منهاج السنة النبويةصفحات 100-139
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 100-139
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

يُوَافِقْ فِي الِاسْمِ وَلَا اسْمِ الْأَبِ 1 وَهَذَا ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ 2 وَأَنَّ مَيْمُونًا هَذَا هُوَ 3 مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالنَّسَبِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ [يَعْلَمُونَ] 4 أَنَّهُ كَذَبَ فِي دَعْوَى نَسَبِهِ، وَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَهُودِيًّا رَبِيبَ مَجُوسِيٍّ، فَلَهُ نِسْبَتَانِ: نِسْبَةٌ إِلَى الْيَهُودِ، وَنِسْبَةٌ إِلَى الْمَجُوسِ.
وَهُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ كَانُوا مَلَاحِدَةً، وَهُمْ أَئِمَّةُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ الْعُلَمَاءُ: " إِنَّ 5 ظَاهِرَ مَذْهَبِهِمُ الرَّفْضُ، وَبَاطِنَهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ ". وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ كُتُبًا فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ، وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، وَبَيَانِ كَذِبِهِمْ فِي دَعْوَى النَّسَبِ وَدَعْوَى الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُمْ بَرِيئُونَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَسَبًا وَدِينًا.
وَكَانَ هَذَا الْمُتَلَقِّبُ 6 بِالْمَهْدِيِّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ قَدْ ظَهَرَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَانْتَقَلَ الْأَمْرُ إِلَى

وَلَدِهِ الْقَائِمِ، ثُمَّ ابْنِهِ الْمَنْصُورِ، ثُمَّ ابْنِهِ الْمُعِزِّ الَّذِي بَنَى الْقَاهِرَةَ، ثُمَّ الْعَزِيزِ، ثُمَّ الْحَاكِمِ، ثُمَّ الظَّاهِرِ ابْنِهِ، ثُمَّ الْمُسْتَنْصِرِ [ابْنِهِ] 1 وَطَالَتْ مُدَّتُهُ، وَفِي زَمَنِهِ كَانَتْ فِتْنَةُ الْبَسَاسِيرِيِّ، وَخُطِبَ لَهُ بِبَغْدَادَ عَامًا كَامِلًا 2 وَابْنِ الصَّبَاحِ الَّذِي أَحْدَثَ السِّكِّينَ لِلْإِسْمَاعِيلِيَّةِ 3 ، هُوَ مِنْ أَتْبَاعِ هَؤُلَاءِ 4 . وَانْقَرَضَ مُلْكُ هَؤُلَاءِ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَمَلَكُوهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَأَخْبَارُهُمْ عَنِ الْعُلَمَاءِ مَشْهُورَةٌ بِالْإِلْحَادِ وَالْمُحَادَّةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالرِّدَّةِ وَالنِّفَاقِ.
وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: " «لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ

وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ (* عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ شَيْخٍ [مَجْهُولٍ] 1 مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، لَا تَقُومُ بِإِسْنَادِهِ حُجَّةٌ، وَلَيْسَ هُوَ فِي مُسْنَدِهِ، بَلْ مَدَارُهُ عَلَى يُونُسَ *) 2 بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى 3 ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنِ الشَّافِعِيِّ 4 ، وَفِي " الْخَلْعِيَّاتِ 5 " وَغَيْرِهَا: " حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الشَّافِعِيِّ " لَمْ يَقُلْ: " حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ " ثُمَّ قَالَ: " عَنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْجَنَدِيِّ " وَهَذَا تَدْلِيسٌ يَدُلُّ عَلَى تَوْهِينِهِ 6 . [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَرْوِهِ] 7

كلام الرافضي على عصمة الأئمة والرد عليه

(فَصْلٌ) 1 . قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْفُضَلَاءُ الْمَعْصُومُونَ 3 ، الَّذِينَ بَلَغُوا الْغَايَةَ فِي الْكَمَالِ، وَلَمْ يَتَّخِذُوا مَا اتَّخَذَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْمُلْكِ وَأَنْوَاعِ الْمَعَاصِي وَالْمَلَاهِي، وَشُرْبِ الْخُمُورِ وَالْفُجُورِ، حَتَّى فَعَلُوا بِأَقَارِبِهِمْ عَلَى مَا هُوَ 4 الْمُتَوَاتِرُ بَيْنَ النَّاسِ.
قَالَتِ الْإِمَامِيَّةُ: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ". قَالَ أَيِ ابْنُ الْمُطَهَّرِ بَعْدَ الْكَلَامِ السَّابِقِ مُبَاشَرَةً ص 107 (م) .: " وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّاعِرِ 5 إِذَا شِئْتَ أَنْ تَرْضَى لِنَفْسِكَ مَذْهَبًا ... وَتَعْلَمَ أَنَّ النَّاسَ فِي نَقْلِ أَخْبَارِ فَدَعْ عَنْكَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ ... وَأَحْمَدَ وَالْمَرْوِيَّ عَنْ كَعْبِ أَحْبَارِ وَوَالِ أُنَاسًا قَوْلَهُمْ وَحَدِيثَهُمْ ... رَوَى جَدُّنَا عَنْ جِبْرَئِيلَ عَنِ الْبَارِي ". وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: أَمَّا دَعْوَى الْعِصْمَةِ فِي هَؤُلَاءِ فَلَمْ تَذْكُرْ 6 عَلَيْهَا حُجَّةً إِلَّا مَا ادَّعَيْتَهُ 7 مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَ لِلنَّاسِ إِمَامًا مَعْصُومًا،

لِيَكُونَ لُطْفًا وَمَصْلَحَةً فِي التَّكْلِيفِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُ هَذِهِ الْحُجَّةِ مِنْ وُجُوهٍ: أَدْنَاهَا أَنَّ هَذَا مَفْقُودٌ 1 لَا مَوْجُودٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إِمَامٌ مَعْصُومٌ حَصَلَ بِهِ لُطْفٌ وَ [لَا] مَصْلَحَةٌ 2 ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّلِيلِ عَلَى [انْتِفَاءِ] 3 ذَلِكَ إِلَّا الْمُنْتَظَرُ الَّذِي قَدْ عُلِمَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أَحَدٌ، [لَا] 4 فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا، وَلَا حَصَلَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ بِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَا لُطْفٌ، لَكَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ، فَكَيْفَ مَعَ كَثْرَةِ الدَّلَائِلِ عَلَى ذَلِكَ؟ .

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: " كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ؟ فِي الْكَمَالِ " هُوَ قَوْلٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الدَّلِيلِ، وَالْقَوْلُ بِلَا عِلْمٍ يُمْكِنُ كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يُقَابِلَهُ بِمِثْلِهِ.
وَإِنِ ادَّعَى الْمُدَّعِي هَذَا الْكَمَالَ فِيمَنْ هُوَ أَشْهَرُ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنَ الْعَسْكَرِيَّيْنِ وَأَمْثَالِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، لَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ.
وَمَنْ طَالَعَ أَخْبَارَ النَّاسِ عَلِمَ أَنَّ الْفَضَائِلَ الْعِلْمِيَّةَ وَالدِّينِيَّةَ الْمُتَوَاتِرَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَكْثَرُ مِمَّا يُنْقَلُ عَنِ الْعَسْكَرِيَّيْنِ وَأَمْثَالِهِمَا مِنَ الْكَذِبِ، دَعِ الصِّدْقَ 5 .

الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ " إِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ 6 أَنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي سُلْطَانٍ وَقُدْرَةٍ مَعَهُمُ السَّيْفُ 7 ، فَهَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ، وَهُمْ لَا يَدَّعُونَ ذَلِكَ،

بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ عَاجِزُونَ مَمْنُوعُونَ مَغْلُوبُونَ مَعَ الظَّالِمِينَ، لَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَنِ الْإِمَامَةِ، إِلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، مَعَ أَنَّ الْأُمُورَ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ، وَنِصْفُ الْأُمَّةِ - أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ - لَمْ يُبَايِعُوهُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ قَاتَلُوهُ وَقَاتَلَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوهُ 1 وَلَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ، وَفِي هَؤُلَاءِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ وَقَاتَلُوا مَعَهُ 2 ، وَكَانَ فِيهِمْ مِنْ فُضَلَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ عَلِيٍّ مِثْلُهُمْ 3 ، بَلِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الْقِتَالِ مَعَهُ وَلَهُ كَانُوا أَفْضَلَ مِمَّنْ قَاتَلَهُ وَقَاتَلَ مَعَهُ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ 4 كَانَ لَهُمْ عِلْمٌ وَدِينٌ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ أَنْ يَكُونُوا أَئِمَّةً، فَهَذِهِ الدَّعْوَى إِذَا صَحَّتْ لَا تُوجِبُ كَوْنَهُمْ أَئِمَّةً يَجِبُ عَلَى النَّاسِ طَاعَتُهُمْ، كَمَا أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ إِمَامَ مَسْجِدٍ لَا يَجْعَلُهُ إِمَامًا، وَاسْتِحْقَاقُهُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا [لَا يُصَيِّرُهُ قَاضِيًا] 5 ، وَاسْتِحْقَاقُهُ أَنْ يَكُونَ أَمِيرَ الْحَرْبِ لَا يَجْعَلُهُ أَمِيرَ الْحَرْبِ.
وَالصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا خَلْفَ مَنْ يَكُونُ إِمَامًا بِالْفِعْلِ، وَلَا خَلْفَ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِمَامًا.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ إِنَّمَا يَفْصِلُهُ 6 ذُو سُلْطَانٍ وَقُدْرَةٍ لَا مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ، وَكَذَلِكَ الْجُنْدُ إِنَّمَا يُقَاتِلُونَ مَعَ أَمِيرٍ عَلَيْهِمْ لَا مَعَ مَنْ لَمْ يُؤَمَّرْ وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ 7 أَنْ يُؤْمَرَ.

فَفِي الْجُمْلَةِ الْفِعْلُ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ، فَكُلُّ مَنْ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ وَسُلْطَانٌ عَلَى الْوِلَايَةِ وَالْإِمَارَةِ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا، وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ 1 أَنْ يُجْعَلَ لَهُ قُدْرَةٌ حَتَّى يَتَمَكَّنَ، فَكَوْنُهُ يَسُوغُ 2 أَنْ يُمَكَّنَ أَوْ يَجِبَ أَنْ يُمَكَّنَ 3 لَيْسَ هُوَ نَفْسَ التَّمَكُّنِ، وَالْإِمَامُ هُوَ الْمُتَمَكِّنُ الْقَادِرُ [الَّذِي لَهُ سُلْطَانٌ] 4 ، وَلَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ إِلَّا عَلِيٌّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] 5 كَمَا تَقَدَّمَ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: مَا تَعْنُونَ بِالِاسْتِحْقَاقِ؟ أَتَعْنُونَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُوَلَّى الْإِمَامَةَ دُونَ سَائِرِ قُرَيْشٍ؟ أَمْ تُرِيدُونَ أَنَّ الْوَاحِدَ [مِنْهُمْ] 6 مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ؟ فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْأَوَّلَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مَرْدُودٌ، وَإِنْ أَرَدْتُمُ الثَّانِيَ فَذَلِكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ 7 وَبَيْنَ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ قُرَيْشٍ.

[الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ الْإِمَامُ هُوَ الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ 8 ] 9 وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرْجَعَ إِلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ بِحَيْثُ يُطَاعُ بِاخْتِيَارِ الْمُطِيعِ، لِكَوْنِهِ عَالِمًا بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ آمِرًا بِهِ، فَيُطِيعُهُ الْمُطِيعُ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ إِلْزَامِهِ 10 الطَّاعَةَ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ يَدٍ وَسَيْفٍ، بِحَيْثُ يُطَاعُ طَوْعًا وَكَرْهًا لِكَوْنِهِ 1 قَادِرًا عَلَى إِلْزَامِ الْمُطِيعِ بِالطَّاعَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 59] قَدْ فُسِّرَ بِالْأُمَرَاءِ 2 بِذَوِي الْقُدْرَةِ كَأُمَرَاءِ الْحَرْبِ، وَفُسِّرَ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَكِلَاهُمَا حَقٌّ.
وَهَذَانَ الْوَصْفَانِ كَانَا كَامِلَيْنِ فِي الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا كَامِلِينَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ وَالسِّيَاسَةِ وَالسُّلْطَانِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَكْمَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ أَكْمَلُ فِي ذَلِكَ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَبَعْدَهُمْ لَمْ يَكْمُلْ أَحَدٌ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ إِلَّا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ [الرَّجُلُ] 3 أَكْمَلَ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِمَّنْ [يَكُونُ] 4 لَهُ سُلْطَانٌ، وَقَدْ يَكُونُ أَكْمَلَ فِي السُّلْطَانِ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَأَدْيَنُ.
وَهَؤُلَاءِ إِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِمْ أَئِمَّةً أَنَّهُمْ ذَوُو سُلْطَانٍ فَذَلِكَ بَاطِلٌ 5 ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَهُ.
وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ أَئِمَّةٌ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ يُطَاعُونَ مَعَ عَجْزِهِمْ عَنْ إِلْزَامِ غَيْرِهِمْ بِالطَّاعَةِ، فَهَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ كُلِّ مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.
ثُمَّ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: قَدْ كَانَ فِي أَعْصَارِهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ وَأَدْيَنُ، إِذِ

الْعِلْمُ الْمَنْقُولُ عَنْ غَيْرِهِمْ أَضْعَافُ الْعِلْمِ الْمَنْقُولِ عَنْهُمْ، وَظُهُورُ آثَارِ غَيْرِهِمْ فِي الْأُمَّةِ أَعْظَمُ مِنْ ظُهُورِ آثَارِهِمْ فِي الْأُمَّةِ، وَالْمُتَقَدِّمُونَ مِنْهُمْ كَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَابْنِهِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَدْ نُقِلَ 1 عَنْهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قِطْعَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَأُخِذَ عَنْ غَيْرِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ كَثِيرٍ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَالْعِلْمُ الْمَأْخُوذُ عَنْهُمْ قَلِيلٌ جِدًّا، وَلَا ذِكْرَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي رِجَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَشَاهِيرِ بِالرِّوَايَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُتْيَا، وَلَا غَيْرِهِمْ مِنَ الْمَشَاهِيرِ بِالْعِلْمِ.
وَمَا يُذْكَرُ لَهُمْ مِنَ الْمَنَاقِبِ وَالْمَحَاسِنِ، فَمِثْلُهُ يُوجَدُ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ 2 . وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ.
فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَإِمَامَتُهُمْ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ لَا يُنَازِعُ فِيهَا أَهْلُ السُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ يُؤْتَمُّ 3 بِكُلِّ أَحَدٍ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ [مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ] 4 وَيَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ دِينِ اللَّهِ وَيَفْعَلُهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ، فَمَا فَعَلَهُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْخَيْرِ وَدَعَوْا إِلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ فَإِنَّهُمْ أَئِمَّةٌ فِيهِ يُقْتَدَى بِهِمْ فِي ذَلِكَ 5 . قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سُورَةُ السَّجْدَةِ: 24] ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 124] ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَنْ جَعَلَهُ ذَا سَيْفٍ يُقَاتِلُ

بِهِ جَمِيعَ النَّاسِ، بَلْ جَعَلَهُ [بِحَيْثُ] 1 يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُهُ، سَوَاءٌ أَطَاعُوهُ أَمْ عَصَوْهُ.
فَهَؤُلَاءِ فِي الْإِمَامَةِ 2 فِي الدِّينِ أُسْوَةٌ 3 أَمْثَالُهُمْ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ مُقِرُّونَ بِإِمَامَةِ هَؤُلَاءِ فِيمَا دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى الِائْتِمَامِ بِهِمْ فِيهِ، (* وَعَلَى الْإِمَامَةِ فِيمَا يُمْكِنُ الِائْتِمَامُ بِهِمْ فِيهِ ) 4 ، كَمَا أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ لِأَمْثَالِهِمْ مِثْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَمِثْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ.
وَهَؤُلَاءِ هُمْ 5 فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ (
السَّبْعَةُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ... مَقَالَةَ حَقٍّ 6 لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ ... سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ *) 7 . وَمِثْلِ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ 8 وَأُسَامَةَ 9 وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمِثْلِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ

وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ 1 وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي الزِّنَادِ، وَمِثْلِ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِمْ 2 . لَكِنَّ الْمَنْقُولَ الثَّابِتَ عَنْ بَعْضِ هَؤُلَاءِ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْفُتْيَا قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنَ الْمَنْقُولِ الثَّابِتِ عَنِ الْآخَرِ، فَتَكُونُ شُهْرَتُهُ لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ أَوْ لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، وَهُشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَأَبَا الزِّنَادِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنَّ الزُّهْرِيَّ، وَيَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ 3 وَمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ أَبِيهِ 4 أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، بَلْ كُلُّ [وَاحِدٍ مِنْ] 5 هَؤُلَاءِ ثِقَةٌ فِيمَا يَنْقُلُهُ، مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ، وَمَا بَيَّنَهُ مِنْ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ فَهُوَ مِنِ الْعِلْمِ الَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْهُ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي الرِّوَايَةِ وَالْإِسْنَادِ، مَقْبُولٌ فِي الدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ 6 ، وَإِذَا أَفْتَى بِفُتْيَا

وَعَارَضَهُ [غَيْرُهُ] 1 رَدَّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ 2 . وَهَذَا حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ جَمِيعِهِمْ، وَهَكَذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَ [عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ] 3 .

الْوَجْهُ السَّادِسُ 4 : أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: " لَمْ يَتَّخِذُوا مَا اتَّخَذَهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْمُلْكِ وَالْمَعَاصِي " كَلَامٌ بَاطِلٌ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ يُؤْتَمُّ بِهَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ عُلَمَاءَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَعْرُوفِينَ بِالْعِلْمِ [عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ] 5 مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا يُتَّخَذُ إِمَامًا فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَسْتَعِينُونَ بِهَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِمْ فِيهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ 6 ، وَيُعَاوِنُونَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ 7 : إِنْ كَانَ اتِّخَاذُهُمْ أَئِمَّةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مَحْذُورًا، فَالرَّافِضَةُ أَدْخَلُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ دَائِمًا يَسْتَعِينُونَ بِالْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ عَلَى مَطَالِبِهِمْ، وَيُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ [وَالْفُجَّارَ] 8 عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَآرِبِهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُودٌ 9 فِي كُلِّ زَمَانٍ

وَمَكَانٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا صَاحِبُ هَذَا الْكِتَابِ " مِنْهَاجِ النَّدَامَةِ " وَإِخْوَانُهُ، فَإِنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الْمُغِلَّ وَالْكُفَّارَ أَوِ الْفُسَّاقَ أَوِ الْجُهَّالَ أَئِمَّةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.

الْوَجْهُ السَّابِعُ 1 : أَنْ يُقَالَ: الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ هُمْ مِثْلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ وَادَّعَى عِصْمَتَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ سُلْطَانٌ تَحْصُلُ بِهِ مَقَاصِدُ 2 الْإِمَامَةِ، وَلَا يَكْفِي الِائْتِمَامُ بِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا فِي تَحْصِيلِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِمَّا يُعِينُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُلْكٌ وَلَا سُلْطَانٌ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تُصَلَّى خَلْفَهُمْ جُمُعَةٌ [وَلَا جَمَاعَةٌ] 3 ، وَلَا يَكُونُونَ أَئِمَّةً فِي الْجِهَادِ وَلَا فِي الْحَجِّ، وَلَا تُقَامُ بِهِمُ الْحُدُودُ، وَلَا تُفْصَلُ بِهِمُ الْخُصُومَاتُ، وَلَا يَسْتَوْفِي الرَّجُلُ بِهِمْ حُقُوقَهُ الَّتِي عِنْدَ النَّاسِ وَالَّتِي فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يُؤْمَنُ بِهِمُ السُّبُلُ 4 ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كُلَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى قَادِرٍ يَقُومُ بِهَا، وَلَا يَكُونُ قَادِرًا إِلَّا مَنْ لَهُ أَعْوَانٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى ذَلِكَ، بَلِ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ كَانَ غَيْرَهُمْ، فَمَنْ طَلَبَ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ إِمَامٍ عَاجِزٍ عَنْهَا 5 كَانَ جَاهِلًا ظَالِمًا، وَمَنِ اسْتَعَانَ عَلَيْهَا بِمَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا كَانَ عَالِمًا 6 مُهْتَدِيًا مُسَدَّدًا، فَهَذَا يُحَصِّلُ مَصْلَحَةَ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَالْأَوَّلُ تَفُوتُهُ مَصْلَحَةُ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.

الْوَجْهُ الثَّامِنُ 7 : أَنْ يُقَالَ: دَعْوَى كَوْنِ جَمِيعِ الْخُلَفَاءِ كَانُوا مُشْتَغِلِينَ بِمَا

ذَكَرَهُ مِنَ الْخُمُورِ وَالْفُجُورِ كَذِبٌ عَلَيْهِمْ.
وَالْحِكَايَاتُ الْمَنْقُولَةُ فِي ذَلِكَ فِيهَا مَا هُوَ كَذِبٌ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ فِيهِمُ الْعَدْلَ الزَّاهِدَ 1 كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْمَهْدِيِّ بِاللَّهِ 2 ، وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَكُنْ مُظْهِرًا لِهَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي الْعَبَّاسِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ قَدْ يُبْتَلَى بِبَعْضِ الذُّنُوبِ، وَقَدْ يَكُونُ تَابَ مِنْهَا، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ كَثِيرَةٌ تَمْحُو تِلْكَ السَّيِّئَاتِ، وَقَدْ يُبْتَلَى بِمَصَائِبَ تُكَفِّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ 3 . فَفِي الْجُمْلَةِ الْمُلُوكُ حَسَنَاتُهُمْ كِبَارٌ وَسَيِّئَاتُهُمْ كِبَارٌ 4 ، وَالْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانَ لَهُ ذُنُوبٌ وَمَعَاصٍ لَا تَكُونُ لِآحَادِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ مَا لَيْسَ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَجِهَادِ الْعَدُوِّ وَإِيصَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْحُقُوقِ إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَمَنْعِ كَثِيرٍ مِنَ الظُّلْمِ وَإِقَامَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَدْلِ.
وَنَحْنُ لَا نَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا سَالِمِينَ مِنَ (* الْمَظَالِمِ وَالذُّنُوبِ، كَمَا لَا نَقُولُ: إِنَّ أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا سَالِمِينَ مِنْ *) 5 ذَلِكَ، لَكِنْ نَقُولُ: وُجُودُ الظُّلْمِ وَالْمَعَاصِي مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَوُلَاةِ أُمُورِهِمْ 6 وَعَامَّتِهِمْ، لَا يَمْنَعُ أَنْ يُشَارِكَ فِيمَا يَعْمَلُهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَأْمُرُونَ بِمُوَافَقَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ إِلَّا فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَا فِي

مَعْصِيَتِهِ 1 ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى مَنْ وَافَقَ رَجُلًا 2 فِي طَاعَةِ اللَّهِ إِذَا انْفَرَدَ ذَلِكَ عَنْهُ بِمَعْصِيَةٍ لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهَا، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَجَّ مَعَ النَّاسِ، فَوَقَفَ مَعَهُمْ وَطَافَ، لَمْ يَضُرَّهُ كَوْنُ بَعْضِ الْحُجَّاجِ لَهُ مَظَالِمُ وَذُنُوبٌ يَنْفَرِدُ بِهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا شَهِدَ مَعَ النَّاسِ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَمَجَالِسَ الْعِلْمِ وَغَزَا مَعَهُمْ، لَمْ يَضُرَّهُ أَنْ يَكُونَ 3 بَعْضُ الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي ذَلِكَ لَهُ ذُنُوبٌ يَخْتَصُّ بِهَا، فَوُلَاةُ الْأُمُورِ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِمْ، يُشَارَكُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا يُشَارَكُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَهَذِهِ كَانَتْ سِيرَةَ أَئِمَّةِ 4 أَهْلِ الْبَيْتِ مَعَ غَيْرِهِمْ، فَمَنِ اتَّبَعَهُمْ فِي ذَلِكَ فَهُوَ الْمُقْتَدِي بِهِمْ، دُونَ مَنْ تَبَرَّأَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَظَاهَرَ عَلَى عَدَوَاتِهِمُ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ، كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَفْعَلُهُ مِنَ الرَّافِضَةِ الضَّالِّينَ.

الْوَجْهُ التَّاسِعُ 5 : أَنْ يُقَالَ: إِمَامٌ قَادِرٌ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ النَّاسِ فِي أَكْثَرِ مَصَالِحِهِمْ، بِحَيْثُ تَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ 6 وَيُقَامُ بِهِ مَا يُقَامُ مِنَ الْحُدُودِ، وَيُدْفَعُ بِهِ مَا يُدْفَعُ مِنَ الظُّلْمِ، وَيَحْصُلُ بِهِ مَا يَحْصُلُ مِنْ جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَيُسْتَوْفَى بِهِ مَا يُسْتَوْفَى مِنَ الْحُقُوقِ، خَيْرٌ مِنْ إِمَامٍ مَعْدُومٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ.

وَالرَّافِضَةُ تَدْعُو 1 إِلَى إِمَامٍ مَعْصُومٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي الْبَاطِنِ إِلَّا إِمَامٌ مَعْدُومٌ، وَفِي الظَّاهِرِ إِمَامٌ كَفُورٌ أَوْ ظَلُومٌ 2 . فَأَئِمَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَوْ فُرِضَ مَا فُرِضَ فِيهِمْ مِنَ الظُّلْمِ وَالذُّنُوبِ، خَيْرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الظَّاهِرِينَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُهُمُ الرَّافِضَةُ 3 ، وَخَيْرٌ مِنْ إِمَامٍ مَعْدُومٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ.
وَأَمَّا الْأَئِمَّةُ الْبَاقُونَ الَّذِينَ كَانُوا مَوْجُودِينَ فَأُولَئِكَ يَأْتَمُّ بِهِمْ أَهْلُ السُّنَّةِ كَمَا يَأْتَمُّونَ بِأَمْثَالِهِمْ، فَهُوَ وَأَمْثَالُهُمْ أَئِمَّةٌ، وَمَنِ ائْتَمَّ بِهَؤُلَاءِ مَعَ أَمْثَالِهِمْ 4 مِنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ خَيْرًا مِمَّنِ ائْتَمَّ بِهِمْ وَحْدَهُمْ، فَإِنَّ الْعِلْمَ رِوَايَةٌ وَدِرَايَةٌ، كُلَّمَا كَثُرَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ 5 كَانَ أَقْوَى وَأَوْلَى الِاتِّبَاعِ، فَلَيْسَ عِنْدَ الشِّيعَةِ خَيْرٌ إِلَّا وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُشْرِكُونَهُمْ [فِيهِ، وَالْخَيْرُ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ] 6 لَا يُشْرِكُهُمْ فِيهِ الشِّيعَةُ.

الْوَجْهُ الْعَاشِرُ 7 : أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْإِمَامِيُّ يُمْكِنُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ يُعَارِضَهُ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَقُولُ عَنْ مِثْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَمُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَمَكْحُولٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ

وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَئِمَّةُ 1 فِيمَا يُمْكِنُ الِائْتِمَامُ بِهِمْ فِيهِ مِنَ الدِّينِ مَعَ الِائْتِمَامِ بِالْمُلُوكِ فِيمَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الِائْتِمَامِ بِهِمْ فِيهِ مِنَ الدِّينِ 2 . وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَابْنُهُ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُمْ هُمْ أَيْضًا [مِنْ أَئِمَّةِ] 3 أَهْلِ السُّنَّةِ [وَالْجَمَاعَةِ] 4 بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، فَلَمْ تَأْتَمَّ الشِّيعَةُ بِإِمَامٍ ذِي عِلْمٍ وَزُهْدٍ إِلَّا وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَأْتَمُّونَ بِهِ أَيْضًا 5 وَبِجَمَاعَاتٍ 6 آخَرِينَ يُشَارِكُونَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ مِنْهُ وَأَزْهَدُ.
وَمَا اتَّخَذَ أَهْلُ السُّنَّةِ إِمَامًا مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي 7 إِلَّا وَقَدِ اتَّخَذَتِ الشِّيعَةُ إِمَامًا مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي شَرًّا مِنْهُ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ [أَوْلَى بِالِائْتِمَامِ بِأَئِمَّةِ الْعَدْلِ فِيمَا يُمْكِنُ الِائْتِمَامُ بِهِمْ فِيهِ، وَأَبْعَدُ عَنِ الِائْتِمَامِ 8 بِأَئِمَّةِ الظُّلْمِ فِي غَيْرِ مَا هُمْ ظَالِمُونَ فِيهِ، فَهُمْ] 9 خَيْرٌ مِنَ الشِّيعَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ.

الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ 10 : قَوْلُهُ: " قَالَتِ الْإِمَامِيَّةُ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ".

فَيُقَالُ لِلْإِمَامِيَّةِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ [فِي الدُّنْيَا] 1 بِمَا أَظْهَرَهُ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْبَيِّنَاتِ، وَبِمَا نَصَرَ بِهِ أَهْلَ الْحَقِّ 2 عَلَيْكُمْ، فَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَيْكُمْ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ، وَبِالْيَدِ وَالسِّنَانِ 3 ، كَمَا أَظْهَرَ دِينَ نَبِيِّهِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 33] وَكَانَ مِنْ دِينِهِ 4 قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِي 5 خَالَفْتُمُوهُمْ [فِيهِ] 6 ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ عَلَيْكُمْ بِالْحُجَّةِ وَالسِّنَانِ 7 ، كَظُهُورِ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَلَمْ يَظْهَرْ دِينُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ إِلَّا بِأَهْلِ السُّنَّةِ، كَمَا ظَهَرَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ظُهُورًا لَمْ يَحْصُلْ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَدْيَانِ.
وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَمِنْ سَادَاتِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، فَلَمْ 8 يَظْهَرْ فِي خِلَافَتِهِ دِينُ الْإِسْلَامِ، بَلْ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ أَهْلِهِ، وَطَمِعَ فِيهِمْ عَدُوُّهُمْ مِنَ [الْكُفَّارِ وَ] النَّصَارَى 9 وَالْمَجُوسِ

بِالشَّامِ وَالْمَشْرِقِ.
وَأَمَّا بَعْدَ عَلِيٍّ فَلَمْ يُعْرَفْ أَهْلُ عِلْمٍ وَدِينٍ (*، وَلَا أَهْلُ يَدٍ وَسَيْفٍ، نَصَرَ اللَّهُ بِهِمُ الْإِسْلَامَ إِلَّا أَهْلُ السُّنَّةِ.
وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَإِمَّا أَنْ تُعَاوِنَ 1 أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ، وَإِمَّا أَنْ *) 2 تُمْسِكَ عَنْ نَصْرِ الطَّائِفَتَيْنِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْكُمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَبَيْنَ مَنْ عَادَاهُمْ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، كَمَا يَحْكُمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ 3 .

الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ 4 : أَنْ يُقَالَ: هَذَا التَّظَلُّمُ مِمَّنْ هُوَ؟ إِنْ قُلْتُمْ: مِمَّنْ ظَلَمَ عَلِيًّا، كَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ عَلَى زَعْمِكُمْ، فَيُقَالُ لَكُمْ: الْخَصْمُ فِي هَذَا 5 عَلِيٌّ، وَقَدْ مَاتَ كَمَا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِنَا وَلَا بِكُمْ إِلَّا بِطَرِيقِ بَيَانِ الْحَقِّ وَمُوَالَاةِ أَهْلِهِ.
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ بِالْحُجَجِ الْبَاهِرَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ أَوْلَى بِالْعَدْلِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ سِوَاهُمَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَبْعَدُ عَنِ الظُّلْمِ مِنْ كُلِّ مَنْ سِوَاهُمَا، وَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ إِمَامُ الْأُمَّةِ دُونَهُمَا، كَمَا يُذْكَرُ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] 6 . وَإِنْ قُلْتُمْ: نَتَظَلَّمُ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ مَنَعُوا هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمْ مِنِ الْإِمَامَةِ، فَهَذَا فَرْعٌ عَلَى كَوْنِ هَؤُلَاءِ [الِاثْنَى عَشَرَ] 7 كَانُوا يَطْلُبُونَ

الْإِمَامَةَ، أَوْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَئِمَّةُ [الْأُمَّةِ الْمَعْصُومُونَ] 1 ، وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى الْقَوْمِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ إِنْ كَانُوا مُخْتَصِمِينَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 46] . وَإِنْ كَانَ التَّظَلُّمُ مِنْ بَعْضِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ مُنَازَعَةٌ فِي وِلَايَةٍ أَوْ مَالٍ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَحْكُمُ بَيْنَ سَائِرِ الْمُخْتَصِمِينَ، فَإِنَّ نَفْسَ الشِّيعَةِ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُخَاصَمَاتِ أَكْثَرُ مِمَّا بَيْنَ سَائِرِ طَوَائِفِ [أَهْلِ] 2 السُّنَّةِ.
وَبَنُو هَاشِمٍ قَدْ جَرَى بَيْنَهُمْ نَوْعٌ مِنَ الْحُرُوبِ، وَقَدْ جَرَى 3 بَيْنَ بَنِي حَسَنٍ وَبَنِي حُسَيْنٍ مِنَ الْحُرُوبِ مَا يَجْرِي بَيْنَ أَمْثَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ.
وَالْحُرُوبُ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ بَيْنَ بَعْضِ بَنِي هَاشِمٍ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ الطَّوَائِفِ أَكْثَرُ مِنَ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ بَيْنَ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَعْضِ بَنِي هَاشِمٍ، لَا لِشَرَفِ نَسَبِ أُولَئِكَ إِذْ 4 نَسَبُ بَنِي هَاشِمٍ أَشْرَفُ، لَكِنْ لِأَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ هُوَ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، [ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ] 5 ، فَالْخَيْرُ فِي تِلْكَ الْقُرُونِ أَكْثَرُ وَالشَّرُّ فِيمَا بَعْدَهَا أَكْثَرُ.

وَإِنْ كَانَ التَّظَلُّمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ 1 الَّذِينَ لَمْ يَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلَمْ يُعَاوِنُوا ظَالِمًا، وَلَكِنْ يَذْكُرُونَ مَا يَجِبُ مِنَ الْقَوْلِ عِلْمًا وَعَمَلًا بِالدَّلَائِلِ الْكَاشِفَةِ لِلْحَقِّ، فَلَا يَشُكُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ أَنَّ 2 مَنْ شَبَّهَ مِثْلَ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ وَأَمْثَالِهِمْ، بِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُشَامِ بْنِ سَالِمٍ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ شُيُوخِ الرَّافِضَةِ: إِنَّهُ لَمِنْ أَظْلَمِ الظَّالِمِينَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ شَبَّهَ الْمُفِيدَ بْنَ النُّعْمَانِ وَالْكَرَاجَكِيَّ 3 وَأَمْثَالَهُمَا بِمِثْلِ أَبِي عَلِيٍّ، وَأَبِي هَاشِمٍ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ 4 الْبَصْرِيِّ: إِنَّهُ لَمِنْ أَظْلَمِ الظَّالِمِينَ، وَهَؤُلَاءِ شُيُوخُ الْمُعْتَزِلَةِ، دَعْ مُحَمَّدَ بْنَ الْهَيْصَمِ 5 وَأَمْثَالَهُ، وَالْقَاضِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ الطَّيِّبِ وَأَمْثَالَهُ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، دَعْ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ كَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ 6 ، وَ [أَبِي عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ بَطَّةَ 7 ، وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، [وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيِّ] 8 . وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَأَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ، وَأَبِي

الْحَسَنِ الدَّرَاقُطْنِيِّ، وَ [أَبِي عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ مَنْدَهْ 1 ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ سَمْعُونَ 2 ، وَأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ.
فَمَا مِنْ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ - عَلَى تَنَوُّعِهِمْ - إِلَّا إِذَا اعْتَبَرْتَهَا وَجَدْتَهَا 3 أَعْلَمَ وَأَعْدَلَ، وَأَبْعَدَ عَنِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، مِنْ طَائِفَةِ الرَّافِضَةِ 4 ، فَلَا يُوجَدُ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ مُعَاوَنَةُ ظَالِمٍ إِلَّا وَهُوَ فِي الرَّافِضَةِ أَكْثَرُ، وَلَا يُوجَدُ فِي الشِّيعَةِ بَعْدُ [مَا] عَنْ 5 ظُلْمِ ظَالِمٍ إِلَّا وَهُوَ فِي هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ.
وَهَذَا أَمْرٌ يَشْهَدُ بِهِ الْعِيَانُ وَالسَّمَاعُ، لِمَنْ لَهُ اعْتِبَارٌ وَنَظَرٌ.
وَلَا يُوجَدُ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ لَا 6 أَكْذَبَ مِنْهُمْ، وَلَا أَظْلَمَ مِنْهُمْ، وَلَا أَجْهَلَ مِنْهُمْ.
وَشُيُوخُهُمْ يُقِرُّونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، يَقُولُونَ: يَا أَهْلَ السُّنَّةِ أَنْتُمْ فِيكُمْ فُتُوَّةٌ لَوْ قَدَرْنَا عَلَيْكُمْ لَمَا عَامَلْنَاكُمْ 7 بِمَا تُعَامِلُونَا بِهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْنَا.

الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ 1 : أَنْ يُقَالَ: هَذَا الشِّعْرُ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ [وَاسْتَحْسَنَهُ] 2 هُوَ قَوْلُ جَاهِلٍ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى قَبُولِ مَا رَوَى جَدُّهُمْ عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ الْبَارِي، بَلْ هُمْ يَقْبَلُونَ مُجَرَّدَ قَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَلَا يَسْأَلُونَهُ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ هَذَا، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ مَعْصُومٌ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، وَإِنَّمَا سُمُّوا أَهْلَ السُّنَّةِ لِاتِّبَاعِهِمْ لِسُنَّتِهِ 3 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي [مَعْرِفَةِ] 4 مَا رَوَاهُ جَدُّهُمْ، فَهُمْ يَطْلُبُونَ عِلْمَ ذَلِكَ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ 5 الْعَلَوِيِّينَ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَفَادُوهُ مِنْهُ 6 ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَفَادُوهُ مِنْهُ] 7 . وَأَمَّا مُجَرَّدُ كَوْنِ جَدِّهِمْ رَوَى عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ الْبَارِي إِذَا لَمْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِهِ فَمَا يَصْنَعُ لَهُمْ 8 ؟ وَالنَّاسُ لَمْ يَأْخُذُوا قَوْلَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ إِلَّا لِكَوْنِهِمْ يُسْنِدُونَ أَقْوَالَهُمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَأَتْبَعِهِمْ لِذَلِكَ، وَأَشَدِّهِمُ اجْتِهَادًا 9 فِي مَعْرِفَةِ [ذَلِكَ] وَاتِّبَاعِهِ 10 ، وَإِلَّا فَأَيُّ غَرَضٍ لِلنَّاسِ فِي تَعْظِيمِ مِثْلِ 11 هَؤُلَاءِ؟ .

وَعَامَّةُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرْوِيهَا هَؤُلَاءِ يَرْوِيهَا أَمْثَالُهُمْ، وَكَذَلِكَ عَامَّةٌ مَا يُجِيبُونَ بِهِ فِي الْمَسَائِلِ يَقُولُهُ (1) أَمْثَالُهُمْ، وَلَا يَجْعَلُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَحْدَهُ (2) مَعْصُومًا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، بَلْ إِذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.
وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَا تُشَاهِدُهُ فِي زَمَانِكَ مِنْ عِلْمِ (3) أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فِيهِمَا (4) ، وَأَنْتَ (5) تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَلَا يَعْرِفُ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا يَفْقَهُ مَعَانِيَ (6) ذَلِكَ.
فَإِذَا قَالَ هَذَا: رَوَى جَدُّنَا عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ الْبَارِي.
قِيلَ: نَعَمْ.
وَهَؤُلَاءِ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِمَا رَوَى جَدُّكُمْ عَنْ جِبْرِيلَ، وَأَنْتُمْ تَرْجِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِمْ.
وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدْ تَعَلَّمَ (7) بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ

-[صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]-

8 مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ مِنْ غَيْرِ بَنِي1234567

