مقدمة المؤلف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
- الطبعة
- الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]
الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ [بْنِ الْخَطَّابِ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ 1 قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُطْبَةً فَذَكَرَ بَدْءَ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ» 2 .
وَهَكَذَا فِي التَّوْرَاةِ 3 [مَا يُوَافِقُ] 4 خَبَرَ اللَّهِ 5 فِي الْقُرْآنِ، وَأَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ مَغْمُورَةً بِالْمَاءِ، وَالْهَوَاءُ يَهُبُّ 6 فَوْقَ الْمَاءِ، وَأَنَّ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ فِي أَيَّامٍ.
وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ: مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَلَقَ هَذَا الْعَالَمَ مِنْ مَادَّةٍ أُخْرَى، وَأَنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ 7 قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.
وَلَيْسَ فِيمَا أَخْبَرَ [اللَّهُ تَعَالَى] بِهِ 8 فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ، وَلَا أَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَ أَوِ الْجِنَّ أَوِ الْمَلَائِكَةَ 9 مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ، بَلْ يُخْبِرُ اللَّهُ أَنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ مِنْ مَادَّةٍ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَادَّةُ مَخْلُوقَةً مِنْ مَادَّةٍ أُخْرَى، كَمَا خَلَقَ الْإِنْسَ 10 مِنْ آدَمَ وَخَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ، وَفِي صَحِيحِ
مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «خَلَقْتُ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُورٍ، وَخَلَقْتُ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (1) ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» " (2) .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ الْقُدَمَاءِ لَا يُخَالِفُ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ مِنْ مَادَّةٍ، بَلِ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي تِلْكَ الْمَادَّةِ: هَلْ هِيَ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ، أَوْ مُحْدَثَةٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، أَوْ مُحْدَثَةٌ مِنْ مَادَّةٍ أُخْرَى بَعْدَ مَادَّةٍ؟ قَدْ تَضْطَرِبُ النُّقُولُ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ مَا يَقُولُهُ كُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهَا أُمَّةٌ عُرِّبَتْ كُتُبُهُمْ، وَنُقِلَتْ مِنْ لِسَانٍ إِلَى لِسَانٍ، وَفِي مِثْلِ ذَلِكَ قَدْ يَدْخُلُ مِنَ الْغَلَطِ وَالْكَذِبِ مَا لَا يُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ.
وَلَكِنْ مَا تَوَاطَأَتْ بِهِ النُّقُولُ عَنْهُمْ يَبْقَى (3) مِثْلَ الْمُتَوَاتِرِ، وَلَيْسَ لَنَا غَرَضٌ مُعَيَّنٌ (4) فِي مَعْرِفَةِ قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بَلْ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 134، 141] .
ضلال أرسطو وأتباعه وشركهم
لَكِنَّ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ [هَؤُلَاءِ] 5 أَصْحَابَ التَّعَالِيمِ كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ كَانُوا مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا يَعْرِفُونَ النُّبُوَّاتِ وَلَا الْمَعَادِ الْبَدَنِيِّ، وَأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى خَيْرٌ مِنْهُمْ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالْمَعَادِ.1234
وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ نَفْسَ فَلْسَفَتِهِمْ تُوجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَقُولُوا بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، عُلِمَ أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، كَمَا أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ، وَأَنَّهُمْ فِي تَبْدِيلِ الْقَوَاعِدِ الصَّحِيحَةِ الْمَعْقُولَةِ مِنْ جِنْسِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي تَبْدِيلِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْبَابِ.
ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ 1 لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَعْقُولِ مَا يَعْرِفُونَ بِهِ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ، فَيَكْفِي فِي ذَلِكَ إِخْبَارُ الرُّسُلِ بِاتِّفَاقِهِمْ عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَحُدُوثِ هَذَا الْعَالَمِ، وَالْفَلْسَفَةُ الصَّحِيحَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْمَعْقُولَاتِ الْمَحْضَةِ تُوجِبُ عَلَيْهِمْ تَصْدِيقَ الرُّسُلِ فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ 2 ، وَتُبَيِّنُ أَنَّهُمْ عَلِمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقٍ يَعْجَزُونَ عَنْهَا، وَأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِالْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَعَادِ وَمَا يُسْعِدُ النُّفُوسَ 3 وَيُشْقِيهَا مِنْهُمْ، وَتَدُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ الرُّسُلَ كَانَ سَعِيدًا فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ كَذَّبَهُمْ كَانَ شَقِيًّا فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ الرَّجُلُ مِنَ الطَّبِيعِيَّاتِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ مَا عَسَى أَنْ يَعْلَمَ وَخَرَجَ عَنْ دِينِ الرُّسُلِ كَانَ شَقِيًّا، وَأَنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ كَانَ سَعِيدًا فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَلَكِنَّ 4 سَلَفَهُمْ أَكْثَرُوا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنْ آثَارِ الرُّسُلِ مَا يَهْتَدُونَ بِهِ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَمَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ، وَكَانَ
الشِّرْكُ مُسْتَحْوِذًا عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ السِّحْرِ وَالْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَكَانُوا يُنْفِقُونَ أَعْمَارَهُمْ فِي رَصْدِ الْكَوَاكِبِ لِيَسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلَى السِّحْرِ وَالشِّرْكِ، وَكَذَلِكَ الْأُمُورُ الطَّبِيعِيَّةُ.
وَكَانَ مُنْتَهَى عَقْلِهِمْ أُمُورًا عَقْلِيَّةً كُلِّيَّةً، كَالْعِلْمِ بِالْوُجُودِ الْمُطْلَقِ (* وَانْقِسَامِهِ إِلَى عِلَّةٍ وَمَعْلُولٍ وَجَوْهَرٍ وَعَرَضٍ، وَتَقْسِيمِ الْجَوَاهِرِ، ثُمَّ تَقْسِيمِ الْأَعْرَاضِ.
وَهَذَا هُوَ عِنْدَهُمُ الْحِكْمَةُ الْعُلْيَا وَالْفَلْسَفَةُ الْأُولَى، وَمُنْتَهَى ذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْوُجُودِ الْمُطْلَقِ *) 1 الَّذِي لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ دُونَ الْأَعْيَانِ.
وَمِنْ هُنَا دَخَلَ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ كَابْنِ عَرَبِيٍّ 2 وَابْنِ سَبْعِينَ 3 وَالتِّلِمْسَانِيِّ 4 وَغَيْرِهِمْ، فَكَانَ مُنْتَهَى مَعْرِفَتِهِمْ
الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ.
ثُمَّ ظَنَّ مَنْ ظَنَّ مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوُجُودُ الْوَاجِبُ، وَفِي ذَلِكَ 1 مِنَ الضَّلَالِ مَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ 2 .
وَجَعَلُوا غَايَةَ سَعَادَةِ النَّفْسِ أَنْ تَصِيرَ عَالَمًا مَعْقُولًا 3 مُطَابِقًا لِلْعَالَمِ الْمَوْجُودِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إِلَّا مُجَرَّدُ عُلُومٍ مُطْلَقَةٍ، لَيْسَ فِيهَا عِلْمٌ بِمَوْجُودٍ مُعَيَّنٍ، لَا بِاللَّهِ وَلَا بِالْمَلَائِكَةِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَيْسَ فِيهَا مَحَبَّةٌ لِلَّهِ وَلَا عِبَادَةٌ لِلَّهِ 4 فَلَيْسَ فِيهَا عِلْمٌ نَافِعٌ، وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ، وَلَا مَا يُنَجِّي النُّفُوسَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ 5 فَضْلًا عَلَى أَنْ يُوجِبَ لَهَا السَّعَادَةَ.
وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ 6 ، وَإِنَّمَا جَاءَ ذِكْرُهُ هُنَا بِالْعَرْضِ؛ لِنُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ مَنْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقِ الْمُرْسَلِينَ فَلَيْسَ مَعَهُ فِي خِلَافِهِمْ لَا مَعْقُولٌ صَرِيحٌ، وَلَا مَنْقُولٌ صَحِيحٌ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الْجَهْلِ وَالِاعْتِقَادِ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْخِطَابُ كَافٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَتَفْصِيلُهُ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَدْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ
أدلة السمع على حدوث العالم لا يمكن تأويلها
وَالنَّصَارَى 1 وَغَيْرِهِمْ، فَبَيَّنُوا فَسَادَ مَا سَلَكَهُ 2 الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ، وَذَكَرُوا الْحُجَجَ الْمَنْقُولَةَ عَنْ أَرِسْطُو وَغَيْرِهِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَبَيَّنُوا فَسَادَهَا، ثُمَّ قَالُوا: نَتَلَقَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ 3 مِنَ السَّمْعِ، فَالرُّسُلُ قَدْ أَخْبَرَتْ بِمَا لَا يَقُومُ دَلِيلٌ [عَقْلِيٌّ] 4 عَلَى نَقِيضِهِ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ فِي هَذَا.
وَلَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مُرَادُهُمْ، فَلَيْسَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ إِلَّا التَّكْذِيبُ الْمَحْضُ لِلرُّسُلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْمِلَلِ، سَلَفِهِمْ وَخَلَفِهِمْ، بَاطِنًا وَظَاهِرًا، فَيُمْتَنَعُ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ الرُّسُلُ كَانَتْ مُضْمِرَةً لِخِلَافِ ذَلِكَ، كَمَا يَقُولُهُ [مَنْ يَقُولُهُ] 5 مِنْ هَؤُلَاءِ الْبَاطِنِيَّةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ مَا يُنَافِيهِ مِنَ الْمَعْقُولَاتِ فَهُوَ فَاسِدٌ يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مَا يُصَدِّقُ ذَلِكَ، ثُمَّ كُلٌّ مِنْهُمْ يَسْلُكُ فِي ذَلِكَ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ [وَالضَّرُورَةِ] 6 أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُحْدِثٍ
لِلْمُحْدَثَاتِ، وَفَاعِلٍ لِلْمَصْنُوعَاتِ، وَأَنَّ كَوْنَ 1 الْمَفْعُولِ [مُقَارِنًا لِفَاعِلِهِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَعَهُ مُمْتَنَعٌ فِي فِطَرِ الْعُقُولِ.
وَهَذَا مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى هَؤُلَاءِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا بُيِّنَ لَهُمْ فَسَادُ قَوْلِ إِخْوَانِهِمْ، وَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْفَاعِلَ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِهِ مِنَ الْأَحْوَالِ مِمَّا يَصِيرُ بِهِ فَاعِلًا، امْتَنَعَ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ الْمُعَيَّنُ] 2 مُقَارِنًا لَهُ أَزَلًا 3 وَأَبَدًا، فَإِنَّ هَذَا إِخْرَاجٌ لَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ.
السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ لِهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ جَمِيعًا: أَصْلُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَى الْوُجُودِ، وَالْفَلْسَفَةُ مَعْرِفَةُ الْوُجُودِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَالْفَلْسَفَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الْعُلُومُ الْوُجُودِيَّةُ الَّتِي بِهَا يُعْرَفُ الْوُجُودُ، وَأَنْتُمْ لَا تُثْبِتُونَ [شَيْئًا] 4 فِي الْغَالِبِ إِلَّا بِقِيَاسٍ: إِمَّا شُمُولِيٍّ وَإِمَّا تَمْثِيلِيٍّ، فَهَلْ عَلِمْتُمْ فَاعِلًا يَلْزَمُهُ مَفْعُولُهُ أَوْ يُقَارِنُهُ 5 فِي زَمَانِهِ لَا يَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا، سَوَاءٌ كَانَ فَاعِلًا بِالْإِرَادَةِ أَوْ بِالطَّبْعِ؟ .
وَهَلْ عَلِمْتُمْ فَاعِلًا لَمْ يَزَلْ 6 مُوجِبًا لِمَفْعُولِهِ، وَلَمْ يَزَلْ مَفْعُولُهُ مَعْلُولًا لَهُ؟ فَهَذَا شَيْءٌ لَا تَعْقِلُونَهُ أَنْتُمْ وَلَا غَيْرُكُمْ، فَكَيْفَ تُثْبِتُونَ بِالْمَعْقُولِ 7 مَا لَا يُعْقَلُ أَصْلًا مُعَيَّنًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُعْقَلَ مُطْلَقًا 8 ؟ وَالْمُطْلَقُ فَرْعُ
الْمُعَيَّنِ، فَمَا لَا يَكُونُ مَوْجُودًا مُعَيَّنًا لَا يُعْقَلُ لَا مُعَيَّنًا وَلَا مُطْلَقًا، وَلَكِنْ يُقَدَّرُ تَقْدِيرًا فِي الذِّهْنِ كَمَا تُقَدَّرُ الْمُمْتَنَعَاتُ.
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مُمْكِنًا فِي الْخَارِجِ يَكُونُ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ، أَوْ بِوُجُودِ مَا ذَلِكَ الشَّيْءُ أَوْلَى بِالْوُجُودِ مِنْهُ، كَمَا يَذْكُرُهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي تَقْرِيرِ إِمْكَانِ الْمَعَادِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [سُورَةُ غَافِرٍ: 57] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [سُورَةُ الرُّومِ: 27] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى - ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى - فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى - أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [سُورَةُ الْقِيَامَةِ: 37، 40] 1 ، وَقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سُورَةُ الْأَحْقَافِ: 33] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [سُورَةُ يس: 78] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [سُورَةُ يس: 81] ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِعَادَةَ الْخَلْقِ أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ مِنَ ابْتِدَائِهِ، وَخَلْقُ الصَّغِيرِ أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ مِنْ خَلْقِ الْعَظِيمِ.
فَأَمَّا مَا لَا 2 يُعْلَمُ أَنَّهُ مُمْكِنٌ إِذَا عُرِضَ عَلَى الْعَقْلِ وَلَمْ يُعْلَمِ امْتِنَاعُهُ، فَإِمْكَانُهُ ذِهْنِيٌّ، بِمَعْنَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ، لَيْسَ إِمْكَانُهُ خَارِجِيًّا، بِمَعْنَى الْعِلْمِ بِالْإِمْكَانِ فِي الْخَارِجِ.
وَلِهَذَا مَا تَذْكُرُهُ طَائِفَةٌ مِنَ النُّظَّارِ كَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَرِّرَ
إِمْكَانَ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ وُجُودُهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ، مُجَرَّدُ دَعْوَى.
وَغَايَتُهُ أَنْ يَقُولَ: لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ، وَعَدَمُ [الْعِلْمِ] 1 لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ 2 ، فَهَؤُلَاءِ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُثْبِتُوا إِمْكَانَ كَوْنِ الْمَفْعُولِ لَازِمًا لِفَاعِلِهِ، لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمُوا ثُبُوتَ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ، أَوْ ثُبُوتَ مَا ذَاكَ أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ مِنْهُ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ.
فَلَا يُعْلَمُ قَطُّ فَاعِلٌ إِلَّا فَاعِلًا يُحْدِثُ فِعْلَهُ أَوْ مَفْعُولَهُ، 3 لَا يُقَارِنُهُ مَفْعُولُهُ الْمُعَيَّنُ وَيُلَازِمُهُ، بَلْ هَذَا إِلَى 4 نَفْيِ كَوْنِهِ فَاعِلًا وَوَصْفِهِ بِالْعَجْزِ عَنْ نَفْيِ اللَّازِمِ لَهُ، أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى كَوْنِهِ فَاعِلًا قَادِرًا، فَقَدْ جَعَلُوا اللَّهَ مَثَلَ السَّوْءِ، وَهَذَا بَاطِلٌ.
وَالْوَاجِبُ فِي الْأَدِلَّةِ 5 الْإِلَهِيَّةِ أَنْ يُسْلَكَ بِهَا هَذَا الْمَسْلَكُ فَيُعْلَمَ أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ كَانَ لِمَخْلُوقٍ فَالْخَالِقُ أَحَقُّ بِهِ، فَإِنَّ كَمَالَ الْمَخْلُوقِ مِنْ كَمَالِ خَالِقِهِ، وَعَلَى اصْطِلَاحِهِمْ كَمَالُ الْمَعْلُولِ مِنْ كَمَالِ الْعِلَّةِ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ أَكْمَلُ مِنَ الْمُمْكِنِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِكُلِّ كَمَالٍ مُمْكِنٍ لَا نَقْصَ فِيهِ مِنْ كُلِّ مُمْكِنٍ، وَيُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ نَقْصٍ تَنَزَّهَ عَنْهُ مَخْلُوقٌ فَالْخَالِقُ أَحَقُّ بِتَنْزِيهِهِ عَنْهُ، فَإِنَّ النَّقْصَ يُنَاقِضُ الْكَمَالَ، فَإِذَا كَانَ أَحَقَّ بِثُبُوتِ الْكَمَالِ كَانَ أَحَقَّ بِنَفْيِ النَّقْصِ، وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ بُرْهَانِيَّةٌ يَقِينِيَّةٌ، وَهُمْ يُسَلِّمُونَهَا.
وَهُمْ يَقُولُونَ أَيْضًا: إِنَّ الْفِعْلَ صِفَةُ كَمَالٍ، وَيَرُدُّونَ عَلَى مَنْ يَقُولُ مِنْ
أَهْلِ الْكَلَامِ إِنَّهُ لَيْسَ صِفَةَ كَمَالٍ وَلَا نَقْصٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 17] .
وَإِذَا 1 كَانَ كَذَلِكَ، فَمِنَ الْمَعْقُولِ أَنَّ الْفَاعِلَ الَّذِي يَفْعَلُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ 2 أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ وَلَا إِرَادَةَ، وَالْفَاعِلُ 3 الْقَادِرُ الْمُخْتَارُ الَّذِي يَفْعَلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، أَكْمَلُ مِمَّنْ يَكُونُ مَفْعُولُهُ لَازِمًا لَهُ يَقْدِرُ عَلَى إِحْدَاثِ شَيْءٍ وَلَا تَغْيِيرِهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، إِنْ كَانَ يَعْقِلُ فَاعِلًا يَلْزَمُهُ مَفْعُولُهُ 4 الْمُعَيَّنُ، فَإِنَّ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ مَفْعُولَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَيَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، أَكْمَلُ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ.
فَلِمَاذَا يَصِفُونَ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِالْفِعْلِ النَّاقِصِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا؟ كَيْفَ وَمَا ذَكَرُوهُ مُمْتَنَعٌ، لَا يُعْقَلُ فَاعِلٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَالُوهُ؟ .
بَلْ مَنْ قَدَّرَ شَيْئًا فَاعِلًا لِلَازِمِهِ الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ بِحَالٍ، كَانَ مُخَالِفًا لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ عِنْدَ النَّاسِ، وَقِيلَ لَهُ: هَذَا صِفَةٌ لَهُ 5 أَوْ مُشَارِكٌ لَهُ لَيْسَ مَفْعُولًا لَهُ.
وَلَوْ قِيلَ لِعَامَّةِ الْعُقَلَاءِ السَّلِيمِي الْفِطْرَةِ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَعَ هَذَا فَلَمْ تَزَالَا مَعَهُ، لَقَالُوا: هَذَا يُنَافِي خَلْقَهُ لَهُمَا، فَلَا يُعْقَلُ خَلْقُهُ لَهُمَا إِلَّا إِذَا خَلَقَهُمَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونَا مَوْجُودَتَيْنِ.
وَأَمَّا إِذَا قِيلَ: لَمْ تَزَالَا مَوْجُودَتَيْنِ 6 كَانَ الْقَوْلُ مَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ خَلَقَهُمَا جَمِيعًا
بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ 1 فِي فِطَرِ النَّاسِ وَعُقُولِهِمُ الَّتِي لَمْ تُغَيَّرْ 2 عَنْ فِطْرَتِهَا.
وَلِهَذَا كَانَ مُجَرَّدُ إِخْبَارِ الرُّسُلِ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَافِيًا فِي الْإِخْبَارِ بِحُدُوثِهِمَا، لَمْ يَحْتَاجُوا مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولُوا: خَلَقَهُمَا بَعْدَ 3 عَدَمِهِمَا، وَلَكِنْ أُخْبِرُوا 4 بِزَمَانِ خَلْقِهِمَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: 3] .
وَالْإِنْسَانُ لَمَّا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ خُلِقَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، ذُكِّرَ بِذَلِكَ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ عَلَى تَغْيِيرِ 5 الْعَادَةِ.
وَلِهَذَا ذَكَرَ تَعَالَى ذَلِكَ فِي خَلْقِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا [عَلَيْهِ السَّلَامُ] 6 ، وَفِي النَّشْأَةِ 7 الثَّانِيَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا - قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا - قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [سُورَةُ مَرْيَمَ: 7 - 9] ، [وَقَالَ تَعَالَى] : ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا - أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ ] 8 [سُورَةُ مَرْيَمَ: 66 - 67] .
فَذَكَّرَ الْإِنْسَانَ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَنَّهُ خَلَقَهُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا؛ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَعَلَى مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْهُ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا بِقِدَمِ الْعَالَمِ عَنْ عِلَّةٍ قَدِيمَةٍ، قَالُوا مَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ مُمْكِنٌ، لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا وُجُودُهُ مِنْ مُبْدِعِهِ، فَوَصَفُوا الْمَوْجُودَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا، الْوَاجِبَ بِغَيْرِهِ، بِأَنَّهُ مُمْكِنُ الْوُجُودِ.
