مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
- الطبعة
- الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]
مُتَأَخِّرِي الْجُهَّالِ [الرَّافِضَةِ] 1 ، الَّذِينَ كَانُوا زَمَنَ نُورِ الدِّينِ وَصَلَاحِ الدِّينِ، لَمَّا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الشَّامِ بِأَيْدِي النَّصَارَى، وَمِصْرُ بِأَيْدِي الْقَرَامِطَةِ الْمَلَاحِدَةِ بَقَايَا بَنِي عُبَيْدٍ، فَذُكِرَ مِنَ الْمَلَاحِمِ مَا يُنَاسِبُ تِلْكَ الْأُمُورَ بِنَظْمٍ جَاهِلٍ عَامِّيٍّ.
وَهَكَذَا هَذِهِ الْجَارِيَةُ فِضَّةٌ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَادِمًا، فَعَلَّمَهَا أَنْ تُسَبِّحَ عِنْدَ الْمَنَامِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ.
وَقَالَ: " هَذَا خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ " قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قِيلَ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ» ". وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ 2 ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهَا خَادِمًا.
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ 3 ذَلِكَ حَصَلَ خَادِمٌ 4 فَهُوَ مُمْكِنٌ، لَكِنْ [لَمْ يَكُنْ] 5 اسْمُ خَادِمِهَا فِضَّةً بِلَا رَيْبٍ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ بَعْضِ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ آثَرَ
ضَيْفَهُ بِعَشَائِهِمْ، وَنَوَّمَ الصِّبْيَةَ، وَبَاتَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ طَاوِيَيْنِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سُورَةُ الْحَشْرِ: 9] 1 .
وَهَذَا الْمَدْحُ أَعْظَمُ مِنَ الْمَدْحِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: 8] ، فَإِنَّ هَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 177] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ سُئِلَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " أَنْ تَصَدَّقَ 2 وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْبَقَاءَ، وَتَخَافُ الْفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» 3 ..
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 92] . فَالتَّصَدُّقُ بِمَا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا الْإِيثَارُ 4 مَعَ الْخَصَاصَةِ فَهُوَ أَكْمَلُ مِنْ مُجَرَّدِ التَّصَدُّقِ مَعَ الْمَحَبَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُتَصَدِّقٍ مُحِبًّا مُؤْثِرًا، وَلَا كُلُّ مُتَصَدِّقٍ يَكُونُ بِهِ خَصَاصَةٌ، بَلْ قَدْ يَتَصَدَّقُ بِمَا يُحِبُّ، مَعَ اكْتِفَائِهِ بِبَعْضِهِ، مَعَ مَحَبَّةٍ لَا تَبْلُغُ بِهِ الْخَصَاصَةَ.
فَإِذَا كَانَ اللَّهُ مَدَحَ الْأَنْصَارَ بِإِيثَارِ الضَّيْفِ لَيْلَةً بِهَذَا الْمَدْحِ، وَالْإِيثَارُ الْمَذْكُورُ فِي قِصَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَدْحُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ، إِنْ كَانَ هَذَا مِمَّا يُمْدَحُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْدَحُ عَلَيْهِ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْمَنَاقِبِ.
الثَّامِنُ: أَنَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَا لَا يَنْبَغِي نِسْبَتُهُ إِلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ; فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمَأْمُورِ بِهِ الْمَشْرُوعِ، وَهُوَ إِبْقَاءُ الْأَطْفَالِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ جِيَاعًا، وَوِصَالُهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَمِثْلُ هَذَا الْجُوعِ قَدْ يُفْسِدُ الْعَقْلَ وَالْبَدَنَ وَالدِّينَ.
وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ قِصَّةِ الْأَنْصَارِي ; فَإِنَّ ذَلِكَ 1 بَيَّتَهُمْ لَيْلَةً وَاحِدَةً بِلَا عَشَاءٍ، وَهَذَا قَدْ يَحْتَمِلُهُ الصِّبْيَانُ، بِخِلَافِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا.
التَّاسِعُ: أَنَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْيَتِيمَ قَالَ: " اسْتُشْهِدَ وَالِدِي يَوْمَ الْعَقَبَةِ " وَهَذَا مِنَ الْكَذِبِ الظَّاهِرِ، فَإِنَّ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِتَالٌ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَايَعَ الْأَنْصَارَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْقِتَالِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ، مَعَ أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ مِنْ كَذِبِ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَوْ قَالَ: " اسْتُشْهِدَ وَالِدِي يَوْمَ أُحُدٍ " لَكَانَ أَقْرَبَ.
الْعَاشِرُ: أَنْ يُقَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَكْفِي أَوْلَادَ مَنْ قُتِلَ مَعَهُ.
وَلِهَذَا قَالَ لِفَاطِمَةَ لَمَّا سَأَلَتْهُ خَادِمًا: " لَا أَدَعُ يَتَامَى بَدْرٍ وَأُعْطِيكِ ".
فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّهُ كَانَ مِنْ يَتَامَى الْمُجَاهِدِينَ الشُّهَدَاءِ مَنْ لَا يَكْفِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَذِبٌ عَلَيْهِ وَقَدْحٌ فِيهِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَدِينَةِ قَطُّ أَسِيرٌ يَسْأَلُ النَّاسَ، بَلْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُومُونَ بِالْأَسِيرِ الَّذِي يَسْتَأْسِرُونَهُ.
فَدَعْوَى الْمُدِّعِي أَنَّ أَسْرَاهُمْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى مَسْأَلَةِ النَّاسِ كَذِبٌ عَلَيْهِمْ وَقَدْحٌ فِيهِمْ.
وَالْأُسَرَاءُ الْكَثِيرُونَ [إِنَّمَا] 1 كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ، قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلِيٌّ بِفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَبَعْدَ ذَلِكَ فَالْأَسْرَى فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ صَحِيحَةً، وَهِيَ مِنَ الْفَضَائِلِ، لَمْ تَسْتَلْزِمْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا أَفْضَلَ النَّاسِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْإِمَامَ دُونَ غَيْرِهِ.
فَقَدْ كَانَ جَعْفَرٌ أَكْثَرَ إِطْعَامًا لِلْمَسَاكِينِ مِنْ غَيْرِهِ، حَتَّى قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي» . 2 ، 5 - 29 وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا احْتَذَى النِّعَالَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَعْفَرٍ، يَعْنِي فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الْمَسَاكِينِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَضَائِلِ.
فَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ 3 أَفْضَلَ مِنْ عَلِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْإِمَامَةِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ إِنْفَاقَ الصِّدِّيقِ أَمْوَالَهُ أَعْظَمُ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ إِطْعَامَ الْجَائِعِ 4 مِنْ جِنْسِ الصَّدَقَةِ الْمُطْلَقَةِ، الَّتِي يُمْكِنُ كُلُّ وَاحِدٍ فِعْلَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بَلْ وَكُلُّ أُمَّةٍ يُطْعِمُونَ جِيَاعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ،
فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِوَجْهِ اللَّهِ، بِهَذَا تَمَيَّزُوا.
كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: 9] .
وَأَمَّا إِنْفَاقُ الصِّدِّيقِ وَنَحْوُهُ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، لِتَخْلِيصِ مَنْ آمَنَ، وَالْكُفَّارُ يُؤْذُونَهُ أَوْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ مِثْلَ اشْتِرَائِهِ بِمَالِهِ سَبْعَةً كَانُوا يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ، مِنْهُمْ بِلَالٌ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلَالًا (1) .
وَإِنْفَاقُهُ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَفِي (2) نَصْرِ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ كَانَ أَهْلُ الْأَرْضِ قَاطِبَةً أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ.
وَتِلْكَ النَّفَقَةُ مَا بَقِيَ يُمْكِنُ مِثْلُهَا.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (3) وَهَذَا فِي النَّفَقَةِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِهَا، وَأَمَّا جِنْسُ إِطْعَامِ الْجَائِعِ مُطْلَقًا، فَهَذَا مُشْتَرَكٌ يُمْكِنُ فِعْلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فصل البرهان الثاني والعشرون " وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ " والجواب عليه
فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 4 : " الْبُرْهَانُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 33] . مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾123
[: مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلُهُ] 1 ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ : قَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْفَقِيهِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ 2 : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قَالَ: جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَدَّقَ بِهِ عَلِيٌّ.
وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ اخْتُصَّ بِهَا، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ ".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَنْقُولًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ وَحْدَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، لَوْ كَانَ 3 هَذَا النَّقْلُ صَحِيحًا عَنْهُ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا عَنْهُ؟ ! فَإِنَّهُ قَدْ عُرِفَ بِكَثْرَةِ 4 الْكَذِبِ.
وَالثَّابِتُ عَنْ مُجَاهِدٍ 5 خِلَافُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ الْقُرْآنُ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ هُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي عَمِلَ بِهِ، فَجَعَلَهَا عَامَّةً.
رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ [وَغَيْرُهُ] 6 عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ 7 : هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ يَجِيئُونَ [بِهِ] 8 يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
فَيَقُولُونَ 1 : هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا قَدِ اتَّبَعْنَا 2 مَا فِيهِ.
وَرَوَاهُ 3 أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَذَكَرَهُ، وَحَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: وَصَدَّقَ بِهِ.
قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ . قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 4 -.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا مُعَارَضٌ بِمَا هُوَ أَشْهَرُ مِنْهُ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ: مُحَمَّدٌ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ: أَبُو بَكْرٍ، فَإِنَّ هَذَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ، وَذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَلِيٍّ.
قَالَ 5 : جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَصَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ.
وَفِي هَذَا حِكَايَةٌ ذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ غُلَامِ أَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ: أَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ لَهُ هُوَ - أَوْ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ 6 -: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ.
فَقَالَ السَّائِلُ: بَلْ فِي عَلِيٍّ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ جَعْفَرٍ: اقْرَأْ مَا بَعْدَهَا: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 33] إِلَى قَوْلِهِ 7 ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 35] الْآيَةَ، فَبُهِتَ السَّائِلُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: لَفْظُ الْآيَةِ عَامٌّ مُطْلَقٌ لَا يَخْتَصُّ بِأَبِي بَكْرٍ وَلَا بِعَلِيٍّ،
بَلْ كُلُّ مَنْ دَخَلَ فِي عُمُومِهَا دَخَلَ فِي حُكْمِهَا.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا أَحَقُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالدُّخُولِ فِيهَا، لَكِنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ - وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 32 - 33] الْآيَةَ، فَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - الْكَاذِبَ عَلَى اللَّهِ وَالْمُكَذِّبَ بِالصِّدْقِ، وَهَذَا ذَمٌّ عَامٌّ.
وَالرَّافِضَةُ أَعْظَمُ أَهْلِ الْبِدَعِ دُخُولًا فِي هَذَا الْوَصْفِ الْمَذْمُومِ ; فَإِنَّهُمْ أَعْظَمُ الطَّوَائِفِ افْتِرَاءً لِلْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَأَعْظَمُهُمْ تَكْذِيبًا بِالصِّدْقِ لِمَا 1 جَاءَهُمْ، وَأَبْعَدُ الطَّوَائِفِ عَنِ الْمَجِيءِ بِالصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ أَوْلَى الطَّوَائِفِ بِهَذَا ; فَإِنَّهُمْ يَصْدُقُونَ وَيُصَدِّقُونَ بِالْحَقِّ فِي كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ هُوًى إِلَّا مَعَ الْحَقِّ.
وَاللَّهُ تَعَالَى مَدَحَ الصَّادِقَ فِيمَا يَجِيءُ بِهِ وَالْمُصَدِّقَ بِهَذَا الْحَقِّ.
فَهَذَا مَدْحٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ، فَلَمْ يَجْعَلْهُمَا صِنْفَيْنِ، بَلْ جَعَلَهُمَا 2 صِنْفًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مَدْحُ النَّوْعِ الَّذِي يَجِيءُ بِالصِّدْقِ وَيُصَدِّقُ بِالصِّدْقِ، فَهُوَ مَمْدُوحٌ عَلَى اجْتِمَاعِ الْوَصْفَيْنِ، عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ شَأْنِهِ إِلَّا أَنْ يَجِيءَ بِالصِّدْقِ، وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُصَدِّقَ بِالصِّدْقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ صِدْقٍ، وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ أَحَقَّ بِالدُّخُولِ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ صَدَّقَ بِهِ أَيْ بِجِنْسِ الصِّدْقِ 3 . وَقَدْ
يَكُونُ الصِّدْقُ الَّذِي صُدِّقَ بِهِ لَيْسَ 1 هُوَ عَيْنَ الصِّدْقِ الَّذِي جَاءَ بِهِ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَسْمَعُ الْحَقَّ، وَيَقُولُ الْحَقَّ وَيَقْبَلُهُ، وَيَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَيَعْمَلُ بِهِ.
أَيْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِ الْحَقِّ لِغَيْرِهِ، وَقَبُولِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالْعَدْلِ وَالْعَمَلِ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَدْلِ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ لَيْسَ هُوَ عَيْنَ الْعَدْلِ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ.
فَلَمَّا ذَمَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَنِ اتَّصَفَ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ: الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، إِذْ كَلٌّ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ 2 الذَّمَّ، مَدَحَ ضِدَّهُمَا الْخَالِيَ عَنْهُمَا، بِأَنْ يَكُونَ يَجِيءُ بِالصِّدْقِ لَا بِالْكَذِبِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مُصَدِّقًا بِالْحَقِّ، لَا يَكُونُ مِمَّنْ يَقُولُهُ هُوَ، وَإِذَا قَالَهُ غَيْرُهُ لَمْ 3 يُصَدِّقْهُ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْدُقُ وَلَا يَكْذِبُ، لَكِنْ يَكْرَهُ: أَنَّ غَيْرَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ حَسَدًا وَمُنَافَسَةً، فَيُكَذِّبُ غَيْرَهُ فِي صِدْقِهِ أَوْ لَا يُصَدِّقُهُ، بَلْ يُعْرِضُ عَنْهُ.
وَفِيهِمْ مَنْ يُصَدِّقُ طَائِفَةً فِيمَا قَالَتْ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ مَا قَالُوهُ: أَصِدْقٌ هُوَ أَمْ كَذِبٌ؟ وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى لَا يُصَدِّقُهَا 4 فِيمَا تَقُولُ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، بَلْ إِمَّا أَنْ يُصَدِّقَهَا وَإِمَّا أَنْ يُعْرِضَ عَنْهَا 5 .
وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عَامَّةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ: تَجِدُ كَثِيرًا مِنْهُمْ صَادِقًا فِيمَا يَنْقُلُهُ، لَكِنْ مَا يَنْقُلُهُ عَنْ طَائِفَتِهِ يُعْرِضُ عَنْهُ، فَلَا يَدْخُلُ هَذَا فِي الْمَدْحِ، بَلْ فِي الذَّمِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَهُ.
وَاللَّهُ قَدْ ذَمَّ الْكَاذِبَ وَالْمُكَذِّبَ بِالْحَقِّ ; لِقَوْلِهِ فِي غَيْرِ آيَةٍ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: 68] وَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 21] .
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ مِمَّا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ، الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَجِيءُ بِالصِّدْقِ فَلَا يَكْذِبُ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ صَادِقٌ فِي نَفْسِهِ مُصَدِّقٌ لِغَيْرِهِ.
وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: (وَالَّذِي) صِنْفًا مِنَ الْأَصْنَافِ لَا يُقْصَدُ 1 بِهِ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ، أَعَادَ الضَّمِيرَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 33] .
وَأَنْتَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى عِلْمٍ وَدِينٍ لَا يَكْذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَهُ 2 ، بَلْ لَا يَقُولُونَ إِلَّا الصِّدْقَ، لَكِنْ لَا يَقْبَلُونَ مَا يُخْبِرُ بِهِ غَيْرَهُمْ مِنَ الصِّدْقِ، بَلْ يَحْمِلُهُمُ الْهَوَى وَالْجَهْلُ عَلَى تَكْذِيبِ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا إِمَّا تَكْذِيبِ نَظِيرِهِ وَإِمَّا تَكْذِيبِ 3 مَنْ لَيْسَ مِنْ طَائِفَتِهِ.
وَنَفْسُ تَكْذِيبِ الصَّادِقِ هُوَ مِنَ الْكَذِبِ، وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِالْكَاذِبِ 4 عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 32] فَكِلَاهُمَا كَاذِبٌ: [هَذَا كَاذِبٌ] 5 فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَهَذَا كَاذِبٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الْمُخْبِرِ عَنِ اللَّهِ.
وَالنَّصَارَى يَكْثُرُ فِيهِمُ الْمُفْتَرُونَ لِلْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَالْيَهُودُ يَكْثُرُ فِيهِمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالْحَقِّ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الْمُكَذِّبَ بِالصِّدْقِ نَوْعًا ثَانِيًا ; لِأَنَّهُ أَوَّلًا لَمْ يَذْكُرْ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ، بَلْ ذَكَرَ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ.
وَأَنْتَ إِذَا تَدَبَّرْتَ هَذَا، وَعَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ بِالصِّدْقِ مَذْمُومٌ، وَأَنَّ 1 الْمَدْحَ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا مَنْ كَانَ آتِيًا بِالصِّدْقِ مُصَدِّقًا لِلصِّدْقِ، عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا مِمَّا هَدَى اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ.
إِذَا تَأَمَّلْتَ هَذَا تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الشَّرِّ - أَوْ أَكْثَرَهُ - يَقَعُ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ 2 ، فَتَجِدُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، أَوِ الرَّجُلَيْنِ 3 مِنَ النَّاسِ، لَا يَكْذِبُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ، لَكِنْ لَا يَقْبَلُ مَا تَأْتِي بِهِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَرُبَّمَا 4 جَمَعَ بَيْنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ بِالصِّدْقِ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ فِي عَامَّةِ الطَّوَائِفِ شَيْءٌ مِنْهُ فَلَيْسَ فِي الطَّوَائِفِ أَدْخَلَ فِي ذَلِكَ مِنَ الرَّافِضَةِ ; فَإِنَّمَا أَعْظَمُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ، وَعَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الصَّحَابَةِ 5 وَعَلَى ذَوِي الْقُرْبَى.
وَكَذَلِكَ هُمْ مِنْ أَعْظَمِ الطَّوَائِفِ تَكْذِيبًا بِالصِّدْقِ، فَيُكَذِّبُونَ بِالصِّدْقِ الثَّابِتِ الْمَعْلُومِ مِنَ الْمَنْقُولِ الصَّحِيحِ وَالْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ.
فَهَذِهِ الْآيَةُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - مَا فِيهَا مِنْ مَدْحٍ فَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى الصَّحَابَةِ الَّذِينَ افْتَرَتْ عَلَيْهِمُ الرَّافِضَةُ وَظَلَمَتْهُمْ، فَإِنَّهُمْ جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ،
وَهُمْ مِنْ أَعْظَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ دُخُولًا فِي ذَلِكَ، وَعَلِيٌّ مِنْهُمْ، وَمَا فِيهَا مِنْ ذَمٍّ فَالرَّافِضَةُ أَدْخَلُ النَّاسِ فِيهِ، فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّرَفَيْنِ (1) ، وَلَيْسَ فِيهَا حُجَّةٌ عَلَى اخْتِصَاصِ عَلِيٍّ دُونَ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ بِشَيْءٍ، فَهِيَ (2) حُجَّةٌ [عَلَيْهِمْ] (3) مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا بِحَالٍ.
فصل البرهان الثالث والعشرون " هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ " والجواب عليه
فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 4 : الْبُرْهَانُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 62] مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَكْتُوبٌ عَلَى الْعَرْشِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ 5 ، مُحَمَّدٌ عَبْدِي وَرَسُولِي أَيَّدْتُهُ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ 6 ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِهِ: ( ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ، يَعْنِي بِعَلِيٍّ 7 ، وَهَذِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْفَضَائِلِ الَّتِي لَمْ تَحْصُلْ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ 8 ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ ".123
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْعَزْوِ إِلَى رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فَلَيْسَ 1 حُجَّةً بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَبُو نُعَيْمٍ لَهُ كِتَابٌ مَشْهُورٌ فِي " فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ " 2 ، وَقَدْ ذَكَرَ قِطْعَةً مِنَ الْفَضَائِلِ فِي أَوَّلِ " الْحِلْيَةِ "، فَإِنْ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِمَا رَوَاهُ، فَقَدْ رَوَى فِي فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ مَا يُنْقِضُ بُنْيَانَهُمْ وَيَهْدِمُ أَرْكَانَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا [لَا] 3 يَحْتَجُّونَ بِمَا رَوَاهُ فَلَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى نَقْلِهِ، وَنَحْنُ نَرْجِعُ فِيمَا رَوَاهُ - هُوَ وَغَيْرُهُ - إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْفَنِّ وَالطُّرُقِ الَّتِي بِهَا يُعْلَمُ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَكَذِبُهُ، مِنَ النَّظَرِ فِي إِسْنَادِهِ وَرِجَالِهِ، وَهَلْ هُمْ ثِقَاتٌ سَمِعَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أَمْ لَا؟ وَنَنْظُرُ إِلَى شَوَاهِدِ الْحَدِيثِ وَمَا يَدُلُّ [عَلَيْهِ] 4 عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ مَا يُرْوَى فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ أَوْ فَضَائِلِ غَيْرِهِ، فَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ صِدْقٌ صَدَّقْنَاهُ، وَمَا كَانَ كَذِبًا كَذَّبْنَاهُ.
فَنَحْنُ نَجِيءُ بِالصِّدْقِ وَنُصَدِّقُ بِهِ، لَا نَكْذِبُ، وَلَا نُكَذِّبُ صَادِقًا.
وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ.
وَأَمَّا مَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ 5 بِالْحَقِّ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُكَذِّبَهُ فِي كَذِبِهِ وَتَكْذِيبِهِ لِلْحَقِّ، كَأَتْبَاعِ مُسَيْلِمَةَ
الْكَذَّابِ وَالْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَاتَّبَعَهُ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ: صِدِّيقُهُ الْأَكْبَرُ وَسَائِرُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَلِهَذَا نَقُولُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ 1 . وَهَذَا الْحَدِيثُ - وَأَمْثَالُهُ - مِمَّا جَزَمْنَا أَنَّهُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ نَشْهَدُ أَنَّهُ 2 كَذِبٌ مَوْضُوعٌ، فَنَحْنُ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ - نَعْلَمُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا فِي قُلُوبِنَا، لَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى دَفْعِهِ، أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ [كَذِبٌ] 3 مَا حَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهَكَذَا نَظَائِرُهُ 4 مِمَّا نَقُولُ فِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَارِفًا بِعِلْمِ الْحَدِيثِ وَبِدِينِ الْإِسْلَامِ يَعْرِفُ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ لَا يَدْخُلُ مَعَنَا، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْخِبْرَةِ بِالصَّرْفِ يَحْلِفُونَ عَلَى مَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ، وَإِنْ كَانَ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَغْشُوشِ وَالصَّحِيحِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 62 - 63] . وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ عَدَدٌ مُؤَلَّفٌ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَعَلِيٌّ وَاحِدٌ [مِنْهُمْ] 5 لَيْسَ لَهُ قُلُوبٌ يُؤَلَّفُ بَيْنَهَا.
وَالْمُؤْمِنُونَ 6 صِيغَةُ 7 جَمْعٍ، فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ لَا يَحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ وَاحِدًا
مُعَيَّنًا، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِهَذَا عَلِيٌّ وَحْدَهُ؟
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ وَالتَّوَاتُرِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ قِيَامُ دِينِهِ بِمُجَرَّدِ مُوَافَقَةِ عَلِيٍّ، فَإِنَّ عَلِيًّا كَانَ 1 مِنْ أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ، فَكَانَ الْإِسْلَامُ ضَعِيفًا، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ هَدَى مَنْ هَدَاهُ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ، لَمْ يَحْصُلْ بِعَلِيٍّ وَحْدَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّأْيِيدِ، وَلَمْ يَكُنْ 2 إِيمَانُ النَّاسِ وَهِجْرَتُهُمْ وَلَا نُصْرَتُهُمْ عَلَى يَدِ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ مُنْتَصِبًا: لَا بِمَكَّةَ وَلَا بِالْمَدِينَةِ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الْإِيمَانِ، كَمَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ مُنْتَصِبًا لِذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ عَلِيٍّ أَحَدٌ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، لَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَلَا مِنَ الْأَنْصَارِ، بَلْ لَا نَعْرِفُ أَنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ عَلِيٍّ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَكِنْ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْيَمَنِ قَدْ يَكُونُ قَدْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ 3 مَنْ أَسْلَمَ، إِنْ كَانَ وَقَعَ ذَلِكَ وَلَيْسَ أُولَئِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَا كَانَ يَدْعُو الْمُشْرِكِينَ وَيُنَاظِرُهُمْ، كَمَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْعُوهُمْ وَيُنَاظِرُهُمْ، وَلَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَخَافُونَهُ، كَمَا يَخَافُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ.
بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِدِ وَالْمَغَازِي، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ، أَنَّهُ «لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، صَعِدَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى 4 الْجَبَلِ وَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ [أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟] 5 فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
" لَا تُجِيبُوهُ ". فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا تُجِيبُوهُ " فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا تُجِيبُوهُ ". فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُمْ.
فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَفْسَهُ أَنْ قَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ 2 لَأَحْيَاءٌ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ.
فَقَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ.
فَقَالَ عُمَرُ: لَا سَوَاءٌ، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ.
ثُمَّ أَخَذَ أَبُو سُفْيَانَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
اعْلُ هُبَلْ.
. اعْلُ هُبُلْ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَلَا تُجِيبُوهُ 3 ؟ " فَقَالُوا: وَمَا نَقُولُ؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ " فَقَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَلَا تُجِيبُوهُ 4 " فَقَالُوا: وَمَا نَقُولُ؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ " فَقَالَ: سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي» 5 .
فَهَذَا جَيْشُ الْمُشْرِكِينَ إِذْ ذَاكَ لَا يَسْأَلُ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَوْ كَانَ الْقَوْمُ خَائِفِينَ مِنْ عَلِيٍّ أَوْ عُثْمَانَ أَوْ طَلْحَةَ أَوِ الزُّبَيْرِ أَوْ نَحْوِهِمْ، أَوْ كَانَ لِلرَّسُولِ تَأْيِيدٌ بِهَؤُلَاءِ، كَتَأْيِيدِهِ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، لَكَانَ يُسْأَلُ عَنْهُمْ كَمَا يُسْأَلُ عَنْ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلسُّؤَالِ 6 قَائِمٌ، وَالْمَانِعُ
مُنْتَفٍ، وَمَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ وَالدَّاعِي وَانْتِفَاءِ الصَّارِفِ 1 يَجِبُ مَعَهُ 2 وُجُودُ الْفِعْلِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعَلِيٍّ فِي الْإِسْلَامِ أَثَرٌ حَسَنٌ، إِلَّا وَلِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلُهُ، وَلِبَعْضِهِمْ آثَارٌ أَعْظَمُ مِنْ آثَارِهِ.
وَهَذَا مَعْلُومٌ لِمَنْ عَرَفَ السِّيرَةَ الصَّحِيحَةَ الثَّابِتَةَ بِالنَّقْلِ.
وَأَمَّا مَنْ يَأْخُذُ بِنَقْلِ الْكَذَّابِينَ وَأَحَادِيثِ الطُّرُقِيَّةِ، فَبَابُ الْكَذِبِ مَفْتُوحٌ، وَهَذَا الْكَذِبُ 3 يَتَعَلَّقُ بِالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: 68] .
وَمَجْمُوعُ الْمَغَازِي الَّتِي كَانَ فِيهَا الْقِتَالُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعُ مَغَازٍ، وَالْمَغَازِي كُلُّهَا بِضْعٌ وَعِشْرُونَ غَزَاةً 4 ، وَأَمَّا السَّرَايَا فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا تَبْلُغُ سَبْعِينَ 5 .
وَمَجْمُوعُ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ فِي غَزَوَاتِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْلُغُونَ أَلْفًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، وَلَمْ يَقْتُلْ [عَلِيٌّ] 6 مِنْهُمْ عُشْرَهُمْ وَلَا نِصْفَ عُشْرِهِمِ، وَأَكْثَرُ السَّرَايَا لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ فِيهَا.
وَأَمَّا بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَشْهَدْ شَيْئًا مِنَ الْفُتُوحَاتِ: لَا هُوَ وَلَا عُثْمَانُ وَلَا طَلْحَةُ،
وَلَا الزُّبَيْرُ، إِلَّا أَنْ يَخْرُجُوا مَعَ عُمَرَ حِينَ خَرَجَ 1 إِلَى الشَّامِ.
وَأَمَّا الزُّبَيْرُ فَقَدْ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَسَعْدٌ شَهِدَ فَتْحَ الْقَادِسِيَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ فَتْحَ الشَّامِ.
فَكَيْفَ يَكُونُ تَأْيِيدُ الرَّسُولِ بِوَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ 2 دُونَ سَائِرِهِمْ وَالْحَالُ هَذِهِ؟ وَأَيْنَ تَأْيِيدُهُ بِالْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ بَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ؟
وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَ عَشَرَ، وَيَوْمَ أُحُدٍ نَحْوَ 3 سَبْعِمِائَةٍ، وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَيَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَهُمُ الَّذِينَ شَهِدُوا فَتْحَ خَيْبَرَ، وَيَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ كَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا: تِلْكَ الْعَشَرَةُ 4 ، وَالطُّلَقَاءُ أَلْفَانِ.
وَأَمَّا تَبُوكُ فَلَا يُحْصَى مَنْ شَهِدَهَا، بَلْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ [أَلْفًا] 5 . وَأَمَّا حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَلَا يُحْصَى مَنْ شَهِدَهَا مَعَهُ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِهِ 6 أَضْعَافُ 7 مَنْ رَآهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِمْ فِي حَيَاتِهِ بِالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا.
وَكُلُّ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِمْ، بَلْ كُلُّ مَنْ آمَنَ وَجَاهَدَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ دَخَلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى 8 .
فصل البرهان الرابع والعشرون " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " والجواب عليه
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ 1 : " الْبُرْهَانُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 64] . مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ 2 . وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ لَمْ تَحْصُلْ لِأَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرَهُ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ ".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مَنْعُ الصِّحَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْكَلَامُ 3 مِنْ أَعْظَمِ الْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 64] مَعْنَاهُ: أَنَّ 4 اللَّهُ حَسْبُكَ وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ وَحْدَهُ كَافِيكَ وَكَافِي مَنْ مَعَكَ 5 مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَهَذَا كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: حَسْبُكَ وَزَيْدًا دِرْهَمٌ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ سَيْفُ مُهَنَّدِ
وَذَلِكَ أَنَّ " حَسْبَ " مَصْدَرٌ، فَلَمَّا أُضِيفَ لَمْ يَحْسُنِ الْعَطْفُ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِعَادَةِ الْجَارِّ، فَإِنَّ الْعَطْفَ بِدُونِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَهُوَ قَلِيلٌ، وَإِعَادَةُ الْجَارِّ أَحْسَنُ وَأَفْصَحُ، فَعَطَفَ عَلَى الْمَعْنَى، وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوبِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ " [مَعْنَاهُ: يَكْفِيكَ وَالضَّحَّاكَ] 1 .
وَالْمَصْدَرُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْفِعْلِ، لَكِنْ إِذَا أُضِيفَ عَمِلَ فِي غَيْرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا إِنْ أُضِيفَ إِلَى الْفَاعِلِ نَصَبَ الْمَفْعُولَ، وَإِنْ أُضِيفَ إِلَى الْمَفْعُولِ رَفَعَ الْفَاعِلَ، فَتَقُولُ: أَعْجَبَنِي دَقُّ الْقَصَّارِ الثَّوْبَ، وَهَذَا وَجْهُ الْكَلَامِ.
وَتَقُولُ: أَعْجَبَنِي دَقُّ الثَّوْبِ الْقَصَّارُ.
وَمِنَ النُّحَاةِ مَنْ يَقُولُ: إِعْمَالُهُ مُنَكَّرًا أَحْسَنُ مِنْ إِعْمَالِهِ مُضَافًا ; لِأَنَّهُ بِالْإِضَافَةِ قَوِيَ شَبَهُهُ بِالْأَسْمَاءِ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ إِضَافَتَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا وَإِعْمَالَهُ فِي الْآخَرِ أَحْسَنُ مِنْ تَنْكِيرِهِ وَإِعْمَالِهِ فِيهِمَا.
فَقَوْلُ الْقَائِلِ: أَعْجَبَنِي دَقُّ الْقَصَّارِ الثَّوْبَ.
أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِ: دَقُّ الثَّوْبِ الْقَصَّارُ، فَإِنَّ التَّنْكِيرَ أَيْضًا مِنْ خَصَائِصِ الْأَسْمَاءِ، وَالْإِضَافَةُ أَخَفُّ ; لِأَنَّهُ اسْمٌ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يُضَافَ وَلَا يُعْمَلَ، لَكِنْ لَمَّا تَعَذَّرَتْ إِضَافَتُهُ إِلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ جَمِيعًا، أُضِيفَ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَأُعْمِلَ فِي الْآخَرِ 2 .
وَهَكَذَا فِي الْمَعْطُوفَاتِ: إِنْ أَمْكَنَ إِضَافَتُهَا إِلَيْهَا كُلَّهَا 3 ، كَالْمُضَافِ إِلَى الظَّاهِرِ، فَهُوَ أَحْسَنُ.
كَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ
الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ [وَالدَّمِ] 1 وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ» " 2 .
وَكَقَوْلِهِمْ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ وَحَبَلِ 3 الْحَبَلَةِ» .
وَإِنْ تَعَذَّرَ لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: حَسْبُكَ وَزَيْدًا دِرْهَمٌ، عَطْفًا عَلَى الْمَعْنَى.
وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 96] 4 ، نُصِبَ هَذَا 5 عَلَى مَحَلِّ اللَّيْلِ الْمَجْرُورِ، فَإِنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ كَالْمَصْدَرِ، وَيُضَافُ تَارَةً وَيَعْمَلُ تَارَةً أُخْرَى 6 .
وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الْغَالِطِينَ 1 أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ وَالْمُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ، وَيَكُونُ: ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ 2 رَفْعًا عَطْفًا عَلَى اللَّهِ، وَهَذَا خَطَأٌ قَبِيحٌ مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُفْرِ 3 ; فَإِنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ حَسْبُ جَمِيعِ الْخَلْقِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 173] * أَيِ: اللَّهُ وَحْدَهُ كَافِينَا كُلَّنَا.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ: قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ حِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * 4 5 .
فَكُلٌّ مِنَ النَّبِيِّينَ قَالَ: حَسْبِي اللَّهُ، فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ غَيْرَهُ فِي كَوْنِهِ حَسْبَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ حَسْبُهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 36] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 59] الْآيَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يَرْضَوْا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَإِلَى أَنْ يَقُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ، وَلَا يَقُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ; لِأَنَّ الْإِيتَاءَ 6 يَكُونُ بِإِذْنِ الرَّسُولِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سُورَةُ الْحَشْرِ: 7]
وَأَمَّا الرَّغْبَةُ فَإِلَى اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ - وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سُورَةُ الشَّرْحِ: 7] .
وَكَذَلِكَ التَّحَسُّبُ الَّذِي هُوَ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ.
فَلِهَذَا أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ، وَلَا يَقُولُوا وَرَسُولُهُ.
فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ * حَسْبَ الْمُؤْمِنِ، كَيْفَ يَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ مَعَ اللَّهِ حَسْبًا لِرَسُولِهِ؟ !
وَأَيْضًا فَالْمُؤْمِنُونَ مُحْتَاجُونَ إِلَى اللَّهِ، كَحَاجَةِ الرَّسُولِ إِلَى اللَّهِ * 1 ، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ حَسْبِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعُونَتُهُمْ وَقُوَّتُهُمْ مِنَ الرَّسُولِ وَقُوَّةُ الرَّسُولِ مِنْهُمْ ; فَإِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ الدَّوْرَ، بَلْ قُوَّتُهُمْ مِنَ اللَّهِ، وَقُوَّةُ الرَّسُولِ مِنَ اللَّهِ، [فَاللَّهُ] وَحْدَهُ 2 يَخْلُقُ قُوَّتَهُمْ، وَاللَّهُ وَحْدَهُ يَخْلُقُ قُوَّةَ الرَّسُولِ.
فَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ - وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 62 - 63] ، فَإِنَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الْمُؤَيِّدُ لِلرَّسُولِ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَصْرُهُ الَّذِي يَنْصُرُ بِهِ 3 ، وَالثَّانِي: بِالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَتَى بِهِمْ.
وَهُنَاكَ قَالَ: حَسْبُكَ اللَّهُ، وَلَمْ يَقُلْ: نَصْرُ اللَّهِ.
فَنَصْرُ اللَّهِ مِنْهُ، كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ 4 مَخْلُوقَاتِهِ أَيْضًا، فَعَطَفَ مَا مِنْهُ عَلَى مَا مِنْهُ، إِذْ كِلَاهُمَا مِنْهُ.
وَأَمَّا هُوَ سُبْحَانَهُ فَلَا يَكُونُ مَعَهُ غَيْرُهُ فِي إِحْدَاثِ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، بَلْ هُوَ وَحْدَهُ الْخَالِقُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ.
وَإِذَا 5 تَبَيَّنَ هَذَا، فَهَؤُلَاءِ الرَّافِضَةُ رَتَّبُوا جَهْلًا عَلَى جَهْلٍ، فَصَارُوا فِي
ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَظَنُّوا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ، ثُمَّ جَعَلُوا الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ هُمْ 1 عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَجَهْلُهُمْ [فِي] 2 هَذَا أَظْهَرُ مِنْ جَهْلِهِمْ فِي الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، وَأَمَّا هَذَا فَلَا 3 يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ، فَإِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ وَحْدَهُ [مِنَ الْخَلْقِ] 4 كَافِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا عَلِيٌّ لَمَا أَقَامَ دِينَهُ.
وَهَذَا عَلِيٌّ لَمْ يُغْنِ عَنْ نَفْسِهِ وَمَعَهُ أَكْثَرُ جُيُوشِ الْأَرْضِ، بَلْ لَمَّا حَارَبَهُ مُعَاوِيَةُ مَعَ أَهْلِ الشَّامِ، كَانَ مُعَاوِيَةُ مُقَاوِمًا لَهُ أَوْ مُسْتَظْهِرًا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِقُوَّةِ قِتَالