كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ِّ
ما ذكره هو وغيره 1 من كون الإسلام شرطاً في وجوب الحجِّ ونحوه 2، مشكل على أصلهم، وما هو المعروف من مذهبنا في أصول الفقه: من أن الكفَّار مخاطبون بالفروع، معاقبون عليها 3.
ولقد حكى لي 4 بعض المشايخ الأكابر فتنةً شاهدها جرت 5 في ذلك بين بعض الفقهاء، وبين البَرَوِيِّ 6 البارع في النظر، وكان تلميذاً لتلميذ الإمام الغزالي رحمهم الله وإيَّانا.
فأقول - والله الموفَّق -: الوجوب الذي نفيناه ههنا غير الوجوب الذي أثبتناه في أصول الفقه؛ وذلك 7 إنا نقول: يجب على الكافر الحجُّ بشرط تقديم
الإسلام، وإذا تركه عوقب عليه؛ لكونه تركه مع التمكن من القيام به بشرطه، ولا يجب عليه الحجِّ مع استمراره 1 على الكفر، لعدم تمكنه منه مع استمراره كما نقول في المحدِث: يجب عليه الصلاة بشرط تقديمه الوضوء، ولا 2 يجب عليه مع استمراره على الحدث، ومتى أطلقوا الكلام بالنفي، أو الإثبات فالمراد ذلك بهذين القيدين، والله أعلم.
قوله: "وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في تفسير الاستطاعة: أنها زاد وراحلة" 3.
كان ينبغي أن لا يقول: "قال"، ويقول: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه حديث ضعيف، ضعَّفه الشافعي 4، وغيره من أهل الحديث 5، روي من حديث ابن عمر وأنس وغيرهما 6، بأسانيد ضعيفة، والله أعلم.
"المَحْمِل" 1: الذي يركب الحاج وغيره عليه، وهو بفتح الميم الأولى، وكسر الميم الثانية، على مثال مجلس، وقياسه 2. ومثل قولهم: ما على فلان مَحْمِل أي معتمد، ذكر ذلك صاحب "صحاح اللغة" 3، وغيره 4. = وأمّا من حديث أنس فرواه الدارقطني 2/ 216، والحاكم 1/ 609، والبيهقي في الكبرى 4/ 540، وابن الجوزي في التحقيق 2/ 113، عن علي بن العبَّاس حدثنا علي بن سعد بن مسروق الكندي ثنا أبو زائدة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس به.
قال الحاكم: "هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه" ووافقه الذهبي، وخالفه البيهقي فقال - بعد أن علَّقه من طريق سعيد بن أبي عروبة به: "ولا أراه إلا وهماً" ثمّ ساق إسناده إلى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال: "فذكره مرفوعاً مرسلاً" ثمّ قال: "هذا هو المحفوظ عن قتادة عن الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً"، وكذا قال النووي في المجموع 7/ 53، وابن حجر في التلخيص 2/ 321، وغيرهما.
وأمّا من حديث غيرهما: فقد روي موصولاً من طريق جماعة آخرين من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم: ابن عباس، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وغيرهم، ولكن قال الحافظ ابن حجر في آخر تخريجه له -: "وطرقه كلها ضعيفة، وقد قال عبد الحق: إنَّ طرقه كلها ضعيفة، وقال أبو بكر بن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسنداً، والصحيح من الرويات رواية الحسن مرسلة".
انظر: البدر المنير ص: 127 - 145، والتلخيص الحبير 2/ 221، وإرواء الغليل 4/ 160 - 167.
وأمّا المحمل بكسر الأولى، وفتح الثانية: فهو علاقة السيف التي يتقلَّد بها 1، والله أعلم.
قوله 2: "وأمّا الزاد: فهو أن يملك كذا وكذا" 3.
هذا لا يصلح تفسيراً للزاد، وإنما هو تفسير للقدرة 4 على الزاد، وذلك مراده، والله أعلم.
ما ذكره من الوجهين في اعتبار نفقة الإياب في حقِّ الغريب 5 - يعني المستوطن: أصحهما: أن ذلك يعتبر 6، وفي "بحر المذهب" 7 أنّه ظاهر المذهب، أنّه 8 نصَّ عليه في "الإملاء"، والله أعلم.
الوجهان المذكوران في لزوم 9 صرف رأس مال التاجر في نفقة الحج 10، - أي التاجر الذي لا معيشة له إلا من التجارة، وإذا صرفه 11 لم يبق له ما
يتجر به - أصحهما عند القاضي أبي الطيِّب الطبري 1، في طائفة: ما 2 حكي عن ابن سريج أنه لا يلزمه ذلك 3؛ لأنّه يلحقه ذلك بالفقراء، والمساكين، وضرره عظيم، ذكر ذلك 4 وحكاه صاحب "بحر المذهب" 5، وذكر أن صاحب "الحاوي" 6 ذكر أن قول من قال: إنّه يلزمه هو مذهب الشافعي، وجمهور أصحابه 7، قال: وقال أبو حامد: هذا هو المذهب، ولا أعرف ما حكي عن ابن سريج عنه، ولا أجده في كتبه، وهو خلاف الإجماع أيضاً.
وذهب صاحب "البحر" بعد حكايته 8 هذا إلى أن الصحيح هو أنّه لا يلزمه.
قلت: وهذا هو الظاهر، وبه قال أحمد 9، وهذا يبطل دعوى كونه مخالفاً للإجماع، والله أعلم.
ما ذكره أنّه يجب عليه الشراء مع الغلاء بثمن المثل في الوقت، ولا يجب إذا كان لا يباع إلا بغبن 10. يتصور بأن لا يجد ذلك إلا عند من يقول مثلاً: لا أبيعه إلا بزيادةٍ على ثمن مثله الآن، والله أعلم.
الخلاف في وجوب الحجِّ فيما إذا كان في الطريق بحر 1، مخصوص بما إذا لم يكن له طريق في البر، والأظهر من ذلك أنّه 2 إن كان الغالب الهلاك لم يلزم، وإن كان الغالب السلامة لزم 3، وهذا مذهب أبي حنيفة 4، وأحمد 5.
وحكى صاحب "البحر".
6 عن صاحب "الحاوي" 7: أن المذهب أنّه إن كانت عادته ركوب البحر، ومعيشته به لزمه، وإلا فلا.
ثمّ إذا لم نوجب فتوسط البحر، وتساوى المضي والرجوع في الخطر، فالأصح أنّه الآن يجب 8. والله أعلم.
ما ذكره من أن المرأة كالرجل في الاستطاعة، لكنها 9 عورة فتحتاج 10 إلى
محرم 1، تضاف 2 إليه، وإلا في ركوب البحر فإن الخلاف فيها فيه 3 مرتب على الخلاف في الرجل، وأولى بأن لا يجب عليها 4، وإلا في المَحْمِل فإنّه يعتبر في حقِّها مطلقاً بخلاف الرجل على ما لا يخفى وجهه، ذكره غير واحد 5، والله أعلم.
ثمّ إنّه لم يذكر 6 إلا المحرم، ولا شكَّ أن الزوج في ذلك كالمحرم.
وقوله: "نسوة ثقات" 7 اشتراط العدد منهنَّ، وهذا غير القول المحكي أنه تكفي امرأة واحدة 8.
وما قاله القفال 1 من أنّه يعتبر أن يكون مع واحدة منهنَّ محرم 2. الأصح خلافه، وأنّه لا يعتبر ذلك 3؛ لأنهنَّ إذا كنَّ عدداً تيسَّرت 4 أمورهنَّ بدون ذلك، والله أعلم.
قوله: "لو وجد بَذْرَقَةً بأجرةٍ" 5 أي خُفَارَة 6 تخفره، وهي لفظة أعجميَّة معرَّبة، تقال: بالدال المهملة، والذال.
وقوله في توجيه وجه الوجوب: "لأنه من جملة 7 أُهْبة الطريق" معناه: أن المبذرق 8 من أُهَبِ الطريق كالدابة، وهذا الوجه أقوى وأظهر 9، والله أعلم.
ولما ذكر شروط الاستطاعة (الأربعة وهي: الزاد، والراحلة، وأمن الطريق، وصحة البدن.
وفصَّلها قال: (هذه أركان الاستطاعة) 1 2، فاستدرك عليه الشيخ أبوالقاسم الرافعي 3 عَصْرِيُّنَا في شرحه للوجيز 4، في تركه شرطاً خامساً، وهو أن يبقى زمان يتمكن من السير فيه لإدراك الحج - السير المعتاد من غير حاجة أن يزيد فيه على المعهود زيادة 5 شاقةً متعبةً - وذكر أن الأئمة جعلوه شرطاً في وجوب الحجِّ 6، وليس الأمر في ذلك على ما قاله؛ فإن ذلك شرط استقرار الحجِّ في ذمته، حتى يجب عند موته أداؤه من تركته كما صرَّح به من بعد هذا في أحكام الاستطاعة، وليس شرطاً لأصل وجوب الحج، فإنّه إذا وجدت الاستطاعة من المسلم، البالغ، العاقل، الحرِّ، وجب عليه الحج في الحال، بمعنى: أنّه يجب عليه الشروع في مقدماته، وهذا كالصلاة، فإنها تجب
بأول الوقت قبل مضي (زمان يسعها.
ثمّ استقرارها في الذمَّة يتوقف على زمان يسعها) 1 ويمكنه فعلها فيه 2، والله أعلم.
قوله: "وأمّا أحكامها ثلاثة" 3 4 هذا غير مرضي؛ فإن 5 ما ذكره حكم شرائط الوجوب الخمس التي سبق ذكرها وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحريَّة، والاستطاعة، لا حكم الاستطاعة وحدها، ثمّ إن فيما جعله من أحكامها ما هو حكم حكمها، والله أعلم.
"العَضْبُ" 6: بفتح العين المهملة، وإسكان الضاد المعجمة: الزَمَانَةُ، والمعضوب الزَّمِن الذي لا حراك به 7، والله أعلم.
ذكر فيمن استطاع، وتمكَّن ولم يحج حتى مات: "أن الظاهر أنّه يلقى الله عاصياً؛ إذ جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة" 1.
وهذا هو الصحيح عنده في "البسيط" 2 إذا لم يعص لم يتحقق معنى الوجوب.
والذي نصره في "مستصفاه" 3 في الأصول: أنّه لا يعصى 4، وقال في تدريسه للكتاب: الذي عليه أكثر الفقهاء 5 أنّه يعصى، والمختار في الأصول أنّه لا يعصى.
قلت: هذا أقوى، ومعنى الوجوب يتحقق بكونه يأثم بعزمه على الترك مطلقاً.
ومن قال من أصحابنا: إنّه لا يجوز التأخير في الواجب الموسع، إلا بشرط العزم على الامتثال 6، فمعنى 7 الوجوب يظهر بتأثيمه بترك العزم على الامتثال، والله أعلم.
إذا طرأ عليه العضب بعد التمكن، وعصَّينا به وضيَّقنا وقت الاستنابة على الأصح، فلو امتنع من الاستنابة، فهل يستأجر عليه الحاكم فيه وجهان 8
ذكرهما 1، أصحهما عند الفوراني أن له ذلك 2 كما في الممتنع من الزكاة، واستبعد ذلك صاحب الكتاب في "البسيط" 3، وشيخه في "النهاية" 4، والصحيح عندهما أنّه لا يجوز ذلك 5؛ لأنّ الحج عبادة بدنية لا تعلق لها بتصرف الولاة، بخلاف الزكاة، والله أعلم.
قوله: "رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يلبي 6 عن شبرمة 7 قال: أحججت عن نفسك، قال: لا، قال: هذه عنك، ثمّ حج 8 عن شبرمة" 9.
هذا رواه الشافعي 10 لإسناد جيِّد موقوفاً 11 على ابن عباس، (فإن 12 ابن عباس) 13 عند هذا هو السامع، والقائل لذلك، وفيه (فاجعل هذه عن نفسك).
وأمّا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد رواه أبو داود 1 بإسناد جيِّد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه سمع ذلك، وقال ذلك، ولفظه 2 (حج عن نفسك ثمّ حج عن شبرمة) والجميع يدل على أنّه لا يصح حجه عن غيره إلا بعد حجه عن نفسه 3. وأمّا انقلاب ذلك الحج بعينه إلى نفسه فيدل عليه 4: أن الإحرام بالحج ينفرد به 5 عن غيره، بأنّه ينعقد في أصله مع تطرق الخُلْفِ 6 إلى وصفه، بدلالة الحديث في الإهلال بما أهلَّ به فلان 7 غير ذلك، والله أعلم.
(صورة اجتماع 1 حجة الإسلام، والقضاء في ذمته: أن يفسد الرقيق حجه ثمّ يعتق، فعليه حجة الإسلام، ثمّ القضاء لحجته الفاسدة 2) 3.
قوله: "وقال مالك تختص الاستنابة بحالة الموت؛ لورود الحديث فيه لكنا نقول: الحي العاجز، أولى" 4. هذا له تمام ذكره من بعد، وهو أن الحديث ورد أيضاً 5 في الحي العاجز، إذ ثبت في الصحيحين 6 عن ابن عباس: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إنَّ فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: (نعم).
وأمّا الحديث الوارد في حالة الموت فقد روى بُرَيْدة 7 بن حصيب (أن امرأة أتت النبي - صلّى الله عليه وسلم - فذكرت له أن أمها ماتت ولم تحج، قالت: فيجزئ أن أحج عنها، قال: نعم) رواه مسلم 8.
وروى ابن عباس - رضي الله عنهما - (أن امرأة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت أن أمها نذرت أن تحجَّ، فماتت 1 قبل أن تحجَّ، قالت: أفأحجُّ عنها؟ قال: نعم، فحجِّي عنها، أرأيت لو كان على أُمَّكِ دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فاقضوا الله؛ فإن الله أحق بالوفاء) رواه البخاري 2.
الصحيح من القولين في المريض غير المأيوس 3، إذا أُحجَّ عنه ثمّ قدر 4، أنّه لا يجزئه ذلك 5؛ لأنا تيقَّنا الخطأ في ذلك.
وهكذا الصحيح من القولين في المريض الذي يرجى برؤه إذا أُحج عنه، ثمّ بان اليأس 6 أنّه لا يجزئه ذلك 7؛ لأنّه إذا 8 أحج 9 مع كونه ممنوعاً منه، فلم يعتد به.
ثمّ إذا قلنا في الصورتين: لا يجزئه عن حجة الإسلام فهل يقع عن الأجير، أو عن المستأجر تطوعاً؟ فيه وجهان 1: والأصح عنده في هذا الكتاب 2 أنّه يقع عن تطوع المستأجر 3. والأصح عند شيخه الإمام 4، وغيره 5، أنّه يقع عن الأجير 6، وهو الظاهر عنده في "البسيط" 7، وهو أولى.
ثمّ لا يستحق الأجرة على الصحيح 8، والله أعلم.
الصحيح من القولين أن حج التطوع، في جواز الاستنابة فيه 9، كحجِّ الفرض 10، وبه قال: مالك 11، وأبو حنيفة 12، وأحمد 13، - رحمهم الله - والله أعلم.
الأصح أنّه لا يشترط 1 في وجوب الاستئجار على المعضوب أن تكون الأجرة فاضلة عن نفقة عياله لمدة ذهاب الأجير إلى الحج 2، وإن اشترطناها في حجه بنفسه 3 , لأنّه ههنا لا يفارقهم فهو بصدد تحصيلها لهم، فالتحق ذلك بزكاة الفطر 4، والكفارة لا يعتبر فيهما، إلا نفقة اليوم، والله أعلم.
الأصح أنّه إذا وجد أجرة ماشٍ يلزمه استئجاره 5؛ لأنّ مشقة المشي المسقطة 6 لاحقة لغيره لا له، والله أعلم.
قوله: "وإن بذل الأجنبي، الطاعة، والابن المال 7 فوجهان" 8.
ليستا على السواء فيهما، أمّا في طاعة الأجنبي فإن الأصح اللزوم 9، وهو ظاهر النصِّ في "المختصر" 10 وحكى صاحب "البحر" 11 عن بعض الخراسانيين
أن الأصح عدم اللزوم، قال: وهو غلط بخلاف النصِّ، وحكى أن الشافعي نصَّ في "الأم" 1 و"الإملاء" 2 على اللزوم.
وأمّا في بذل الولد المال، فالأصح عدم اللزوم 3، قال صاحب "البحر" وهو المذهب، والله أعلم.
الأصح عدم اللزوم فيما إذا كان الابن ماشياً 4، والله أعلم.
ما ذكره من أنّه يشترط في صحة الإجارة على الحج 5: "أن 6 يكون الأجير قادراً على الحج عند العقد" 7. أراد به ما إذا كانت إجارة 8 عين، أي واردة على فعل الأجير بعينه 9.
ثمّ إنَّ قوله: "مهما صحت الإجارة، وجب على الأجير الخروج مع أول رفقة" 10، وغير هذا ممّا فصَّله، يشعر مع كلام شيخه 11 في ذلك أيضاً، بأنّه
يجوز تقديم إجارة العين على خروج الرفقة، وأن له أن يعقد الإجارة ثمّ ينتظر خروجها 1.
قال الشارح للوجيز 2: "الذي ذكره جمهور الأصحاب على طبقاتهم ينازع فيه، ويقتضي اشتراط وقوع العقد في زمان خروج الناس من ذلك البلد، حتى قال صاحب "التهذيب" 3: لا تصح إجارة العين إلا وقت خروج القافلة من ذلك البلد، بحيث يشتغل عقيبه بالخروج، أو بأسباب الخروج مثل شراء الزاد ونحوه، فإن كان قبله لم يصح؛ لأنّ إجارة العين في الزمان المستقبل لا يجوز".
وهذا النقل من هذا الشارح غير صحيح، وما ذكره صاحب "التهذيب" يمكن التوفيق بينه وبين ما ذكره (صاحب 4 الكتاب) 5 [و] 6 الإمام، أو 7 هو 8 شذوذ من صاحب "التهذيب" لا ينبغي أن ينسب إلى جمهور الأصحاب على طبقاتهم، فإن الذي رأيناه في "التتمة" 9، و"بحر المذهب" 10، و"الشامل" 11،
وغيرها، مقتضاه 1 أنّه يصح العقد في وقت يمكنه فيه الخروج، والمسير، على حسب العادة، أو الاشتغال بأسباب الخروج.
وقال صاحب "البحر" 2: "أمّا عقدها في أشهر الحج فيجوز في كل موضع؛ لإمكان تسليم العمل عقيبه، وهو الإحرام"، يعني أن له الإحرام من أي موضع أراد 3.
قال 4: قال القفال: "ليس من شرطه الخروج عقيب العقد، بل له أن ينتظر تمام 5 خروج الحاج، أو يشتغل بتحصيل أُهْبَة السفر" والله أعلم.
ما صار إليه في تعليل الخلاف في اشتراط تعيين الميقات في الإجارة، ومن اعتبار غرض الأجير، (وإخلافه) 6 في أحد القولين، واعتبار 7 غرض المستأجر له 8، وعدم إخلافه 9 في القول 10 الثاني 11 فاسد؛ لأنّ المعتبر في مثل ذلك
غرض المتعاقدين جميعاً، وإنّما علة الاشتراط اختلاف الغرض، وعلة عدم الاشتراط أنّه 1 لا وقع، لاختلاف المواقيت من حيث الشرع، والله أعلم.
وتوجيه قول من قال: إن كان 2 المستأجر له حيَّاً وجب تعيين الميقات في العقد، وإن كان ميتاً فلا.
(وجه الفرق) 3: أن 4 الحيَّ ذو اختيار، والغرض 5 يختلف باختلاف الأحوال، فاشترط تعيينه لا يختاره لذلك 6، وأمّا الميت فلا اختيار له، والمقصود تبرئة ذمته، والمواقيت كلها في ذلك سواء 7، والله أعلم.
الأصح أنّه إن لم يكن في طريقه إلا ميقات واحد فلا يشترط التعيين، ويحتمل 8 تعيين 9 ذلك الميقات نظراً إلى العادة، والعرف 10.
وإن كان في طريقه ميقاتان اشترط التعيين 1، ومن صوره ما إذا كان في طريقه ميقاتان أقرب وأبعد، كالعقيق 2، وذات عرق 3، وما 4 إذا كان طريقه يفضي إلى مسلكين، كل واحد منهما يفضي إلى ميقات 5، والله أعلم.
ذكر أن الشرط الرابع من شروط الإجارة: "أن لا يعقد بصيغة الجعالة" 6 فاعترض عليه في ذلك بعض المصنِّفين 7 بكلامه بما تحريره: أنّه إن أراد أن الإجارة إذا عقدت بصيغة الجعالة لم تنعقد، فهذا يوهم كون الجعالة إجارة، ورجوع المنع إلى صيغة الجعالة، وليس كذلك؛ فإن الجعالة والإجارة عقدان
مختلفان في الأركان، وإن أراد أن الجعالة لا جريان لها في الحج، فهذا لا يصلح أن يعدَّ من شروط الإجارة 1.
وهذا الاعتراض مندفع؛ فإن محصول كلامه أنّه يشترط في الإجارة على 2 الحج، كون الأجير معيَّناً، حتى لا يصح بصيغة الجعالة، كما إذا قال: من حجَّ عني فله مائة، لم يصح ذلك؛ لكون ذلك إنما احتمل في الجعالة على العمل المجهول.
ثمّ 3 إن كلامه ههنا يقتضي أن الصحيح عدم الصحة في ذلك 4، وقد صرَّح في "الوسيط" 5 ههنا بأنّه صحيح، لكن كلامه في باب الجعالة 6 يتضمن أن التصحيح 7 فيه هو الصحيح، وإليه ذهب آخرون 8، والله أعلم.
الصحيح من الخلاف الذي ذكره 1، فيما إذا 2 أوردت 3 الإجارة على الذمَّة، يعني وهي حالةً، ولم يحج في السنة الأولى 4، أنّه يثبت الفسخ، ولا ينفسخ من غير فسخ 5، فإن كان المحجوج عنه ميتاً - بأن استأجر ثمّ مات، أو مات ثمّ استؤجر عنه - فلا فسخ للورثة على ما ذكره العراقيون 6؛ لأنّ فائدة الفسخ استرداد الأجرة حتى تنبسط فيها، والأجرة ههنا متعيِّنة لجهة الحج، لا يجوز للورثة التصرُّف فيها، هذا أولى به مما ذكره في الكتاب، فإن ما ذكره غير واف لجميع صور 7 المسألة.
قوله: "وفيه احتمال" 8 أَتبع فيه شيخه 9، هذا وجهٌ قد جزم به غيرهما 10 وأنّه يفعل ما هو المصلحة للميت من الفسخ، وعدم الفسخ، والله أعلم.
إذا خالف الأجير فأحرم من الميقات عن نفسه بعمرة، ثمّ أحرم بالحج عن المستأجر من جوف مكة، فقد ذكر فيه في الكتاب قولين 1، وترك القول الثالث.
- الذي هو الأصح - وذلك 2 أن الأجرة تقابل أعمال الحج مع السفر من بلدة الإجارة 3. ثمّ في هذه الصورة الأصح: أنّه يحسب للأجير على المستأجر سيره في المسافة التي بين الميقات وبلدة الإجارة 4، ولا يحكم بأنّه صرفه إلى عمرة نفسه؛ لأنّه قد أتى به على وفق ما اقتضاه 5 الترتيب 6 بالإجارة، وجائز أن يكون قصد العمرة 7 عمل 8 لنفسه 9 لم يطرأ 10 إلا عند إحرامه بها من الميقات.
فعلى هذا توزع الأجرة المسماة على: أجرة المثل لحجة منشأة للمستأجر من موضع
الإجارة إلى الفراغ منها، وأجرة حجة منشأة للمستأجر من موضع الإجارة إلى الميقات، إحرامها من جوف مكة لا منه فغير محسوب ما بينهما، وإذا 1 كانت الأجرة الأولى مثلاً مائة، والأجرة الثانية تسعين 2، حططنا من الأجرة المسماة عشرها 3، وهذا القول قد ذكره في الكتاب في المسألة التي تلي 4 هذه 5، حيث يقول: "كان حسبنا له السفر استحقَّ تمام الأجرة" 6. الأظهر من القولين 7 فيما إذا لم يحرم من الميقات أصلاً، وأحرم من جوف مكة مثلاً, ولزمه الجبران بالدم: إن جبرانه هذا لا يمنع حطَّ شيء من أجرته 8 لما ذكره 9. وإذا 10 قلنا: يمنع منه، فالأظهر أنّه لا يحط، وإن كانت قيمة الدم أقل 11، والله أعلم.
الوجهان المذكوران 1 فيما إذا عيَّن له ميقاتاً، أبعد من الشرعي فجاوزه، ولم يحرم منه، الأظهر منهما: أنّه يلزمه دم 2؛ لأنّه بتعيُّنه صار متعيِّناً بالشرع أيضاً، وهذا هو نصُّه في المختصر 3، والله أعلم.
قوله: "إن استأجره على القرآن، فأفرد فقد زاده خيراً" 4.
هذا ليس على إطلاقه، وهو مقطوع به، مخصوص بما إذا كانت الإجارة على الذمَّة، وعليه الإحرام بالعمرة إلى الميقات 5.
أمّا إن 6 كانت على العين، فإن العمرة لا تقع عن المستأجر، وعلى الأجير أن يردَّ ما يخصَّها من الأجرة، نصَّ عليه الشافعي في "المناسك الكبير" 7؛ لأنّه لا يجوز تأخير العمل فيها عن الوقت المعيَّن.
وإذا كانت الإجارة على الذمَّة، ولم يعد إلى الميقات لإحرام العمرة، وقعت العمرة عن المستأجر، وعلى الأجير دم؛ لكونه جاوز الميقات في الإحرام بالعمرة 8، وهل يحطُّ شيء من الأجرة أم لا يحطُّ لانجبار ذلك بالدم؟ ففيه 9 القولان السابقان.
وهذا ذكره صاحب "البحر" 1 حكماً للمسألة من غير تفصيل بين أن يكون الإجارة على العين، أو على الذمَّة، ثمّ قال: "ومن أصحابنا من قال يلزمه أن يردّ من الأجرة - قسط العمرة - بكل حالٍ؛ لأنّه عيَّن له وقت العمرة، بأن يأتي بها في أشهر الحج، فقد فات ذلك الوقت - قال -: وهو ظاهر ما قال في "المناسك الكبير" والله أعلم.
ما ذكره 2 فيما إذا استأجره على الإفراد، فقرن من أن ذلك يقع عن المستأجر: "لأنّ الشرع جعل القرآن كالإفراد، متفق عليه" 3، وهو مشكل؛ لكون ذلك مخالفاً للمأذون فيه، وقد قرره شيخه الإمام 4 بما معناه، أن ذلك يحتمل على الحج والعمرة؛ فإنهما يصحَّان مع اشتمالهما على ارتكاب كثير من المحظورات، وترك كثير من المأمورات، فمخالفة الأجير بمنزلة مخالفة الشرع؛ لأنّ المستأجر لا يحصِّل الحج والعمرة لنفسه، وإنّما يحصِّلهما 5 لله تعالى، فتنزلت 6 مخالفته منزلة 7 مخالفة الشرع، والله أعلم.
إذا أمره بالقران فتمتَّع 8، فأظهر الوجهين المذكورين أنّه يجعل مخالفاً 9 فيما ذكرناه من 10 المأمور بالقران إذا أفرد من التفصيل ما بينه، على نحوه 11 ههنا، والله أعلم.
الوجهان المذكوران في قضاء الأجير في الذمَّة 1 لما أفسده 2. أصحُّهما وقوعه عن الأجير، لا عن المستأجر 3 لما ذكره 4، والله أعلم.
الأصح من القولين المذكورين 5 فيما إذا أحرم عن المستأجر، ثمّ صرفه 6 إلى نفسه، أنّه يستحق الأجرة 7؛ لأنّه أتى بالعمل المعقود 8 عليه، وصرفه له لاغٍ، والله أعلم.
القول الصحيح - وهو الجديد - أنّه لا يجوز في الحج بناء شخصٍ على فعل شخصٍ 9؛ لأنّه عبادة واحدة فلا يتأدى 10 بنيتين، وإحرامين، وكما لا يجوز في الابتداء أن يستأجر اثنين يفعلان أفعال الحج عنه.
قلت: وقوله "يبعد أداء عبادة واحدة من شخصين".
لا يلزم عليه الوضوء، حيث صحَّ بعضه بفعله، وبعضه بفعل من يوضئه؛ لأنّ الفعل في الوضوء غير مستحق؛ ولهذا لو نوى هو وقعد تحت ميزاب حتى جرى الماء على أعضاء وضوئه جاز.
فما صحَّ إذاً بفعل شخصين.
ولا يلزم الصبي الذي يحرم 1 عنه وليه، ويفعل ما يقدر عليه من أعمال الحج، ويفعل الولي ما لا يقدر عليه منها؛ لأنّ حج الصبي، والمجنون، مستثنى عن القاعدة في كونه يصح منهما مع عدم العقل، والتمييز، ويكونان هما الحاجَّين، والنيَّة والعمل كله من غيرهما، فتصحيحه وبعض العمل منه أولى، والله أعلم.
إذا جوَّزنا البناء، ومات بعد الوقوف، وفوات أشهر الحج بدخول 2 يوم النحر، ففي الكتاب أن المراوزة قالوا: يحرم الباني بالحج، وأن العراقيين قالوا: يحرم بالعمرة، وهو بعيد 3. وهكذا نسب 4 شيخه 5 الوجهين، وليس بمرضي، فإن الوجهين مذكوران في كتب العراقيين، من غير تصحيح منهم، وترجيح لما نسبه إليهم، بل لما نسبه إلى 6 المراوزة دونهم 7، والله أعلم.
الخلاف الذي ذكره في استحقاق ورثة 1 الأجير قسطاً لما فعله 2 قبل موته، جعله وجهين 3، والمشهور أنّه قولان 4، والأصح: الاستحقاق 5، والله أعلم.
ثمّ الأظهر الاحتساب بالسفر في التوزيع 6.
ومن المقدمة الثانية في المواقيت
1
الصحيح المشهور أن ليلة النحر، وقت للإحرام 2 بالحج 3، والله أعلم.
أصح القولين فيمن أحرم بالحج في غير زمانه 4، أنّه ينعقد إحرامه عمرةً 5؛ لأنّ الإحرام شديد التوغل في اللزوم، فيصح أصله، وإن لغي وصفه، والله أعلم.
قوله: "الأفاقي" 6 نسبته إلى الجمع، والجمع إذا لم يسمَّ به (لا ينسب) 7 إليه، بل ينسب إلى واحده، وواحد الآفاق: أُفُق بضم الهمزة والفاء، ويقال: في النسب أُفُقيٌّ بضم الهمزة والفاء 8، وهو من تغيُّرات النسب وشذوذاته، والله أعلم.
قرن ميقات نجد 1 هو بإسكان الراء لا غير 2، وفتحها خطأ، ولصاحب الصحاح 3 فيه غلطان فاحشان:
أحدهما: فتحه الراء.
والآخر: زعمه أن أويساً القَرَني 4 - رحمه الله - إليه نسب 5 وإنما هو بلا خلاف بين أهل المعرفة منسوب إلى "قَرَن" قبيلة من مراد، بفتح القاف والراء 6، نسأل الله التوفيق والعصمة، والله أعلم.
قوله: "ولأهل المشرق ذات عِرْق، لتعيين عمر - رضي الله عنه - ذلك" 1 روى البخاري في صحيحه 2 عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن عمر "حدَّ لهم ذات عرق"، وإلى ذلك 3 ذهب ابن سيرين 4، وطاوس 5، والشافعي 6 - رحمهم الله -
وغيرهم 1، أن ذات عرق لم يوقته النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنّما وقَّت بعده، وقد روى أبو داود، وغيره من حديث عائشة، وجابر، وغيرهما 2 أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وقَّت لأهل العراق ذات عرق، وفي أسانيدها ضعف، ولكن يقوي بعضها بعضاً.
ويحتمل أن يكون 3 عمر - رضي الله عنه - لم يبلغه ذلك فحدَّه، ووافق تحديدُه تحديدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - 4، والله أعلم.
قوله: "واستحب الشافعي - رحمه الله - أن يحرم من العقيق [قبل ذات عرق] 1؛ لورود خبر مرسل به" 2.
روى الشافعي 3 بإسناده عن عطاء بن أبي رباح 4 قال: سمعنا أنّه يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - (وقَّت ذات عرق، أو العقيق لأهل المشرق).
قلت: قوله "أو العقيق" ليست "أو" فيه للشك، بل للتخيير؛ بدلالة أن عطاء جزم في رواية أخرى أنه (وقَّت لهم ذات عرق) ثمّ إن المرسل لا يحتج به عندنا 5، والاعتماد ههنا على ما في ذلك من الاحتياط؛ فإن العقيق أبعد من
ذات عرق، (وقريب منه، وفيه سلامة من التباس وقع في ذات عرق) 1؛ وذلك أن ذات عرق قرية خربت، وحوِّل بناؤها إلى جهة مكة، فليس لمن أتى من جهة العراق أن يؤخر إحرامه إلى البناء الحادث، فإنّه يكون قد جاوز الميقات غير محرم، بل يلزمه التحري، وتطلب آثار القرية القديمة، ويحرم حين ينتهي إليها، ويحازيها.
وذكر 2 الشافعي 3 أن من علاماتها المقابر القديمة، فإذا انتهى إليها أحرم، ويعتضد ذلك بما رواه أبو داود في سننه 4 عن ابن عباس قال: (وقَّت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل المشرق العقيق) ولكن في إسناده يزيد بن أبي زياد 5، وهو غير قوي، لكن يصلح الاستشهاد 6 به، والله أعلم.
قوله: "راكب التعاسيف إذا لم ينته إلى ميقات" 1 لم يردّ براكب التعاسيف الذي ليس له مقصد معلوم كما تقدَّم في باب صلاة المسافرين، وإنّما أراد الذي ليس له طريق معلوم يسلكه، وإن كان هو قاصداً إلى مكة ناوياً نسكاً، فعليه أن يحرم إذا حاذى أول ميقات 2 من المواقيت 3. ثمّ إنّه ذكر صوراً قد صوَّرها الفقهاء على بعد من وقوعها في المواقيت المعلومة، وأنا استأنف ذكرها بلفظ بيَّن بسيط يوضح ما استبهم من لفظ 4 الوجيز فأقول: إذا حاذى ميقاتين أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، واستويا في القرب من موقفه من مكة أحرم هناك 5. (وقوله) 6: "نسبنا إحرامه إلى أي الميقاتين أردنا" 7. معناه أن محاذاته أيهما كان مقتضية لإحرامه من هناك، فأضف ذلك إلى أيهما أردت كما في الحكم يكون له 8 علتان، لك أن تضيفه إلى أيتهما 9 شئت.
وإن كان إحدى الميقاتين الموصوفين أبعد من مكة، نظرت فإن كان هذا الأبعد أقرب من موقفه من الآخر، نسبناه إليه لكونه أقرب من موقفه، والاعتبار بموقفه 1.
وإن كان موقفه سواء من الأبعد من مكة والأقرب منها، و 2 يتصور 3 ذلك بأن يكون طريق الأبعد فيه التواء وانحراف، فوجهان 4:
أحدهما: ينسب إلى الأبعد من مكة.
الثاني: ينسب إلى الأقرب من مكة.
وتظهر فائدة هذا 5 الخلاف 6 في النسبة، فيما إذا جاوز موقف المحاذاة المذكورة (غير محرم، مريداً 7) 8 للنسك، ولزمه العود لإزالة الإساءة، وتعذَّر، وعزَّ 9 عليه 10 الرجوع إلى موقفه ذلك 11؛ لإضلاله 12 إياه لكونه راكب
تعاسيف، وقد انتهى إلى مجموع 1 طريقي الميقاتين، فإلى أيهما يعود؟ إن نسبناه إلى البعيد عاد إليه، وإن نسبناه إلى القريب عاد إليه 2، والله أعلم.
ما ذكره فيمن جاوز الميقات غير محرم، ودخل مكة، أو لم يدخلها, ولكن قطع مسافة القصر، ثمّ عاد 3 إلى الميقات وأحرم 4 منه، من أنّه يلزمه الدم قطعاً في صورة دخول مكة، وعلى وجهٍ في الصورة الأخرى 5.
إنّما أتبع فيه شيخه الإمام 6، وهو شذوذ.
والجمهور قطعوا بأنّه إذا عاد وأحرم من الميقات فلا دم عليه 7، ومنهم صاحب "بحر المذهب".
8 قال: "لم يلزمه 9 الدم قولاً واحداً"، ولم يفصلوا بين أن يكون ذلك بعد دخول مكة، أو قبله بعد قطع مسافة القصر، أو قبله، وحاصل ما ذكراه 10 إيجاب الدم 11 على