فَخَالَفُوا بِذَلِكَ طَرِيقَ سَلَفِهِمْ وَمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ بَنِي آدَمَ مِنْ أَنَّ الْمُمْكِنَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعْدُومًا، وَلَا يُعْقَلُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ وَأَنْ لَا يُوجَدَ إِلَّا مَا كَانَ مَعْدُومًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَرِسْطُو وَقُدَمَاءِ الْفَلَاسِفَةِ، وَلَكِنَّ ابْنَ سِينَا وَأَتْبَاعَهُ خَالَفُوا هَؤُلَاءِ.
وَقَدْ تَعَقَّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ، وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يَعْقِلُ الْمُمْكِنَ إِلَّا مَا أَمْكَنَ وُجُودُهُ وَأَمْكَنَ عَدَمُهُ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَأَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا، أَيْ مُسْتَمِرُّ الْعَدَمِ.
وَلِهَذَا قَالُوا: إِنَّ الْمُمْكِنَ 1 لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ، كَمَا يُقَالُ: يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ الْمَرْأَةُ 2 وَأَنْ تُنْبِتَ الْأَرْضُ وَأَنْ يَتَعَلَّمَ الصَّبِيُّ، فَمَحَلُّ الْإِمْكَانِ هُوَ الرَّحِمُ وَالْأَرْضُ وَالْقَلْبُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ فِي هَذِهِ الْمَحَالِّ 3 مَا هِيَ قَابِلَةٌ لَهُ مِنَ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ وَالْعِلْمِ.
أَمَّا الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ - إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ - فَكَيْفَ يُقَالُ: يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ وَيُمْكِنَ أَنْ لَا يُوجَدَ؟ وَإِذَا قِيلَ: هُوَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ يَقْبَلُ الْأَمْرَيْنِ.
[قِيلَ] 4 : إِنْ أَرَدْتُمْ بِذَاتِهِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ فَذَاكَ لَا يَقْبَلُ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ الْوُجُودَ الْوَاجِبَ بِغَيْرِهِ لَا يَقْبَلُ الْعَدَمَ، إِلَّا أَنْ يُرِيدُوا أَنَّهُ يَقْبَلُ أَنْ يُعْدَمَ بَعْدَ وُجُودِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا بِغَيْرِهِ دَائِمًا، فَمَتَى قَبِلَ الْعَدَمَ
فِي الْمُسْتَقِيلِ أَوْ كَانَ مَعْدُومًا، لَمْ يَكُنْ أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا [قَدِيمًا] 1 وَاجِبًا بِغَيْرِهِ دَائِمًا، كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْعَالَمِ.
فَإِنْ أُرِيدَ بِقَبُولِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ مُمْتَنَعٌ.
وَإِنْ أُرِيدَ فِي الْحَالَيْنِ 2 : أَيْ يَقْبَلُ الْوُجُودَ تَارَةً وَالْعَدَمَ أُخْرَى 3 ، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا لِتَعَاقُبِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ ذَاتَهُ الَّتِي تَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ شَيْءٌ غَيْرُ الْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ، فَذَاكَ لَيْسَ بِذَاتِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: يُرِيدُ بِهِ أَنَّ مَا يَتَصَوَّرُهُ فِي النَّفْسِ يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ وَمَعْدُومًا، كَمَا يَتَصَوَّرُهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْأُمُورِ.
قِيلَ: هَذَا أَيْضًا يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِمْكَانَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعَدَمِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ إِنَّمَا هُوَ فِي شَيْءٍ يَتَصَوَّرُهُ الْفَاعِلُ فِي نَفْسِهِ، يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ وَيُمْكِنَ أَنْ يَبْقَى مَعْدُومًا، وَهَذَا إِنَّمَا يُعْقَلُ فِيمَا يُعْدَمُ تَارَةً وَيُوجَدُ أُخْرَى، وَأَمَّا مَا لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا وَاجِبًا 4 بِغَيْرِهِ، فَهَذَا لَا يُعْقَلُ فِيهِ الْإِمْكَانُ أَصْلًا، وَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: ذَاتُهُ تَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، كَانَ مُتَكَلِّمًا بِمَا لَا يُعْقَلُ.
وَهَذَا الْمَوْضِعُ قَدْ تَفَطَّنَ لَهُ أَذْكِيَاءُ النُّظَّارِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ عَلَى ابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ، كَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ هَذَا سُؤَالَاتٍ وَارِدَةٍ عَلَى الْمُمْكِنِ، كَمَا يَفْعَلُهُ الرَّازِيُّ وَأَتْبَاعُهُ، وَلَمْ يُجِيبُوا عَنْهُ 5 بِجَوَابٍ صَحِيحٍ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ابْنَ سِينَا فِي تَجْوِيزِهِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُمْكِنًا بِنَفْسِهِ وَاجِبًا بِغَيْرِهِ دَائِمًا أَزَلًا وَأَبَدًا.
بَلْ هَذَا بَاطِلٌ كَمَا عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأُمَمِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَيْهِ نَظَرُ الْمُسْلِمِينَ، [وَعَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْفَلَاسِفَةِ - أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ] 1 -: لَا يَكُونُ الْمُمْكِنُ عِنْدَهُمْ إِلَّا مَا يَكُونُ مَعْدُومًا تَارَةً وَمَوْجُودًا أُخْرَى، فَالْإِمْكَانُ وَالْعَدَمُ مُتَلَازِمَانِ.
وَإِذَا كَانَ مَا سِوَى الرَّبِّ تَعَالَى لَيْسَ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ، بَلْ كَانَ مُمْكِنًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَلَا بُدَّ لِيَصِحَّ وَصْفُهُ بِالْإِمْكَانِ.
وَهَذَا بُرْهَانٌ مُسْتَقِلٌّ فِي أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ [سُبْحَانَهُ] 2 خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، فَسُبْحَانَ مَنْ تَفَرَّدَ 3 بِالْبَقَاءِ وَالْقِدَمِ، وَأَلْزَمَ مَا سِوَاهُ بِالْحُدُوثِ عَنِ الْعَدَمِ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ 4 : وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْخَارِجِ عَيْنُ مَاهِيَّتِهِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ نُظَّارِ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فِي الْخَارِجِ [أَصْلًا] 5 ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ 6 لِلْمَوْجُودَاتِ مَاهِيَّاتٌ غَيْرُ مَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ، فَيُخَالِفُونَ مَنْ يَقُولُ: الْمَعْدُومُ شَيْءٌ، مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءِ الثَّابِتَ فِي الْخَارِجِ مُغَايِرٌ لِمَاهِيَّتِهِ وَلِحَقِيقَتِهِ الثَّابِتَةِ فِي الْخَارِجِ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ.
وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: وُجُودُ الشَّيْءِ فِي الْخَارِجِ زَائِدٌ عَلَى مَاهِيَّتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ، لَمْ يَكُنْ لِلْعَالَمِ فِي الْخَارِجِ ذَاتٌ غَيْرُ مَا هُوَ مَوْجُودٌ 1 فِي الْخَارِجِ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهَا تَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ.
وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي، فَإِنْ 2 قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا، لَمْ يَكُنْ لِلذَّاتِ حَالٌ تَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، بَلْ لَمْ تَزَلْ مُتَّصِفَةً بِالْوُجُودِ.
فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّ الْمُمْكِنَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، مَعَ قَوْلِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا، جَمْعٌ بَيْنَ قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ.
وَإِذَا قِيلَ: هُوَ مُمْكِنٌ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، كَانَ قَوْلُهُ أَيْضًا مُتَنَاقِضًا، سَوَاءٌ عَنَى بِذَاتِهِ الْوُجُودَ 3 فِي الْخَارِجِ أَوْ شَيْئًا آخَرَ يَقْبَلُ الْوُجُودَ فِي الْخَارِجِ.
فَإِنَّ تِلْكَ إِذَا لَمْ تَزَلْ مَوْجُودَةً، وَوُجُودُهَا وَاجِبٌ، لَمْ تَكُنْ قَابِلَةً لِلْعَدَمِ أَصْلًا، وَلَمْ يَكُنْ عَدَمُهَا مُمْكِنًا أَصْلًا.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: هِيَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، مَعَ قَوْلِهِ: [إِنَّهَا] 4 لَمْ تَزَلْ مَوْجُودَةً، مَعْنَاهُ أَنَّ الذَّاتَ لَمْ تَزَلْ مَوْجُودَةً وَاجِبَةً بِغَيْرِهَا يُمْتَنَعُ عَدَمُهَا، هِيَ بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ تَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، وَيُمْكِنُ فِيهَا هَذَا وَهَذَا، وَبُسِطَ هَذَا بِتَمَامِ الْكَلَامِ عَلَى الْمُمْكِنِ 5 ، كَمَا قَدْ بَسَطُوهُ فِي مَوْضِعِهِ.
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُمْكِنَ هُوَ الْفَقِيرُ الَّذِي لَا يُوجَدُ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُوجِدُهُ غَيْرُهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَا شَيْءٌ يُوصَفُ بِالْفَقْرِ وَالْإِمْكَانِ [وَقَبُولِ
الْعَدَمِ] 1 ، ثُمَّ يُوصَفُ بِالْغِنَى وَالْوُجُودِ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا غَنِيًّا، فَكَيْفَ يُوصَفُ بِفَقْرٍ وَإِمْكَانٍ؟ فَإِنَّهُ إِنْ حُكِمَ بِالْفَقْرِ وَالْإِمْكَانِ وَقَبُولِ الْعَدَمِ عَلَى الْمَوْجُودِ الْغَنِيِّ، كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنَعًا فِيهِ - كَمَا تَقَدَّمَ - إِذَا كَانَ لَا يَقْبَلُ الْعَدَمَ أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ حُكِمَ بِالْفَقْرِ وَالْإِمْكَانِ وَقَبُولِ الْعَدَمِ عَلَى مَا فِي الذِّهْنِ، بِمَعْنَى 2 أَنَّهُ يَفْتَقِرُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ إِلَى فَاعِلٍ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا ثُمَّ يُوجَدُ.
وَإِنْ قِيلَ: بَلْ فَاعِلُهُ يَتَصَوَّرُهُ فِي نَفْسِهِ مَعَ دَوَامِ فِعْلِهِ لَهُ، وَالْمُمْكِنُ هُوَ مَا فِي النَّفْسِ.
قِيلَ: مَا فِي النَّفْسِ الْوَاجِبُ وَاجِبٌ بِهِ لَا يَقْبَلُ الْعَدَمَ، وَمَا فِي الْخَارِجِ وَاجِبٌ بِهِ لَا يَقْبَلُ الْعَدَمَ، فَأَيْنَ الْقَابِلُ لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ؟ .
وَإِنْ قِيلَ: مَا تُصُوِّرَ فِي النَّفْسِ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ فِي الْخَارِجِ.
قِيلَ: هَذَا مُمْتَنَعٌ مَعَ وُجُوبِ وَجُودِهِ [دَائِمًا 3 فِي الْخَارِجِ، بَلْ هَذَا مَعْقُولٌ فِيمَا يُعْدَمُ تَارَةً وَيُوجَدُ أُخْرَى، فَإِذَا كَانَ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ مُمْكِنًا فَقِيرًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا تَارَةً وَمَعْدُومًا أُخْرَى 4 .
وَهَذَا الدَّلِيلُ مُسْتَقِرٌّ فِي فِطَرِ النَّاسِ، فَكُلُّ مَنْ يَتَصَوَّرُ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ مُحْتَاجًا إِلَى اللَّهِ مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ، لَيْسَ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ بَلْ وُجُودُهُ بِاللَّهِ، تَصَوَّرَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.
فَأَمَّا إِذَا قِيلَ: هُوَ فَقِيرٌ مَصْنُوعٌ مُحْتَاجٌ، وَأَنَّهُ دَائِمًا مَعَهُ لَمْ يَحْدُثْ عَنْ عَدَمٍ، لَمْ يُعْقَلْ هَذَا وَلَمْ يُتَصَوَّرْ إِلَّا كَمَا
تُتَصَوَّرُ الْمُمْتَنَعَاتُ، بِأَنْ يُقَدَّرَ فِي الذِّهْنِ تَقْدِيرًا لَا يُتَصَوَّرُ تَحَقُّقُهُ فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّ تَحَقُّقَهَا 1 فِي الْخَارِجِ مُمْتَنَعٌ.
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قِيلَ: الْمُحْوِجُ إِلَى الْمُؤَثِّرِ هُوَ الْإِمْكَانُ أَوْ هُوَ الْحُدُوثُ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ مُنَافَاةٌ، فَإِنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ حَادِثٌ، وَكُلُّ حَادِثٍ مُمْكِنٌ، فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ.
وَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ مَنْ قَالَ: إِنَّ 2 الْمُحْوِجَ إِلَى الْمُؤَثِّرِ هُوَ الْإِمْكَانُ وَالْحُدُوثُ جَمِيعًا.
فَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ صَحِيحَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ النِّزَاعُ لَمَّا ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَكُونُ الشَّيْءُ مُمْكِنًا مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ حَادِثٍ.
وَهَذَا الَّذِي قُرِّرَ فِي امْتِنَاعِ كَوْنِ الْعَالَمِ قَدِيمًا، وَامْتِنَاعِ كَوْنِ فَاعِلِهِ عِلَّةً قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً صَحِيحٌ، سَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّهُ مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ أَزَلِيَّةٍ مُسْتَلْزِمَةٍ لِاقْتِرَانِ مُرَادِهَا بِهَا 3 ، أَوْ قِيلَ: لَيْسَ بِمُرِيدٍ، وَسَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّهُ عِلَّةٌ لِلْفَلَكِ مَعَ حَرَكَتِهِ، أَوْ لِلْفَلَكِ بِدُونِ حَرَكَتِهِ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ مَا يُقَدَّرُ 4 قَدِيمًا مَعَهُ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ، أَوْ مُمْكِنًا أَنْ يُقَارِنَهُ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَادِثِ.
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا مَعَ اللَّهِ [تَعَالَى] 5 ؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ مُوجَبٍ تَامٍّ مُسْتَلْزِمٍ لِمُوجِبِهِ، وَثُبُوتُ هَذَا فِي الْأَزَلِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَالْحَوَادِثُ لَا تَحْدُثُ إِلَّا عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا أَزَلِيًّا
إِلَّا إِذَا حَدَثَ عَنْهُ شَيْءٌ، وَلَكِنَّ فَاعِلَ الْعَالَمِ يُمْتَنَعُ أَنْ لَا يَحْدُثَ عَنْهُ شَيْءٌ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِالذَّاتِ فِي الْأَزَلِ.
الأقوال المختلفة في إرادة الله تعالى
وَإِذَا قِيلَ: هُوَ مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ أَزَلِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِمُرَادِهَا الَّذِي هُوَ الْعَالَمُ، أَوْ يَتَأَخَّرُ 1 عَنْهَا مُرَادُهَا الَّذِي هُوَ حَوَادِثُهُ، كَانَ الْقَوْلُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ [إِلَّا] 2 إِرَادَةٌ أَزَلِيَّةٌ مُقَارِنَةٌ لِمُرَادِهَا 3 ، امْتَنَعَ أَنْ تَحْدُثَ عَنْهُ الْحَوَادِثُ، لَكِنَّهُ يُمْتَنَعُ أَنْ لَا تَحْدُثَ عَنْهُ الْحَوَادِثُ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ [إِلَّا] 4 إِرَادَةٌ أَزَلِيَّةٌ مُقَارِنَةٌ لِمُرَادِهَا، مَعَ أَنَّ الْإِرَادَةَ لِمَفْعُولَاتٍ لَازِمَةٍ لِلْفَاعِلِ غَيْرُ مَعْقُولٍ 5 ، بَلْ إِنَّمَا يُعْقَلُ فِي حَقِّ الْفَاعِلِ بِإِرَادَاتِهِ أَنْ يَفْعَلَ 6 شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّ الرَّبَّ 7 يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَإِنَّ الْكَلَامَ الْمَقْدُورَ الْمُعَيَّنَ قَدِيمٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ، فَإِذَا لَمْ يُعْقَلْ هَذَا فِي الْمَقْدُورِ الْقَائِمِ بِهِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ فِي الْمُبَايِنِ لَهُ؟ . وَإِذَا قِيلَ: لَهُ إِرَادَةٌ أَزَلِيَّةٌ مُقَارِنَةٌ لِلْمُرَادِ، وَإِرَادَةٌ أُخْرَى حَادِثَةٌ [مَعَ الْحَوَادِثِ] 8 . قِيلَ: فَحُدُوثُ هَذِهِ الْإِرَادَةِ الْحَادِثَةِ: إِنْ كَانَ بِتِلْكَ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ مُقَارَنَةُ مُرَادِهَا لَهَا، كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنَعًا؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ حَادِثَةٌ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ
تَكُونُ مُقَارِنَةً لِلْقَدِيمَةِ الَّتِي قَارَنَهَا 1 مُرَادُهَا.
وَإِنْ كَانَ بِدُونِ تِلْكَ الْإِرَادَةِ، لَزِمَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِدُونِ إِرَادَتِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ بِدُونِ إِرَادَتِهِ، فَلَا يَكُونُ فَاعِلًا مُخْتَارًا، فَإِنَّ الْإِرَادَةَ الْحَادِثَةَ إِنْ كَانَتْ فِعْلَهُ فَقَدْ حَدَثَتْ بِغَيْرِ إِرَادَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِعْلَهُ كَانَ قَدْ حَدَثَ حَادِثٌ بِلَا فِعْلِهِ، وَهَذَا مُمْتَنَعٌ، وَهُوَ مِمَّا أَنْكَرَهُ جَمَاهِيرُ النَّاسِ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الْبَصْرِيِّينَ فِي قَوْلِهِمْ بِحُدُوثِ إِرَادَةِ اللَّهِ بِدُونِ إِرَادَةٍ أُخْرَى، وَبِقِيَامِ إِرَادَتِهِ 2 لَا فِي مَحَلٍّ.
وَإِنْ قِيلَ: بَلْ لَمْ تَزَلْ تَقُومُ بِهِ الْإِرَادَاتُ لِلْحَوَادِثِ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَمْ يَزَلْ يَتَكَلَّمُ إِذَا شَاءَ، وَلَمْ يَزَلْ فَعَّالًا لِمَا يَشَاءُ.
قِيلَ: فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَيْسَ هُنَا إِرَادَةٌ قَدِيمَةٌ لِمَفْعُولٍ قَدِيمٍ.
وَإِنْ قِيلَ: يَجْتَمِعُ فِيهِ هَذَا وَهَذَا.
قِيلَ: فَهَذَا مُمْتَنَعٌ مِنْ جِهَةِ امْتِنَاعِ كَوْنِ الْمَفْعُولِ الْمُعَيَّنِ لِلْفَاعِلِ - لَا سِيَّمَا الْمُخْتَارُ - مُلَازِمًا لَهُ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْمَفْعُولِ بِالْإِرَادَةِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَتَقَدَّمَهُ الْإِرَادَةُ، وَأَنْ تَثْبُتَ إِلَى أَنْ يُوجَدَ، [بَلْ] 3 هَذَا فِي كُلِّ مَفْعُولٍ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ مَا قَامَتْ بِهِ الْإِرَادَاتُ الْمُتَعَاقِبَةُ كَانَتْ مُرَادَاتُهُ أَيْضًا مُتَعَاقِبَةً، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُ الْقَائِمَةُ بِنَفْسِهِ، وَكَانَتْ تِلْكَ 4 الْإِرَادَاتُ مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِهِ،
لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ 1 مُرَادَةً لِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ؛ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَلْزُومَةً لِمُرَادِهَا، لَزِمَ كَوْنُ الْحَادِثِ الْمُعَيَّنِ فِي الْأَزَلِ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهَا مُتَأَخِّرًا عَنْهَا، كَانَتْ تِلْكَ الْإِرَادَةُ كَافِيَةً فِي حُصُولِ الْمُرَادَاتِ الْمُتَأَخِّرَةِ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَقْتَضِي وُجُودَهَا فَلَا [تُوجَدُ] 2 ؛ إِذِ الْحَادِثُ لَا يُوجَدُ إِلَّا لِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ التَّامِّ.
فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْفَاعِلَ يُرِيدُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَيَفْعَلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِهِ، فَتَكُونُ 3 نَفْسُهُ مُقْتَضِيَةً لِحُدُوثِ أَفْعَالِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَتَكُونُ 4 مَفْعُولَاتُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى [وَالْأَحْرَى] 5 .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، كَانَتْ نَفْسُهُ مُقْتَضِيَةً لِحُدُوثِ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَالْمَفْعُولَاتِ، وَإِذَا كَانَتْ نَفْسُهُ مُقْتَضِيَةً لِذَلِكَ، امْتَنَعَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مُقْتَضِيَةً لِقَدَمِ فِعْلٍ وَمَفْعُولٍ مَعَ إِرَادَتِهِمَا الْمُسْتَلْزِمَةِ لَهُمَا، فَإِنَّ ذَاتَهُ تَكُونُ مُقْتَضِيَةً لِأَمْرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ؛ لِأَنَّ اقْتِضَاءَهَا 6 حُدُوثُ أَفْرَادِ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ 7 وَقِدَمُ النَّوْعِ مُنَاقِضٌ 8 لِاقْتِضَائِهَا قِدَمَ 9 عَيْنِ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ 10 .
وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا الْمَفْعُولَ غَيْرُ تِلْكَ الْمَفْعُولَاتِ، فَإِنَّهُ مَلْزُومٌ لَهَا لَا يُوجَدُ بِدُونِهَا وَلَا تُوجَدُ إِلَّا بِهِ، فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ، وَإِذَا تَلَازَمَتِ الْمَفْعُولَاتُ، فَتَلَازُمُ أَفْعَالِهَا وَإِرَادَتِهَا أَوْلَى، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الْقُدَمَاءِ الثَّلَاثَةِ: الْإِرَادَةُ الْمُعَيَّنَةُ 1 ، وَفِعْلُهَا، وَمَفْعُولُهَا، مَلْزُومًا لِحَوَادِثَ لَا نِهَايَةَ لَهَا لَازِمًا 2 .
وَحِينَئِذٍ فَالذَّاتُ فِي فِعْلِهَا لِلْمَفْعُولِ الْمُعَيَّنِ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ مُوجِبَةٌ لَهُ، وَهِيَ فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ لَيْسَتْ عِلَّةً أَزَلِيَّةً تُحْدِثُ فَاعِلِيَّتَهَا وَتَمَامَ إِيجَابِهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
وَالذَّاتُ مَوْصُوفَةٌ بِغَايَةِ الْكَمَالِ الْمُمْكِنِ، فَإِنْ كَانَ كَمَالُهَا فِي أَنْ يَكُونَ مَا فِيهَا بِالْقُوَّةِ هُوَ بِالْفِعْلِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ إِمْكَانِ ذَلِكَ، وَلَا كَوْنِ 3 دَوَامِ الْإِحْدَاثِ هُوَ أَكْمَلُ مِنْ أَنْ لَا يَحْدُثَ عَنْهَا شَيْءٌ - كَمَا قَدْ يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ - فَيَجِبُ أَنْ لَا يَحْدُثَ عَنْهَا شَيْءٌ (* أَصْلًا، وَلَا يَكُونُ فِي الْوُجُودِ حَادِثٌ.
وَإِنْ كَانَ كَمَالُهَا فِي أَنْ تُحْدِثَ شَيْئًا *) 4 بَعْدَ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَكْمَلُ مِنْ أَنْ [لَا] 5 يُمْكِنُهَا إِحْدَاثُ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ، وَلِأَنَّ الْفِعْلَ صِفَةُ كَمَالٍ، وَالْفِعْلُ لَا يُعْقَلُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلِأَنَّ حُدُوثَ الْحَوَادِثِ دَائِمًا أَكْمَلُ مِنْ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ، وَلِأَنَّ هَذَا الَّذِي بِالْقُوَّةِ هُوَ جِنْسُ الْفِعْلِ، وَهَذَا بِالْفِعْلِ دَائِمًا.
وَأَمَّا كَوْنُ كُلٍّ مِنَ الْمَفْعُولَاتِ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الْمَفْعُولَاتِ أَزَلِيًّا فَهَذَا لَيْسَ
بِالْقُوَّةِ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ بِالْفِعْلِ، فَلَيْسَ فِي مُقَارَنَةِ مَفْعُولِهَا الْمُعَيِّنِ لَهَا كَمَالٌ، سَوَاءٌ كَانَ مُمْتَنَعًا أَوْ كَانَ نَقْصًا يُنَافِي الْكَمَالَ الْوَاجِبَ لَهَا، لَا سِيَّمَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِحْدَاثَ نَوْعِ الْمَفْعُولَاتِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ أَكْمَلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مَا هُوَ مُقَارِنُ الْفَاعِلِ 6 أَزَلِيًّا مَعَهُ 7 .
فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْهَا، فَلَا يَكُونُ لَهُ 8 مَفْعُولٌ مُقَارِنٌ لَهَا، فَلَا يَكُونُ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ قَدِيمٌ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَهَذَا بُرْهَانٌ مُسْتَقِلٌّ مُتَلَقًّى 9 مِنْ قَاعِدَةِ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ لَهُ وَتَنَزُّهِهِ 10 عَنِ النَّقْصِ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ إِحْدَاثَ مَفْعُولٍ بَعْدَ مَفْعُولٍ لَا إِلَى نِهَايَةٍ أَكْمَلُ مِنْ أَنْ لَا يَفْعَلَ إِلَّا مَفْعُولًا وَاحِدًا لَازِمًا لِذَاتِهِ، إِنْ قُدِّرَ ذَلِكَ مُمْكِنًا.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ أَكْمَلَ فَهُوَ مُمْكِنٌ 11 ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ الذَّاتَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَفْعَلَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ لَهَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا مُمْكِنًا - بَلْ هُوَ وَاجِبٌ لَهَا - وَجَبَ اتِّصَافُهَا بِهِ دُونَ نَقِيضِهِ الَّذِي هُوَ أَنْقَضُ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَعْطِيلٌ عَنِ الْفِعْلِ، بَلْ هُوَ اتِّصَافٌ بِالْفِعْلِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ.
وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ الْفِعْلَ الْمُعَيَّنَ، وَالْمَفْعُولَ الْمُعَيَّنَ الْمُقَارِنَ لَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْتَنَعًا.
فَإِنْ كَانَ مُمْتَنَعًا، امْتَنَعَ قِدَمُ
شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَكْمَلَ أَوْ لَا يَكُونُ.
فَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَكْمَلَ، وَجَبَ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ.
وَإِحْدَاثُهُ حِينَئِذٍ عُدُولٌ عَنِ الْأَكْمَلِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْأَكْمَلَ، فَالْأَكْمَلُ نَقِيضُهُ، وَهُوَ إِحْدَاثُ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ، فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ الْأَفْعَالِ قَدِيمًا.
وَهَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ إِلَّا سُؤَالًا مَعْلُومَ الْفَسَادِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: مَا كَانَ يُمْكِنُ إِلَّا هَذَا، فَلَا يُمْكِنُ فِي الْفَلَكِ أَنْ يَتَأَخَّرَ وُجُودُهُ، وَلَا فِي الْحَوَادِثِ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا شَيْءٌ قَدِيمٌ.
قِيلَ: إِنْ أَرَدْتُمُ امْتِنَاعَ هَذَا لِذَاتِهِ فَهُوَ مُكَابَرَةٌ، فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ قَبْلَ الْفَلَكِ فَلَكٌ، وَقَبْلَهُ فَلَكٌ، لَمْ يَكُنِ امْتِنَاعُ هَذَا بِأَعْظَمَ مِنَ امْتِنَاعِ دَوَامِ الْفَلَكِ، بَلْ إِذَا كَانَ الْوَاحِدُ مِنَ النَّوْعِ يُمْكِنُ دَوَامُهُ، فَدَوَامُ النَّوْعِ أَوْلَى.
وَلِهَذَا لَا يُعْقَلُ 1 أَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ مِنَ الْبَشَرِ قَدِيمًا أَزَلِيًّا، مَعَ امْتِنَاعِ قِدَمِ نَوْعِهِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ.
وَإِنْ قَدَّرْتُمْ أَنَّهُ مُمْتَنَعٌ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى غَيْرِهِ: لِوُجُودِ مُضَادٍّ لَهُ، أَوْ لِانْتِفَاءِ حِكْمَةِ الْفَاعِلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَكُلُّ أَمْرٍ يُنَافِي قِدَمَ نَوْعِ الْمَفْعُولِ، فَهُوَ أَشَدُّ مُنَافَاةً لِقِدَمِ عَيْنِهِ.
فَإِنْ جَازَ قِدَمُ عَيْنِهِ، فَقِدَمُ النَّوْعِ مِنْ حُدُوثِ الْأَفْرَادِ أَجْوَزُ، وَإِنِ امْتَنَعَ هَذَا الثَّانِي، فَالْأَوَّلُ أَشَدُّ امْتِنَاعًا، وَكُلُّ شَيْءٍ أَوْجَبَ حُدُوثَ أَفْرَادِ بَعْضِ الْمَفْعُولَاتِ الْمُمْكِنِ قِدَمُهَا، فَهُوَ أَيْضًا مُوجِبٌ لِحُدُوثِ نَظِيرِهِ.
وَهَبْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْحَرَكَةُ لِذَاتِهَا لَا تَقْبَلُ الْبَقَاءَ، لَكِنَّ الْحَوَادِثَ جَوَاهِرٌ كَثِيرَةٌ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَالْعَنَاصِرُ الْأَرْبَعَةُ إِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ قَدِيمَةَ
الْأَعْيَانِ، أَمْكَنَ إِبْقَاؤُهَا 1 قَدِيمَةَ الصُّورَةِ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِحَالَتُهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ قِدَمُ أَعْيَانِهَا حَصَلَ الْمَطْلُوبُ.
وَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُمْكِنٌ دُونَ هَذَا، كَانَ مُكَابَرَةً.
وَإِنْ قِيلَ: الْمُوجِبُ لِاسْتِحَالَتِهَا حَرَكَةُ الْأَفْلَاكِ.
قِيلَ: مِنَ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ إِمْكَانُ تَحَرُّكِ الْأَفْلَاكِ 2 دُونَ اسْتِحَالَةِ الْعَنَاصِرِ، كَمَا أَمْكَنَ تَحَرُّكُ الْفَلَكِ الْأَعْلَى دُونَ اسْتِحَالَةِ الثَّانِي.
وَتَقْدِيرُ اسْتِحَالَةِ الْفَلَكِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَبَقَائِهِمَا 3 ، كَتَقْدِيرِ اسْتِحَالَةِ الْعَنَاصِرِ وَبَقَائِهَا، لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ 4 دُونَ الْآخَرِ.
فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ يَتَعَلَّقُ بِالْمَفْعُولَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَشِيئَةِ الْفَاعِلِ وَحِكْمَتِهِ.
وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ، فَإِنَّنَا لَا نُنَازِعُ أَنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ يُوجِبُ 5 فِعْلَ لَوَازِمِهِ، وَيُنَافِي وُجُودَ أَضْدَادِهِ، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ الْمَطْلُوبَةَ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ، قَدْ يَكُونُ لَهَا شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ.
فَالْخَالِقُ الَّذِي اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ إِحْدَاثَ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالْمَعَادِنِ، اقْتَضَتْ أَنْ تُنْقَلَ مَوَادُّهَا 6 مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ.
وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدِ الْجِسْمَيْنِ حَقِيقَةٌ اقْتَضَتِ
اخْتِصَاصَهُ بِالْقِدَمِ بِحَسَبِ ذَاتِهِ دُونَ الْأُخْرَى، لَا سِيَّمَا وَلَا حَقِيقَةَ لِوُجُودِ شَيْءٍ سِوَى الْمَوْجُودِ الثَّابِتِ فِي الْخَارِجِ، فَلَا اقْتِضَاءَ لِحَقِيقَتِهِ قَبْلَ وُجُودِ حَقِيقَتِهِ، وَلَكِنَّ الْبَارِي [تَعَالَى] 1 يَعْلَمُ مَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَعِلْمُهُ وَإِرَادَتُهُ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُقَارَنَةُ الْمَفْعُولِ الْمُعَيَّنِ لِلْفَاعِلِ أَزَلًا وَأَبَدًا مُمْتَنَعًا أَوْ نَقْصًا، امْتَنَعَ قِدَمُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ثَابِتًا هُوَ مُمْتَنَعٌ، وَمَعَ تَقْدِيرِ إِمْكَانِهِ فَهُوَ نَقْصٌ؟ فَإِنَّ قِدَمَ نَوْعِهِ أَكْمَلُ مِنْ قِدَمِ عَيْنِهِ، وَهُوَ أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ مِنْهُ.
فَإِذَا كَانَ أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ وَهُوَ أَكْمَلُ، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ نَقِيضُهُ هُوَ الْمُمْكِنُ، وَإِذَا امْتَنَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ قِدَمُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ.
وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ دَوَامِ فَاعِلِيَّةِ الرَّبِّ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ فَاعِلِيَّةَ النَّوْعِ أَكْمَلُ مِنْ فَاعِلِيَّةِ الشَّخْصِ، وَهُوَ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ [الشَّخْصُ] 2 قَطْعًا وَحِسًّا، فَإِنَّا نَشْهَدُ بِفَاعِلِيَّةِ نَوْعٍ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَإِنْ كَانَ دَوَامُ الْفَاعِلِيَّةِ مُمْكِنًا، فَهَذَا مُمْكِنٌ لِوُجُودِهِ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ دَوَامَ الْفَاعِلِيَّةِ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عِلْمِنَا بِدَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ، دَوَامُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَصْلًا.
وَدَوَامُ النَّوْعِ يَقْتَضِي حُدُوثَ أَفْرَادِهِ، فَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ بِمُقَارَنَةِ مُرَادِهِ لَهُ 3 فِي الْأَزَلِ مُمْتَنَعٌ، يَمْنَعُ صُدُورَ الْحَوَادِثِ عَنْهُ.
وَهَذَا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى أَنْ يُقَالَ: الْإِرَادَةُ الْحَادِثَةُ لَا يُقَارِنُهَا مُرَادُهَا،
بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعَ ذَلِكَ: [إِنَّ] (1) الْإِرَادَةَ الْحَادِثَةَ يُقَارِنُهَا مُرَادُهَا، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْقُدْرَةَ الْحَادِثَةَ يُقَارِنُهَا مَقْدُورُهَا، وَإِنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ.
التقديرات الثلاثة في مقارنة المراد للإرادة
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُ إِذَا قِيلَ بِأَنَّ الْإِرَادَةَ يَجِبُ أَنْ يُقَارِنَهَا مُرَادُهَا 2 ، كَانَ [ذَلِكَ] 3 دَلِيلًا عَلَى حُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ.
وَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يُقَارِنَهَا مُرَادُهَا وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُقَارِنَهَا، أَوْ قِيلَ: يُمْتَنَعُ مُقَارَنَةُ مُرَادِهَا لَهَا، فَعَلَى التَّقْدِيرَاتِ الثَّلَاثَةِ يَجِبُ حُدُوثُ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ.
أَمَّا 4 عَلَى تَقْدِيرِ وُجُوبِ مُقَارَنَةِ الْمُرَادِ لِلْإِرَادَةِ، فَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْإِرَادَةُ أَزَلِيَّةً، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْمُرَادَاتِ أَزَلِيَّةً، فَلَا يَحْدُثُ شَيْءٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْحِسِّ وَالْعِيَانِ.
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِنَا: لَوْ كَانَ مُوجَبًا بِذَاتِهِ أَزَلِيًّا 5 ، أَوْ عِلَّةً تَامَّةً لِمَعْلُولِهِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مُوجِبِهِ وَمَعْلُولِهِ مُقَارِنًا لَهُ أَزَلِيًّا، فَيُمْتَنَعُ حُدُوثُ شَيْءٍ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ إِرَادَةٌ حَادِثَةٌ، فَإِنَّ الْكَلَامَ 6 فِيهَا كَالْكَلَامِ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْحَوَادِثِ: إِنْ حَدَثَتْ عَنْ تِلْكَ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ مُقَارَنَةُ مُرَادِهَا لَهَا كَانَ مُمْتَنَعًا، وَإِنْ حَدَثَتْ بِلَا إِرَادَةٍ وَلَا سَبَبٍ حَادِثٍ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنَعًا.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ مُقَارَنَةِ الْمُرَادِ لِلْإِرَادَةِ يُمْتَنَعُ قِدَمُ شَيْءٍ مِنْ1
الْعَالَمِ، سَوَاءٌ قِيلَ بِقِدَمِ الْإِرَادَةِ أَوْ حُدُوثِهَا، أَوْ قِدَمِ شَيْءٍ مِنْهَا وَحُدُوثٍ شَيْءٍ آخَرَ.
وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَجُوزُ مُقَارَنَتُهُ لِلْإِرَادَةِ وَيَجُوزُ تَأَخُّرُهُ عَنْهَا، فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ حُدُوثُ جَمِيعِ 1 الْعَالَمِ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ أَزَلِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ، كَمَا تَقُولُ ذَلِكَ الْكُلَّابِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالْفُقَهَاءِ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ، وَتَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِمُجَرَّدِ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ حُجَّةَ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.
وَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا قَالُوا هَذَا لِاعْتِقَادِهِمْ بُطْلَانَ التَّسَلْسُلِ فِي الْآثَارِ وَامْتِنَاعَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا.
فَإِنْ كَانَ مَا قَالُوهُ حَقًّا، وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ حَوَادِثُ لَا أَوَّلَ لَهَا، لَزِمَ حِينَئِذٍ حُدُوثُ الْعَالَمِ، وَامْتَنَعَ الْقَوْلُ بِقِدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ مُقَارَنَةِ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ.
حَتَّى الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِإِثْبَاتِهَا، فَإِنَّهَا عِنْدَهُمْ لَا بُدَّ أَنْ تُقَارِنَ الْحَوَادِثَ، فَإِذَا امْتَنَعَ حَوَادِثُ لَا أَوَّلَ لَهَا، كَانَ مَا لَمْ يَسْبِقِ الْحَوَادِثَ بِمَنْزِلَتِهَا، يُمْتَنَعُ قِدَمُهُ كَمَا يُمْتَنَعُ قِدَمُهَا.
وَإِنَّ كَانَ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ بَاطِلًا، أَمْكَنَ دَوَامُ الْحَوَادِثِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَجُوزُ مُقَارَنَةُ الْمُرَادِ لِلْإِرَادَةِ 2 فِي الْأَزَلِ، وَيُمْتَنَعُ حُدُوثُ شَيْءٍ إِلَّا بِسَبَبٍ حَادِثٍ، وَحِينَئِذٍ فَيُمْتَنَعُ كَوْنُ شَيْءٍ 3 مِنَ الْعَالَمِ أَزَلِيًّا، وَإِنَّ جَازَ أَنْ
يَكُونُ نَوْعُ الْحَوَادِثِ دَائِمًا لَمْ يَزَلْ، فَإِنَّ الْأَزَلَ لَيْسَ هُوَ عِبَارَةً عَنْ شَيْءٍ مُحَدَّدٍ، بَلْ مَا مِنْ وَقْتٍ يُقَدَّرُ إِلَّا وَقَبْلَهُ وَقْتٌ آخَرُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ دَوَامِ النَّوْعِ قِدَمُ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ: يُمْتَنَعُ قِدَمُ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يُقَارِنَهَا الْمُرَادُ فِي الْأَزَلِ، وَجَبَ أَنْ يُقَارِنَهَا الْمُرَادُ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ الَّتِي يَجُوزُ مُقَارَنَةُ مُرَادِهَا لَهَا لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا مُرَادُهَا 1 إِلَّا لِنَقْصٍ فِي الْقُدْرَةِ، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَتِ الْقُدْرَةُ تَامَّةً، وَالْإِرَادَةُ الَّتِي يُمْكِنُ مُقَارَنَةُ مُرَادِهَا لَهَا حَاصِلَةً، لَزِمَ حُصُولُ الْمُرَادِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى التَّامِّ لِلْفِعْلِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ 2 مَعَ كَوْنِ الْمُرَادِ مُمْكِنًا، لَكَانَ حُصُولُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَرْجِيحَ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِدُونِ مُرَجِّحٍ.
وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ.
وَلِهَذَا كَانَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِامْتِنَاعِ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ، يَقُولُونَ: إِنَّ حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ الْإِرَادَاتِ 3 فِي الْأَزَلِ مُمْتَنَعٌ، لَا يَقُولُونَ بِأَنَّهُ مُمْكِنٌ، وَأَنَّهُ يُمْكِنُ مُقَارَنَةُ مُرَادِهِ لَهُ.
لَكِنْ أَوْرَدَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ نِسْبَةُ جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَالْحَوَادِثِ إِلَى الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ نِسْبَةً وَاحِدَةً، فَتَرْجِيحُ أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ - أَوْ مَا يُقَدَّرُ 4 فِيهِ الْوَقْتُ بِالْحُدُوثِ - تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَتَخْصِيصٌ لِأَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُخَصِّصٍ.
وَهَذَا الْكَلَامُ لَا يَقْدَحُ فِي مَقْصُودِنَا هُنَا، فَإِنَّا لَمْ نَنْصُرْ 1 هَذَا الْقَوْلَ، وَلَكِنْ بَيَّنَّا امْتِنَاعَ قِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَأَنَّ دَوَامَ الْحَوَادِثِ سَوَاءٌ كَانَ مُمْكِنًا أَوْ مُمْتَنَعًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ حُدُوثُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ 2 ، وَأَنَّ الْإِرَادَةَ سَوَاءٌ قِيلَ بِوُجُوبِ مُقَارَنَةِ مُرَادِهَا لَهَا أَوْ بِجَوَازِ تَأَخُّرِهِ عَنْهَا، يَلْزَمُ حُدُوثُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ عَلَى كُلٍّ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ 3 .
فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِتَأَخُّرِ مُرَادِهَا، إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ فِرَارًا مِنَ الْقَوْلِ بِدَوَامِ الْحَوَادِثِ وَوُجُودِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا.
وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَلْزَمُ حُدُوثُ الْعَالَمِ، وَإِلَّا فَلَوْ جَازَ دَوَامُ الْحَوَادِثِ، لَجَازَ عِنْدَهُمْ وُجُودُ الْمُرَادِ فِي الْأَزَلِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا بِتَأَخُّرِ الْمُرَادِ عَنِ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ [بِلَا مُرَجِّحٍ] 4 وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الشَّنَاعَةِ عَلَيْهِمْ، وَنِسْبَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ إِلَى أَنَّهُمْ خَالَفُوا صَرِيحَ الْمَعْقُولِ.
فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا صَارُوا إِلَى هَذَا الْقَوْلِ 5 ؛ لِاعْتِقَادِهِمُ امْتِنَاعَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، فَاحْتَاجُوا لِذَلِكَ أَنْ يُثْبِتُوا إِرَادَةً قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً يَتَأَخَّرُ عَنْهَا الْمُرَادُ، وَيَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ، وَاحْتَاجُوا أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ نَفْسَ الْإِرَادَةِ تُخَصِّصُ أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
وَإِلَّا فَلَوِ اعْتَقَدُوا جَوَازَ دَوَامِ الْحَوَادِثِ وَتَسَلْسُلِهَا، لَأَمْكَنَ أَنْ يَقُولُوا بِأَنَّهُ
تَحْدُثُ الْإِرَادَاتُ وَالْمُرَادَاتُ، وَيَقُولُونَ بِجَوَازِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِالْقَدِيمِ، وَلَرَجَعُوا عَنْ قَوْلِهِ: (* بِأَنَّ 1 نَفْسَ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ تُخَصِّصُ أَحَدَ الْمِثْلَيْنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَعَنْ قَوْلِهِمْ *) 2 بِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ، وَكَانُوا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَقُولُونَ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ حَادِثٌ كَائِنٌ 3 بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.
وَكَانَ هَذَا لَازِمًا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إِذَا لَمْ يَجُزْ حُدُوثُ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَّا بِسَبَبٍ [حَادِثٍ] 4 ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُ الْوَقْتَيْنِ بِحُدُوثِ شَيْءٍ فِيهِ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، لَا يَكُونُ تَأَخُّرُ الْمُرَادِ عَنِ الْإِرَادَةِ إِلَّا لِتَعَذُّرِ الْمُرَادِ، [إِذْ] 5 لَوْ كَانَ [الْمُرَادُ] 6 مُمْكِنًا أَنْ يُقَارِنَ الْإِرَادَةَ وَمُمْكِنًا أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا، لَكَانَ تَخْصِيصُ أَحَدِ الزَّمَانَيْنِ بِالْإِحْدَاثِ تَخْصِيصًا بِلَا مُخَصِّصٍ.
فَعُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: وُجُوبُ 7 مُقَارَنَةِ الْمُرَادِ لِلْإِرَادَةِ أَوِ امْتِنَاعِهِ 8 ، وَأَنَّهُ يَجِبُ مُقَارَنَتُهُ لِلْإِرَادَةِ إِذَا كَانَ مُمْكِنًا، وَأَنَّهُ لَا يَتَأَخَّرُ إِلَّا لِتَعَذُّرِ مُقَارَنَتِهِ: إِمَّا 9 لِامْتِنَاعِهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِمَّا لِامْتِنَاعِ لَوَازِمِهِ.
وَامْتِنَاعُ اللَّازِمِ يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْمَلْزُومِ، لَكِنْ يَكُونُ امْتِنَاعُهُ لِغَيْرِهِ لَا لِنَفْسِهِ.
كَمَا يَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَمَا شَاءَ [اللَّهُ] وَجَبَ 1 كَوْنُهُ بِمَشِيئَتِهِ لَا بِنَفْسِهِ، وَمَا لَمْ يَشَأْ يُمْتَنَعُ كَوْنُهُ لَا بِنَفْسِهِ بَلْ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَشَأِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ.
وَإِذَا كَانَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمًا: إِمَّا مُقَارَنَةُ الْمُرَادِ [لِلْإِرَادَةِ] 2 ، وَإِمَّا امْتِنَاعُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا لَوَجَبَ (3 أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا لِوُجُوبِ 3) 3 مُقَارَنَتِهِ لَهُ فِي الْأَزَلِ.
إِذِ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُوبِ الْمُقَارَنَةِ أَوِ امْتِنَاعُ الْمُرَادِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مُمْكِنًا فِي الْأَزَلِ لَزِمَ وُجُوبُ الْمُقَارَنَةِ 4 ، لَكِنَّ وُجُوبَ الْمُقَارَنَةِ مُمْتَنَعٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَادِثِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَزِمَ الْقِسْمُ الْآخَرُ: وَهُوَ امْتِنَاعُ شَيْءٍ مِنَ الْمُرَادِ الْمُعَيَّنِ فِي الْأَزَلِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَأَمَّا إِذَا قِيلَ بِأَنَّهُ يَجِبُ تَأَخُّرُ الْمُرَادِ عَنِ الْإِرَادَةِ - كَمَا يَقُولُ [ذَلِكَ] كَثِيرٌ 5 مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ - فَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُرِيدًا يُمْتَنَعُ قِدَمُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَتَبَيَّنَ حُدُوثُ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ فَهِمَ هَذِهِ الطَّرِيقَ 6 اسْتَفَادَ بِهَا أُمُورًا:
أَحَدُهَا: ثُبُوتُ حُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، حَتَّى إِذَا قُدِّرَ أَنَّ هُنَاكَ مَوْجُودًا سِوَى الْأَجْسَامِ - كَمَا يَقُولُ مَنْ يُثْبِتُ الْعُقُولَ وَالنُّفُوسَ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ: إِنَّهَا جَوَاهِرٌ قَائِمَةٌ بِأَنْفُسِهَا وَلَيْسَتْ أَجْسَامًا - فَإِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ 1 يُعْلَمُ بِهَا حُدُوثُ ذَلِكَ.
وَطَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَهْلِ الْكَلَامِ - كَالشَّهْرَسْتَانِيِّ 2 . وَالرَّازِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمْ - قَالُوا: إِنَّ قُدَمَاءَ أَهْلِ الْكَلَامِ لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ هَذِهِ، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ لَا يَتَنَاوَلُ هَذِهِ.
وَقَدْ بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ هَؤُلَاءِ النُّظَّارَ - كَأَبِي الْهُذَيْلِ وَالنَّظَّامِ 3 وَالْهِشَامَيْنِ 4 وَابْنِ كُلَّابٍ وَابْنِ كَرَّامٍ وَالْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ 5 [وَأَبِي الْمَعَالِي]
1 وَأَبِي عَلِيٍّ 2 وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ 3 وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ 4 وَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَ [أَبِي الْوَفَاءِ] بْنِ عَقِيلٍ
وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الزَّاغُونِيِّ 1 وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ 2 - يُثْبِتُونَ 3 امْتِنَاعَ وُجُودِ 4 مَوْجُودٍ مُمْكِنٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ، فَبَيَّنُوا بُطْلَانَ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُجَرَّدَاتِ فِي الْخَارِجِ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَ ثُبُوتَ مَا لَا يُشَارُ إِلَيْهِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَ ذَلِكَ فِي الْمُمْكِنَاتِ.
وَمِمَّا يُسْتَفَادُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي قَرَّرْنَاهَا: الْخَلَاصُ عَنْ إِثْبَاتِ الْحُدُوثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ، وَالْخَلَاصُ عَنْ نَفْيِ مَا يَقُومُ بِذَاتِ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَمِمَّا يُسْتَفَادُ بِذَلِكَ: أَنَّهَا بُرْهَانٌ بَاهِرٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ الْجَوَابَ 5 عَنْ عُمْدَتِهِمْ.
وَمِمَّا يُسْتَفَادُ بِذَلِكَ: الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ وَالْفَاعِلِ بِالِاخْتِيَارِ.
وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ غَلِطُوا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ، وَصَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَالرَّازِيِّ وَأَمْثَالِهِ مُضْطَرِبِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَتَارَةً يُوَافِقُونَ الْمُعْتَزِلَةَ عَلَى الْفَرْقِ وَتَارَةً يُخَالِفُونَهُمْ.
وَإِذَا خَالَفُوهُمْ فَهُمْ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ الْفَلَاسِفَةِ أَتْبَاعِ أَرِسْطُو.
وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، لَكِنْ هَلْ يَجِبُ وُجُودُ الْمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ وَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ أَمْ لَا؟ .
فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ نُفَاةِ الْقَدَرِ، أَنَّهُ يَجِبُ وُجُودُ الْمَفْعُولِ 1 عِنْدَ وُجُودِ الْمُقْتَضَى التَّامِّ، وَهُوَ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ وَالْقُدْرَةُ التَّامَّةُ.
وَطَائِفَةٌ [أُخْرَى] 2 مِنْ مُثْبِتَةِ الْقَدَرِ: الْجَهْمِيَّةُ وَمُوَافِقِيهِمْ، وَمِنْ نُفَاةِ الْقَدَرِ: الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ لَا تُوجِبُ 3 ذَلِكَ، بَلْ يَقُولُونَ: الْقَادِرُ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، وَيَجْعَلُونَ هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ، كَالْجَائِعِ مَعَ الرَّغِيفَيْنِ وَالْهَارِبِ مَعَ الطَّرِيقَيْنِ.
ثُمَّ الْقَدَرِيَّةُ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: الْعَبْدُ قَادِرٌ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ بِلَا مُرَجِّحٍ، كَمَا يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الرَّبِّ.
وَلِهَذَا كَانَ [مِنْ] 4 قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْعِمْ عَلَى أَهْلِ الطَّاعَةِ بِنِعَمٍ 5 خَصَّهُمْ بِهَا حَتَّى أَطَاعُوهُ بِهَا 6 ، بَلْ تَمْكِينُهُ لِلْمُطِيعِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ؛ لَكِنَّ هَذَا رَجَّحَ الطَّاعَةَ بِلَا مُرَجِّحٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قُدْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ أَوَجَبَ ذَلِكَ، وَهَذَا رَجَّحَ الْمَعْصِيَةَ بِمُجَرَّدِ قُدْرَتِهِ، مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْجَبْرِيَّةُ - كَجَهْمٍ وَأَصْحَابِهِ - فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ أَلْبَتَّةَ.
وَالْأَشْعَرِيُّ يُوَافِقُهُمْ فِي الْمَعْنَى فَيَقُولُ: لَيْسَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ 1 مُؤَثِّرَةٌ، وَيُثْبِتُ شَيْئًا يُسَمِّيهِ قُدْرَةً يَجْعَلُ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ، وَكَذَلِكَ الْكَسْبُ الَّذِي يُثْبِتُهُ.
وَهَؤُلَاءِ لَا 2 يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَحْتَجُّوا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ بِأَنَّ رُجْحَانَ فَاعِلِيَّةِ الْعَبْدِ عَلَى تَارِكِيَّتِهِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُرَجِّحٍ - كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الرَّازِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْجَبْرِيَّةِ - وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرِ الْأَشْعَرِيُّ وَقُدَمَاءُ أَصْحَابِهِ هَذِهِ الْحُجَّةَ.
وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ - كَالرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ - إِذَا نَاظَرُوا الْمُعْتَزِلَةَ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ أَبْطَلُوا هَذَا الْأَصْلَ، وَبَيَّنُوا 3 أَنَّ الْفِعْلَ يَجِبُ وُجُودُهُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ التَّامِّ، وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ فِعْلُهُ بِدُونِ الْمُرَجِّحِ التَّامِّ، وَنَصَرُوا 4 أَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ لَا يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ إِلَّا بِالْمُرَجِّحِ [التَّامِّ] 5 . وَإِذَا نَاظَرُوا الْفَلَاسِفَةَ فِي مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، وَإِبْطَالِ قَوْلِهِمْ بِالْمُوجِبِ بِالذَّاتِ، سَلَكُوا مَسْلَكَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فِي الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَعَامَّةُ الَّذِينَ سَلَكُوا مَسْلَكَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَطِيبِ 6 وَأَمْثَالِهِ 7 تَجِدُهُمْ يَتَنَاقَضُونَ هَذَا التَّنَاقُضَ.
وَفَصْلُ الْخِطَابِ أَنْ يُقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ يُرَادُ بِلَفْظِ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ؟ إِنْ عُنِيَ [بِهِ] 1 أَنَّهُ يُوجِبُ بِذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ الْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ، فَهَذِهِ الذَّاتُ لَا حَقِيقَةَ لَهَا وَلَا ثُبُوتَ فِي الْخَارِجِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً.
وَالْفَلَاسِفَةُ يَتَنَاقَضُونَ، فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لِلْأَوَّلِ غَايَةً، وَيُثْبِتُونَ الْعِلَلَ الْغَائِيَّةَ فِي إِبْدَاعِهِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ.
وَإِذَا فَسَّرُوا الْغَايَةَ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ، وَجَعَلُوا الْعِلْمَ مُجَرَّدَ الذَّاتِ، كَانَ هَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ، فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْإِرَادَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ هُوَ مُجَرَّدُ 2 الْعَالَمِ، لَكِنَّ هَذَا مِنْ تَنَاقُضِ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْمَعَانِيَ الْمُتَعَدِّدَةَ مَعْنًى وَاحِدًا 3 ، فَيَجْعَلُونَ الْعِلْمَ هُوَ الْقُدْرَةُ وَهُوَ الْإِرَادَةُ، وَيَجْعَلُونَ الصِّفَةَ هِيَ نَفْسُ الْمَوْصُوفِ، كَمَا يَجْعَلُونَ الْعِلْمَ هُوَ [نَفْسُ] 4 الْعَالِمِ، وَالْقَادِرَ هُوَ الْقُدْرَةُ، وَالْإِرَادَةَ هِيَ الْمُرِيدُ، وَالْعِشْقَ هُوَ الْعَاشِقُ.
وَهَذَا قَدْ صَرَّحَ بِهِ فُضَلَاؤُهُمْ - وَحَتَّى الْمُنْتَصِرُونَ لَهُمْ - مِثْلُ ابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ، الَّذِي رَدَّ عَلَى [أَبِي حَامِدٍ] الْغَزَالِيِّ 5 فِي " تَهَافُتِ التَّهَافُتِ 6 " وَأَمْثَالِهِ.
وَأَيْضًا: فَلَوْ قُدِّرَ وُجُودُ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ الْمَشِيئَةِ وَالِاخْتِيَارِ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ الْعَالَمُ صَادِرًا عَنْ مُوجِبٍ بِالذَّاتِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ
بِالذَّاتِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَسْتَلْزِمُ مُوجِبَهُ وَمُقْتَضَاهُ، فَلَوْ كَانَ مُبْدِعُ الْعَالَمِ مُوجِبًا بِالذَّاتِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، لَزِمَ أَنْ لَا يَحْدُثَ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ.
فَقَوْلُهُمْ بِالْمُوجِبِ بِالذَّاتِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ صِفَاتِهِ وَنَفْيَ أَفْعَالِهِ وَنَفْيَ حُدُوثِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ.
وَأَبْطَلُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ وَاحِدًا بَسِيطًا، وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ، ثُمَّ احْتَالُوا فِي صُدُورِ الْكَثْرَةِ عَنْهُ بِحِيَلٍ تَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ 1 حَيْرَتِهِمْ وَجَهْلِهِمْ بِهَذَا الْبَابِ، كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ الصَّادِرَ الْأَوَّلَ هُوَ الْعَقْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ، وَاجِبٌ بِغَيْرِهِ، مُمْكِنٌ بِنَفْسِهِ، فَفِيهِ ثَلَاثُ جِهَاتٍ، فَصَدَرَ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ وُجُوبِهِ عَقْلٌ آخَرُ، وَبِاعْتِبَارِ وَجُودِهِ نَفْسٌ، وَبِاعْتِبَارِ إِمْكَانِهِ [فَلَكٌ.
وَرُبَّمَا قَالُوا: وَبِاعْتِبَارِ وَجُودِهِ صُورَةُ الْفَلَكِ، وَبِاعْتِبَارِ إِمْكَانِهِ] 2 مَادَّتُهُ.
وَهُمْ مُتَنَازِعُونَ فِي النَّفْسِ الْفَلَكِيَّةِ: هَلْ هِيَ جَوْهَرٌ مُفَارِقٌ لَهُ، [أَمْ] 3 عَرَضٌ قَائِمٌ بِهِ 4 ؟ .
وَلِهَذَا أَطْنَبَ النَّاسُ فِي بَيَانِ فَسَادِ كَلَامِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْوَاحِدَ الَّذِي فَرَضُوهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ.
ثُمَّ قَوْلُهُمْ: الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ، وَهُمْ لَوْ عَلِمُوا ثُبُوتَهَا فِي [بَعْضِ] 5 الصُّوَرِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ كُلِّيَّةً إِلَّا بِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ، فَكَيْفَ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاحِدًا صَدَرَ عَنْهُ شَيْءٌ؟ .
وَمَا 1 يُمَثِّلُونَ بِهِ مِنْ صُدُورِ التَّسْخِينِ عَنِ النَّارِ وَالتَّبْرِيدِ عَنِ الْمَاءِ بَاطِلٌ، فَإِنَّ تِلْكَ الْآثَارَ لَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ شَيْئَيْنِ: فَاعِلٌ وَقَابِلٌ، وَالْأَوَّلُ تَعَالَى كُلُّ مَا سِوَاهُ صَادِرٌ عَنْهُ، لَيْسَ هُنَاكَ قَابِلٌ مَوْجُودٌ.
وَإِنْ قَالُوا: الْمَاهِيَّاتُ الثَّابِتَةُ فِي الْخَارِجِ الْغَنِيَّةُ عَنِ الْفَاعِلِ هِيَ الْقَابِلُ، كَانَ هَذَا بَاطِلًا مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمُ الْفَاسِدِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ مَاهِيَّاتٍ مَوْجُودَةٍ فِي الْخَارِجِ مُغَايِرَةٍ لِلْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَةِ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا.
وَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ أَنَّ الْمُثَلَّثَ 2 يُتَصَوَّرُ قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ وُجُودُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ 3 الْمُثَلَّثِ 4 فِي الْخَارِجِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي الذِّهْنِ، وَلَا رَيْبَ فِي حُصُولِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا فِي الْأَذْهَانِ وَمَا فِي الْأَعْيَانِ.
وَمِنْ هُنَا كَثُرَ غَلَطُهُمْ، فَإِنَّهُمْ تَصَوَّرُوا أُمُورًا فِي الْأَذْهَانِ، فَظَنُّوا ثُبُوتَهَا فِي الْأَعْيَانِ، كَالْعُقُولِ وَالْمَاهِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ وَالْهَيُولَى وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَاهِيَّاتِ هِيَ بِحَسَبِ مَا يُوجَدُ، فَكُلُّ مَا وُجِدَ لَهُ عِنْدَهُمْ مَاهِيَّةٌ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ، مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ، فَلَا يَجُوزُ 5 قَصْرُ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى أُمُورٍ لِتَوَهُّمِ 6 أَنَّهُ لَا مَاهِيَّةَ تَقْبَلُ الْوُجُودَ غَيْرَهَا.
وَمِنْهَا: أَنْ يُقَالَ: الْمَاهِيَّاتُ الْمُمْكِنَةُ فِي نَفْسِهَا لَا نِهَايَةَ لَهَا.
وَمِنْهَا: أَنْ يُقَالَ: الْوَاحِدُ الْمَشْهُودُ الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ الْآثَارُ لَهُ قَوَابِلُ مَوْجُودَةٌ، وَالْبَارِي تَعَالَى هُوَ الْمُبْدِعُ لِوُجُودِ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَلَا يُعْلَمُ أَمْرٌ صَادِرٌ عَنْ مُمْكِنٍ إِلَّا عَنْ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ مَانِعٌ يَمْنَعُ التَّأْثِيرَ (1) ، وَلَيْسَ فِي الْمَوْجُودَاتِ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ وَحْدَهُ شَيْءٌ إِلَّا اللَّهُ [تَعَالَى] (2) .
بطلان ما يزعمه الفلاسفة من أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد
فَقَوْلُهُمْ: الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ: إِنْ أَدْرَجُوا فِيهَا [مَا] 3 سِوَى اللَّهِ فَذَاكَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ وَحْدَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِيدُوا بِهَا إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ فَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ وَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ هُوَ الدَّلِيلُ، وَذَلِكَ الْوَاحِدُ لَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَتَهُ وَلَا كَيْفِيَّةَ الصُّدُورِ عَنْهُ؟ .
وَأَيْضًا: فَالْوَاحِدُ الَّذِي يُثْبِتُونَهُ، هُوَ وُجُودٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ عَنْ [بَعْضِهِمْ]- كَابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ 4 - أَوْ عَنِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَهَذَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، بَلْ يُمْتَنَعُ تَحَقُّقُهُ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا هُوَ [أَمْرٌ] 5 يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ، كَمَا تُقَدَّرُ الْمُمْتَنَعَاتُ.
وَلِهَذَا 6 كَانَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِينَا فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا نَازَعَهُ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا لَيْسَ [هُوَ] قَوْلُ [أَئِمَّةِ] الْفَلَاسِفَةِ 7 ، وَإِنَّمَا ابْنُ12