كتاب الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المنصوص هذا الوصف، وهو اتحاد المالين حتى يلزمنا الوفاء بتمام مقتضاه، وإنما الوارد في النصوص 1 صيرورتهما كالمال الواحد في وجوب أصل الزكاة، وقدرها، وأدائها 2، وذلك يثبت الاتحاد في ذلك لا مطلق الاتحاد، لما لا يخفى وجهه.
ولو سلمنا ذلك، ومنعنا 3 الشيوع في زكاة مال الواحد ذهاباً إلى أن المسنّة تجب في أربعين لا بعينها من غير اشاعة كما قال أكثر الأصحاب، فيما إذا باع صاعاً 4 من صُبْرة 5 كما سيأتي إن شاء الله تعالى، لساغ ذلك وتمشّى، ولكن لا حاجة إلى ذلك، فإن الأول 6 مستقل 7 بإبطال الشيوع على القطع.
وأسأل الله العصمة والهداية، وهذا من نفيس ما وقع عليه خاتم البحث.
والله أعلم.
ذكر اطراد تخريج 1 ابن سريج في المالك الواحد 2، وهكذا القولان يطردان فيه، ففي الجديد يجب في الأربعين الأول عند تمام سنتها شاةً 3، وعلى القديم نصف شاةٍ 4، وفي المستقبل في 5 كل واحد 6 نصف شاة باتفاق القولين 7.
قال: "وهو بعيد" 8؛ لأن خليطه لم يخلط في جميع سنة، فالتسوية بينهما في النفي تسوية بين المتفاوتين، وهو ممتنع، وعند ذلك فالاستدلال بأن مقتضى الخلطة التساوي يقع مشترك الإلزام 9 على التعارض.
والله أعلم.
وأما تخريج ابن سريج فلا يخفى وجوب 1 شاة على كل واحد أبداً.
قال: "وعلى التخريج 2 لا يجب على الثاني شيء أصلاً" 3 لأن ماله من العشرين منفرد 4 لم يثبت له حكم الخلطة على ما سبق.
والله أعلم.
الفصل الرابع
1
هو وما بعده غَمْرَة 2 الخلطة وعَوِيصها 3.
قوله: "ببلدة أخرى" 4 كذا وقع في كلام الشافعي 5 - رحمه الله - وهو مثالٌ لا قيد في الحكم المذكور، والمسألة مفروضة عند اتفاق الحول 6 فإن لم يتفق بأن كان الخلط بعد مضي بعض 7 الحول فيعود التفصيل المتقدم 8 في الفصل قبله 9، وتكون الصورة قد جمعت الخلطة والانفراد في الحول، والخلطة والانفراد في الملك.
قال: "وأما صاحب الستين فقد اجتمع في حقه الأمران.
إلى آخره" 10.
هذا كله تفريع على خلطة العين 1، وأما على خلطة الملك 2، فالواجب عليه 3 ثلاثة أرباع شاة لا غير ضماً للمالين معاً، وذلك ثمانون فيها شاة 4 بينهما 5 لا غير، وهو حكم المسألة في نصّ الشافعي 6، وما عليه عامة الأصحاب فيما قيل 7. ومنشأ الوجوه في صاحب الستين 8 على 9 قول 10 خلطة العين 11، أن بعمق ماله مختلط، وبعضه منفرد، فاختلف الأصحاب في أنه هل يجمع في حقه بين حكم الانفراد والخلطة أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا؛ لأن الملك متحد فلا يثبت له إلا أحد الحكمين، فعلى هذا قيل: بتغليب الانفراد 12؛ لأنه الأصل - قال الإمام 13: وهذا ظاهر المذهب.
وقيل: بتغليب الخلطة 1؛ لأن بعض ماله مختلط 2 عيناً، والبعض الآخر مخالط للمختلط برابط 3 فكأن الكل مختلط فعلى هذا الحكم على هذا القول في صاحب الستين كالحكم فيه على القول الآخر 4 - وهو - اختيار أبوي 5 علي ابن أبي هريرة، والطبري 6، وهذان هما الوجهان الأولان في الكتاب.
الوجه الثاني: يجمع 7 بين اعتبار الانفراد، والمختلطة، لاجتماعهما في ملكه 8، فعلى 9 هذا في كيفية ذلك الوجهان الآخران.
