من الحجر جميعه 7، وتجنبوا دخول شيء منه احتياطاً، وحذراً من الغلط في إدراك مقدار الست الأذرع منه، ولو أنه تحقق مقدار الست الأذرع ودخل وطاف وراءها جاز ذلك عند صاحب الكتاب 8، وشيخه 9،
وشيخ شيخه 1 مع كونه مكروهاً 2. فالحكم أولاً بأنه يطوف بجميع الحجر صحيح على إطلاقه، وأن البعض على الوجوب، والبعض على الندب عنده، ومستندهم في هذا ما رواه مسلم في صحيحه 3 عن عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أن ست 4 أذرع من الحجر، من البيت).
وكذلك قطع صاحب "بحر المذهب" 5 بصحة طواف من طاف في الحجر وراء الست الأذرع - وزاعم 6 نصَّ الشافعي بعد نقله له على خلافه.
وذهب إلى أنه يصح طوافه وراء سبع أذرع 7، ما رواه مسلم 8 في إحدى 9 رواياته 10 عن عائشة (أن من الحجر قريباً من سبع أذرع من البيت) وهذا يوجب استيفاء السبع.
والصحيح المعتمد الذي قطع به غير واحد من الأصحاب، وهو مذهب الشافعي رحمه الله: أنه يجب الطواف بجميع الحجر وراء جداره 11، قال في
"مختصر المزني" 1: "فإن طاف فسلك 2 الحجر، أو على جدار الحجر، أو على شاذروان الكعبة لم يعتد به".
وذكر ذلك في "الأم" 3 أيضاً، وقال: "كان في حكم من لم يطف".
وإنما حمل أولئك على مخالفة نصِّ إمامهم مع نقلهم له، وتجنبهم مزاعمته من غير تأويل، عدم إطلاعهم على ما ورد في ذلك من الحديث كما ينبغي، وها نحن نبيِّن صحة ما نصَّ عليه الشافعي، فنقول: لا خلاف في أنه - صلى الله عليه وسلم - طاف من وراء جدار الحجر 4 فقط.
وثبت في الصحيحين 5 من حديث عائشة رضي الله عنها (إن الحجر من البيت) وهذا يتضمن كون جداره منه، فإنَّ 6 جدار الدار من الدار.
وأما تعيين أذرع منه فقد اضطربت فيه الروايات عنها رضي الله عنها؛ فروي (ست أذرع)، وروي (ست اذرع أو نحوها)، وروي (خمس أذرع)، وروي (قريباً من سبع أذرع)، وروي (أن الحجر من البيت) 1 كما قدَّمنا، وعند هذا يتعيَّن الأخذ بالأكثر؛ لما ورد 2 فيه من التفصي عن العهدة 3 بيقين 4. ولغير 5 ذلك والحمد لله على ما كشف من الغطاء، وأجزل من العطاء، وهو أعلم.
القول الأصح: عدم وجوب ركعتي الطواف 6، وأمَّا الطواف المسنون 7 ففيه طريقان:
منهم: من قطع بالنفي 1.
ومنهم: من طرد القولين 2، فعلى هذا لا نقول: إنه واجب فيه، بل نقول 3: هو شرط فيه 4، وهذا على ما أشار إليه المصنَّف.
والأصح (فيه، وفي أمثاله) 5 أن يقال: هو ركن فيه، وكأنه على هذا القول شوط 6 من أشواط 7 الطواف، ولا يقال: هو واجب، ولا هو شرط فيه 8، وقد حققنا الكلام في نحو هذا في كتاب الصلاة 9، والله أعلم.
قوله في نية الطواف في الحج، أو العمرة: "فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها تشترط؛ لأنه في 10 حكم عبادة، وإن كان ركنًا" 11. يعني في حكم عبادة مستقلة؛ فإنه يجوز إفراده.
