منهاج السنة النبويةصفحات 415-454
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي

صفحات 415-454
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
محمد رشاد سالم
الناشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة
الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]

مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 33] . فَكُلُّ مَا حُرِّمَ تَحْرِيمًا مُطْلَقًا عَامًّا لَا يُبَاحُ فِي حَالٍ فَيُبَاحُ فِي أُخْرَى، كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
وَجَمِيعُ الْوَاجِبَاتِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 29] الْآيَةَ، فَالْوَاجِبُ كُلُّهُ مَحْصُورٌ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ عِبَادِهِ.
وَحَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحُقُوقُ عِبَادِهِ الْعَدْلُ.
كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " يَا مُعَاذُ، أَتُدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: " حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.
يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: " حَقُّهُمْ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» 1 . ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ فَصَّلَ أَنْوَاعَ الْفَوَاحِشِ وَالْبَغْيَ، وَأَنْوَاعَ حُقُوقِ الْعِبَادِ، فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ 2 . فَفَصَّلَ الْمَوَارِيثَ، وَبَيَّنَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِرْثَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَمَا يَسْتَحِقُّ الْوَارِثُ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ.
وَبَيَّنَ مَا يَحِلُّ مِنَ الْمَنَاكِحِ وَمَا يَحْرُمُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى نُصُوصٍ كُلِّيَّةٍ تَتَنَاوَلُ الْأَنْوَاعَ، فَالرَّسُولُ أَحَقُّ بِهَذَا مِنَ الْإِمَامِ.
وَإِنْ قِيلَ: لَا يُمْكِنُ، فَالْإِمَامُ أَعْجَزُ عَنْ هَذَا مِنَ الرَّسُولِ.

وَالْمُحَرَّمَاتُ 1 الْمُعَيَّنَةُ لَا سَبِيلَ إِلَى النَّصِّ عَلَيْهَا، لَا لِرَسُولِ اللَّهِ وَلَا إِمَامٍ، بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الِاجْتِهَادِ وَالْمُجْتَهِدُ فِيهَا يُصِيبُ تَارَةً وَيُخْطِئُ أُخْرَى.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ " 2 . وَكَمَا قَالَ لِسَعْدِ 3 بْنِ مُعَاذٍ - وَكَانَ حَكَمًا فِي قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ يُؤْمَرُ فِيهَا الْحَاكِمُ أَنْ يَخْتَارَ الْأَصْلَحَ - فَلَمَّا حَكَمَ بِقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» 4 . وَكَمَا كَانَ يَقُولُ لِمَنْ يُرْسِلُهُ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ: «إِذَا حَاصَرَتْ أَهْلَ الْحِصْنِ فَسَأَلُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ وَحُكْمِ أَصْحَابِكَ» 5 . وَالْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحِ.
فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِي عِصْمَةِ الْإِمَامِ إِلَّا وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِعِصْمَةِ الرَّسُولِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَالْوَاقِعُ يُوَافِقُ هَذَا.
وَإِنَّا رَأَيْنَا كُلَّ مَنْ كَانَ إِلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَاتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ أَقْرَبَ، كَانَتْ مَصْلَحَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ أَكْمَلَ، وَكُلَّ مَنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ بِالْعَكْسِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الشِّيعَةُ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنِ اتِّبَاعِ الْمَعْصُومِ، الَّذِي لَا رَيْبَ فِي

عِصْمَتِهِ، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الَّذِي أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، الَّذِي أَخْرَجَ بِهِ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَهَدَاهُمْ بِهِ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالْغَيِّ وَالرَّشَادِ، وَالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ، وَأَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَهْلِ الشَّقَاوَةِ، وَجَعَلَهُ الْقَاسِمَ الَّذِي قَسَّمَ بِهِ عِبَادَهُ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، فَأَهْلُ السَّعَادَةِ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَأَهْلُ الشَّقَاوَةِ مَنْ كَذَّبَ بِهِ وَتَوَلَّى عَنْ طَاعَتِهِ.
فَالشِّيعَةُ الْقَائِلُونَ بِالْإِمَامِ الْمَعْصُومِ وَنَحْوُهُمْ، مِنْ أَبْعَدِ الطَّوَائِفِ عَنِ اتِّبَاعِ هَذَا الْمَعْصُومِ، فَلَا جَرَمَ تَجِدُهُمْ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ مَصْلَحَةِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، حَتَّى يُوجَدَ مِمَّنْ 1 هُوَ تَحْتَ سِيَاسَةِ أَظْلَمِ الْمُلُوكِ وَأَضَلِّهِمْ مَنْ هُوَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْهُمْ، وَلَا يَكُونُونَ 2 فِي خَيْرٍ إِلَّا تَحْتَ سِيَاسَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ.
وَلِهَذَا كَانُوا يُشْبِهُونَ الْيَهُودَ فِي أَحْوَالٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا هَذَا: أَنَّهُ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ، فَلَا يَعِيشُونَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا بِأَنْ يَتَمَسَّكُوا بِحَبَلِ بَعْضِ وُلَاةِ الْأُمُورِ، الَّذِي لَيْسَ بِمَعْصُومٍ.
وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ نِسْبَةٍ إِلَى الْإِسْلَامِ يُظْهِرُونَ بِهَا خِلَافَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، فَمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَشْهَدُ لَهُ مَا يُرِينَا اللَّهُ مِنَ الْآيَاتِ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِنَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [سُورَةُ فُصِّلَتْ: 53] .

وَمِمَّا أَرَانَا أَنْ رَأَيْنَا 1 آثَارَ 2 سَبِيلِ الْمُتَّبِعِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَعْصُومِ، أَصْلَحَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ مِنْ سَبِيلِ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ بِزَعْمِهِمْ.
وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لِلرَّسُولِ، فَهُمْ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ كُلُّ مَنِ اسْتَقْرَأَهُ فِي الْعَالَمِ وَجَدَهُ، وَقَدْ حَدَّثَنِي الثِّقَاتُ الَّذِينَ لَهُمْ خِبْرَةٌ بِالْبِلَادِ الَّذِينَ خَبَرُوا حَالَ أَهْلِهَا بِمَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْحِجَازِ وَسَوَاحِلِ الشَّامِ مِنَ الرَّافِضَةِ مَنْ يَنْتَحِلُونَ الْمَعْصُومَ.
وَقَدْ رَأَيْنَا حَالَ مَنْ كَانَ بِسَوَاحِلِ الشَّامِ، مِثْلِ جَبَلِ كَسْرُوانَ وَغَيْرِهِ، وَبَلَغَنَا أَخْبَارُ غَيْرِهِمْ، فَمَا رَأَيْنَا فِي الْعَالَمِ طَائِفَةً أَسْوَأَ مِنْ حَالِهِمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَرَأَيْنَا الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ سِيَاسَةِ الْمُلُوكِ عَلَى الْإِطْلَاقِ خَيْرًا مِنْ حَالِهِمْ.
فَمَنْ كَانَ تَحْتَ سِيَاسَةِ مُلُوكِ الْكُفَّارِ حَالُهُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا أَحْسَنُ مِنْ أَحْوَالِ مَلَاحِدَتِهِمْ، كَالنُّصَيْرِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْغُلَاةِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْإِلَهِيَّةَ وَالنُّبُوَّةَ فِي غَيْرِ الرَّسُولِ، أَوْ يَتَخَلَّوْنَ 3 عَنْ هَذَا كُلِّهِ وَيَعْتَقِدُونَ دِينَ الْإِسْلَامِ، كَالْإِمَامِيَّةِ وَالزَّيْدِيَّةِ.
فَكُلُّ طَائِفَةٍ تَحْتَ سِيَاسَةِ مُلُوكِ السُّنَّةِ، وَلَوْ أَنَّ الْمَلِكَ كَانَ أَظْلَمَ الْمُلُوكِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، حَالُهُ خَيْرٌ مِنْ حَالِهِمْ، فَإِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي يَشْتَرِكُ

فِيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَيَمْتَازُونَ بِهِ عَنِ (* الرَّافِضَةِ، تَقُومُ 1 بِهِ مَصَالِحُ الْمُدُنِ وَأَهْلِهَا عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الرَّافِضَةُ وَيَمْتَازُونَ بِهِ عَنْ *) 2 أَهْلِ السُّنَّةِ فَلَا تَقُومُ بِهِ مَصْلَحَةُ مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا قَرْيَةٍ، وَلَا تَجِدُ 3 أَهْلَ مَدِينَةٍ وَلَا قَرْيَةٍ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الرَّفْضُ، إِلَّا وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِمْ: إِمَّا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَإِمَّا مِنَ الْكُفَّارِ.
وَإِلَّا فَالرَّافِضَةُ وَحْدَهُمْ لَا يَقُومُ أَمْرُهُمْ [قَطُّ] 4 ، كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ 5 وَحْدَهُمْ لَا يَقُومُ أَمْرُهُمْ قَطُّ، بِخِلَافِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ مَدَائِنَ كَثِيرَةً مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُومُونَ بِدِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، لَا يُحْوِجُهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى كَافِرٍ وَلَا رَافِضِيٍّ.
وَالْخُلَفَاءُ الثَّلَاثَةُ فَتَحُوا الْأَمْصَارَ، وَأَظْهَرُوا الدِّينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ رَافِضِيٌّ.
بَلْ بَنُو أُمَيَّةَ بَعْدَهُمْ، مَعَ انْحِرَافِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ عَنْ عَلِيٍّ وَسَبِّ بَعْضِهِمْ لَهُ، غَلَبُوا عَلَى مَدَائِنِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا، مِنْ مَشْرِقِ الْأَرْضِ إِلَى مَغْرِبِهَا، وَكَانَ الْإِسْلَامُ فِي زَمَنِهِمْ أَعَزَّ مِنْهُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وَلَمْ يَنْتَظِمْ بَعْدَ انْقِرَاضِ دَوْلَتِهِمُ الْعَامَّةِ لَمَّا جَاءَتْهُمُ الدَّوْلَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ، صَارَ إِلَى الْغَرْبِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِشَامٍ الدَّاخِلُ إِلَى الْمَغْرِبِ، الَّذِي يُسَمَّى صَقْرَ قُرَيْشٍ، وَاسْتَوْلَى هُوَ - وَمَنْ بَعْدَهُ - عَلَى بِلَادِ الْغَرْبِ، وَأَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ فِيهَا

وَأَقَامُوهُ وَقَمَعُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مِنَ السِّيَاسَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ.
وَكَانُوا مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَضْلًا عَنْ أَقْوَالِ الشِّيعَةِ 1 ، وَإِنَّمَا كَانُوا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَيَنْصُرُهُ بَعْضُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَهُمْ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ مَذْهَبِ الشِّيعَةِ، وَكَانَ فِيهِمْ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ الْحُسَيْنِيِّينَ 2 كَثِيرٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَارَ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
وَيُقَالُ: إِنَّ فِيهِمْ مَنْ كَانَ يَسْكُتُ عَنْ عَلِيٍّ، فَلَا يُرَبِّعُ بِهِ 3 فِي الْخِلَافَةِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تَجْتَمِعْ عَلَيْهِ، وَلَا يَسُبُّونَهُ كَمَا كَانَ بَعْضُ الشِّيعَةِ يَسُبُّهُ.
وَقَدْ صَنَّفَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْغَرْبِ كِتَابًا كَبِيرًا فِي الْفُتُوحِ فَذَكَرَ فُتُوحَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفُتُوحَ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَلِيًّا مَعَ حُبِّهِ لَهُ وَمُوَالَاتِهِ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ فُتُوحٌ.
وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ كُلُّهُمْ: مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يُحِبُّ الْخُلَفَاءَ وَيَتَوَلَّاهُمْ وَيَعْتَقِدُ إِمَامَتَهُمْ، وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ يَذْكُرُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِسُوءٍ، فَلَا يَسْتَجِيزُونَ ذِكْرَ عَلِيٍّ وَلَا عُثْمَانَ وَلَا غَيْرِهِمَا بِمَا يَقُولُهُ الرَّافِضَةُ وَالْخَوَارِجُ.