أحدهما: وهو الثالث: أنه يقدر من كل واحد من المختلط، والمنفرد أن جميع المال معه، وبمنزلته، فيقدر في العشرين أنه 10 مخالط بالستين والمجموع
ثمانون، فحصة العشرين ربع، ويقدر في الأربعين كأنه منفرد بالستين فحصة الأربعين ثلثا شاة، والمجموع أحد عشر جزءاً من اثني عشر جزءاً من شاة 1.
الآخر 2: إن اعتبار جميع ماله في ذلك صحيح في الأربعين حتى يجب فيها ثلثا شاة، وأما في العشرين فلا, لأن ذلك يقضي إلى أن يجب فيها ربع، ومقتضى الخلطة التساوي، فينبغي أن يجب عليه فيها مثل ما نوجبه 3 على خليطه، وهو نصف شاة، والمجموع 4 شاة، وسدس 5، فكانا من الوجه الذي قبله.
لحظنا في اعتبار الخلطة من الاعتبارين خلطة الملك فقدرناه في العشرين مخالطا بجميع ملكه، وفي هذا 6 الوجه لحظنا خلطة العين فلم نقدره مخالطا بأكثر من العشرين، ويعتضد هذا بأن التفريع على خلطة العين، فينبغى الوفاء بها في كل التفاصيل.
والله أعلم.
الفصل الخامس
1
قال: "ضما إلى مال الخليطين" 2 لأنه خالطهما معا فكما يضم على هذا القول جميع ماله برابطة إلى الخليط الواحد 3 فكذلك إليهما 4.
قال: "ضماً إلى خليط خليطه" 5 أي إلى ماله, لأنه إذا ضم إلى خليطه ضم إلى ما يتحد معه ويساويه, لأن المساوي للمساوي مساوٍ.
قال: "وهو ها هنا بعيد" 6 لأن هذا الوجه يغَلَّب الانفراد حيث يتحقق الانفراد في بعض ماله، وها هنا لم ينفرد بشيء من ماله، وليس فيه أكثر من 7 الخلطة لم تتم بالنسبة إلى كل واحد فيجعل كأن لم يكن وذلك لا يقوى، وهذا
كما يوجب ضعف هذا الوجه 1، يوجب قوة الذي بعده وهو تخليط وهو الأصح لذلك.
قال: "فإن أخذنا حكمه من حكم خليطه" 2 يعني الوجه الرابع في الفصل الذي قبل هذا 3، وهو إنّا نوجب (عليه مثل ما نوجب) 4 على خليطه اقتصاراً 5 على ما توجبه 6 خلطة العين من غير مجاورةٍ لمحلها، فها هنا خليطه في كل عشرين عليه نصف شاة، فعليه إذاً في كل واحد منهما نصف شاة 7 لكن عليه إشكالان:
أحدهما: أنه لا يتحقق به في هذه الصورة المجمع 8 بين الاعتبارين 9 بخلاف ما هنالك, لأن المعتبر في كل واحد من العشرين حكم الخلطة لا غير فلا وجه لجعله من قبيل الجمع بين الاعتبارين.
والثاني: أن الحكم على هذا الوجه وجوب 10 شاة، وهو الوجه الأول، فتكون الوجوه ثلاثة لا أربعة.
ويجاب 1 عن هذا بأنا جعلناه وجهاً آخر, لأن المأخذ فيه مخالف 2 لذلك المأخذ 3 لكن يقال عليه تعدد المأخذ، لا يوجب 4 تعدد المبنى.
والله أعلم.
قال: "وإن عرفناه بالنسبة" 5 6 ضمير الهاء يعود 7 إلى حكمه، أو إلى الجمع بين الاعتبارين.
وقوله "بالنسبة" أي لنسبة 8 كل عشرين إلى المجموع الحاصل من جميع ماله، ومال الخليط، وذلك ستون، فيخص كل عشرين ثلث 9 وهذا هو الوجه الثالث في الفصل الذي قبله.
وعبارة الكتاب قَلِقَة كَزَّة 10 في صورة الخمسة 11 والعشرين 12.
قال: "وإن فرعنا على خلطة العين 1 فتعود الأوجه" 2 يعني في صاحب الخمسة والعشرين.
أما لأصحاب الخمسات فيعتبر وجهاً واحداً في كل واحدة ما خالطت وهو خمسة فتكون 3 عشرة فيها شاتان، وحصة الخمسة شاة فعليهم خمس 4 شياه 5.
وجه تغليب الانفراد ها هنا أيضاً ضعيف 6، والمغَلَّب للخلطة قوي كما سبق 7.
قال: "وعلى أخذ حكمه من حكم خليطه خمس شياه" لأن كل 8 خمسة فيها ما في الخمسة المخالطة 9 لها وهو شاة كما سبق، على هذا القول.
وعلى الجمع بين الاعتبارين 10 بالنسبة يقدر 11 كما سبق في كل خمسة أنها مع باقي
ماله مخالطة بخمسة الخليط، وذلك ثلاثون، وحصة الخمسة من بنت المخاض الواجبة فيها سدس 1 سواء قلنا: الوَقَصُ 2 ينسحب عليه الفرض، أو لا؟ لما لا يخفى.
قال 3: "لأنا نتبع المفرد المخلوط إذا كان نصاباً" 4 أي كان المخلوط نصاباً.
والله أعلم.
الشرط الثاني 5: قوله: "الحاصلة من مال 6 الزكاة" 7 أحد شروط ثلاثة
هي 1 مشترطة في ضم السِّخال إلى نصاب الأمهات 2. والشرط الثاني والثالث: ما ذكره في الفرع الأول، والثاني 3: أن يكون عنده نصاب قد 4 انعقد 5 عليه الحول (وأن ينتج قبل انقضاء الحول) 6. قوله: "لكن يضم إليه في العدد كما ذكرناه في الخلطة" 7. ليس معناه أنّ هذا الضمَّ قد ذكره في الخلطة، فإنه لم يذكر فيها إلا تخريج ابن سريج الذي هو ضد ذلك 8، وإنما معناه: أنه يضم إليه في العدد مثل الضم الذي ذكرناه في خلطة المالين 9 لمالكين، أي إن اتفق زمان الملك فيها 10 كان
الضم واقعاً بالاتفاق، وإن ملك أحدهما بعد الثاني كان على الأقوال الثلاثة 1، الجديد والقديم، وتخريج ابن سريج كما شرحته هناك 2. والله أعلم.
فقد 3 قيل: إنه يجب فيها زكاة الحول الماضي 4، إذا قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب 5 نظراً إلى كونه قبل الوجوب، وهو ضعيف؛ لأن التبعية بعد الحول تضعف، وإن تأخر الوجوب، وإلحاقها بما قبل الحول ممتنع لقيام الفرق.
قوله: "لأن الحول الثاني تأخر" 6
هذا؛ لأن الحول لا يستأخر كما يستأخر 7 الوجوب، وعند هذا (فنقول: كذلك) 8 لا ينبغي 9 أن تستأخر 10 التبعية في الحول حتى تثبت في هذه الصورة كما قال القائل الآخر: إذا ماتت 11 الأمهات لم تنقطع
التبعية 1؛ لأن التبعية وقعت في الحول لا في الوجود 2 بمعنى أن ما مضى من الحول على الأمهات ماضٍ على السخال حكماً وتقديراً، وذلك لا يزول بالموت.
قال: "الشرط الرابع 3: أن 4 لا يزول ملكه" 5.
هذا الشرط يندرج في الشرط الأول 6 بمقتضى عبارته، فإنه قال فيه: "أن يبقى النصاب حولاً" وذلك يتضمن أن لا يزول ملكه في أثنائه، ولكن كأنه
قصد بذلك وجوده أولاً حتى لا يجب في المستفاد في أثناء 1 الحول، وقصد بهذا وجوده دواماً 2 حتى لا يجب 3 في المبدل مع ذكره 4. والله أعلم.
فالشرط الأول 5 على مناقضة مذهب أبي 6 حنيفة في أن المستفاد في آخر الحول يزكى مع الأصل 7، والشرط 8 الثاني 9: على منافاة مذهبه، في أن النصاب يعتبر في طرفي الحول حتى لو انتقص في أثناء الحول لم ينقطع الحول عنه 10.
قال: "وفي القديم قول أنه يبنى" وفي بعض النسخ "وفي القديم قولان: أحدهما: يبنى" 11 يعني والثاني كالجديد، لكن لم أجده 12 في موضع آخر عن
القديم إلا قولاً واحداً أنه يبنى 1؛ لأن الوارث يملك بالسبب الذي ملك به المورث 2، فعين ذلك الملك أنتقل إلى الوارث، وهكذا في الردة، عين الملك الأول عاد بحاله من غير حاجة إلى إنشاء سبب جديد للملك.