هَاشِمٍ، كَانَ هَذَا مِنْ أَمَارَةِ أَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا كَعِلْمِ أَمْثَالِهِمْ.
فَبِمَنْ 1 يَأْتَمُّ النَّاسُ، وَعَمَّنْ يَأْخُذُونَ؟ عَمَّنْ يَعْرِفُ 2 مَا جَاءَ بِهِ جَدُّهُمْ أَوْ عَمَّنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ؟ وَالْعُلَمَاءُ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدَ 3 أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ.
وَإِنْ قَالَ: مُرَادِي بِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الِاثْنَا عَشَرَ.
قِيلَ لَهُ: مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَمْثَالُهُمَا مِنْ حَدِيثِ جَدِّهِمْ، فَمَقْبُولٌ مِنْهُمْ كَمَا يَرْوِيهِ أَمْثَالُهُمْ.
وَلَوْلَا أَنَّ النَّاسَ وَجَدُوا عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَدُوهُ عِنْدَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسَى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، لَمَا عَدَلُوا عَنْ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ.
وَإِلَّا فَأَيُّ غَرَضٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ أَنْ يَعْدِلُوا عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَكِلَاهُمَا مِنْ بَلَدٍ وَاحِدٍ، فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ؟ لَوْ وَجَدُوا عِنْدَ مُوسَى [بْنِ جَعْفَرٍ] 4 مِنْ عِلْمِ الرَّسُولِ مَا وَجَدُوهُ عِنْدَ مَالِكٍ - مَعَ كَمَالِ رَغْبَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعْرِفَةِ عِلْمِ الرَّسُولِ، وَنَفْسُ بَنِي هَاشِمٍ كَانُوا يَسْتَفِيدُونَ عِلْمَ الرَّسُولِ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَفِيدُونَهُ مِنِ ابْنِ عَمِّهِمْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، ثُمَّ الشَّافِعِيُّ جَاءَ بَعْدَ مَالِكٍ وَقَدْ خَالَفَهُ فِي أَشْيَاءَ وَرَدَّهَا عَلَيْهِ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ مَا وَقَعَ، وَهُوَ أَقْرَبُ نَسَبًا

بِبَنِي هَاشِمٍ (* مِنْ مَالِكٍ (1) ، وَمِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنْ عِلْمِ الرَّسُولِ مِنْ بَنِي عَمِّهِ وَغَيْرِ [بَنِي عَمِّهِ] (2) - فَلَوْ وَجَدَ (3) عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ *) (4) أَعْظَمَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي وَجَدَهُ عِنْدَ مَالِكٍ، لَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ مُسَارَعَةً إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذِ [الْعِلْمَ] (5) عَنْ أَحَدٍ أَعْلَمَ مِنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَكَانَتْ كُتُبُهُ مَشْحُونَةً بِالْأَخْذِ عَنْ هَذَيْنِ [الِاثْنَيْنِ] (6) وَعَنْ غَيْرِهِمَا (7) ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَأَمْثَالِهِ مَنْ بَنِي هَاشِمٍ، عَلِمَ أَنَّ مَطْلُوبَهُ مِنْ عِلْمِ الرَّسُولِ

-[صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]-

8 كَانَ عِنْدَ مَالِكٍ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ.
وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَدْ عُلِمَ كَمَالُ مَحَبَّتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِحَدِيثِهِ، وَمَعْرِفَتُهُ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمُوَالَاتُهُ لِمَنْ يُوَافِقُهُ، وَمُعَادَاتُهُ لِمَنْ يُخَالِفُهُ، وَمَحَبَّتُهُ لِبَنِي هَاشِمٍ، وَتَصْنِيفُهُ فِي فَضَائِلِهِمْ، حَتَّى صَنَّفَ " فَضَائِلَ 9 عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ " كَمَا صَنَّفَ " فَضَائِلَ الصَّحَابَةِ 10 "، وَمَعَ1234567

هَذَا فَكُتُبُهُ مَمْلُوءَةٌ بِعِلْمِ 1 مِثْلِ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاجِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَهُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَمْثَالِهِمْ، دُونَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسَى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَمْثَالِهِمْ.
فَلَوْ وَجَدَ مَطْلُوبَهُ عَنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ لَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ رَغْبَةً فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ الْمَخْزُونِ مَا لَيْسَ عِنْدَ أُولَئِكَ لَكِنْ كَانُوا يَكْتُمُونَهُ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ لِلنَّاسِ فِي عِلْمٍ يَكْتُمُونَهُ؟ 2 فَعِلْمٌ لَا يُقَالُ بِهِ كَكَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ، وَكَيْفَ 3 يَأْتَمُّ النَّاسُ بِمَنْ لَا يُبَيِّنُ لَهُمُ الْعِلْمَ الْمَكْتُومَ، كَالْإِمَامِ الْمَعْدُومِ، وَكَلَاهُمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ لُطْفٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ.
وَإِنْ قَالُوا: بَلْ كَانُوا يُبَيِّنُونَ 4 ذَلِكَ لِخَوَاصِّهِمْ دُونَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ.
قِيلَ: أَوَّلًا: هَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَجِئْ بَعْدَهُ مِثْلُهُ.
وَقَدْ أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْهُ 5 هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ، كَمَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَشُعْبَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَشَاهِيرِ 6 الْأَعْيَانِ.

ثُمَّ مَنْ ظَنِّ بِهَؤُلَاءِ السَّادَةِ أَنَّهُمْ يَكْتُمُونَ عِلْمَهُمْ 1 عَنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ، وَيَخُصُّونَ بِهِ قَوْمًا مَجْهُولِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ، فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِهِمْ، فَإِنَّ فِي هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَالطَّاعَةِ لَهُ وَالرَّغْبَةِ فِي حِفْظِ دِينِهِ وَتَبْلِيغِهِ وَمُوَالَاةِ مَنْ وَالَاهُ وَمُعَادَاةِ مَنْ عَادَاهُ وَصِيَانَتِهِ عَنِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مَا لَا يُوجَدُ قَرِيبٌ مِنْهُ لِأَحَدٍ مِنْ شُيُوخِ الشِّيعَةِ.
وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ لِمَنْ عَرَفَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ.
وَاعْتَبِرْ هَذَا مِمَّا تَجِدُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ شُيُوخِ السُّنَّةِ وَشُيُوخِ الرَّافِضَةِ، كَمُصَنِّفِ هَذَا الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الْإِمَامِيَّةِ أَفْضَلُهُمْ فِي زَمَانِهِ، بَلْ يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: لَيْسَ فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي جِنْسِ الْعُلُومِ مُطْلَقًا.
وَمَعَ هَذَا فَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَجْهَلِ خَلْقِ اللَّهِ بِحَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ، فَيَرْوِي الْكَذِبَ 2 الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَذِبٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ كَذِبٌ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ وَهُوَ 3 يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» 4 " وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قِيلَ:

فَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ ... وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ (* وَأَمَّا الْأَبْيَاتُ الَّتِي أَنْشَدَهَا فَقَدْ قِيلَ فِي مُعَارَضَتِهَا: إِذَا شِئْتَ أَنْ تَرْضَى لِنَفْسِكَ مَذْهَبًا ... تَنَالُ بِهِ الزُّلْفَى وَتَنْجُو مِنَ النَّارِ فَدِنْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَالسُّنَّةِ 1 الَّتِي ... أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ نَقْلِ أَخْيَارِ 2 وَدَعْ عَنْكَ دِينَ الرَّفْضِ 3 وَالْبِدَعِ الَّتِي يَقُودُكَ دَاعِيهَا إِلَى النَّارِ وَالْعَارِ وَسِرْ خَلْفَ أَصْحَابِ الرَّسُولِ فَإِنَّهُمْ ... نُجُومُ هُدًى فِي ضَوْئِهَا يَهْتَدِي السَّارِي وَعُجْ عَنْ طَرِيقِ الرَّفْضِ فَهْوَ مُؤَسَّسٌ ... عَلَى الْكُفْرِ تَأْسِيسًا عَلَى جَرُفٍ هَارِ هُمَا خُطَّتَا 4 : إِمَّا هُدًى وَسَعَادَةٌ ... وَإِمَّا شَقَاءٌ مَعْ ضَلَالَةِ كُفَّارِ فَأَيُّ فَرِيقَيْنَا 5 أَحَقُّ بِأَمْنِهِ ... وَأَهْدَى سَبِيلًا عِنْدَ مَا يَحْكُمُ الْبَارِي أَمَنْ سَبَّ أَصْحَابَ الرَّسُولِ وَخَالَفَ الْـ ... كِتَابَ وَلَمْ يَعْبَا بِثَابِتِ أَخْبَارِ 6 أَمِ الْمُقْتَدِي بِالْوَحْيِ يَسْلُكُ مَنْهَجَ الـ صَّحَابَةِ مَعْ حُبِّ الْقَرَابَةِ الَاطْهَارِ 7 *) 8

كلام الرافضي على اختيار الناس لمذهب أهل السنة طلبا للدنيا والرد عليه

فَصْلٌ 1 . قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا مِنَ الْمُحَصِّلِينَ 3 وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَاخْتَارَ 4 غَيْرَ مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ بَاطِنًا، وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ يَصِيرُ إِلَى غَيْرِهِ طَلَبًا لِلدُّنْيَا؛ حَيْثُ وُضِعَتْ لَهُمُ الْمَدَارِسُ وَالرُّبُطُ وَالْأَوْقَافُ حَتَّى تَسْتَمِرَّ 5 لِبَنِي الْعَبَّاسِ الدَّعْوَةُ وَيُشِيدُوا 6 لِلْعَامَّةِ اعْتِقَادَ إِمَامَتِهِمْ ". فَيُقَالُ: هَذَا الْكَلَامُ 7 لَا يَقُولُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَحْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَوْ مَنْ 8 هُوَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كَذِبًا وَعِنَادًا، وَبُطْلَانُهُ 9 ظَاهِرٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ السُّنَّةَ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى الْمَدَارِسُ أَقْوَى وَأَظْهَرُ، فَإِنَّ الْمَدَارِسَ إِنَّمَا بُنِيَتْ فِي بَغْدَادَ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ: بُنِيَتِ النِّظَامِيَّةُ فِي حُدُودِ السِّتِّينَ وَالْأَرْبَعِمِائَةِ، وَبُنِيَتْ عَلَى مَذْهَبٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ 10 . وَالْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ طَبَقَتِ الْمَشْرِقَ

وَالْمَغْرِبَ 1 وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَدْرَسَةٌ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْغَرْبِ 2 لَا يُذْكَرُ عِنْدَهُمْ وَلَدُ الْعَبَّاسِ.
ثُمَّ السُّنَّةُ كَانَتْ قَبْلَ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ أَظْهَرَ مِنْهَا وَأَقْوَى فِي دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَإِنَّ بَنِي الْعَبَّاسِ دَخَلَ فِي دَوْلَتِهِمْ كَثِيرٌ 3 مِنَ الشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ.
ثُمَّ إِنَّ 4 أَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَخْتَصُّ بِبَنِي الْعَبَّاسِ، وَإِنَّهُ لَوْ تَوَلَّاهَا بَعْضُ الْعَلَوِيِّينَ أَوِ الْأُمَوِيِّينَ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ جَازَ، ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ عُلَمَاءَ السُّنَّةِ كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ مُدَاهَنَةِ الْمُلُوكِ أَوْ مُقَارَبَتِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ 5 أَهْلَ السُّنَّةِ إِنَّمَا يُعَظِّمُونَ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ، وَلَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ.
ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ عَاقِلٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ أَحَدٌ 6 رَافِضِيٌّ، بَلْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَجْهِيلِ الرَّافِضَةِ وَتَضْلِيلِهِمْ، وَكُتُبُهُمْ كُلُّهَا

شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، وَهَذِهِ كُتُبُ الطَّوَائِفِ كُلُّهَا تَنْطِقُ 1 بِذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ لَا أَحَدَ يُلْجِئُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الرَّافِضَةِ، وَذِكْرِ جَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ.
وَهُمْ دَائِمًا يَذْكُرُونَ مِنْ جَهْلِ الرَّافِضَةِ وَضَلَالِهِمْ مَا يُعْلَمُ مَعَهُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرَّافِضَةَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَضَلِّهِمْ، وَأَبْعَدِ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ عَنِ الْهُدَى.
كَيْفَ 2 . وَمَذْهَبُ هَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةِ قَدْ جَمَعَ عَظَائِمَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ، فَإِنَّهُمْ جَهْمِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ رَافِضَةٌ 3 . وَكَلَامُ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ فِي ذَمِّ كُلِّ 4 صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ، وَالْكُتُبُ مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ، كَكُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ شَرٌّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ كَالْمُرْجِئَةِ 5 وَالْحَرُورِيَّةِ.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مَعَ كَثْرَةِ بَحْثِي وَتَطَلُّعِي إِلَى مَعْرِفَةِ أَقْوَالِ النَّاسِ [وَمَذَاهِبِهِمْ] 6 مَا عَلِمْتُ رَجُلًا لَهُ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ يَتَّهِمُ 7 بِمَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ 8 يَعْتَقِدُهُ فِي الْبَاطِنِ.
وَقَدِ اتُّهِمَ بِمَذْهَبِ الزَّيْدِيَّةِ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ، وَكَانَ فَقِيهًا

صَالِحًا 1 زَاهِدًا 2 ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْقُلْ 3 أَحَدٌ عَنْهُ 4 : إِنَّهُ طَعَنَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَشُكَّ فِي إِمَامَتِهِمَا.
وَاتُّهِمَ 5 طَائِفَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ الْأُولَى (* بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ 6 ، وَلَمْ يُتَّهَمْ أَحَدٌ مِنَ الشِّيعَةِ الْأُولَى بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، بَلْ كَانَتْ عَامَّةُ الشِّيعَةِ الْأُولَى *) 7 الَّذِينَ يُحِبُّونَ عَلِيًّا يُفَضِّلُونَ عَلَيْهِ 8 أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، لَكِنْ كَانَ فِيهِمْ طَائِفَةٌ تُرَجِّحُهُ 9 عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ النَّاسُ فِي الْفِتْنَةِ صَارُوا شِيعَتَيْنِ: شِيعَةً عُثْمَانِيَّةً، وَشِيعَةً عَلَوِيَّةً.
وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَاتَلَ مَعَ عَلِيٍّ كَانَ يُفَضِّلُهُ عَلَى عُثْمَانَ، بَلْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يُفَضِّلُ عُثْمَانَ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ.

كلام الرافضي على تدين بعض أهل السنة بمذهب الإمامية في الباطن والرد عليه

فَصْلٌ 1 . قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " وَكَثِيرًا مَا رَأَيْنَا مَنْ يَتَدَيَّنُ فِي الْبَاطِنِ بِمَذْهَبِ 3 الْإِمَامِيَّةِ، وَيَمْنَعُهُ عَنْ إِظْهَارِهِ حُبُّ الدُّنْيَا وَطَلَبُ الرِّيَاسَةِ، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ يَقُولُ: إِنِّي عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ، فَقُلْتُ: لِمَ 4 تَدْرُسُ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي مَذْهَبِكُمُ الْبَغْلَاتُ وَالْمُشَاهَرَاتُ.
وَكَانَ أَكْبَرُ مُدَرِّسِي 5 الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِنَا حَيْثُ تُوُفِّيَ أَوْصَى أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ فِي غَسْلِهِ وَتَجْهِيزِهِ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ 6 وَأَنْ يُدْفَنَ فِي مَشْهَدِ مَوْلَانَا الْكَاظِمِ، وَأَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ ". وَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " وَكَثِيرًا مَا رَأَيْنَا " هَذَا كَذِبٌ 7 ، بَلْ قَدْ يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مَنْ هُوَ فِي الْبَاطِنِ رَافِضِيٌّ، كَمَا يُوجَدُ فِي الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ مَنْ هُوَ فِي الْبَاطِنِ مُنَافِقٌ، فَإِنَّ الرَّافِضَةَ لَمَّا كَانُوا مِنْ جِنْسِ الْمُنَافِقِينَ يُخْفُونَ أَمْرَهُمُ احْتَاجُوا أَنْ يَتَظَاهَرُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ 8 ، كَمَا احْتَاجَ الْمُنَافِقُونَ 9 أَنْ يَتَظَاهَرُوا بِغَيْرِ الْكُفْرِ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا إِلَّا فِيمَنْ هُوَ

جَاهِلٌ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا مَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ كَيْفَ كَانَ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ رَافِضِيًّا، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ رَافِضِيًّا إِلَّا زِنْدِيقٌ مُنَافِقٌ، أَوْ جَاهِلٌ بِالْإِسْلَامِ كَيْفَ كَانَ، [مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ] 1 . وَالْحِكَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْمُدَرِّسِينَ ذَكَرَ لِي بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا كَذِبٌ مُفْتَرًى، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْمُدَرِّسِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، فَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مَنْ هُوَ زِنْدِيقٌ مُلْحِدٌ مَارِقٌ مِنَ الْإِسْلَامِ 2 ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ رَافِضِيًّا.
وَمَنِ اسْتَدَلَّ بِزَنْدَقَةِ بَعْضِ النَّاسِ فِي الْبَاطِنِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ زَنَادِقَةٌ، كَانَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ، كَذَلِكَ 3 مَنِ اسْتَدَلَّ بِرَفْضِ بَعْضِ النَّاسِ فِي الْبَاطِنِ.
وَلَوْ كُشِفَ لَنَا عَنِ اسْمِ هَذَا الْمُدَرِّسِ وَهَذَا الْمُدَرِّسِ لَبَيَّنَّا مِنْ جَهْلِهِ 4 مَا يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ حَالِهِ 5 . وَهَلْ فِي مُجَرَّدِ كَوْنِ الرَّجُلِ تَوَلَّى التَّدْرِيسَ فِي مِثْلِ دَوْلَةِ التُّرْكِ الْكُفَّارِ، أَوِ الْحَدِيثِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، مَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْمُدَرِّسِ وَدِيَانَتِهِ، حَتَّى يُجْعَلَ لَهُ قَوْلٌ؟ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ 6 كَثِيرًا مِمَّنْ يَتَوَلَّى التَّدْرِيسَ

بِجَاهِ الظَّلَمَةِ الْجُهَّالِ 1 يَكُونُ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَظْلَمِهِمْ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعُلَمَاءِ مَا اشْتَهَرَ مِنْ عِلْمِهُمْ عِنْدَ النَّاسِ، وَمَا ظَهَرَ مِنْ آثَارِ كَلَامِهِمْ وَكُتُبِهِمْ.
فَهَلْ عَرَفَ أَحَدٌ 2 مِنْ فُضَلَاءِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَ [أَصْحَابِ] مَالِكٍ 3 كَانَ رَافِضِيًّا؟ أَمْ يَعْلَمُ 4 بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ كُلَّ فَاضِلٍ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ 5 مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إِنْكَارًا لِلرَّفْضِ.
وَقَدِ اتُّهِمَ طَائِفَةٌ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ بِالْمَيْلِ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الِاعْتِزَالِ، وَلَمْ يُعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ اتُّهِمَ بِالرَّفْضِ 6 ، لِبُعْدِ الرَّفْضِ 7 عَنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ أَقْوَالُهُمْ مُتَضَمِّنَةً 8 لِبِدَعٍ مُنْكَرَةٍ، فَإِنَّ فِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ 9 وَالدِّينِ، وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَالرَّدِّ عَلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ عَنِ الْإِسْلَامِ [مِنْهُمْ] 10 مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالْمَلَاحِدَةِ، بَلْ وَمِنَ الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ مَا أَوْجَبَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِمْ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَإِنِ انْتَسَبُوا 11 إِلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الرَّافِضَةِ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَجْهَلِ

الطَّوَائِفِ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِمْ مِنَ الْمُظْهِرِينَ لِلْعِلْمِ وَالدِّينِ بَاطِنًا 1 فَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ، أَوْ زِنْدِيقًا مُلْحِدًا.

[كلام الرَّافِضِيُّ على وُجُوبِ اتِّبَاعِ مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ لأَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا إِلَى التَّعَصُّبِ فِي غَيْرِ الْحَقِّ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ]

فَصْلٌ 2 . قَالَ الرَّافِضِيُّ 3 : " الْوَجْهُ الْخَامِسُ: فِي بَيَانِ وُجُوبِ اتِّبَاعِ مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا 4 إِلَى التَّعَصُّبِ فِي غَيْرِ الْحَقِّ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ 5 ، فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ 6 ، وَهُمَا 7 إِمَامَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ تَسْطِيحَ الْقُبُورِ هُوَ الْمَشْرُوعُ، لَكِنْ لَمَّا جَعَلَتْهُ الرَّافِضَةُ شِعَارًا لَهُمْ 8 عَدَلْنَا عَنْهُ إِلَى التَّسْنِيمِ، وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ،

وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [سُورَةِ الْأَحْزَابِ: 42] أَنَّهُ يَجُوزُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يُصَلَّى عَلَى آحَادِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ لَمَّا اتَّخَذَتِ الرَّافِضَةُ ذَلِكَ فِي 1 أَئِمَّتِهِمْ مَنَعْنَاهُ، وَقَالَ مُصَنِّفُ " الْهِدَايَةِ " مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْمَشْرُوعَ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ 2 ، وَلَكِنْ لَمَّا اتَّخَذَتْهُ الرَّافِضَةُ جَعَلْنَا التَّخَتُّمَ فِي 3 فِي الْيَسَارِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
فَانْظُرْ إِلَى مَنْ يُغَيِّرُ الشَّرِيعَةَ وَيُبَدِّلُ الْأَحْكَامَ الَّتِي وَرَدَ بِهَا النَّصُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 4 وَيَذْهَبُ إِلَى ضِدِّ الصَّوَابِ مُعَانَدَةً لِقَوْمٍ [مُعَيَّنِينَ] 5 ، فَهَلْ يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ وَالْمَصِيرُ إِلَى أَقْوَالِهِ 6 ؟ ".

وَالْجَوَابُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ بِالرَّافِضَةِ أَلْصَقُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ بُرَآءٌ مِنْ هَذَا.
أَمَّا الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ فَيُقَالُ: لَا نَعْلَمُ طَائِفَةً أَعْظَمَ تَعَصُّبًا فِي الْبَاطِلِ مِنَ الرَّافِضَةِ، حَتَّى أَنَّهُمْ دُونَ سَائِرِ الطَّوَائِفِ عُرِفَ مِنْهُمْ شَهَادَةُ الزُّورِ لِمُوَافِقِهِمْ

عَلَى مُخَالِفِهِمْ، وَلَيْسَ فِي التَّعَصُّبِ أَعْظَمُ مِنَ الْكَذِبِ، وَحَتَّى أَنَّهُمْ فِي التَّعَصُّبِ جَعَلُوا لِلْبِنْتِ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ، لِيَقُولُوا: إِنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَرِثَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] 1 ، وَحَتَّى أَنَّ فِيهِمْ مَنْ حَرَّمَ لَحْمَ الْجَمَلِ 2 ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَاتَلَتْ عَلَى جَمَلٍ، فَخَالَفُوا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةَ لِأَمْرٍ لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ 3 ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْجَمَلَ الَّذِي رَكِبَتْهُ عَائِشَةُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] 4 مَاتَ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ حَيٌّ فَرُكُوبُ الْكُفَّارِ عَلَى الْجِمَالِ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا، وَمَا زَالَ الْكُفَّارُ يَرْكَبُونَ جِمَالًا 5 وَيَغْنَمُهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ، وَلَحْمُهَا حَلَالٌ لَهُمْ، فَأَيُّ شَيْءٍ فِي رُكُوبِ عَائِشَةَ لِلْجَمَلِ مِمَّا 6 يُوجِبُ تَحْرِيمَ لَحْمِهِ؟ . وَغَايَةُ مَا يَفْرِضُونَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَجْعَلُونَهُ كَافِرًا رَكِبَ جَمَلًا 7 ، مَعَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ مُفْتَرُونَ فِيمَا يَرْمُونَ بِهِ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. وَمِنْ تَعَصُّبِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ 8 " الْعَشَرَةِ " بَلْ يَقُولُونَ: تِسْعَةٌ وَوَاحِدٌ.
وَإِذَا بَنَوْا أَعْمِدَةً أَوْ غَيْرَهَا لَا يَجْعَلُونَهَا عَشَرَةً، وَهُمْ يَتَحَرَّوْنَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِمْ.

مَعَ أَنَّ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ قَدْ جَاءَ بِذِكْرِ " الْعَشَرَةِ " وَ " الْعَشْرِ " 1 فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: 196] ، وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: 234] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [سُورَةِ الْأَعْرَافِ: 142] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْفَجْرِ - وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [سُورَةِ الْفَجْرِ: 1، 2] . فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اسْمَ " الْعَشَرَةِ " فِي مَوَاضِعَ مَحْمُودَةٍ.
وَذَكَرَ اسْمَ " التِّسْعَةِ " فِي مَوْضِعٍ مَذْمُومٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [سُورَةِ النَّمْلِ: 48] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» " 2 . وَكَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ: " «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشَرَةِ» " 3 فَإِذَا كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِاسْمِ " الْعَشَرَةِ " وَعَلَّقَ بِهَذَا

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل