كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المحرم من الميقات بمجرد كونه قدَّم على إحرامه و 1 دخل 2 مكة غير محرم، أو قطع مسافة القصر وراء الميقات غير محرم ولا أصل لذلك، والله أعلم.
إذا أحرم دون الميقات، ثمّ عاد إليه محرماً ففيه وجهان 3:
أحدهما: لا دم عليه 4 قال صاحب "البحر" 5: "وهو الصحيح، وظاهر المذهب"، وهذا على طريقة صاحب الكتاب، مخصوص بما إذا عاد قبل دخول مكة، وقبل مسافة القصر، كما فصل فيما سبق.
وعند الجمهور قالوا: إذا عاد قبل التلبُّس بِنُسكٍ، وفي نسك هو سنَّة خلاف عندهم 6، والله أعلم.
قوله 7: "لو أحرم قبل الميقات، فهو أفضل قطع به في القديم، وقال في الجديد: يكره، وهو متأول، ومعناه أن يتوقى المخيط والطيب 8 من غير إحرام" 9.
هذا حاصله يرجع إلى طريقة منقولة لبعض أصحابنا، وهي: أن الأفضل أن يحرم قبل الميقات قولاً واحداً 1، وهي طريقة ضعيفة 2، والطريقة الصحيحة المشهورة: أن في ذلك للشافعي قولين منصوصين في الجديد 3:
أحدهما: نصَّ عليه في "الإملاء" أن الأفضل أن يحرم من دويرة أهله.
والثاني: أن الأفضل أن يحرم من الميقات، نصَّ عليه فيما رواه المزني في "الجامع الكبير" 4، ورواه البويطي 5. ثمّ إن نقله عن الجديد أنّه يكره الإحرام قبل الميقات، اَتبع فيه الفوراني 6، ولا يعرف عن غيره 7، ونسبه صاحب "البحر" 8 إلى بعض أصحابنا بخراسان، وإياه - والله أعلم - أراد، ثمّ قال: "وهذا غلط ظاهر".
قلت: الذي وجدته من لفظه في الجديد، كراهة ما ذكره 9 في التأويل من التجرد من المخيط (مصرِّحاً به) 10، لا كراهة الإحرام قبل الميقات، بل فيه الإنكار على من كره 11 الإحرام قبل الميقات 12، والله أعلم.
ثم إن صاحب "البحر" 1 ذهب إلى أن الأصح أنّه 2 من دويرة أهله 3. و 4 ليس كذلك، بل الأصح أن الأصح أنّه من الميقات أفضل 5؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - إنّما أحرم من ذي الحليفة 6، ولم يحرم من المدينة، ومسجده، وهكذا فعل الصحابة، وجماهير العلماء 7. وأمّا احتجاجهم بحديث أم سلمة أنّها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من أهلَّ بحجة، أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام 8 غفر له ما
تقدَّم من ذنبه، وما تأخر، أو وجبت له الجنة) شك من الراوي أيتهما قال، رواه أبو داود وغيره 1.
فأقول: ينبغي أن يسلَّم ذلك في هذا خاصة 2؛ لاختصاصه بمزايا عديدة.
وأمّا احتجاج صاحب الكتاب بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من تمام الحج 3 والعمرة أن يحرم بها من دويرة أهله) فهذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مروي بإسناد
ضعيف 1، وإنّما هو عن عمر وعلي من قولهما، رواه الشافعي وغيره عنهما 2، والله أعلم.
القولان المذكوران 3 فيمن يريد دخول مكة، ممن لا يتكرر دخوله 4، هل يلزمه الإحرام لدخولها؟.
أظهرهما عند صاحب الكتاب: أنّه لا يلزمه 5، وكذلك هو عند الشيخ أبي محمَّد الجويني 6، والشيخ أبي حامد الأسفراييني في آخرين 7.
وعند البغوي، وطائفة الأظهر اللزوم 1، وهذا أقوى، وراجعت في الجديد، فوجدت فيه، من نقل عدم الوجوب عن ابن عمر 2، والوجوب عن ابن عباس 3، ورجَّح قول ابن عباس 4، وقال: "مما لم يحك لنا عن أحد من النبيين، والأمم الخاليين 5 أنّه جاء إلى البيت قط إلا حراماً، ولم يدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة إلا حَرَاماً إلا في حديث الفتح".
والله أعلم.
قوله في المقيم بمكة: "الأفضل 6 أن يحرم من باب داره، أو في المسجد" 7 "أو" ههنا ليست للتخيير، بل للتردد بين القولين، وأظهرهما أن يحرم من باب داره 8، والله أعلم.
وقوله: "فيما إذا أحرم من الحلِّ فهو مسيء، فيلزمه الدم، أو العود إلى مكة" 1 ليس على التخيير، بل "أو" فيه من قبيل "أو" التي هي للتقسيم، والتفصيل، فيلزمه 2 العَوْدَ، فإن لم يعد فعليه الدم 3 على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
ما ذكره من الوجهين في أن ميقاته هو: الحرم، أو خِطَّة 4 مكة 5، أصحهما أنّه نفس مكة 6؛ للحديث المتفق على صحته 7، من رواية ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (حتى أهل مكة يهلُّون منها)، والله أعلم 8.
(ذكر أن) 1 أفضل مواقيت العمرة الجِعْرَانَة، ثم التنعيم 2 (وقد اعتمرت عائشة - رضي الله عنها - منه) 3 تمامه بأن يقول: بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك 4.
قوله: "وبعده الحديبية" 5 احتجَّ (في "البسيط") 6 بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - همَّ بالإحرام منها بالعمرة فصدَّ.
وهذا لا يصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وردها بعد أن أحرم 7 بالعمرة من ذي الحليفة روى ذلك البخاري في صحيحه 8.
وإنما دليله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل بأصحابه بها، ليدخل إلى مكة بعمرته التي أحرم بها من ذي الحليفة، فتميَّزت بذلك عن البقاع التي لم 1 يوجد فيها مثل ذلك 2. والمذكور في هذا الكتاب من أن أفضلها: الجِعْرانة، ثم التنعيم، هو 3 مذهب الشافعي 4 - رحمه الله -، وأمّا الذي ذكره صاحب "التنبيه" 5 من أن أفضلها التنعيم، فليس بصحيح، لا من حيث المذهب، ولا من حيث الدليل 6، والله أعلم.
والجِعْرَانة 1، هي بكسر الجيم، وإسكان العين من غير تشديد على الراء (ومن أهل الحديث من نقل بكسر العين، وتشديد الراء 2) 3، والأول هو الصحيح، وهو قول الشافعي 4، وغيره 5 من أهل اللغة.
وهكذا الحُدَيْبية 6 هي عندهم بتخفيف الياء الأخيرة، وعند بعض أهل الحديث بتشديدها 7، والله أعلم.
أصح القولين في المعتمر إذا لم يخرج إلى الحل 8، أنّه تصح عمرته، ويلزمه دم 9، لما ذكره 10، والله أعلم.
ومن الباب الأول: في المقاصد
قوله في القارن: "تكون حاله حالة 1 الحاج المفرد" 2، يعني في صورة الأفعال، لا في الحكم.
قوله: "في إدخال العمرة على الحج 3 قولان" 4.
إن الأصح منهما - وهو الجديد - أنّه لا يجوز 5، والله أعلم.
وإن جوَّزنا فأصح الوجوه الأربعة 6: الأول: أنّه 7 يجوز 8 ما لم يشتغل بعمل ولو 9 بطواف القدوم 10، والله أعلم.
قوله في المتمتع: "يلزمه دم 11 لأمرين: أحدهما: ربحه أحد الميقاتين، إذا أحرم بالحج من جوف مكة" 12.
ليس المراد 1 بهذا كونه ترك في إحرامه من مكة الميقات المعيَّن للأفقي 2 (من المواقيت الخمسة، فإن هذا موجود في المفرد؛ فإنّه يحرم بالعمرة من أدنى الحل، ولا يخرج إلى الميقات المعيَّن للآفاقي) 3، وإنّما المراد بالميقاتين اللذين ربح المتمتع أحدهما: الميقاتان اللذان يحرم المفرد منهما بحجة وعمرة 4. والمفرد هو 5 يحرم بالحج من ميقات الأفقي، وبالعمرة من أدنى الحل، فالمتمتع يربح أحد الميقاتين، في أحد النسكين، لكونه يحرم 6 من جوف مكة 7، ولا يخرج إلى أدنى الحل، ولا إلى الميقات المعيَّن للآفاقي 8، والله أعلم.
قوله 9: "الأمر الثاني: زحم الحج في أشهره بالعمرة" 10.
معناه، وشرحه: أن أشهر الحج في أصل الوضع، لم يكن تشغل 11 إلا بالحج، ولا يزحم الحج 12 في أيامه بالعمرة، فأرخص في التمتع بإيقاع العمرة
في أشهر الحج، بسبب أن الغريب الأفقي كان يَرِدُ مكة قبل عرفة بأيام، وكان يعسر عليه مصابرة الإحرام بالحج في تلك المدة، ولا سبيل 1 له إلى أن يجاوز الميقات غير محرم، فيجوز له أن يحرم منه 2 بالعمرة، ويبقى بعد فراغه منها بمكة حلالاً إلى أن يحرم بالحج في 3 جوف مكة 4، ثم 5 إن هذين الأمرين مجموعهما هو الموجب 6 للدم 7، والله أعلم.
إذا وضح هذا فالذي ينبني 8 على 9 الأمر الثاني من شروط 10 التمتع هو 11: وقوع 12 الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، و 13 (وقوع الحج) 14، والعمرة في سنة واحدةٍ، ووقوع النسكين عن شخصٍ واحدٍ.
والذي انبنى 15
منها على الشرط الأول: أن لا يعود إلى الميقات لإحرام الحج.
وأن لا يكون 1 من حاضري المسجد الحرام 2؛ لأنّه إذا عاد، أو كان من حاضريه 3، فلم يترك الميقات، وهذا ظاهر فيمن كان من أهل مكة، فإن المتمتع المكي لا يخالف المفرد المكي في الميقات، بل كل واحد منهما يحرم بالعمرة من أدنى الحل، ويحرم بالحج من جوف مكة 4.
وأمّا من كان موطنه من مكة على مسافة لا تقصر فيها الصلاة 5، فإنّه ليس كذلك، بل إذا كان مفرداً فعليه أن يحرم بالحج من موطنه، ولو تجاوزه غير محرم فعليه دم الإساءة 6، ثم إذا اعتمر من مكة فعليه الخروج إلى أدنى الحلِّ، وإذا كان متمتعاً فإنّه يحرم بالعمرة من موطنه، ويحرم بالحج من جوف مكة 7، فإن كان رابحاً ميقاتاً فهو كالأفقي.
فهذا إذاً مشكل جداً، وقد فَزَعَ إمام الحرمين 1 في ذلك إلى الإحالة على التعبد 2، وما ادَّعاه يستدعي ورود نصٍّ يثبت به قول الشافعي أن من كان 3 مسكنه من مكة على ما دون مسافة القصر، فهو من حاضري المسجد الحرام، ومن لنا بذلك 4.
ولعل السبب في ذلك، أن من كان على ما دون مسافة القصر من مكة، فهو في حكم أهل مكة في أشياء كثيرة، فلم تكن إساءته بترك الإحرام من ميقات خارجٍ من الحرم 5، مثل إساءة البعيد الأفقي، فلم يلتحق به في إيجاب الدم الذي هو على خلاف الأصل، والله أعلم.
أمّا الشرط السادس: وهو نيَّة التمتع 6، فلا يختص بواحد من الأمرين، وفي كلامه إشارة إلى ذلك، والله أعلم.
قطع أن 7 المسافر الأفقي إذا جاوز الميقات غير مريدٍ للنسك، فلما دخل مكة عنَّ له أن يعتمر، ثم يحج، ففعل ذلك، لم يلزمه الدم 8،
ذهاباً منه إلى أنّه صار من الحاضرين، وأنّه لا يشترط في ذلك 1 الإقامة 2. وهذا شذوذ لا يعرف، وكأنه من تصرفه، فإنّه ليس 3 في "البسيط" 4، و"النهاية" 5، وغيرهما 6، وكلام الشافعي 7، وكلام أصحابه فيما علمنا 8، مشتمل على اعتبار الإقامة في الحاضر المذكور، وذلك الذي لا ينبغي غيره، فإن لفظ "الحاضر" يقتضيه، وقد ذكر عقيبه 9 "فيما إذا عنَّ له ذلك على أقل من مسافة القصر من مكة، فأحرم بالعمرة، ثم حج وجهين" 10، في أنّه هل 11 يلزمه الدم 12. ولا فرق بين الصورتين، بل ينبغي أن يجريا فيهما جميعاً، فإنّه لا يتقرر ما صار إليه من الفرق بينهما.
والأصح منهما عند إمام الحرمين 1 إيجاب الدم 2، فإنّه يسمَّى متمتعاً، ولا يسمَّى من حاضري المسجد الحرام، والله أعلم.
الوجهان المذكوران 3 فيما إذا اعتمر قبل أشهر الحج، ثم حجَّ من جوف مكة، هل عليه دم الإساءة؟ أصحهما: أنّه لا يلزمه 4، والله أعلم.
إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، وأتى بأفعالها في أشهر الحج، قال: "ففي كونه متمتعاً وجهان" 5، وهكذا قال شيخه 6، وإنّما هو قولان معروفان 7: فإن 8 أحدهما: قاله في القديم، و"الإملاء" أنّه متمتع 9.
والثاني: قاله في "الأم" 1 - وهو أصحهما - أنّه غير متمتع 2، والله أعلم.
قوله: "ولو عاد إلى ميقاتٍ أقرب من الميقات الأول، ففي سقوط الدم عنه تردد" 3 يعني وجهين، وتسمية ذلك تردداً مع أن كل واحد من الوجهين، قد جزم به قائله ولم يتردد، وجهه ما سبق منا ذكره، وهو أنهما إنما خرَّجا ذلك على أصل المذهب 4، فيقع في أصل المذهب تردد في أنّه على وفق أيهما هو، ولا ينبغي عند هذا أن يقول: هذا الأمر لم يتبين 5 عنده الصحيح من الوجهين.
ثم 6 إن عند القفال وآخرين: الصحيح سقوط الدم 7؛ لأنّه قد أحرم بالنسكين 8 من ميقاتين خارجين عن الحرم، فلا يبقى في معنى المتمتع، والأصل عدم وجوب الدم، والله أعلم.
1 الصحيح، وما عليه الأكثر: أنّه لا يشترط في التمتع 2 وقوع النسكين عن شخص واحد 3، والله أعلم.
قوله: "ودم الإساءة يخالف دم التمتع، في صفة البدل، وفي 4 أنّه يعصي ملتزمه 5، ويجب عليه تداركه عند الإمكان" 6.
أمّا صفة البدل: فبدل دم التمتع: صيام الثلاثة والسبعة 7، وبدل دم الإساءة بترك الميقات ونحوه 8: الإطعام، ثم الصيام بالتعديل 9
المعروف 1.
وأمّا العصيان: فتارك الميقات يأثم لتركه واجباً، والمتمتع لا يأثم.
وأمّا وجوب تداركه عند الإمكان فمعناه: أنّه يلزمه العود إلى الميقات، ليحرم منه، بخلاف المتمتع فإنّه لا يلزمه ذلك 2، فإن الصادر منه لا يخرج عن كونه جائزاً أو مستحباً، والله أعلم.
(ويضاف إلى هذه الفروق) 3: الأصح أنّه لا يشترط نيَّة التمتع 4؛ لأن الأمرين اللذين هما مناط التمتع 5، يوجدان بدون النيَّة، وأشهر الحج وقت قابل
للنسكين، ولا كذلك في 1 الجمع بين الصلاتين، فإن الوقت مخصوص بأحدهما، لا يجوز فيه الأخرى إلا على جهة الجمع، وقد يفعل فيه لا على وجه الجمع، الذي 2 ينبني عليها جواز الفعل، فافتقر إلى النيَّة تحقيقاً للجهة 3، والله أعلم.
قوله: "والثاني: يتمادى إلى آخر إحرام العمرة" 4.
كان ينبغي أن يقول: إلى آخر أعمال العمرة؛ لأن ما بعد أولها لا يسمَّى إحراماً، والله أعلم.
ذكر أن المتمتع إذا أحرم 5 بالحج خارجاً من 6 مكة، يلزمه دم الإساءة مع دم التمتع، ولا يكفيه دم التمتع؛ لتعدد السبب، من حيث إن دم التمتع "لزحمة إحرام 7 الحج عن الميقات، (ودم الإساءة لمفارقته مكة، وهي ميقاته" 8.
فقوله "لزحمه إحرام الحج عن 9 الميقات) 10 ". كلام مشكل غير مذكور في "البسيط" 11 و"النهاية" 12، وشرحه: أن قوله "عن الميقات" معناه: من
الميقات، واستعارة "عن" بمعنى "من" جائز لغةً 1، ويكثر استعمال العجم له، فالمراد إذاً: أن دم التمتع واجب بسبب مزاحمة الحج الذي يحرم به من ميقاته الذي هو نفس مكة في أشهره 2 بالعمرة، فهذا مستقل بإيجابه، فإذا أضاف إليه ترك الإحرام بالحج من ميقاته مكة، فهذا سبب لوجوب الدم، زائدٌ على سبب الدم الأول، فوجب أن يجب به دم آخر، فكأن في قوله "من ميقاته" زيادة إشعار بتغاير السبب وتعدده، والله أعلم.
الأصح عندهم أن الإفراد أفضل الوجوه 3، وعليه نصَّ في عامَّة 4 كتبه 5. وقال: "وفيه قول إن المتمتع 6 أفضل من الإفراد؛ لاشتماله على الدم" 7، إنما مستند هذا القول: الحديث 8.
وأمّا ما ذكره، فهو مستمد من مذهب أبي حنيفة: أن دم التمتع، والقران نسك 1، وعندنا هو جبران 2، (ولا يعترض عليه؛ فإنّه) 3 - يلزم أن يكون القران أفضل من الإفراد 4، وليس ذلك قولاً للشافعي؛ لأنّه 5 إنما تمسك باشتمال المتمتع على الدم، والتمتع فيه تعدد العمل، وهذا المجموع لا وجود له في القران، والله أعلم.
(ولا يعترض 6 عليه فإنّه) 7 - قال: "وحكي قول آخر، أن القران أفضل من 8 التمتع" 9 هذا الإيراد صورته يقتضي إثبات طريقة في المسألة: أنها على الأقوال الثلاثة المذكورة، ولا صائر إلى ذلك.
وإنما فيها طريقان:
أحدهما: أن القران مؤخر عن الإفراد والتمتع قولاً واحداً 10، وفي الإفراد
والتمتع قولان أيهما أفضل 1؟ وهذه الطريقة هي المشهورة.
والثانية: طريقة الفوراني 2، أن الإفراد مقدم 3 على التمتع والقران قولاً واحداً 4. وإنما اختلف القول في أن التمتع أفضل من القران، أو القران أفضل من التمتع فعلى قولين، واستبعد إمام الحرمين 5 هذه الطريقة، والله أعلم.
باب ما على المتمتع
أصح القولين 1: جواز إراقة دم التمتع قبل الإحرام بالحج 2، وبعد فراغه من العمرة 3، لما ذكره 4، والله أعلم.
وأصح الوجهين على هذا: أنّه لا يجوز قبل التحلل من العمرة 5؛ إذ لا بدَّ من تمام أحد السببين كتمام النصاب في تعجيل الزكاة.
قوله: "فيما إذا أخَّر صيام الثلاثة عن أيام 6 التشريق، يلزمه القضاء، خلافاً لأبي حنيفة، وخرَّج ابن سريج قولاً يوافق مذهب أبي حنيفة" 7.
وجهه على بعده 8: بأنّه في حكم رخصة علَّقت بالسفر، وحقه أن يكون في السفر، فإذا فات لم يقض 9، وذكر صاحب "البحر" 10 أنّه يسقط على هذا إلى
الهدي، ويستقر الهدي في ذمته 1، وبه قال أبو حنيفة 2، إلا أنّه يقول: يلزمه دم آخر للتأخير، ولا يلزمه ذلك على تخريج ابن سريج، وذكر أنّه خرجه مما قال الشافعي 3: إذا مات عقيب الإحرام بالحج بعد وجوب الصوم عليه، ففيه قولان: أحدهما: لا يلزمه شيء.
والثاني: يلزمه الهدي، والله أعلم.
قوله في صوم الأيام السبعة: "أول وقتها الرجوع 4 إلى الوطن" 5، وهو رواية المزني 6، وحرملة 7.
وقوله في التفريع 8 عليه: "هل يجوز في الطريق بعد التوجه إلى الوطن؟ فيه وجهان" 9، قد صرَّح صاحب "البحر" 10 في نقله هذا القول بأنّه يصومها إذا رجع إلى أهله واستقرَّ، وهذا القول هو الصحيح 11. وفي 12 حديث ابن عمر -
رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (فمن لم يجد هدياً، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعةً إذا رجع إلى أهله) رواه البخاري ومسلم في صحيحهما 1. وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما (... ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ 2 إلى الأمصار) رواه البخاري في صحيحه 3، والله أعلم.
وقول المصنِّف: "وللشافعي قول: أن المراد بالرجوع هو الرجوع إلى مكة، وقول آخر: أن المراد به الفراغ من الحج" 4.
هذا يتضمن أنّه على قول الرجوع إلى مكة، يصومها قبل طواف الوداع، (وعلى القول الثالث: لا يصومها إلا بعد طواف الوداع) 5.
وقد قال بعضهم: قول الرجوع إلى مكة، هو قول الفراغ من الحج؛ وذلك 6 أنّه نصَّ 7 في "الإملاء" على أنّه يصوم السبعة إذا رجع من حجه بعد كمال مناسكه 8.
فقال البغداديون من أصحابنا العراقيين: مذهبه في "الإملاء" أنّه يصومها إذا رجع إلى مكة بعد فراغه من مناسكه، ورميه، سواء أقام بمكة، أو خرج منها 1، وهذا مروي 2 عن مالك 3، وأبي حنيفة 4، وأحمد 5، والله أعلم.
القديم: أنّه يجوز صيام الثلاثة، في أيام التشريق 6، وهو مذهب مالك 7، وإليه ميل الشيخ أبي محمَّد الجويني 8، وأبي بكر البيهقي 9.
والجديد: أنّه لا يجوز، والمعروف أنّه الصحيح 10.
وينبغي أن يكون الصحيح هو القديم؛ إذ صحَّ عن عائشة، وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: "لم يرخَّص في 1 أيام التشريق أن تصام، إلا من لم يجد الهدي" أخرجه البخاري في صحيحه 2. وقد تقرر: أن الصحابي إذا قال: "رخِّص في كذا وكذا" فحكمه حكم المرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما في قوله "أمر بكذا" و"نهي عن كذا" 3. وقد روي ذلك مصرَّحاً به خارج الصحيح عن ابن عمر أنّه قال فيه: "رخَّص (رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" 4، وما ورد في النهي عن صوم أيام
التشريق 1) 2 مطلقاً، فهذا في حكم المستثنى عنه، ولفظ الرخصة يشعر به، والله أعلم.
قوله: "وإن فاتت الثلاثة، حتى رجع إلى الوطن، فعليه عشرة أيام" 3 ليس رجوعه إلى الوطن شرطاً في ذلك، وإنما هي صورة فرضها، وذلك أن فوات الثلاثة يحصل بمضي يوم عرفة 4 إن لم يجعل أيام التشريق قابلة لصومها، وإن جعلت قابلة فيفوت بمضيِّها 5.
ولو أخَّر بعد مضيِّها طواف الزيارة فلا بأس؛ فإنّه لا أمد لآخر وقته، ويكون بعدُ في الحج، ومع ذلك لا يقع صوم الثلاثة فيه أداء، ولا يحكم بكونه مراداً بقوله 6 تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ 7؛ لأن ذلك محمول على
الغالب المعتاد، وهذا بعيد نادرٌ، هذا هو الصحيح 1، وفيه وجه 2، والله أعلم.
هل يجب التفريق بين الثلاثة، والسبعة في القضاء؟ فيه قولان، وقيل وجهان: الأصح منهما عند إمام الحرمين 3، وجماعة: أنّه لا يجب 4؛ لأن التفريق كان من أجل الوقت فسقط بفواته، كالتفريق بين الصلوات المكتوبة يسقط بفواتها 5.
و 6 الصحيح عند الروياني - صاحب كتاب "البحر" 7 - أنّه يجب، وذكر أنّه المنصوص، وقول الأكثرين من أصحابنا 8، وغلَّط من قال: لا يجب، واحتجَّ بأن هذا تفريق يتعلَّق بالفعل دون الوقت؛ لأنه قيل له: صم ثلاثة قبل فراغك
من الحجَّ، وصم السبعة بعد رجوعك 1 (إلى الوطن) 2 فهو كتفريق أفعال الصلاة، وترتيبها لا يسقط بفوات (وقت الصلاة) 3، والله أعلم.
قوله: "إذا قلنا يجب التفريق، فهل يكفي التفريق بيوم؟ فيه وجهان" 4. وإنما هو قولان منصوصان، وأصحهما أنّه يتقدَّر بقدر التفريق الواقع في الأداء 5، وذلك ينبني على القولين في جواز صيام الثلاثة في أيَّام التشريق، وعلى القولين في معنى الرجوع، فليتم من ذلك أربعة أقوال، كما أن الخارج من ضرب اثنين في اثنين أربعة، ولم يذكر المصنِّف غير 6 واحد، وترك الأوجه 7 الباقي اكتفاءً بما نبَّه عليه من قاعدتها، وهو المفرَّع على جواز صومها في أيَّام التشريق، وعلى أن معنى الرجوع: الفراغ من الحجَّ.
وهذا 8 ينشأ من 9 أن لا يتخلل بينهما في الأداء إفطار، فعلى الأصح من الوجهين: لا يجب التفريق بينهما في القضاء أيضاً 10.
وقيل: يفرَّق بينهما (يوم 1، وإن كان التفريع على القول بأن التفريق (يكون على قدر التفريق الواقع في الأداء.
والثاني: أنّه يفرِّق بينهما) 2 - بمقدار مدَّة يمكنه السير فيها إلى وطنه على الغالب المعتاد، بناء على جواز 3 صوم أيَّام التشريق، وتفسير الرجوع بالرجوع إلى الوطن 4.
والثالث: التفريق) 5 بينهما بأربعة أيَّام، ومدة إمكان المسير إلى الوطن بناءً على امتناع صوم أيَّام التشريق، وأن الرجوع هو الرجوع إلى الوطن 6.
والرابع: التفريق بأربعة أيَّام فقط بناء على امتناع) 7 صومها، وأن الرجوع هو الفراغ من الحجَّ 8، والله أعلم.
أقوال الكفَّارة في أن المعتبر فيها بحالة الأداء، أو بحالة الوجوب 9.
ذكر صاحب "التهذيب" 1 أن أصحها أن الاعتبار بحالة الأداء 2، كما في الصلاة، والله أعلم.
"إذا مات المتمتع بعد الإحرام بالحجِّ، وقبل فراغه منه" 3. فالصحيح في "البسيط" 4، وغيره: أنّه لا يسقط الدم، بل يُخرج من تركته 5، والله أعلم.
قوله في أحد الأقوال، في المعسر إذا مات في الوطن 6 بعد التمكن من الصوم: "أنّه يرجع إلى الدم ان أمكن" 7.
فقوله: "إن أمكن" غير مذكور في "النهاية" 8 و"البسيط" 9 وغيرهما 10، ولا ينبغي هذه اللفظة 11؛ فإنها توهم أن وجوب هذا الدم مقيَّد بالوجدان
واليسار به 1، وليس كذلك؛ فإنّه 2 ههنا بَدَلٌ من الصوم المستقر في الذمَّة، مع العجز عن الدم، فيكون 3 ثابتاً في الذمَّة، كالديون، وإن لم تكن 4 له تركة، إلى أن يؤدي 5 عنه متبرع، والله أعلم.
ومن الباب الثاني في أعمال الحج
َّ
قوله: "يحرم ويتزيَّا بزيِّ المحرمين" 1. لا يتوهم منه أنّه يحرم، ثم يتزيَّا، فإنّه يقدِّم التزي والتجرد عن المخيط، على الإحرام، وعلى ركعتيه 2، والله أعلم.
قوله في عرفات: "ويفيضون منها عند الغروب" 3. إنما المأمور به أنهم يفيضون منها بعد الغروب 4، والله أعلم.
وقوله: "فيرمون، ويحلقون، ويذبحون" 5 الذبح مقدَّم على الحلق 6، والله أعلم.
قوله: "الإحرام عندنا 7 مجرَّد النيَّة" 8. لم يذكر ما ينويه، والذي ينويه هو: الدخول في الحجَّ، أو العمرة، أو فيهما، والتلبس به، والحصول في محرماته 9، وسمَّي إحراماً لهذا؛ لأنّه يقال: أحرم إذا دخل في حالة يحرم عليه فيها شيء، محرم 10 وأحرم أيضاً 11 إذا دخل الحرم 12، فافهم ذلك فإنّه يشكل، وقلَّ من أوضحه، والله أعلم.
إذا أحرم بالعمرة قبل أشهر الحجَّ، ثم أدخل الحج عليها بعد أشهر الحجَّ، ففيه وجهان:
الصحيح عند المصنِّف: المنع 1، وكذلك هو عند الشيخ أبي علي السنجي 2، وحكاه عن عامة الأصحاب.
وعند القفَّال المروزي 3، وإمام الحرمين 4 الأصح: الجواز 5 6، وبه أفتى صاحب "الشامل" 7 في كتابه، وهذا أقيس، وأقوى، والله أعلم.
قوله في الإهلال، بالإهلال كإهلال فلانٍ على الإبهام: "إذ أهلَّ عليٌّ بإهلال كإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" 8. هذا ثابت في الصحيحين 9 عن جابر بن
عبد الله (أنَّ عليَّاً - رضي الله عنه - قدم من سعايته، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: بما أهللت؟ قال: بما أهلَّ به النبي - صلى الله عليه وسلم -).
وهذا قد يقول القائل فيه: إنّه يحتمل أن يكون قد أحرم بالحج معيَّناً، واتفق موافقته لإحرام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن حديث أبي موسى الأشعري 1 (أنّه لما قدم، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: بما أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: أحسنت) أخرجاه في الصحيحين 2، لا يتطرق إليه ذلك الاحتمال، وهو ظاهر الدلالة على المدَّعي، والله أعلم.
ذكر الوجهين فيما إذا أحرم بمثل إحرام زيدٍ، وهو عالم بأن زيداً لم يكن محرماً 3. وأصحهما - ولم يذكر أكثرهم غيره - أنّه ينعقد إحرامه مطلقاً 4، كما في صورة الجهالة، والله أعلم.
إذا كان زيد قد أحرم مطلقاً، (ثم عيَّن، ثم أحرم هذا بمثل إحرامه.
فأظهر الوجهين أنّه ينعقد إحرام هذا مطلقاً) 1؛ نظراً إلى نفس إحرام زيدٍ أولاً، والله أعلم.
ذكر فيمن شكَّ بعد ما طاف، هل كان قد أحرم بحجٍ أو عمرة؟ أنّه لا يكفيه القران، بل 2 طريقه أن يسعى، ويحلق، ثم يبتدئ إحراماً بالحج، فإذا أتمه بريء من الحج، ولا يبرأ من العمرة؛ لاحتمال أن الأول كان حجَّاً 3. هذا على قولنا: إنّه لا يجوز إدخال العمرة على الحج، وإن جاز فلا يجوز بعد الطواف 4.
أمَّا إذا قلنا: يجوز بعد الطواف، فيبرأ من العمرة أيضاً، ويكفيه القران في براءته من العمرة من غير أن يتحلل بالسعي، والحلق 5، ويكون ذلك طريقاً في براءته من أحد النسكين (كما أن الطريق الذي ذكره، إنما هو طريق في براءته من أحد النسكين) 6 لا عنهما 7، والله أعلم.
ثم ذكر الأظهر: أنّه يؤمر بالحلق المذكور دفعاً لضرر فوات الحج؛ فإنّه يفوت لو لم يحلق 8. هذا على قولنا: إن الحلق نسك 9 يتوقف عليه التحلل عن العمرة، فإنّه إذا لم يحلق لم يحصل التحلل إن كان في نفس الأمر معتمراً،
فيكون بإحرامه بالحج مدخلاً للحج على العمرة بعد الطواف، وذلك غير جائز.
أمَّا إذا قلنا: إنّه استباحة محظور 1 فالتحلل يحصل بدونه.
والأظهر عند الأكثرين: أنّه لا يؤمر بالحلق 2 على ما شرحه.
وما اختاره صاحب الكتاب أقوى 3، والله أعلم.
قوله 4: "قالت عائشة: طيَّبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف، ورأيت وبيصَ الطيب 5 في مفارقه بعد الإحرام" 6. ما فيه ذكر وَبيصَ الطيب حديث منفصل عمَّا قبله، فهما حديثان منفصلان في روايات الصحيحين 7، وروايات الشافعي 8، وغيرهما 9.