والله أعلم.
قال: "أثم وسقطت الزكاة" 3.
هذا شاذ 4، والموجود في طريقة 5 خراسان، وطريقة 6 العراق، أنه يكره ذلك 7 وقد نصّ الشافعي 8 على الكراهة 9 (فيه، وقد) 10 حكى شيخه 11 ما حكاه من التأثيم 12 عن بعض المصنفين، وقال: فيه احتمال من حيث 13 أنه
تصرف مسوغ 1. ثم علة هذا الذي ذكره، أنه 2 قصد الفرار، فكان 3 آثماً بقصده لا بفعله، وقد عوقب أصحاب الصريم 4 بمثله.
قوله في اشتراط السوم "لمفهوم قوله: - صلى الله عليه وسلم - 5 (في سائمة الغنم زكاة) 6.
هو في كتاب أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) 7 ولفظه في صحيح البخاري 8 (وصدقة الغنم في سائمتها 9 إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة) إلى آخر تفصيل النصب.
وفي رواية ذكرها أبو داود 10 (في سائمة الغنم إذا كانت أربعين ففيها شاة) إلى آخر تفصيل النصب، فأحسب أن
قول الفقهاء والأصوليين "زكاة" اختصار 1 منهم للمفصل في لفظ الحديث من مقادير الزكاة المختلفة باختلاف النصب.
والله أعلم 2.
تحقيق ما ذكره في اعتبار القصد في السوم والعلف 3 (إن الأصحاب أولاً: اختلفوا في اشتراط القصد في السوم، والعلف) 4 المؤثرين، ثم إذا اشترطنا القصد 5 ففي معنى القصد المشترط وجهان:
أحدهما: وهو قول الأكثرين، أنه قَصْد نفس السوم والعلف حتى، ذا لم يقصدهما أصلاً، بأن اعتلفت السائمة بنفسها من غير قصد منه فهي سائمة كما كانت، وكذلك إذا استامت المعلوفة بنفسها 6.
والثاني: ما ذكره 7 الشيخ أبو علي السِّنجي 8، وحاصله اعتبار 9 قصد خاص في سورة خاصةٍ، وهي ما إذا كانت عنده سائمة يعلفها في زمن تعذر
المرعى لتراكم الثلوج أو نحو ذلك، فهذا العلف يشترط في تأثيره القصد إن قصد به إخراجها 1 إلى قبيل المعلوفة 2 أثّر و 3 قطع الحول، وإن لم يقصد ذلك لم يؤثر، وإن كثر وقصده (فهي في حكم المعلوفة) 4 5.
ومن قال: لا يعتبر القصد مطلقاً، قال: ينقطع 6 الحول بهذا العلف أيضاً 7 وهو الأظهر.
والله أعلم.
قوله: في الدين "إن كان مليئاً وجبت الزكاة" 8 هذا إذا كان مع ملائه بحيث لا يمنعه مانع من استيفائه 9 من 10 مماطل 11 ونحوه 12. والله أعلم.
ما ذكره من الخلاف في أن 1 الملك 2 في زمن 3 الخيار خلافاً (لتسلط الغير) 4 على ملكه 5. هذا ظاهر، إذا قلنا: الملك للمشتري فإن البائع تسلَّط على ملكه بما يملكه من الفسخ، وغير ظاهر إذا قلنا: الملك للبائع من حيث إن المشتري غير متسلّط 6 على ملكه من حيث كونه غير مستقل 7 بالإجازة 8 وقد قطع غيره 9 بأنه لا زكاة عليه 10 ولكنا نقول: لو غفل البائع حتى انقضى الخيار لملكه المشتري عليه، فهذا نوع من تسلّط الغير عليه يوجب إجراء الخلاف فيه.
يبقى 11 أن 12 الخلاف فيه يكون مرتباً فلا ينبغي أن يساقا مساقاً واحداً.
والله أعلم.
ما ذكره من أن اللُّقَطَة في السنة الثانية إذا لم يتملكها الملتقِط، ففي وجوب زكاتها على مالكها 13 خلاف مرتب على الخلاف (في السنة الأولى، وأولى بأن
لا تجب 1، فمراده بالخلاف في السنة الأولى، الخلاف) 2 الذي سبق 3 في الضّالّ ونحوه 4. والله أعلم.
ذكر صورة التي 5 تجب فيها الزكاة على المديون، لانتفاء تثنية الزكاة فيها عند من علل بها، فقال 6 فيها: "أو كان المال 7 سائمة" 8.
صورته: ما إذا كان عليه 9 أربعون شاةً 10 عن دين سلم 11 مثلاً، وهو يملك أربعين (شاةً سائمةً، فإيجاب الزكاة عليه فيها لا يفضي إلى تثنية الزكاة إذ لا يجب في الأربعين) 12 التي هي دين عليه على مالكها شيء؛ لأن ما اشترط في زكاته السُّوم لا زكاة فيه إذا كان ديناً لتعذر السوم في الدين 13. والله أعلم.
وقال أيضاً: "أو كان قدر الدين أقل من نصاب" 1
وصورته: عليه مائة درهم لا يملك رب الدين غيرها، والمديون يملك مائتا درهم 2. والله أعلم
وذكر منها: ما إذا 3 كان المديون غنياً بالعقار 4، وهذا؛ لأن تثنية الزكاة إنما تحققت فيما إذا كان عليه مائتا درهمٍ مثلاً، وهو يملك مائتي 5 درهمٍ من حيث إن الزكاة وجبت فيها 6 على صاحب الدين باعتبار ملأة المديون بما في يده من المائتين 7، فإيجاب الزكاة على المديون فيها في حكم تثنية الزكاة.
فإذا 8 كان غنياً بغير المائتين فلم 9 يكن إيجاب الزكاة على صاحب الدين في المائتين باعتبار ملاءَة المديون بالمائتين لكونه 10 مليئاً بغيرها من عقار، أو غيره 11. والله أعلم.
قوله: "ملك نصاباً زكاتياً" 1.
هذا لحنٌ، وصوابه عند أهل العربية "زكوياً" 2 والله أعلم.
سقوط الأجرة بانهدام الدار 3 واقع بطريق إنفساخ العقد الموجب للأجرة، فإنه قضية المعاوضة، فكان دالاً على عدم 4 استقرارها.
وسقوط نصف الصداق 5 بالطلاق قبل الدخول ليس بطريق الانفساخ فإن الطلاق تصرف في المعقود عليه يُضاهي التصرف في العبد المشترى بالعتق، وإنما الطلاق سبب مبتدأ أوجب للزوج ملكاً 6 مجدداً في شرط الصداق فلم يكن دالاً على 7 عدم 8 استقرار ملكها الصداق قبل الدخول 9. والله أعلم.
قوله 10: "قال الشافعي - رحمه الله - إذا قال بلسانه هذا زكاة مالي أجزأه" 11 علّقت مما علق عن صاحب الكتاب في تدريسه له بطوس 12 من خط ظابط من
تلامذته مما 1 اختصاره، أن من أصحابنا من أجراه على ظاهره، وقال يكفي الذكر باللسان 2؛ لأنّ هذا يشبه المعاوضة، (والمعاوضة) 3 يكفي 4 فيها الإيجاب، والقبول من غير نية.
قلت: وجه شبهه بالمعاوضة أنه تمليك.
قال: "وليس بشيء، وإنما قال الشافعي - رحمه الله - ذلك؛ لأن ذكر اللسان ها هنا لا ينفك عن نية القلب بخلاف الصلاة، والوضوء؛ لأنهما يتكرران كثيراً، فقد ينوي باللسان والقلب ذاهل" 5. والله أعلم.
قوله: "لو قال هذا عن مالي الغائب إن كان باقياً، وإن كان تالفاً فعن الحاضر، أو هو صدقة جاز؛ لأنّ مقتضى الإطلاق هذا، وقال صاحب "التقريب" يقع عن الغائب (إن كان باقياً، وإن كان تالفاً لم يقع عن الحاضر) 1 2؛ لأنه بناه على فوات الغائب والأصل 3 عدم التعيين 4 " 5.
هذا من المشكلات الصعبة التي لا يفطن لها 6 لكونها لها ظاهر يفهم منه ما يتوهم أنه المراد، مع كونه ليس بالمراد، والإشكال منه في مواضع:
الأول: في قوله: "أو هو صدقة" يفهم منه أنه ردّد بين 7 الأمرين، وليس كذلك، فإنه لو ردد بينهما لم يقع عن الحاضر لفساد النية بالتّردّد، وإنما المراد أنه قال: عن الحاضر فحَسْب، أو قال: هو صدقة فحسب يعني صدقة التطوع 8، وهذا لفظه 9 في "البسيط" 10 و"الوجيز" 11 أيضاً 12، وفي بعض نسخ "الوسيط" "أو قال: هو صدقة" وهذه عبارة لا بأس بها.
والله أعلم.
الإشكال الثاني: في قوله: "لأن مقتضى 1 الإطلاق هذا" يفهم منه أنه في صورة الإطلاق، وهي ما إذا أخرج مطلقاً من غير تعيين لمال 2 وقع عن الغائب إذا كان باقياً، وإن كان تالفاً فعن الحاضر وليس كذلك، فإنه عند الإطلاق لا يقع عن الغائب بعينه إذا كان باقياً، فإذاً قوله: "لأن مقتضى الإطلاق هذا" تفسيره أن مقتضى الإطلاق الوقوع عن الحاضر على تقدير تلف الغائب، وهذا هو المقصود بالكلام، وفيه الاختلاف المذكور 3. والله أعلم.
الإشكال الثالث: في قوله: قال صاحب التقريب: كذا وكذا، المفهوم منه أنه جزم بذلك، وإنما ذكر أن وقوعه عن الحاضر على تقدير تلف الغائب احتمالاً، وهكذا حكاه هو في "البسيط" 4 وشيخه في "النهاية" 5. والله أعلم.
6 الإشكال الرابع: في قوله: "لأنه بناه على فوات الغائب والأصل عدم التعيين" تفسيره: أن الأصل عدم التعين 7 الحاضر بفوات الغائب؛ لأن الأصل
عدم فواته فلا يصح نيته بالنسبة إلى 1 الحاضر لما فيها من التردد والشك وعدم ابتنائها على استصحاب أصلٍ بخلاف الغائب.
والله أعلم.
ذكر أن في جواز تقديم نية الزكاة على التسليم إلى المستحق، أو نائبه 2 (ثلاثة أوجه، وأن الثالث: أنه 3 إن قدر 4 على التسليم إلى المستحق أو نائبه) 5 (ولكن إن 6 اقترنت بتسليمه إلى الوكيل 7 الذي وكله في التسليم إلى المستحق، أو نائبه) 8 جاز وإلا فلا.
ثمّ قال: "ولو سلم إلى الوكيل من وكله 9 في النية عند التفريق فجائز" 10 فهذا لم يذكره تماماً 11 للوجه الثالث مخصوصاً 12 دون الوجهين المتقدمين، بل هو كلام مستأنف، والجواز فيه ثابت عنده على الوجوه الثلاثة اتفاقاً 13. والله أعلم.
ما ذكره من أن الساعي يرد المواشي إلى منهلٍ قريب 1، يريد به قريباً من المرعى، أي كل ماشيةٍ إلى منهلها، وقد فسرنا المنهل في الباب الخامس من كتاب الصلاة 2. والله أعلم.
قوله: "وأُتِي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقة أبي أوفى، فقال - صلى الله عليه وسلم - (اللهم صلّ على أل أبي أوفى) 3.
هذه عبارة 4 ربما أوهَمت أن الآتي بها غير أبي أوفى 5، إنما هو أبو أوفى، ثبت في الصحيحين 6 عن عبد الله 7 بن أبي أوفى قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا
أتاه قوم بصدقة قال: (اللهم صلّ عليهم) فأتاه أبي 1 أبو أوفى بصدقته فقال: (اللهم صلّ على آل أبي أوفى).
والله أعلم.
قوله: "لما روي أن العباس استلف منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة عامين" 2.
هذا مروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أخرجه أبو داود وابن ماجة 3. والترمذي 4 في موضعين من كتابه، وذكر في أحدهما: أنه حديث حسن،
وأخرج مسلم في صحيحه 1 بمعناه من حديث أبي هريرة 2. والله أعلم.
قوله: في تعجيل صدقة عامين "الصحيح بحكم الخبر جوازه" 3.
وهو كما قال 4 ويشكل على وجه المنع، و 5 الجواب عن الخبر، وقد 6 قال صاحب "التهذيب" 7 الأصح أنه لا يجوز 8.
قوله: "استلف منه صدقة عامين" أي مرتين، أو صدقة مالين لكل واحد حول 9 منفرد 10. والله أعلم.
دخول شهر رمضان في تعجيل زكاة الفطر 1 بمثابة انعقاد الحول على النصاب 2، وقد احتج الشافعي فيه بفعل ابن عمر - رضي الله عنهما - وإخراجه زكاة الفطر قبل الفطر بيومين أو ثلاثة 3، وذلك يصلح للاحتجاج 4 به عند الإيثار 5 من غير نكير - والله أعلم.
ذكر أن 6 الصحيح في الرُّطب والعنب، أنه لا يجوز تعجيل زكاتهما قبل الجفاف، ثمّ ذكر في الحبّ أن الصحيح جواز أداء زكاته عند الإدراك قبل الفرك والتنقية 7.
وهذا قد يتوهم منه افتراق النوعين فيما هما فيه غير مفترقين، فنقول: ما ذكره من الفرق بين النوعين في الجواز على ما هو الصحيح عنده (ليس هو 1 في حالة واحدة لهما) 2 إنما هو في حالتين غير متساويتين، فاختياره في الجواز 3 في الرُّطب والعنب إنما هو قبل الإدراك وهو أن يصيرا تمراً و 4 زبيباً.
واختياره 5 الجواز 6 في الحبّ إنما هو عند إدراكه وتهيؤُه للدوَّاس 7 والتنقية، والجواز ثابت عند الإدراك فيهما 8 غير أن في الحبّ قبل تنقيته وجهاً أنه لا يجوز 9 من جهة 10 أنه لا يتحقق بلوغه نصاباً فلو تيقن كونه نصاباً لم يكن للمنع مساغ.
والاشتداد 1 في الحبّ مثل 2 بدو الصلاح في الثمار مثل أن يبدو الزَّهْوُ 3 في ثمرة النخل، وهو أن يحمرّ أو يصفرّ، فمن الاشتداد إلى التنقية ومن الزهو إلى الجفاف وجهان في جواز التعجيل: أحدهما: أنه يجوز 4، وهذا هو الأرجح، وإن كان صاحب الكتاب قد رجح عدم الجواز 5، وتعجب إمام الحرمين 6 من اختلاف أئمتنا في هذا مع قولهم: بأن الزكاة تجب باشتداد الحب، وبدو الزهو 7 كما سيأتي إن شاء الله تعالى، مع أن التعجيل يقع قبل الوجوب، وهذا اختلاف منهم في التعجيل بعد الوجوب، ثمّ قال: "السرّ فيه أنا إن 8 قلنا: بوجوب الزكاة بعد الصلاح،
فإنا لا نوجب إخراجها إلى 1 التنقية والتجفيف.
وفائدة الحكم بالوجوب منع 2 التصرف في حق المساكين من الزروع 3 والثمار، فصار عدم الإيجاب للإخراج قريباً بما قبل حلول 4 الحول في 5 المواشي وغيرها".
والله أعلم.
قوله: فيما يطرأ على قابض الزكاة المعجلة 6 من موانع الإجزاء "أو استغنى بمال آخر" 7 ليس على حالة واحدة، إنما قال: "آخر" احترازاً مما إذا استغنى بالزكاة، فإنه لا يمنع؛ لأنه المقصود منها (7). والله أعلم.
قوله: "فيما إذا ثبت للمالك الرجوع فيما عجله، وقد تعيّب في يد القابض ففي وجوب الأرش عليه وجهان: أقيسهما: الوجوب قياساً للجزء على الكل.
والثاني: لا، كما لو ردّ العوض في البيع، ووجد بالمعوض عيباً قنع به وإن كان يستحق بدله عند الفوات، وفي هذا الاستشهاد أيضاً نظر" 8.
هذا قد استبعده أيضاً إمام الحرمين 9، ولم يذكرا 10 وجهه.
قلت: وجهه - والله أعلم - إن الجزء وصف 1 لا يقابله شيء من العوض المسمى المستحق 2 في العقد 3 على ما عرف فلم يعوض أيضاً بالأرش 4 عند الفوات بل يخير بين 5 أن يرضى به فيأخذه معيباً من غير أرش، وبين أن لا يرضى به ويعدل عنه إلى القيمة، ولهذا 6 كان في العيب الذي يجده المشتري بالمبيع لا يملك طلب 7 الأرش مهما تمكن من الرد.
ما ذكره في الوجهين، في ردّ الزوائد 8 المنفصلة من أن "مأخذهما إن أداه متردد بين وجود التمليك وعدمه، أو هو تمليك لا محالة" 9.
قد كنت أتأول التردد الذي ذكره فيه على أصل الاحتمال، وإن كان مرجوحاً، فإنه إذا حملناه على ظاهره، وهو تردد الشك لزم منه أن لا يملك المسكين القابض التصرفَ فيه، ولا يعرف في جواز تصرفه في ذلك خلاف 10
حتى وجدت شيخه الإمام قد عبّر عنه بأن الملك على هذا موقوف إلى أن ينكشف الأمر في المال 1، فهذا إذاً مستنكر جداً، وكتب الأصحاب فيما نعلم قاطبةً بخلافه، وبالحكم بثبوت الملك وجواز التصرف 2، وذلك؛ لأن (الأصل و) 3 الظاهر كيف ما قدرت جهة الملك (وجواز التصرف، وكان 4 ذلك؛ لأن الأصل) 5 عدم الطوارئ المانعة من الملك.
والله أعلم.
ما ذكره 6 من أنا وإن قلنا: إن الواجب ينبسط على الوقص، فلا يسقط 7 على وجه شيء من الواجب بتلف الوقص بعد الحول، وقبل التمكن من الأداء على قولنا: إن 8 التمكن شرط للضمان؛ لأن الوقص وقاية للنصاب 9.
معناه: أنه كما جعل في القراض الربح وقاية لرأس المال (حتى لا ينقص بالخسران شيء من رأس المال) 10 ما بقي شيء 11 من الربح، فكذلك الوقص
لا يسقط إذا تلف شيء مما عنده يحسب من الوقص، ولا يحسب من النصاب شيء من واجب النصاب تلف شيء 1 مما عنده ما بقي شيء من الوقص.
ثمّ إن هذا الوجه إنما قاله إمام الحرمين 2، وتفرد به ولم يورده صاحب الكتاب كما 3 قاله، وذلك أن صاحب الكتاب نقل القولين على ما ذكرهما الأئمة من قبل:
أحدهما: أنه لا ينبسط الواجب على الوقص أصلاً 4.
والثاني: أنه ينبسط 5، فعلى هذا يسقط 6 بتلف الوقص شيء من الواجب، ثمّ ذكر قول الإمام أنه وقاية فلا يسقط شيء، ولم يقله الإمام هكذا ولكن قال: بعد 7 حكايته نقل الأئمة، ينبغي أن يقطع بالانبساط، وتردد 8 القولين إلى أنه هل يسقط بتلف الوقص شيء من الواجب؟ فعلى قول لا يسقط، 9 ونجعله وقايةً للنصاب، وعلى قول يسقط.
والله أعلم.
ذكر أن إمكان الأداء يفوت بأمرين: أحدهما: غيبة 1 المال الذي وجبت فيه الزكاة، وقال: "فإنا إن جوزنا نقل الصدقة فلا نوجب إخراج الزكاة من مال 2 آخر ما لم يتيقن بقاء المال" 3.
هذه العبارة فيها تساهل فإن إمكان الأداء مع ذلك من 4 مال آخر قائم ولكن أراد إمكان الأداء الواجب.
فقوله 5: "ما لم يتيقن بقاء المال" يشعر بأنه لو تيقن بقاء المال لوجب الإخراج من مال آخر، وليس كذلك، فإنه حينئذٍ يجوز له الإخراج من غير 6 المال، ولكنه أراد نفي وجوب الإخراج أصلاً، وخصّ المال الآخر بالذكر؛ لأن 7 الكلام فيه.
والله أعلم.
قوله: "الثاني 8 غيبة المستحق وهو المسكين في المال الباطن، والسلطان في المال الظاهر على أحد القولين" 9.
أراد بالمستحقّ، مستحقّ الأخذ لا مستحق المأخوذ.
وقوله: "وهو المسكين في المال الباطن" حصر له في المسكين 1 وليس بمنحصر فإنه يجوز صرف زكاة المال الباطن 2 إلى السلطان أيضاً 3، فينبغي أن يقول: وهو المسكين أو 4 السلطان أو نائبه.
قوله: "وعلى أحد القولين" يعني به القول بوجوب صرف زكاة المال الظاهر 5 إلى الإمام 6. والله أعلم.
ثمّ إنه حصر فوات الإمكان في الأمرين المذكورين، وليس منحصراً فيها، إذ يفوت إمكان الأداء أيضاً بمانع في نفسه، ومن ذلك أن يكون مشغولاً بأمر مهمَّ دينيّ، أو دنيويّ، وقد ذكر ذلك غيره 7. والله أعلم.