"والثاني: أنها لا تشترط؛ لأن وقوعه ركناً بعد الوقوف متعيَّن" 1. معناه: أنه يتعيَّن وقوعه عن نفسه ركناً في حجه، فتكفي نيَّة 2 الحج أولاً المستصحبة في جميع أركانه، وليس ذا من قبيل التعيين في صوم شهر رمضان؛ لأن النسك من شأن من كان 3 عليه فرضه عن نفسه، يتعيَّن 4 ما يأتي به 5 منه 6 لنفسه، ولو صرفه إلى غيره لم ينصرف، ووقع عن نفسه، بدلالة حديث شبرمة 7، هذا 8 لنفسه 9. قوله على وجه التفريع على هذا الوجه: "حتى لو طاف في طلب غريم أجزأه" 10. والصحيح الوجه الثالث: أنه لا تشترط فيه النيَّة، لكن لو صرفه بالقصد إلى أمر آخر، قطع حكم النيَّة الأولى المستصحبة 11. ونظيره: إذا نوى في أثناء وضوئه بغسل بعض أعضائه التبرد، أو نحوه، والله أعلم.
قوله: "الثانية: الاستلام، وهو أن يقبَّل الحجر" 1. ما أدري كيف وقع هذا، إنما الاستلام مسُّ الحجر باليد بلا خلاف بين الناس، وهو مشتق من السَّلام بكسر السين، وهو الحجر 2. وقيل: بل من السَّلام 3 بفتح السين، الذي هو التحيَّة 4، والتقبيل يقع بعد الاستلام، والله أعلم.
قوله في الركن اليماني: "لأنه الباقي على قواعد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وعلى نبينا أكمل الصلاة والسلام - من جملة الأركان" 5 يعني بعد الركن الأسود الذي فيه الحجر الأسود، فإنهما جميعاً على قواعد أساس 6 إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وعلى نبينا.
قوله 7: "وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: إن الحجر الأسود ليأتي يوم القيامة له لسان ذَلَقٌ يشهد لمن قبَّله" 8.
الذَّلقُ حِدَّة اللسان 9. والذي نعرفه 10 في هذا، ما رويناه في "السنن
الكبير" 1 للحافظ أبي بكر البيهقي بإسناده عن ابن عباس قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ليبعثنَّ الله الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحقًّ).
رجال إسناده ثقات على شرط مسلم في صحيحه، والله أعلم.
لفظ "الاضطباع" 2 مأخوذ من الضَّبْع افتعال منه، وقلبت التاء طاءً لمكان الضاد، وذلك لكونه يجعل وسط ردائه على ضبعه، والضَّبع هو العضد 3، وقيل: هو ما بين الإبط إلى نصف العضد 4، وقيل: هو وسط العضد 5، والله أعلم.
قوله 6: "إنه 7 يديم هذه الهيئة إلى آخر السعي، وقيل: إلى آخر
الطواف" 1 هذا هو الصحيح 2.
ومعناه: أنه يستديم الاضطباع في الأشواط السبعة، وإن كان الرمل مقصوراً به على الثلاثة الأول، وهذا مقطوع به من غير خلاف 3، ثم إنما يتركه في ركعتي الطواف، فإذا فرغ منهما أعاده في حالة السعي 4، والله أعلم.
قوله: "الرَمَل: هو السرعة في المشي مثل الخَبَب، أو دونه" 5. إنما الرمل هو السرعة في المشي مع تقارب الخطى من غير 6 وُثُوب، وهو خَبَب، وليس
دونه 1، وقد جاء في بعض الأحاديث مسمى بالخَبَب 2، وغلَّط شيخه الإمام أبو المعالي 3 أبا بكر الصيدلاني في قوله: إن الرمل دون الخبب 4، والله أعلم.
القول الأصح: إن الرمل في الثلاثة الأُوَل، وهو في جميع المطاف من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود 5؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم 6 من حديث ابن عمر، وجابر - رضي الله عنهم -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك).
وهذا مرجَّح على ما رواه ابن عباس من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الرمل بين الركن الأسود والركن اليماني، وأمر أصحابه بذلك؛ لأن المشركين كانوا جلوساً مما
يلي الحِجر - بكسر الحاء - إبقاء عليهم 1. 2 لأن هذا وإن كان صحيحاً فهو متقدَّم، كان في مقدمِهِ مكة وهي بيد المشركين معتمراً 3، وما رواه ابن عمر وجابر رضي الله عنهما كان في حجة الوداع، فهو متأخر ناسخ، وقد أورد المصنِّف حديث ابن عباس بمعناه، لا بلفظه، والله أعلم.
قوله: "وهذا وإن كان على سبب، فقد 4 بقي مع زوال السبب تبركاً بالتشبيه به، كما قيل: إن سبب رمي الجمار رمي إبراهيم - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم - للحجارة إلى ذبح استعصى عليه، فصار ذلك شرعاً، ومبنى العبادات على 5 التأسي" 6.
هذا فاسد؛ إنما كان ذلك الرمي للشيطان - أعاذنا الله منه -، وذلك معروف، روينا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعاً قال: (لما أتى إبراهيم خليل الله عليه الصلاة والسلام المناسك، عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض 7، ثم عرض له في 8 الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات 9 حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له في الجمرة الثالثة،
فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم تتبعون" 1.
و 2 قوله: "مبنى العبادات على التأسي" غير مرضي؛ لأن هذا النوع من التأسي نادر في العبادات، والله أعلم.
قوله: "اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً" 3 (تقديره: وذنبي ذنباً مغفوراً) 4، وكذا نحوه مما بعده، والله أعلم.
القول الأصح عند القاضي أبي الطيِّب الطبري 5، وغيره 6: أن شرط استحباب الرمل والاضطباع كونه طوافاً يعقب 7 السعي، ولا يشترط وصف القدوم 8.
والأصح عند صاحب "التهذيب" 1: أنه يشترط كونه طواف قدومٍ فقط 2، والأول أقوى عند الأكثر، والله أعلم.
قوله في طواف المحمول: "فالحركة الواحدة تكفي للمحمولين، ولا تكفي للحامل والمحمول" 3. قد حكى شيخه 4 إجماع أئمة المذهب على هذا 5، والسبب فيه: أن ما أوضحه وهو أن فعله حركة واحدة، (إنما يقع 6 من جهة واحدة) 7، إمَّا عن نفسه، وإمَّا عن غيره، ويمنع أن يقع 8 مع اتحادها 9 عن جهة غيره، وجهة نفسه، وإنما في المحمولين ففعله إنما وقع عن 10 جهة واحدة، وهي 11 جهة غيره، ولا أثر لتعدد ذلك 12 الغير، واتحاده 13.
وقد ذكر صاحب "التهذيب" 1 في الحامل والمحمول وجهاً 2 أنه يقع عنهما 3، وهو متجه.
ذكر التهليل الذي يذكر على الصفا على اختصار، ثم قال: "فإذا فرغ من الدعاء نزل" 4، هذا يتضمن ما صرَّح به غيره 5، من أنه يدعو بعد الذكر المذكور، فلا ينبغي أن نحمله على أنه سمَّى التهليل دعاء كما جاء في التهليل المعروف يوم عرفة، والله أعلم.
وقوله: "حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين هما بفناء المسجد وحذاء دار العباس" 6. اعلم إن هذين الميلين ليسا من جهة واحدة، بل أحدهما عن يمين الساعي عندما هو آتٍ من الصفا إلى 7 المروة، والآخر عن شماله، فالذي عن يمينه ملصق بدار العباس 8 - رضي الله عنه -، والثاني وهو الذي عن شماله ملصق بباب المسجد، وهو باب الجنائز، وبينهما عرض السوق.
وقوله: "يحاذيهما" معناه: يتوسطهما، إذا عرفت هذا، فنقول 1: وقوله 2 "وحذاء دار العباس" غير صحيح، وينبغي أن يسقط عنه 3 كلمة "وحذاء"، والله أعلم.
قوله 4: "كل ذلك مأثور عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولاً، وفعلاً" 5، أي منه ما روي أنه قاله، ومنه ما روي أنه فعله.
وقوله: "رب اغفر وارحم إنك الأعز الأكرم" هو من قول ابن عمر رضي الله عنهما، رواه صاحب "السنن الكبير 6 "، ولم يصح 7 رفعه، والله أعلم.
قوله: "السعي ليس عبادة في نفسه، فلا يكرر كالوقوف" 8 معناه: أنه ليس عبادة بانفراده وإنما هو تابع، ولهذا لا يشرع الإتيان به إلا في ضمن أحد النسكين، بخلاف الصلاة، والطواف 9، والله أعلم.
قوله 1: "ولو تخلل بين الطواف والسعي الوقوف بعرفة 2 بأن 3 طاف للفدوم، ولم يسع، ثم وقف بعرفة، وأراد أن يسعى قبل طواف الإفاضة؛ ليكون سعيه تبعاً لطواف القدوم" 4، فالأصح: أنه لا يجوز ذلك، بل عليه أن يسعى عقيب طواف الإفاضة 5، والله أعلم.
ذكر أنه إذا طلعت الشمس عليهم بمنى ساروا إلى الموقف، وخطب بهم الإمام بعد الزوال، ويصلي بهم الظهر والعصر جمعاً 6، قال: "ثم يروح إلى عرفة" 7، إنما قال هذا؛ لأن ما سبق ذكره من الخطبة والصلاة تقع في المسجد الذي يسمى "مسجد إبراهيم" 8 - صلى الله عليه وعلى نبينا محمَّد وسلم -، وليس من عرفات 9.
وذكر الشيخ أبو محمَّد الجويني في "مناسكه" 1، وابنه الإمام في "نهايته" 2: أن مقدَمه 3 من وادي عُرنة - بضم العين - لا من عرفات، ومؤخره من عرفات، ويتميَّز ذلك من هذا 4 بصخرات كبار مفروشة هناك.
وهذا مخالف لإطلاق الشافعي رحمه الله إن هذا المسجد ليس من عرفات 5، فلعله زِيد فيه بعده القدر الذي ذكره الجويني، وهذا المسجد بينه وبين المكان الذي وقف فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدر ميل 6، والله أعلم.
ووادي عُرنة المذكور، هو بضم العين، وبالنون 7، وإليه ينتهي أحد حدود عرفات 8، وفي كتابنا في المناسك في حدود عرفات وتفصيلها كلام شاف عزيز 9، ولله الحمد وهو أعلم.
قوله: "قال - صلى الله عليه وسلم -: أفضل ما دعوت 1، ودعاء الأنبياء قبلي يوم عرفة "لا إله إلا الله وحده لا شريك له") 2، رواه مالك الإمام 3، ولفظه: (أفضل الدعاء [دعاء] 4 يوم عرفة، وأفضل ما قلت 5 أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)، ولكن إسناده مرسل، ورواه بهذا اللفظ الترمذي في جامعه 6 عن
عمرو 1 بن شعيب عن أبيه 2 عن جده 3 عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وزاد فيه (له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير).
ويحكى أنه قيل لسفيان بن عيينة 4: إن هذا ثناء وليس بدعاء، فقال: أما سمعت قول الشاعر 5:
إذا أَثْنى عليك المرءُ يوماً ... كَفاهُ من تعرُّضِهِ الثَّناءُ 6
قوله: "قال في القديم: الوقوف راكباً أفضل؛ تأسياً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليكون أقوى على الدعاء، وقال في الأم: الراكب والنازل سواء" 1.
المراد بالنازل: النازل الواقف قائماً على قدميه، لا الجالس، فاعلم ذلك.
وفي تعليل القول الأول إشارة إلى ذلك.
وقوله في القديم 2 هو أيضاً 3 قوله 4 في "الإملاء" 5.
قال صاحب "البحر" 6: "قال أصحابنا: هو أصح"، والله أعلم.
الدلالة 7 على أن الحضور 8 بعرفة مع الغفلة أو 9 النوم مجزي 10 من 11 حديث عبد الرحمن بن يَعْمُر الديلمي 12 أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (الحج
عرفات، فمن أدرك ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك 1 بما أتى 2) أي 3 أدرك عرفات ليلة العيد.
رواه الترمذي والنسائي 4، والله أعلم.
الفرق بين النائم حيث صحَّ وقوفه بعرفة 5، وبين المغمى عليه حيث لم يصح 6: أن النائم بمنزلة اليقظان، فإنه إذا نُبَّه انتبه، والمغمى عليه أقرب إلى المجنون منه إلى النائم.
وفيه وجه: أنه يصح منه 7، كما في الصوم، وفي النائم وجه أنه لا
يصح منه 1، بناه صاحب "البحر" 2، وغيره 3 على وجه غريب، وهو أن كل ركن من أركان الحج يفتقر إلى نيةٍ مستأنفةٍ، لتفاصل الأركان فيه 4، والله أعلم.
أصح القولين 5: أن الجمع في الوقوف بين الليل، والنهار مستحب، غير واجب 6؛ لأنه لم يشترط في حديث عروة بن مُضَرِّس 7 إلا إتيان عرفات ليلاً، أو نهاراً 8، والله أعلم.
الأصح أنه يستوي في الجمع المذكور 1 بين الصلاتين المسافر والمقيم؛ لعلة 2 النسك 3، والله أعلم.
الأصح فيما إذا غلطوا، ووقفوا اليوم الثامن أنه يلزمهم القضاء 4.
وقوله في تقريره: "إن ذلك نادر (لا يتفق) 5 إلا بتوارد شهادتين كاذبتين في شهرين" 6. هذا عضلة من العضل 7 الموصوفة، وأحد مثارات الخبط، من حيث إن المتبادر إلى الفهم منه: أن الغلط في اليوم الثامن لا يتفق إلا بتوارد شهادتين كاذبتين، ومعلوم أنه ليس كذلك؛ فإنه يتفق بشهادة واحدة كاذبة، تشهد برؤية هلال ذي الحجة لتسع وعشرين، مع أن الشهر تمام 8 ثلاثون، فيتقدمون بيوم، ويقع اليوم التاسع في حسابهم في الثامن،
هذا ظاهر غير 1 خاف، وكنا نمشيه ولا يتمشى حتى كأنما نضرب 2 في حديد بارد.
حضرت يوماً في رحلتي إلى خراسان 3 - حرسها الله تعالى وسائر بلاد الإسلام وأهله - مع 4 ابن الوجيه النوقاني الطوسي 5 - رحمه الله - في مدرسته بنيسابور 6، وكان أحد المفتين بها، وتمَّم "المحيط" لمحمد بن يحيى 7 في شرح
الوسيط، ثم عاد واستأنف من أول الوسيط، فشرح الكتاب كله شرحاً اجتزأ فيه ببسط ما هو مختصر في الشروح، من غير تنقيب عن المشكلات، وكشف عنها، وهذا هو الغالب في 1 شروح الشارحين، فذاكرته بذلك بعد أن علقت مما 2 كان علَّق من لفظ المصنَّف فيه في الدرس من خطَّ تلميذه 3 عنده 4، ولا بيان فيه لذلك أيضاً، فلم يحضره في الحال جواب، وقال: قد كان 5 شرحته في الشرح، وقام وأتى بشرحه، وإذا فيه التنبيه على أن ذلك ليس عائداً إلى الغلط في سنة الأداء، بل إلى الغلطين 6 في شهرين من السنتين: سنة الأداء، وسنة القضاء.
فإذاً قوله "إن ذلك نادر 7 " إشارة إلى ما قاله قبله في 8 الغلط في 9 العاشر، من قوله "لأنه لا يؤمن من وقوع مثله في القضاء 10 القابل 11 " 12 فتعجبت 13 من شدة وضوحه بعد شدة خفائه.
وقلت بعد تغليطه 1: سبحان الله العظيم، الذي بيده الخواطر، ينوَّرها إذا يشاء، ويعجزها إذا يشاء سبحانه، وكنا نقيِّد أمثال هذا بالكتابة، ولذلك حكيت ما حكيت بعد طول العهد، ولله الحمد، والله أعلم.
(القول الأصح: إن المبيت بمزدلفة واجب مجبور بالدم 2، والله أعلم) 3.
وادي مُحَسِّر 4: وهو بكسر السين المشددة، وهو مسيل ما بين المزدلفة ومنى 5. وقيل: إنه من منى 6. وسمَّي بذلك فيما قيل؛ لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي أَعيى وكلَّ 7، والله أعلم.
قوله: "فإذا وافى منى (بعد طلوع الشمس رمى جمرة العقبة" 8.
كان ينبغي أن يقول: فإذا وافى منى) 9 رمى بعد طلوع الشمس جمرة العقبة، والله أعلم.