وَكَانَ صَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ طَوَائِفُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ، كَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ فِي الْمَشْرِقِ، وَفِي بِلَادٍ كَثِيرَةٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ.
وَلَكِنَّ قَوَاعِدَ هَذِهِ الْمَدَائِنِ لَا تَسْتَمِرُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ، بَلْ إِذَا ظَهَرَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ مُدَّةً أَقَامَ اللَّهُ مَا بَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ الَّذِي يَظْهَرُ [عَلَى] بَاطِلِهِمْ 1 . وَبَنُو عُبَيْدٍ يَتَظَاهَرُونَ بِالتَّشَيُّعِ، وَاسْتَوْلَوْا مِنَ الْمَغْرِبِ عَلَى مَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ، وَبَنُوا الْمَهْدِيَّةِ.
ثُمَّ جَاءُوا إِلَى مِصْرَ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى الْحِجَازِ وَالشَّامِ نَحْوَ مِائَةِ سَنَةٍ، وَمَلَكُوا بَغْدَادَ فِي فِتْنَةِ الْبَسَاسِيرِيِّ 2 ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِمُ الْمَلَاحِدَةُ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا، وَأَهْلُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَمَعَ هَذَا فَكَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، وَمُحْتَاجِينَ إِلَى مُصَانَعَتِهِمْ وَالتَّقِيَّةِ لَهُمْ.

وَلِهَذَا رَأْسُ مَالِ الرَّافِضَةِ التَّقِيَّةُ، وَهِيَ أَنْ يُظْهِرَ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ كَمَا يَفْعَلُ الْمُنَافِقُ.
وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَالْقِلَّةِ، وَهُمْ يُظْهِرُونَ دِينَهُمْ لَا يَكْتُمُونَهُ.
وَالرَّافِضَةُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 28] وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كُفَّارٌ، مَعَ أَنَّ لَهُمْ فِي تَكْفِيرِ الْجُمْهُورِ قَوْلَيْنِ.
لَكِنْ قَدْ رَأَيْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ يُصَرِّحُ فِي كُتُبِهِ

وَفَتَاوِيهِ بِكُفْرِ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ، وَدَارُهُمْ دَارُ رِدَّةٍ، يَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ مَائِعِهَا، وَأَنَّ مَنِ انْتَقَلَ إِلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ الَّذِي يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ لَا يُقْبَلُ [مِنْهُ] 1 الرُّجُوعُ إِلَى الْإِسْلَامِ.
وَهَذَا فِي الْمُرْتَدِّ عَنِ الْإِسْلَامِ قَوْلٌ لِبَعْضِ السَّلَفِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
قَالُوا: لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مَنْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْكُفْرِ، بِخِلَافِ مَنْ يُولَدُ مُسْلِمًا.
فَجَعَلَ هَؤُلَاءِ هَذَا فِي سَائِرِ الْأُمَّةِ، فَهُمْ عِنْدَهُمْ كُفَّارٌ، فَمَنْ صَارَ مِنْهُمْ إِلَى مَذْهَبِهِمْ كَانَ مُرْتَدًّا.
وَهَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ خُوطِبَ بِهَا أَوَّلًا مَنْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 28] . وَهَذِهِ الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ كُلَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ الْبَقَرَةُ وَالنِّسَاءُ وَالْمَائِدَةُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ وَلَا يُظْهِرُ لِلْكُفَّارِ أَنَّهُ مِنْهُمْ، كَمَا يَفْعَلُهُ الرَّافِضَةُ مَعَ الْجُمْهُورِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ أَرَادَ إِظْهَارَ مَوَدَّةِ الْكُفَّارِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
وَهُمْ لَا يُظْهِرُونَ الْمَوَدَّةَ لِلْجُمْهُورِ.
وَفِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ كَانَ لَهُ حُلَفَاءُ مِنَ

الْيَهُودِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مَعِيَ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ الْيَهُودَ وَيَأْتُونَهُمْ بِالْأَخْبَارِ، يَرْجُونَ لَهُمُ الظَّفَرَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِمْ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا يُبَاطِنُونَ قَوْمًا مِنَ الْأَنْصَارِ، لِيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، فَنَهَاهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: اجْتَنِبُوا هَؤُلَاءِ.
فَأَبَوْا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ وَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَغَيْرِهِ، كَانُوا يُظْهِرُونَ الْمَوَدَّةَ لِكُفَّارِ مَكَّةَ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَالرَّافِضَةُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ إِظْهَارًا لِمَوَدَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَا يُظْهِرُ أَحَدُهُمْ دِينَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ يَحْفَظُونَ مِنْ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، وَالْقَصَائِدِ الَّتِي فِي مَدْحِهِمْ، وَهِجَاءِ الرَّافِضَةِ مَا يَتَوَدَّدُونَ بِهِ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَا يُظْهِرُ أَحَدُهُمْ دِينَهُ، كَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يُظْهِرُونَ دِينَهُمْ لِلْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ.
فَعُلِمَ أَنَّهُمْ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنِ الْعَمَلِ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 28] قَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَّا مُصَانَعَةً 1 . وَالتُّقَاةُ لَيْسَتْ بِأَنْ أَكْذِبَ 2 وَأَقُولَ بِلِسَانِي مَا لَيْسَ فِي قَلْبِي، فَإِنَّ هَذَا نِفَاقٌ، وَلَكِنْ أَفْعَلُ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ.

كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» 1 . فَالْمُؤْمِنُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُجَاهِدَهُمْ بِيَدِهِ مَعَ عَجْزِهِ، وَلَكِنْ إِنْ أَمْكَنَهُ بِلِسَانِهِ وَإِلَّا فَبِقَلْبِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَكْذِبُ وَيَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، إِمَّا أَنْ يُظْهِرَ دِينَهُ وَإِمَّا أَنْ يَكْتُمَهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا لَا يُوَافِقُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ كُلِّهِ، بَلْ غَايَتُهُ 2 أَنْ يَكُونَ كَمُؤْمِنِ [آلِ] 3 فِرْعَوْنَ - وَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ - وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لَهُمْ عَلَى جَمِيعِ دِينِهِمْ، وَلَا كَانَ يَكْذِبُ، وَلَا يَقُولُ 4 بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، بَلْ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ.
وَكِتْمَانُ الدِّينِ شَيْءٌ، وَإِظْهَارُ الدِّينِ الْبَاطِلِ شَيْءٌ آخَرُ.
فَهَذَا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ قَطُّ إِلَّا لِمَنْ أُكْرِهَ، بِحَيْثُ أُبِيحَ لَهُ النُّطْقُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ.
وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُنَافِقِ وَالْمُكْرَهِ.
وَالرَّافِضَةُ حَالُهُمْ مِنْ جِنْسِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ، لَا مِنْ جِنْسِ حَالِ الْمُكْرَهِ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، فَإِنَّ هَذَا الْإِكْرَاهَ لَا يَكُونُ

عَامًّا مِنْ جُمْهُورِ بَنِي آدَمَ، بَلِ الْمُسْلِمُ يَكُونُ أَسِيرًا أَوْ مُنْفَرِدًا 1 فِي بِلَادِ الْكُفْرِ، وَلَا أَحَدَ يُكْرِهُهُ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَلَا يَقُولُهَا، وَلَا يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَلِينَ لِنَاسٍ مِنَ الْكُفَّارِ لِيَظُنُّوهُ مِنْهُمْ، وَهُوَ مَعَ هَذَا لَا يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يَكْتُمُ مَا فِي قَلْبِهِ.
وَفَرْقٌ بَيْنَ الْكَذِبِ وَبَيْنَ الْكِتْمَانِ.
فَكِتْمَانُ مَا فِي النَّفْسِ يَسْتَعْمِلُهُ الْمُؤْمِنُ حَيْثُ يَعْذُرُهُ اللَّهُ فِي الْإِظْهَارِ، كَمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وَأَمَّا الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِالْكُفْرِ، فَلَا يَعْذُرُهُ إِلَّا إِذَا أُكْرِهَ.
وَالْمُنَافِقُ الْكَذَّابُ لَا يُعْذَرُ بِحَالٍ، وَلَكِنْ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ.
ثُمَّ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَكْتُمُ إِيمَانَهُ يَكُونُ بَيْنَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ دِينَهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا مُؤْمِنٌ عِنْدَهُمْ يُحِبُّونَهُ وَيُكْرِمُونَهُ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ يُوجِبُ أَنْ يُعَامِلَهُمْ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَالنُّصْحِ، وَإِرَادَةِ الْخَيْرِ بِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، كَمَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ يَسِيرُ فِي أَهْلِ مِصْرَ وَكَانُوا كُفَّارًا، وَكَمَا كَانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، وَمَعَ هَذَا كَانَ يُعَظِّمُ مُوسَى وَيَقُولُ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [سُورَةُ غَافِرٍ: 2] . وَأَمَّا الرَّافِضِيُّ فَلَا يُعَاشِرُ أَحَدًا إِلَّا اسْتَعْمَلَ مَعَهُ النِّفَاقَ، فَإِنَّ دِينَهُ الَّذِي فِي قَلْبِهِ دِينٌ فَاسِدٌ، يَحْمِلُهُ عَلَى الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَغِشِّ النَّاسِ، وَإِرَادَةِ السُّوءِ بِهِمْ، فَهُوَ لَا يَأْلُوهُمْ خَبَالًا، وَلَا يَتْرُكُ شَرًّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا فَعَلَهُ بِهِمْ، وَهُوَ مَمْقُوتٌ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ رَافِضِيٌّ تَظْهَرُ عَلَى وَجْهِهِ سِيمَا النِّفَاقِ وَفِي لَحْنِ الْقَوْلِ، وَلِهَذَا تَجِدُهُ يُنَافِقُ ضُعَفَاءَ النَّاسِ وَمَنْ لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ، لِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ النِّفَاقِ الَّذِي يُضْعِفُ قَلْبَهُ.

وَالْمُؤْمِنُ مَعَهُ عِزَّةُ الْإِيمَانِ 1 ، فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ هُمْ يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ دُونَ النَّاسِ، وَالذِّلَّةُ فِيهِمْ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي سَائِرِ الطَّوَائِفِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [سُورَةُ غَافِرٍ: 51] . وَهُمْ أَبْعَدُ طَوَائِفِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَنِ النُّصْرَةِ، وَأَوْلَاهُمْ بِالْخِذْلَانِ.
فَعُلِمَ أَنَّهُمْ أَقْرَبُ 2 طَوَائِفُ [أَهْلِ] 3 الْإِسْلَامِ إِلَى النِّفَاقِ، وَأَبْعَدُهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ.
وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ حَقِيقَةً، الَّذِينَ لَيْسَ فِيهِمْ إِيمَانٌ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ، يَمِيلُونَ إِلَى الرَّافِضَةِ، وَالرَّافِضَةُ تَمِيلُ إِلَيْهِمْ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الطَّوَائِفِ.
وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، مَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» 4 . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اعْتَبِرُوا النَّاسَ بِأَخَدَانِهِمْ.
فَعُلِمَ أَنَّ بَيْنَ أَرْوَاحِ الرَّافِضَةِ وَأَرْوَاحِ الْمُنَافِقِينَ اتِّفَاقًا 5 مَحْضًا: قَدْرًا مُشْتَرَكًا وَتَشَابُهًا، وَهَذَا لِمَا فِي الرَّافِضَةِ مِنَ النِّفَاقِ، فَإِنَّ النِّفَاقَ شُعَبٌ.
كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعٌ

مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ شُعْبَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» 1 . وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ» 2 . وَالْقُرْآنُ يَشْهَدُ لِهَذَا فَإِنَّ اللَّهَ وَصَفَ الْمُنَافِقِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالْكَذِبِ وَالْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ.
وَهَذِهِ الْخِصَالُ لَا تُوجَدُ فِي طَائِفَةٍ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي الرَّافِضَةِ، وَلَا أَبْعَدَ مِنْهَا عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلصَّحَابَةِ، فَهَؤُلَاءِ أَوْلَى النَّاسِ بِشُعَبِ الْإِيمَانِ وَأَبْعَدُهُمْ عَنْ شُعَبِ النِّفَاقِ، وَالرَّافِضَةُ أَوْلَى النَّاسِ بِشُعَبِ 3 النِّفَاقِ وَأَبْعَدُهُمْ عَنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَسَائِرُ الطَّوَائِفِ قُرْبُهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ وَبُعْدُهُمْ عَنِ 4 النِّفَاقِ بِحَسَبِ سُنَّتِهِمْ وَبِدْعَتِهِمْ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقَوْمَ أَبْعَدُ الطَّوَائِفِ عَنْ 5 اتِّبَاعِ الْمَعْصُومِ الَّذِي لَا شَكَّ فِي عِصْمَتِهِ، وَهُوَ خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ.
وَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ خِلَافِ السُّنَّةِ فِي دَعْوَى الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ مِنِ ابْتِدَاعِ مُنَافِقٍ زِنْدِيقٍ، كَمَا قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ.

ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ أَوَّلَ مَنِ ابْتَدَعَ الرَّفْضَ وَالْقَوْلَ بِالنَّصِّ عَلَى عَلِيٍّ وَعِصْمَتِهِ كَانَ مُنَافِقًا زِنْدِيقًا، أَرَادَ فَسَادَ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ بِالْمُسْلِمِينَ مَا صَنَعَ بُولِصُ بِالنَّصَارَى، لَكِنْ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُ مَا تَأَتَّى لَبُولِصَ، لِضَعْفِ دِينِ النَّصَارَى وَعَقْلِهِمْ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُفِعَ وَلَمْ يَتْبَعْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَعْلَمُونَ دِينَهُ، وَيَقُومُونَ بِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا، فَلَمَّا ابْتَدَعَ بُولِصُ مَا ابْتَدَعَهُ مِنْ لَغْوٍ فِي الْمَسِيحِ، اتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ طَوَائِفُ وَأَحَبُّوا الْغُلُوَّ فِي الْمَسِيحِ، وَدَخَلَتْ مَعَهُمْ مُلُوكٌ، فَقَامَ أَهْلُ الْحَقِّ خَالَفُوهُمْ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَتِ الْمُلُوكُ بَعْضَهُمْ، وَدَاهَنَ الْمُلُوكُ بَعْضَهُمْ، وَبَعْضُهُمُ اعْتَزَلُوا 1 فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ.
وَهَذِهِ الْأُمَّةُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - لَا يَزَالُ فِيهَا طَائِفَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْحَقِّ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مُلْحِدٌ وَلَا مُبْتَدِعٌ مِنْ إِفْسَادِهِ بِغُلُوٍّ أَوِ انْتِصَارٍ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ 2 ، وَلَكِنْ يَضِلُّ مَنْ يَتْبَعُهُ عَلَى ضَلَالِهِ.
وَأَيْضًا فَنُوَّابُ الْمَعْصُومِ الَّذِي يَدْعُونَهُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ 3 فِي الْجُزْئِيَّاتِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُقَالُ: إِذَا كَانَتِ الْعِصْمَةُ فِي الْجُزْئِيَّاتِ غَيْرَ وَاقِعَةٍ، وَإِنَّمَا الْمُمْكِنُ الْعِصْمَةُ فِي الْكُلِّيَّاتِ، فَاللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ أَنْ يَنُصَّ عَلَى الْكُلِّيَّاتِ، بِحَيْثُ لَا يُحْتَاجُ فِي مَعْرِفَتِهَا إِلَى الْإِمَامِ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَادِرٌ أَيْضًا أَنْ يَجْعَلَ نَصَّ النَّبِيِّ أَكْمَلَ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى عِصْمَةِ الْإِمَامِ، لَا فِي الْكُلِّيَّاتِ وَلَا فِي الْجُزْئِيَّاتِ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ عَشَرَ 1 : أَنْ يُقَالَ: الْعِصْمَةُ الثَّابِتَةُ لِلْإِمَامِ: أَهِيَ فِعْلُهُ لِلطَّاعَاتِ بِاخْتِيَارِهِ وَتَرْكُهُ لِلْمَعَاصِي بِاخْتِيَارِهِ، مَعَ 2 أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَكُمْ لَا يَخْلُقُ اخْتِيَارَهُ؟ أَمْ هِيَ خَلْقُ الْإِرَادَةِ لَهُ؟ أَمْ 3 سَلْبُهُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ، وَعِنْدَكُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْلُقُ اخْتِيَارَ الْفَاعِلِينَ، لَزِمَكُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ مَعْصُومٍ.
وَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي، بَطَلَ أَصْلُكُمُ الَّذِي ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ فِي الْقُدْرَةِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: سُلِبَ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، كَانَ [الْمَعْصُومُ] عِنْدَكُمْ 4 هُوَ الْعَاجِزُ عَنِ الذَّنْبِ.
كَمَا يَعْجَزُ الْأَعْمَى عَنْ نَقْطِ الْمَصَاحِفِ، وَالْمُقْعَدُ عَنِ الْمَشْيِ.
وَالْعَاجِزُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يُنْهَى عَنْهُ وَلَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يُؤْمَرْ وَيُنْهَ لَمْ يَسْتَحِقَّ ثَوَابًا عَلَى الطَّاعَةِ، فَيَكُونُ الْمَعْصُومُ عِنْدَكُمْ لَا ثَوَابَ لَهُ عَلَى تَرْكِ مَعْصِيَةٍ، بَلْ 5 وَلَا عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ.
وَهَذَا غَايَةُ النَّقْصِ.
وَحِينَئِذٍ فَأَيُّ مُسْلِمٍ كَانَ خَيْرًا مِنْ هَذَا الْمَعْصُومِ، إِذَا أَذْنَبَ ثُمَّ تَابَ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّوْبَةِ مُحِيَتْ سَيِّئَاتُهُ، بَلْ بُدِّلَ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً مَعَ حَسَنَاتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَكَانَ ثَوَابُ الْمُكَلَّفِينَ خَيْرًا مِنَ الْمَعْصُومِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ غَايَةَ الْمُنَاقَضَةِ.

الرد على المقدمة الثانية من كلام الرافضي وهي قولهم إذا كان لا بد من معصوم فليس بمعصوم غير علي

وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ 1 : فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْصُومٍ، فَقَوْلُهُمْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ غَيْرُ عَلِيٍّ اتِّفَاقًا مَمْنُوعٌ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ عُبَّادِهِمْ وَصُوفِيَّتِهِمْ وَجُنْدِهِمْ 2 وَعَامَّتِهِمْ يَعْتَقِدُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِهِمْ مِنَ الْعِصْمَةِ، مِنْ جِنْسِ مَا تَعْتَقِدُهُ الرَّافِضَةُ فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَرُبَّمَا عَبَّرُوا هُوَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: " الشَّيْخُ مَحْفُوظٌ ". وَإِذَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ هَذَا فِي شُيُوخِهِمْ، مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، فَاعْتِقَادُهُمْ ذَلِكَ فِي الْخُلَفَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْلَى.
وَكَثِيرٌ 3 مِنَ النَّاسِ فِيهِمْ مِنَ الْغُلُوِّ فِي شُيُوخِهِمْ مِنْ جِنْسِ مَا فِي الشِّيعَةِ مِنَ الْغُلُوِّ فِي الْأَئِمَّةِ.
وَأَيْضًا فَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ يَعْتَقِدُونَ عِصْمَةَ أَئِمَّتِهِمْ، وَهُمْ غَيْرُ الِاثْنَيْ عَشَرَ.
وَأَيْضًا فَكَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِ بَنِي أُمَيَّةَ - أَوْ أَكْثَرِهِمْ - كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ وَلَا عَذَابَ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُهُمْ عَلَى مَا يُطِيعُونَ فِيهِ الْإِمَامَ، بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَاللَّهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ.
وَكَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ كَثِيرٌ.
وَقَدْ أَرَادَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَسِيرَ بِسِيرَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِهِمْ، فَحَلَفُوا لَهُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَنَّهُ إِذَا وَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّاسِ إِمَامًا تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ 4 الْحَسَنَاتِ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ السَّيِّئَاتِ 5 .

وَلِهَذَا تَجِدُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ كِبَارِهِمُ الْأَمْرَ بِطَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ مُطْلَقًا، وَأَنَّ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ.
وَلِهَذَا كَانَ يُضْرَبُ بِهِمُ الْمَثَلُ، يُقَالُ: " طَاعَةٌ شَامِيَّةٌ ". وَحِينَئِذٍ فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ إِمَامَهُمْ لَا يَأْمُرُهُمْ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ شِيعَةٌ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يُبْغِضُ عَلِيًّا وَيَسُبُّهُ.
وَمَنْ كَانَ اعْتِقَادُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَأْمُرُ 1 الْإِمَامُ بِهِ فَإِنَّهُ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَأَنَّهُ تَجِبُ طَاعَتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ يُثِيبُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُعَاقِبُهُ عَلَى تَرْكِهِ - لَمْ يَحْتَجْ مَعَ ذَلِكَ إِلَى مَعْصُومٍ غَيْرَ إِمَامِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا: أَنْ يُقَالَ: كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ إِذَا قِيلَ [لَهَا] 2 : إِنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا 3 مِنْ إِمَامٍ مَعْصُومٍ.
تَقُولُ: يَكْفِينِي عِصْمَةُ الْإِمَامِ الَّذِي ائْتَمَمْتُ بِهِ، لَا أَحْتَاجُ إِلَى عِصْمَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ: لَا عَلِيًّا وَلَا غَيْرَهُ.
وَيَقُولُ هَذَا: شَيْخِي وَقُدْوَتِي.
وَهَذَا يَقُولُ: إِمَامِي الْأُمَوِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ.
بَلْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ يُطِيعُ الْمُلُوكَ لَا ذَنْبَ لَهُ فِي ذَلِكَ، كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَيَتَأَوَّلُونَ قَوْلَهُ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 5] . فَإِنْ قِيلَ: هَؤُلَاءِ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ 4 . قِيلَ: هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنَ الرَّافِضَةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ أَئِمَّةَ هَؤُلَاءِ وَشُيُوخَهُمْ خَيْرٌ مِنْ مَعْدُومٍ 1 لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِحَالٍ.
فَهُمْ بِكُلِّ حَالٍ خَيْرٌ مِنَ الرَّافِضَةِ.
وَأَيْضًا 2 فَبَطَلَتْ حُجَّةُ الرَّافِضَةِ بِقَوْلِهِمْ: لَمْ تُدَّعَ الْعِصْمَةُ إِلَّا فِي عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يَدَّعِي الْعِصْمَةَ (* لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ.
قِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَدَّعِي الْعِصْمَةَ لِعَلِيٍّ بَطَلَ قَوْلُكُمْ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَدَّعِي الْعِصْمَةَ *) 3 لَعَلِيٍّ، لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَدَّعِي الْعِصْمَةَ لِلثَّلَاثَةِ، بَلْ دَعْوَى الْعِصْمَةِ لِهَؤُلَاءِ أَوْلَى، فَإِنَّا نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُفَضِّلُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، بَلْ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ يُفَضِّلُهُمَا عَلَيْهِ.
كَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ وَحِينَئِذٍ فَدَعْوَاهُمْ عِصْمَةُ هَذَيْنِ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى عِصْمَةِ عَلِيٍّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ.
قِيلَ لَهُمْ: وَلَا نُقِلَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقَوْلُ بِعِصْمَةِ عَلِيٍّ.
وَنَحْنُ لَا نُثْبِتُ [عِصْمَةَ] 4 لَا هَذَا وَلَا هَذَا، لَكِنْ نَقُولُ: مَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَنْفِيَ نَقْلَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِعِصْمَةِ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ، مَعَ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ بِعِصْمَةِ عَلِيٍّ.
فَهَذَا الْفَرْقُ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَدَّعِيَهُ، وَلَا يَنْقُلَهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يُعْلَمُ زَمَانٌ ادَّعَى فِيهِ الْعِصْمَةَ لِعَلِيٍّ أَوْ لِأَحَدٍ 5 مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ،

وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ مَنْ يَدَّعِي عِصْمَةَ غَيْرِهِمْ، فَبَطَلَ أَنْ يُحْتَجَّ بِانْتِفَاءِ عِصْمَةِ الثَّلَاثَةِ وَوُقُوعِ النِّزَاعِ فِي عِصْمَةِ عَلِيٍّ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ عَشَرَ 1 : أَنْ يُقَالَ: إِمَّا أَنْ يَجِبَ وُجُودُ الْمَعْصُومِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، أَنْ لَا يَجِبَ فَإِنْ لَمْ يَجِبْ؛ بَطَلَ قَوْلُهُمْ.
وَإِنْ وَجَبَ لَمْ نُسَلِّمْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ هُوَ الْمَعْصُومَ دُونَ الثَّلَاثَةِ.
بَلْ إِذَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ حَقًّا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ مَعْصُومِينَ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَفْضِيلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ بِالْعِصْمَةِ مِنْ عَلِيٍّ، فَإِنْ كَانَتِ الْعِصْمَةُ مُمْكِنَةً، فَهِيَ إِلَيْهِمَا أَقْرَبُ.
وَإِنْ كَانَتْ مُمْتَنِعَةً، فَهِيَ عَنْهُ أَبْعَدُ.
وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُ بِجَوَازِ عِصْمَةِ عَلِيٍّ دُونَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ انْتِفَاءَ الْعِصْمَةِ عَنِ الثَّلَاثَةِ، إِلَّا مَعَ انْتِفَائِهَا عَنْ عَلِيٍّ.
فَأَمَّا انْتِفَاؤُهَا عَنِ الثَّلَاثَةِ دُونَ عَلِيٍّ، فَهَذَا لَيْسَ قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَهَذِهِ كَنُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُسَلِّمُونَ نُبُوَّةَ أَحَدٍ مِنْ هَذَيْنِ إِلَّا مَعَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، وَلَيْسَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُقِرُّ بِنُبُوَّتِهِمَا مُنْفَرِدَةً عَنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، بَلِ الْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى كُفْرِ مَنْ أَقَرَّ بِنُبُوَّةِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَأَنَّ مَنْ كَفَرَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ وَأَقَرَّ بِأَحَدِ هَذَيْنِ، فَهُوَ أَعْظَمُ كُفْرًا مِمَّنْ أَقَرَّ بِمُحَمَّدٍ وَكَفَرَ بِأَحَدِ هَذَيْنِ.
وَإِذَا قِيلَ: إِنَّ الْإِيمَانَ 2 بِمُحَمَّدٍ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِيمَانِ بِهِمَا، وَكَذَلِكَ

الْإِيمَانُ بِهِمَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ.
وَهَكَذَا نَفْيُ الْعِصْمَةِ، وَثُبُوتُ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَوِلَايَةُ اللَّهِ.
فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَقُولُونَ بِإِيمَانِ عَلِيٍّ وَتَقْوَاهُ وَوِلَايَتِهِ لِلَّهِ، إِلَّا مَقْرُونًا بِإِيمَانِ الثَّلَاثَةِ وَتَقْوَاهُمْ وَوِلَايَتِهِمْ لِلَّهِ.
وَلَا يَنْفُونَ الْعِصْمَةَ عَنْهُمْ إِلَّا مَقْرُونًا بِنَفْيِهَا عَنْ عَلِيٍّ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْفَرْقَ بَاطِلٌ عِنْدَهُمْ.
وَإِذَا قَالَ الرَّافِضِيُّ لَهُمْ: الْإِيمَانُ ثَابِتٌ لِعَلِيٍّ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْعِصْمَةُ 1 مُنْتَفِيَةٌ عَنِ الثَّلَاثَةِ بِالْإِجْمَاعِ، كَانَ كَقَوْلِ الْيَهُودِيِّ: نُبُوَّةُ مُوسَى ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ قَوْلُ النَّصْرَانِيِّ الْإِلَهِيَّةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ بِالْإِجْمَاعِ.
وَالْمُسْلِمُ يَقُولُ: نَفِيُ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى كَنَفْيِهَا 2 عَنِ الْمَسِيحِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ أَنْفِيَهَا عَنْ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ وَأُسَلِّمَ ثُبُوتَهَا لِلْمَسِيحِ، وَإِذَا قَالَ النَّصْرَانِيُّ: اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا آلِهَةً، وَتَنَازَعْنَا فِي النَّصْرَانِيِّ أَنَّ اللَّهَ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ فِي صُورَةِ الْبَشَرِ، وَلَمْ يُدَّعَ [ذَلِكَ] 3 إِلَّا فِي الْمَسِيحِ، كَانَ كَتَقْرِيرِ الرَّافِضِيِّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِمَامٍ مَعْصُومٍ، وَلَمْ يُدَّعَ ذَلِكَ إِلَّا لَعَلِيٍّ.
وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ (* أَنَّهُ لَيْسَ لِعِيسَى 4 مَزِيَّةٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ بِهَا إِلَهًا دُونَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ، كَمَا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ *) 5 أَنَّ عَلِيًّا لَمْ [يَكُنْ لَهُ] مَزِيَّةٌ 6 يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ بِهَا مَعْصُومًا دُونَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَنْ أَرَادَ التَّفْرِيقَ مَنَعْنَاهُ 7 ذَلِكَ، وَقُلْنَا لَا نُسَلِّمُ إِلَّا التَّسْوِيَةَ فِي الثُّبُوتِ أَوِ الِانْتِفَاءِ.

وَإِذَا قَالَ: أَنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ انْتِفَاءَ الْعِصْمَةِ عَنِ الثَّلَاثَةِ.
قُلْنَا: نَعْتَقِدُ انْتِفَاءَ الْعِصْمَةِ عَنْ عَلِيٍّ، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ 1 انْتِفَاءَهَا عَنْهُ أَوْلَى مِنِ انْتِفَائِهَا عَنْ غَيْرِهِ 2 ، وَأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُ إِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةً، فَلَا يُمْكِنُ مَعَ هَذَا أَنْ يُحْتَجَّ عَلَيْنَا بِقَوْلِنَا.
وَأَيْضًا فَنَحْنُ إِنَّمَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ الْعِصْمَةِ عَنِ الثَّلَاثَةِ؛ لِاعْتِقَادِنَا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ إِمَامًا مَعْصُومًا.
فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ إِمَامًا مَعْصُومًا فَلَا يُشَكُّ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْعِصْمَةِ مِنْ كُلِّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ، وَنَفْيُنَا لِعِصْمَتِهِمْ لِاعْتِقَادِنَا هَذَا التَّقْدِيرَ.
وَهُنَا جَوَابٌ ثَالِثٌ عَنْ أَصْلِ الْحُجَّةِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ أَنَّ عَلِيًّا مَعْصُومٌ، وَمَنْ سِوَاهُ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ.
فَإِنْ قَالُوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى ثُبُوتِ عِصْمَةِ عَلِيٍّ وَانْتِفَاءِ عِصْمَةِ غَيْرِهِ 3 كَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ حُجَّتِهِمْ.
قِيلَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً بَطَلَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فِي إِثْبَاتِ عِصْمَةِ عَلِيٍّ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فِي الْمَقْصُودِ بِعِصْمَةِ مَنْ حَفَظَ الشَّرْعَ وَنَقَلَهُ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَحْتَجُّونَ 4 بِالْإِجْمَاعِ، وَيَرُدُّونَ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا أَنَّ عَلِيًّا هُوَ الْمَعْصُومُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ؟ فَإِنِ ادَّعَوُا التَّوَاتُرَ عِنْدَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ فِي عِصْمَتِهِ، كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ

كَالْقَوْلِ فِي تَوَاتُرِ النَّصِّ عَلَى إِمَامَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ آخَرُ.
الْجَوَابُ الرَّابِعُ 1 : أَنْ يُقَالَ: الْإِجْمَاعُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمَعْصُومِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا ثُبُوتَ الْمَعْصُومِ إِلَّا بِهِ لَزِمَ الدَّوْرُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مَعْصُومٌ إِلَّا بِقَوْلِهِ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةً إِلَّا إِذَا عُرِفَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ، فَلَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
فَعُلِمَ بُطْلَانُ حُجَّتِهِمْ عَلَى إِثْبَاتِ الْمَعْصُومِ.
[وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقَوْمَ لَيْسَ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ عِلْمِيٌّ أَصْلًا فِيمَا يَقُولُونَ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، بَلْ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَعْصُومُ فِيهِمْ، فَإِنَّ قَوْلَ الْمَعْصُومِ] 2 وَحْدَهُ هُوَ الْحُجَّةُ، فَيَحْتَاجُونَ حِينَئِذٍ إِلَى الْعِلْمِ بِالشَّخْصِ الْمُسْتَقِلِّ 3 ، حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةٌ.
فَإِذَا احْتَجُّوا بِالْإِجْمَاعِ لَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ عِنْدَهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ إِلَّا قَوْلَ الْمَعْصُومِ، فَيَصِيرُ هَذَا مُصَادَرَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَيَكُونُ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ مَعْصُومٌ ; لِأَنَّهُ قَالَ إِنِّي مَعْصُومٌ.
فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: بِمَ عَرَفْتُمْ أَنَّهُ مَعْصُومٌ، وَأَنَّ مَنْ سِوَاهُ لَيْسُوا مَعْصُومِينَ؟ قَالُوا: بِأَنَّهُ قَالَ أَنَا 4 مَعْصُومٌ، وَمَنْ سِوَايَ 5 لَيْسَ بِمَعْصُومٍ.
وَهَذَا مِمَّا يُمْكِنُ كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً.
وَصَارَ هَذَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَنَا صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا أَقُولُهُ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ بِغَيْرِ قَوْلِهِ، لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ فِيمَا يَقُولُهُ.

وَحُجَّتُهُمْ هَذِهِ مِنْ جِنْسِ حُجَّةِ إِخْوَانِهِمُ الْمَلَاحِدَةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى 1 الْإِمَامِ الْمُعَلِّمِ الْمَعْصُومِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ 2 طُرُقَ الْعِلْمِ مِنَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ لَا يُعْرَفُ صِحَّتُهَا إِلَّا بِتَعْلِيمِ الْمُعَلِّمِ الْمَعْصُومِ.
وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا هَذَا الْأَصْلَ الْفَاسِدَ عَنْ إِخْوَانِهِمُ الرَّافِضَةِ، فَلَمَّا ادَّعَتِ الرَّافِضَةُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِمَامٍ مَعْصُومٍ فِي حِفْظِ الشَّرِيعَةِ وَأَقَرَّتْ 3 بِالنُّبُوَّةِ، ادَّعَتِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ مَا هُوَ أَبْلَغُ: فَقَالُوا: لَا بُدَّ فِي جَمِيعِ الْعُلُومِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ 4 مِنَ الْمَعْصُومِ.
وَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ مَلَاحِدَةً فِي الْبَاطِنِ، يُقِرُّونَ بِالنُّبُوَّاتِ 5 فِي الظَّاهِرِ وَالشَّرَائِعِ، وَيَدَّعُونَ 6 أَنَّ لَهَا تَأْوِيلَاتٍ بَاطِنَةً تُخَالِفُ مَا يَعْرِفُهُ 7 النَّاسُ مِنْهَا، وَيَقُولُونَ بِسُقُوطِ الْعِبَادَاتِ 8 وَحِلِّ الْمُحَرَّمَاتِ لِلْخَوَاصِّ الْوَاصِلِينَ، فَإِنَّ لَهُمْ طَبَقَاتٍ فِي الدَّعْوَةِ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّ كِلْتَا 9 الطَّائِفَتَيْنِ تَدَّعِي الْحَاجَةَ إِلَى مَعْصُومٍ غَيْرِ الرَّسُولِ، لَكِنَّ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ يَجْعَلُونَ الْمَعْصُومَ أَحَدَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَتُجْعَلُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي حِفْظِ الشَّرِيعَةِ وَتَبْلِيغِهَا، وَهَؤُلَاءِ مَلَاحِدَةٌ كَفَّارٌ.

وَالْإِمَامِيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ يَعْتَقِدُونَ صِحَّةَ الْإِسْلَامِ فِي الْبَاطِنِ، إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُلْحِدًا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ شُيُوخِ الشِّيعَةِ هُوَ فِي الْبَاطِنِ عَلَى غَيْرِ اعْتِقَادِهِمْ: إِمَّا مُتَفَلْسِفٌ مُلْحِدٌ، وَإِمَّا غَيْرُ ذَلِكَ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْكِتَابِ لَيْسَ هُوَ 1 فِي الْبَاطِنِ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ أَنْ يَتَظَاهَرَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
وَهَذَا يَقُولُهُ 2 غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ يُحِبُّ صَاحِبَ هَذَا الْكِتَابِ وَيُعَظِّمُهُ.
وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ وَأَمْثَالُهُ 3 حَائِرُونَ بَيْنَ أَقْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ وَأَقْوَالِ سَلَفِهِمُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَمَبَاحِثُهُمْ تَدُلُّ فِي كُتُبِهِمْ عَلَى الْحَيْرَةِ وَالِاضْطِرَابِ.
وَلِهَذَا صَاحِبُ هَذَا الْكِتَابِ يُعَظِّمُ الْمَلَاحِدَةَ كَالطُّوسِيِّ وَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِمَا، وَيُعَظِّمُ شُيُوخَ الْإِمَامِيَّةِ.
وَلِهَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ تَذُمُّهُ وَتَسُبُّهُ، وَتَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ الْإِمَامِيَّةِ.
وَهَكَذَا أَهْلُ كُلِّ دِينٍ: تَجِدُ فُضَلَاءَهُمْ فِي الْغَالِبِ، إِمَّا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْحَقِّ، وَإِمَّا أَنْ يَصِيرُوا مَلَاحِدَةً، مِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى، هُمْ فِي الْبَاطِنِ زَنَادِقَةٌ مَلَاحِدَةٌ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ فِي الْبَاطِنِ يَمِيلُ إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ لِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ فَسَادِ دِينِ النَّصَارَى.
فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْمَعْصُومِ ثَابِتَةٌ، فَالْكَلَامُ فِي تَعَيُّنِهِ.
فَإِذَا طُولِبَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِتَعْيِينِ مَعْصُومِهِ، وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ 4

الْمَعْصُومُ دُونَ غَيْرِهِ، لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ أَصْلًا، وَتَنَاقَضَتْ أَقْوَالُهُ.
وَكَذَلِكَ الرَّافِضِيُّ أَخَذَ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ كَلَامَهُمْ فِي وُجُوبِ رِعَايَةِ الْأَصْلَحِ، وَبَنَى عَلَيْهِ 1 أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْصُومٍ.
وَهِيَ أَقْوَالٌ فَاسِدَةٌ، وَلَكِنْ إِذَا طُولِبَ بِتَعْيِينِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ أَصْلًا إِلَّا مُجَرَّدُ 2 قَوْلِ مَنْ لَمْ تَثْبُتْ 3 بَعْدُ عِصْمَتُهُ: إِنِّي مَعْصُومٌ 4 . فَإِنْ قِيلَ: إِذَا ثَبَتَ بِالْعَقْلِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْصُومٍ، فَإِذَا قَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي مَعْصُومٌ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَعْصُومَ 5 ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ هَذَا غَيْرُهُ.
قِيلَ لَهُمْ: لَوْ قُدِّرَ ثُبُوتُ مَعْصُومٍ فِي الْوُجُودِ، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ قَوْلِ شَخْصٍ: أَنَا مَعْصُومٌ، مَقْبُولًا، لِإِمْكَانِ كَوْنِ 6 غَيْرِهِ هُوَ الْمَعْصُومَ، وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ نَحْنُ دَعْوَاهُ 7 ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْ دَعْوَاهُ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْكُتَ عَنْ 8 دَعْوَى الْعِصْمَةِ وَإِظْهَارِهَا عَلَى أَصْلِهِمْ، كَمَا جَازَ لِلْمُنْتَظَرِ أَنْ يُخْفِيَ نَفْسَهُ خَوْفًا مِنَ الظَّلَمَةِ.
وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ مَعْصُومٌ غَيْرَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ وَلَمْ نَعْلَمْهُ، كَمَا ادَّعَوْا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمُنْتَظَرِ، فَلِمَ لَمْ يَبْقَ مَعَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى التَّعْيِينِ: لَا إِجْمَاعَ وَلَا دَعْوَى.

وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ 1 بِتَقْدِيرِ دَعْوَى عَلِيٍّ الْعِصْمَةَ، فَإِنَّمَا يُقْبَلُ هَذَا لَوْ كَانَ عَلِيٌّ قَالَ ذَلِكَ، وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَهَذَا جَوَابٌ خَامِسٌ 2 وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنِ 3 الْحُجَّةُ عَلَى الْعِصْمَةِ إِلَّا قَوْلُ الْمَعْصُومِ: إِنِّي مَعْصُومٌ، فَنَحْنُ رَاضُونَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَا يُمْكِنُ أَحَدٌ 4 أَنْ يَنْقُلَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ، بَلِ النُّقُولُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْهُ تَنْفِي اعْتِقَادَهُ فِي نَفْسِهِ الْعِصْمَةَ.
وَهَذَا جَوَابٌ سَادِسٌ، فَإِنَّ إِقْرَارَهُ لِقُضَاتِهِ 5 عَلَى أَنْ يَحْكُمُوا بِخِلَافِ رَأْيِهِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ نَفْسُهُ مَعْصُومًا.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: " اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يُبَعْنَ.
وَقَدْ رَأَيْتُ الْآنَ أَنْ يُبَعْنَ ". فَقَالَ لَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ قَاضِيهُ: " رَأْيُكَ مَعَ عُمَرَ [فِي الْجَمَاعَةِ] 6 أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ فِي الْفُرْقَةِ ". وَكَانَ شُرَيْحٌ يَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ وَلَا يُرَاجِعُهُ وَلَا يُشَاوِرُهُ، وَعَلِيٌّ يُقِرُّهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَكَانَ يَقُولُ: " اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ ". وَكَانَ يُفْتِي وَيَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَنْ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ، كَأَمْثَالِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَهَذِهِ أَقْوَالُهُ الْمَنْقُولَةُ عَنْهُ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ مَوْجُودَةٌ.

ثُمَّ قَدْ وُجِدَ مِنْ أَقْوَالِهِ الَّتِي تُخَالِفُ النُّصُوصَ أَكْثَرُ مِمَّا وُجِدَ مِنْ أَقْوَالِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ.
وَقَدْ جَمَعَ الشَّافِعِيُّ مِنْ ذَلِكَ كِتَابًا فِيهِ خِلَافُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، لَمَّا كَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يُنَاظِرُونَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَيَقُولُونَ: قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِمَا.
فَجَمَعَ الشَّافِعِيُّ كِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ مَا تَرَكُوهُ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ 1 ، وَجَمَعَ بَعْدَهُ 2 مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ 3 كِتَابًا أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ 4 ذَكَرَهُ 5 فِي مَسْأَلَةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، لَمَّا احْتَجَّ عَلَيْهِ فِيهَا بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ 6 . وَهَذَا كَلَامٌ مَعَ عُلَمَاءٍ يَحْتَجُّونَ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، كَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَمْثَالُهُ، فَإِنَّ 7 أَكْثَرَ مُنَاظَرَةِ الشَّافِعِيِّ كَانَتْ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَصْحَابِهِ، لَمْ يُدْرِكْ أَبَا يُوسُفَ، وَلَا نَاظَرَهُ، وَلَا سَمِعَ مِنْهُ، بَلْ تُوُفِّيَ أَبُو يُوسُفَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الشَّافِعِيُّ الْعِرَاقَ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ 8 وَقَدِمَ الشَّافِعِيُّ الْعِرَاقَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، وَلِهَذَا إِنَّمَا يَذْكُرُ فِي كُتُبِهِ أَقْوَالَ أَبِي يُوسُفَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْهُ.

وَهَؤُلَاءِ الرَّافِضَةُ فِي 1 احْتِجَاجِهِمْ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا مَعْصُومٌ بِكَوْنِ غَيْرِهِمْ يَنْفِي الْعِصْمَةَ عَنْ غَيْرِهِ احْتِجَاجًا لِقَوْلِهِمْ 2 بِقَوْلِهِمْ، وَإِثْبَاتُ الْجَهْلِ بِالْجَهْلِ.
وَمِنْ تَوَابِعِ ذَلِكَ مَا رَأَيْتُهُ فِي كُتُبِ شُيُوخِهِمْ: أَنَّهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَكَانَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ يُعْرَفُ قَائِلُهُ، وَالْآخَرُ لَا يُعْرَفُ قَائِلُهُ، فَالصَّوَابُ عِنْدَهُمُ الْقَوْلُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ قَائِلُهُ.
قَالُوا 3 : لِأَنَّ قَائِلَهُ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ كَانَ مِنْ أَقْوَالِ الْمَعْصُومِ فَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ أَعْظَمِ الْجَهْلِ وَمِنْ أَيْنَ يُعْرَفُ أَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ قَائِلُهُ إِنَّمَا قَالَهُ الْمَعْصُومُ! وَلَوْ قُدِّرَ وُجُودُهُ أَيْضًا لَمْ يُعْرَفْ 4 أَنَّهُ قَالَهُ، كَمَا لَمْ يُعْرَفْ 5 أَنَّهُ قَالَهُ الْآخَرُ.
وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْصُومُ قَدْ قَالَ الْقَوْلَ الَّذِي يُعْرَفُ وَأَنَّ غَيْرَهُ قَالَهُ، كَمَا أَنَّهُ يَقُولُ أَقْوَالًا كَثِيرَةً يُوَافِقُ فِيهَا غَيْرَهُ، وَأَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ قَدْ قَالَهُ مَنْ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، بَلْ قَالَهُ شَيْطَانٌ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؟ فَهُمْ يَجْعَلُونَ عَدَمَ الْعِلْمِ بِالْقَوْلِ وَصِحَّتِهِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ، كَمَا قَالُوا هُنَا: عَدَمُ الْقَوْلِ بِعِصْمَةِ غَيْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى عِصْمَتِهِ، وَكَمَا 6 جَعَلُوا عَدَمَ الْعِلْمِ بِالْقَائِلِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ الْمَعْصُومِ.
وَهَذَا 7 حَالُ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ نُورِ السُّنَّةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ ; فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي ظُلُمَاتِ الْبِدَعِ، ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ.

فصل كلام الرافضي على الوجه الثاني من وجوه إمامة علي وهو وجوب النص على الإمام والرد عليه

فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 1 : " الْوَجْهُ 2 الثَّانِي: أَنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، لِمَا بَيَّنَّا مِنْ بُطْلَانِ الِاخْتِيَارِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضَ الْمُخْتَارِينَ 3 لِبَعْضِ الْأُمَّةِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ الْمُخْتَارِ الْآخَرِ 4 ، وَلِأَدَائِهِ إِلَى التَّنَازُعِ 5 وَالتَّشَاجُرِ، فَيُؤَدِّي نَصْبُ الْإِمَامِ إِلَى أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ الَّتِي 6 لِأَجْلِ إِعْدَامِ الْأَقَلِّ مِنْهَا أَوْجَبْنَا نَصْبَهُ.
وَغَيْرُ عَلِيٍّ 7 مِنْ أَئِمَّتِهِمْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْإِمَامَ ". وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا بِمَنْعٍ 8 الْمُقْدِّمَتَيْنِ أَيْضًا، لَكِنَّ النِّزَاعَ هُنَا فِي الثَّانِيَةِ أَظْهَرُ وَأَبْيَنُ، فَإِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْكَلَامِ، إِلَى النَّصِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الرَّافِضَةِ إِلَى النَّصِّ عَلَى الْعَبَّاسِ.

وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: " غَيْرُ عَلِيٍّ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ " كَذِبٌ مُتَيَقَّنٌ، فَإِنَّهُ لَا إِجْمَاعَ عَلَى نَفْيِ النَّصِّ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ.
وَهَذَا الرَّافِضِيُّ الْمُصَنِّفُ 1 ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ بَنِي جِنْسِهِ، وَمِنَ الْمُبَرَّزِينَ عَلَى طَائِفَتِهِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ الطَّائِفَةَ كُلَّهَا جُهَّالٌ.
وَإِلَّا فَمَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِمَقَالَاتِ النَّاسِ كَيْفَ يَدَّعِي مِثْلَ هَذَا الْإِجْمَاعِ؟ ! وَنُجِيبُ هُنَا بِجَوَابٍ ثَالِثٍ مُرَكَّبٍ 2 ، وَهُوَ أَنْ نَقُولَ: لَا يَخْلُوا إِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ النَّصُّ فِي الْإِمَامَةِ وَإِمَّا أَنْ لَا يُعْتَبَرَ.
فَإِنِ اعْتُبِرَ مَنَعْنَا الْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةَ، إِنْ قُلْنَا: إِنَّ النَّصَّ ثَابِتٌ لِأَبِي بَكْرٍ.
وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ بَطَلَتِ [الْمُقَدِّمَةُ] 3 الْأُولَى.
وَهُنَا جَوَابٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنْ نَقُولَ: الْإِجْمَاعُ عِنْدَكُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ قَوْلُ الْمَعْصُومِ، فَيَعُودُ الْأَمْرُ إِلَى إِثْبَاتِ النَّصِّ بِقَوْلِ الَّذِي يُدَّعَى لَهُ الْعِصْمَةُ.
وَلَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ لَا نَصٌّ وَلَا عِصْمَةٌ، بَلْ يَكُونُ قَوْلُ الْقَائِلِ: " لَمْ يَعْرِفْ صِحَّةَ قَوْلِهِ: أَنَا 4 الْمَعْصُومُ، وَأَنَا الْمَنْصُوصُ عَلَى إِمَامَتِي " حُجَّةً، وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْجَهْلِ.
وَهَذِهِ الْحُجَّةُ مِنْ جِنْسِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَجَوَابٌ خَامِسٌ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: مَا تَعْنِي بِقَوْلِكَ: " يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ "؟ 5 . لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقُولَ: هَذَا هُوَ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي،

فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَيَكُونُ 1 الْخَلِيفَةُ بِمُجَرَّدِ هَذَا النَّصِّ؟ أَمْ لَا يَصِيرُ هَذَا 2 إِمَامًا حَتَّى تُعْقَدَ 3 لَهُ الْإِمَامَةُ مَعَ ذَلِكَ؟ . فَإِنْ قُلْتَ بِالْأَوَّلِ.
قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ النَّصِّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَالزَّيْدِيَّةُ مَعَ الْجَمَاعَةِ تُنْكِرُ هَذَا النَّصَّ، وَهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ الَّذِينَ لَا يُتَّهَمُونَ عَلَى عَلِيٍّ 4 .

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ أَدَّى 5 إِلَى التَّنَازُعِ وَالتَّشَاجُرِ ". فَيُقَالُ: النُّصُوصُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ الْإِمَامَةَ وَتُعْلَمُ دَلَالَتُهَا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ فِي الْأَحْكَامِ، فَلَيْسَتْ كُلُّ الْأَحْكَامِ مَنْصُوصَةً نَصًّا جَلِيًّا يَسْتَوِي فِي فَهْمِهِ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ 6 . فَإِذَا كَانَتِ الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي تَجِبُ مَعْرِفَتُهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ يُكْتَفَى فِيهَا بِهَذَا النَّصِّ، فَلَأَنْ يُكْتَفَى بِذَلِكَ فِي الْقَضِيَّةِ الْجُزْئِيَّةِ، وَهُوَ تَوْلِيَةُ إِمَامٍ مُعَيَّنٍ، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ يُمْكِنُ نَصُّ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْجُزْئِيَّاتِ.
وَأَيْضًا فِيهِ إِذَا كَانَتِ الْأَدِلَّةُ ظَاهِرَةً فِي أَنَّ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ اسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ 7 اسْتِخْلَافِهِ.
وَالدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَحَقَّهُمْ بِالْإِمَامَةِ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، لَمْ

يُنَازِعْ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ نَازَعَ مِنَ الْأَنْصَارِ لَمْ يُنَازِعْ فِي أَنَّ 1 أَبَا بَكْرٍ أَفْضَلُ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّمَا طَلَبَ أَنْ يُوَلَّى وَاحِدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مَعَ وَاحِدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنْ كَانَ لَهُمْ 2 هَوًى مُنِعُوا ذَلِكَ بِدَلَالَةِ النُّصُوصِ.
قِيلَ: وَإِذَا كَانَ لَهُمْ هَوًى عَصَوْا تِلْكَ النُّصُوصَ وَأَعْرَضُوا عَنْهَا، كَمَا ادَّعَيْتُمْ أَنْتُمْ عَلَيْهِمْ، فَمَعَ قَصْدِهِمُ الْقَصْدَ الْحَقَّ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِهَذَا وَبِهَذَا، وَمَعَ الْعِنَادِ لَا يَنْفَعُ هَذَا وَلَا هَذَا.
وَجَوَابٌ سَادِسٌ: أَنْ يُقَالَ: النَّصُّ عَلَى الْأَحْكَامِ عَلَى وَجْهَيْنِ: نَصٌّ كُلِّيٌّ 3 عَامٌّ يَتَنَاوَلُ أَعْيَانَهَا، وَنَصٌّ عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ.
فَإِذَا قُلْتُمْ: لَا بُدَّ مِنَ النَّصِّ عَلَى الْإِمَامِ.
إِنْ أَرَدْتُمُ النَّصَّ عَلَى 4 الْعَامِّ الْكُلِّيِّ: [عَلَى] 5 مَا يُشْتَرَطُ لِلْإِمَامِ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَمَا يَجِبُ لَهُ، كَالنَّصِّ عَلَى الْحُكَّامِ وَالْمُفْتِينَ وَالشُّهُودِ وَأَئِمَّةِ الصَّلَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَأُمَرَاءِ الْجِهَادِ، وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يَتَقَلَّدُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ - فَهَذِهِ النُّصُوصُ 6 ثَابِتَةٌ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - كَثِيرَةٌ 7 ، كَمَا هِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى سَائِرِ الْأَحْكَامِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا بُدَّ مِنْ نَصٍّ عَلَى أَعْيَانِ مَنْ يَتَوَلَّى.

قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّصَّ عَلَى جُزْئِيَّاتِ الْأَحْكَامِ لَا يَجِبُ، بَلْ وَلَا يُمْكِنُ.
وَالْإِمَامَةُ حُكْمٌ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ النَّصَّ عَلَى كُلِّ مَنْ يَتَوَلَّى عَلَى الْمُسْلِمِينَ وِلَايَةً مَا إِلَى 1 قِيَامِ السَّاعَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَلَا وَاقِعٍ.
وَالنَّصُّ عَلَى مُعَيَّنٍ دُونَ مُعَيَّنٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ النَّصُّ عَلَى كُلِّ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَكُونُ نَصًّا 2 عَلَى بَعْضِ الْمُعَيَّنِينَ.
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قِيلَ: يُمْكِنُ النَّصُّ عَلَى إِمَامٍ، وَيُفَوَّضُ إِلَيْهِ 3 النَّصُّ عَلَى مَنْ يَسْتَخْلِفُهُ.
[قِيلَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَنُصَّ عَلَى مَنْ يَسْتَخْلِفُهُ] 4 الْإِمَامُ، وَعَلَى مَنْ يَتَّخِذُهُ وَزِيرًا، وَالنَّصُّ عَلَى ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ.
وَأَيْضًا فَالْإِمَامُ الْمَنْصُوصُ عَلَى عَيْنِهِ: أَهُوَ 5 مَعْصُومٌ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ أَوْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ؟ فَإِنْ كَانَ مَعْصُومًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ نُوَّابُهُ كُلُّهُمْ مَعْصُومِينَ.
وَهَذَا كُلُّهُ 6 بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ 7 غَيْرَ مَعْصُومٍ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ فِي سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ بِوُجُودِ الْمَعْصُومِ.
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ مَعْصُومٌ فِيمَنْ يَسْتَخْلِفُهُ بَعْدَهُ، دُونَ مَنْ يَسْتَخْلِفُهُ فِي حَيَاتِهِ.

قِيلَ: الْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ 1 إِلَى الْعِصْمَةِ فِي كِلَيْهِمَا 2 ، وَعِلْمُهُ بِالْحَاضِرِ أَعْظَمُ مِنْ عِلْمِهِ بِالْمُسْتَقْبَلِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْصُومًا فِيمَا يَأْتِي، وَلَيْسَ مَعْصُومًا فِي الْحَاضِرِ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّصُّ مُمْكِنٌ، فَلَوْ نَصَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى خَلِيفَةٍ.
قِيلَ: فَنَصُّهُ عَلَى خَلِيفَةٍ بَعْدَهُ كَتَوْلِيَةِ وَاحِدٍ فِي حَيَاتِهِ، وَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ الْعِصْمَةَ لَا 3 فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا.

وَجَوَابٌ سَابِعٌ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: أَنْتُمْ أَوْجَبْتُمُ النَّصَّ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى التَّشَاجُرِ، الْمُفْضِي إِلَى أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ الَّتِي 4 لِأَجْلِ إِعْدَامِ الْأَقَلِّ مِنْهَا أَوْجَبْتُمْ نَصْبَهُ.
فَيُقَالُ: الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَوَلَّى بِدُونِ هَذَا الْفَسَادِ.
وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ تَوَلَّيَا بِدُونِ هَذَا الْفَسَادِ.
(* فَإِنَّمَا عَظُمَ هَذَا الْفَسَادُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَوَقَعَ فِي وِلَايَتِهِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّشَاجُرِ وَالْفَسَادِ *) 5 [الَّتِي] لِأَجَلٍ 6 إِعْدَامِ الْأَقَلِّ مِنْهَا أَوْجَبْتُمْ نَصْبَهُ، فَكَانَ مَا جَعَلْتُمُوهُ وَسِيلَةً إِنَّمَا حَصَلَ مَعَهُ نَقِيضُ الْمَقْصُودِ، [وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ] 7 بِدُونِ وَسِيلَتِكُمْ، فَبَطَلَ كَوْنُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ وَسِيلَةً إِلَى الْمَقْصُودِ.

وَهَذَا لِأَنَّهُمْ أَوْجَبُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَأَخْبَرُوا بِمَا لَمْ يَكُنْ، فَلَزِمَ مِنْ كَذِبِهِمْ وَجَهْلِهِمْ هَذَا التَّنَاقُضُ.
وَجَوَابٌ ثَامِنٌ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: النَّصُّ 1 الَّذِي يُزِيلُ هَذَا 2 الْفَسَادَ يَكُونُ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] 3 بِوِلَايَةِ الشَّخْصِ وَيُثْنِي عَلَيْهِ فِي وِلَايَتِهِ، فَحِينَئِذٍ تَعْلَمُ الْأُمَّةُ أَنَّ هَذَا إِنْ 4 تَوَلَّى كَانَ مَحْمُودًا مَرْضِيًّا، فَيَرْتَفِعُ النِّزَاعُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَلُّوهُ.
وَهَذَا النَّصُّ وَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
الثَّانِي: أَنْ يُخْبِرَ بِأُمُورٍ تَسْتَلْزِمُ صَلَاحَ الْوُلَاةِ، وَهَذِهِ النُّصُوصُ وَقَعَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
الثَّالِثُ: أَنْ 5 يَأْمُرَ مَنْ يَأْتِيهِ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ شَخْصًا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ مِنْ بَعْدِهِ.
وَهَذَا وَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ 6 . الرَّابِعُ: أَنْ يُرِيدَ كِتَابَةَ كِتَابٍ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ وَالْمُؤْمِنِينَ لَا يُوَلُّونَ إِلَّا فُلَانًا، وَهَذَا وَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَأْمُرَ بِالِاقْتِدَاءِ بَعْدَهُ بِشَخْصٍ، فَيَكُونُ هُوَ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ.
السَّادِسُ: أَنْ يَأْمُرَ بِاتِّبَاعِ سُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَيَجْعَلَ

خِلَافَتَهُمْ إِلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَلِّينَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ هُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ.
السَّابِعُ: أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الْأَشْخَاصِ بِأَمْرٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ هُوَ الْمُقَدَّمُ عِنْدَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ لِأَبِي بَكْرٍ.
وَهُنَا جَوَابٌ تَاسِعٌ 1 : وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: تَرْكُ النَّصِّ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْلَى بِالرَّسُولِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ 2 النَّصُّ لِيَكُونَ مَعْصُومًا، فَلَا مَعْصُومَ 3 بَعْدَ الرَّسُولِ.
وَإِنْ كَانَ بِدُونِ الْعِصْمَةِ 4 فَقَدْ يُحْتَجُّ بِالنَّصِّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدٌ 5 بَعْدَ مَوْتِ الرَّسُولِ أَنْ يُرَاجِعَ الرَّسُولَ فِي أَمْرِهِ لِيَرُدَّهُ أَوْ يَعْزِلَهُ 6 ، فَكَانَ أَنْ لَا يَنُصَّ 7 عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْلَى مِنَ النَّصِّ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ يُوَلِّيهِ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا 8 أَخْطَأَ أَوْ أَذْنَبَ أَمْكَنَ الرَّسُولَ بَيَانُ خَطَئِهِ وَرَدُّ ذَنْبِهِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ الْأُمَّةَ عَزْلُهُ لِتَوْلِيَةِ 9 الرَّسُولِ إِيَّاهُ، فَكَانَ 10 عَدَمُ النَّصِّ عَلَى مُعَيَّنٍ - مَعَ عِلْمِ الْمُسْلِمِينَ بِدِينِهِمْ - أَصْلَحَ لِلْأُمَّةِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ.
وَأَيْضًا لَوْ نَصَّ عَلَى مُعَيَّنٍ لِيُؤْخَذَ الدِّينُ مِنْهُ 11 ، كَمَا تَقَوَّلَهُ الرَّافِضَةُ،

بَطَلَتْ حُجَّةُ اللَّهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقُومُ بِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ غَيْرُ الرَّسُولِ، إِذْ لَا مَعْصُومَ إِلَّا هُوَ.
وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ الْأُمُورَ وَغَيْرَهَا عَلِمَ أَنَّ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] 1 وَأُمَّتِهِ أَكْمَلُ الْأُمُورِ.

وَجَوَابٌ عَاشِرٌ: وَهُوَ أَنَّ النَّصَّ عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ لَا يُمْكِنُ، وَالْكُلِّيَّاتُ قَدْ نُصَّ [عَلَيْهَا] 2 . فَلَوْ نَصَّ عَلَى مُعَيَّنٍ وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِ فِي تَعْيِينِ الْكُلِّيَّاتِ كَانَ هَذَا بَاطِلًا، وَإِنْ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، سَوَاءٌ وَافَقَتِ الْكُلِّيَّاتِ أَوْ خَالَفَتْهَا، كَانَ هَذَا بَاطِلًا، وَإِنْ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ فِي الْجُزْئِيَّاتِ إِذَا طَابَقَتِ الْكُلِّيَّاتِ، فَهَذَا حُكْمُ كُلِّ مُتَوَلٍّ.
وَأَيْضًا فَلَوْ نَصَّ عَلَى مُعَيَّنٍ لَكَانَ مَنْ يَتَوَلَّى بَعْدَهُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، يَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ طَاعَتُهُ، إِذْ طَاعَةُ الْأَوَّلِ إِنَّمَا وَجَبَتْ بِالنَّصِّ، وَلَا نَصَّ مَعَهُ.
وَإِنْ قِيلَ: كُلُّ وَاحِدٍ يَنُصُّ عَلَى الْآخَرِ، فَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الثَّانِي مَعْصُومًا.
وَالْعِصْمَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنْ غَيْرِ الرَّسُولِ، وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالنَّصِّ فَرْعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْعِصْمَةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ.
فَكَذَلِكَ هَذَا، أَعْنِي النَّصَّ الَّذِي تَدَّعِيهِ الرَّافِضَةُ 3 ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِطَاعَةِ الْمُتَوَلِّي فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ، مِنْ غَيْرِ رَدِّ مَا يَقُولُهُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِذَا نُوزِعَ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ يَرُدُّ مَا تُنُوزِعَ فِيهِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ 1 لَمْ يَحْتَجْ حِينَئِذٍ إِلَى نَصٍّ عَلَيْهِ لِحِفْظِ الدِّينِ، فَإِنَّ الدِّينَ 2 مَحْفُوظٌ بِدُونِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّصُّ عَلَى مُعَيَّنٍ: إِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ يُطَاعُ كَمَا يُطَاعُ الرَّسُولُ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ 3 وَيَنْهَى عَنْهُ وَيُبِيحُهُ، وَلَيْسَ 4 لِأَحَدٍ أَنْ (* يُنَازِعَهُ فِي شَيْءٍ، كَمَا لَيْسَ [لَهُ] 5 أَنْ *) 6 يُنَازِعُ الرَّسُولَ، وَأَنَّهُ يَسْتَبِدُّ بِالْأَحْكَامِ، وَالْأُمَّةُ مَعَهُ كَمَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذَا 7 لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَ الرَّسُولِ، وَلَا يُمْكِنُ هَذَا لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ أَحَدًا بَعْدَهُ لَا يَأْتِيهِ الْوَحْيُ كَمَا كَانَ يَأْتِيهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ كُلَّ مَا عَرَفَهُ الرَّسُولُ، فَلَمْ يَبْقَ سَبِيلٌ إِلَى مُمَاثَلَتِهِ: لَا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الرَّبِّ تَعَالَى.
وَإِنْ أُرِيدَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ يُبَيِّنُ لِلْأُمَّةِ أَنَّ هَذَا أَحَقُّ بِأَنْ يَتَوَلَّى عَلَيْكُمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَوِلَايَةُ هَذَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَصْلَحُ لَكُمْ فِي دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ، وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِالتَّقَدُّمِ فِي خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ - فَلَا رَيْبَ أَنَّ النُّصُوصَ الْكَثِيرَةَ بِهَذِهِ الْمَعَانِي دَلَّتْ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ.
وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يُتَابِعُوهُ، كَمَا أَمَرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُتَابِعُوا عُمَرَ، وَيَعْهَدَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ - فَهَذَا إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْأُمَّةَ 8 تَفْعَلُهُ، كَانَ تَرْكُهُ خَيْرًا

مِنْ فِعْلِهِ.
وَإِنْ خَافَ أَنْ لَا تَفْعَلَهُ إِلَّا بِأَمْرِهِ، كَانَ الْأَمْرُ أَوْلَى بِهِ.
وَلِهَذَا لَمَّا خَشِيَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَخْتَلِفُوا بَعْدَهُ، عَهِدَ إِلَى عُمَرَ، وَلَمَّا عَلِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ يُبَايِعُونَ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ 1 . كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: «ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ لِأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي " ثُمَّ [قَالَ] 2 : " يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ» 3 . فَعُلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُوَلِّي إِلَّا أَبَا بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونَ لَا يُبَايِعُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ 4 . وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ تَرْكُ الْأَمْرِ مَعَ عِلْمِهِ أَفْضَلَ، كَمَا فَعَلَ [النَّبِيُّ] 5 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ إِذَا وَلَّتْهُ طَوْعًا مِنْهَا بِغَيْرِ الْتِزَامٍ - وَكَانَ هُوَ الَّذِي يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ - كَانَ أَفْضَلَ لِلْأُمَّةِ، وَدَلَّ عَلَى عِلْمِهَا وَدِينِهَا.
فَإِنَّهَا لَوْ أُلْزِمَتْ بِذَلِكَ، لَرُبَّمَا قِيلَ: إِنَّهَا أُكْرِهَتْ عَلَى الْحَقِّ، وَهِيَ لَا تَخْتَارُهُ، كَمَا كَانَ يَجْرِي [مِثْلُ] 6 ذَلِكَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْأُمَّةِ بَقَايَا جَاهِلِيَّةٍ مِنَ التَّقَدُّمِ بِالْأَنْسَابِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ لَا يَتَوَلَّى إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، كَمَا كَانَ أَبُو سُفْيَانَ وَغَيْرُهُ

يَخْتَارُونَ ذَلِكَ.
فَلَوْ أَلْزَمَ الْمُهَاجِرِينَ 1 وَالْأَنْصَارَ بِهَذَا، لَظَنَّ الظَّانُّ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ جِنْسِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَمْثَالِهِ، وَكَانُوا يَعْرِفُونَ اخْتِصَاصَ الصِّدِّيقِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلًا وَآخِرًا، وَمُوَافَقَتَهُ لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا.
فَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ: إِنَّهُمْ كَانُوا فِي الْبَاطِنِ كَارِهِينَ 2 لِمَنْ يَأْمُرُهُمْ بِمِثْلِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ، لَكِنْ لَمَّا أَلْزَمَهُمْ بِذَلِكَ احْتَاجُوا إِلَى الْتِزَامِهِ، لَوْ لَمْ يَقْدَحْ فِيهِمْ بِذَلِكَ لَمْ يُمْدَحُوا إِلَّا بِمُجَرَّدِ الطَّاعَةِ لِلْأَمْرِ، فَإِذَا كَانُوا بِرِضَاهِمْ وَاخْتِيَارِهِمُ اخْتَارُوا مَا يَرْضَاهُ 3 اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ إِلْزَامٍ، كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِقَدْرِهِمْ، وَأَعْلَى لِدَرَجَتِهِمْ، وَأَعْظَمَ فِي مَثُوبَتِهِمْ 4 ، وَكَانَ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ هُوَ أَفْضَلَ الْأُمُورِ لَهُ وَلَهُمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّرَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَبَعْدَهُ أُسَامَةَ [بْنَ زَيْدٍ] 5 ، وَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِمَا 6 ، وَاحْتَاجُوا مَعَ ذَلِكَ إِلَى لُزُومِ طَاعَتِهِمَا.
فَلَوْ أَلْزَمَهُمْ بِوَاحِدٍ لَكَانَ [يَظُنُّ] بِهِمْ 7 أَنَّ مِثْلَ هَذَا كَانَ [فِي] 8 نُفُوسِهِمْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الصِّدِّيقُ 9 عِنْدَهُمْ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا أَحَدٌ.
فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى بَيْعَتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ قَطُّ أَحَدٌ 10 : إِنِّي أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُ،

فصول الكتاب · 5 فصل · 650 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منهاج السنة النبوية · 650 صفحة
مقدمة المؤلف
مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
صفحات 7-46صفحات 47-86صفحات 87-126صفحات 127-166صفحات 167-206صفحات 207-246صفحات 247-286صفحات 287-326صفحات 327-366صفحات 367-406صفحات 407-445صفحات 446-487صفحات 488-527صفحات 528-567صفحات 568-607صفحات 608-647صفحات 648-41صفحات 42-81صفحات 82-121صفحات 122-161صفحات 162-201صفحات 202-241صفحات 242-281صفحات 282-321صفحات 322-361صفحات 362-401صفحات 402-441صفحات 442-481صفحات 482-19صفحات 20-59صفحات 60-99صفحات 100-139صفحات 140-179صفحات 180-219صفحات 220-259صفحات 260-299صفحات 300-339صفحات 340-379صفحات 380-419صفحات 420-459صفحات 460-499صفحات 500-539صفحات 540-579صفحات 580-15صفحات 16-55صفحات 56-95صفحات 96-135صفحات 136-175صفحات 176-215صفحات 216-255صفحات 256-295صفحات 296-335صفحات 336-375صفحات 376-415صفحات 416-455صفحات 456-495صفحات 496-13صفحات 14-53صفحات 54-93صفحات 94-133صفحات 134-173صفحات 174-213صفحات 214-253صفحات 254-293صفحات 294-334صفحات 335-374صفحات 375-414صفحات 415-454صفحات 455-22صفحات 23-62صفحات 63-102صفحات 103-142صفحات 143-182صفحات 183-222صفحات 223-262صفحات 263-302صفحات 303-342صفحات 343-382صفحات 383-422صفحات 423-462صفحات 463-502صفحات 503-10صفحات 11-50صفحات 51-91صفحات 92-131صفحات 132-171صفحات 172-211صفحات 212-246
باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر
باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه
باب الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر
جارٍ التحميل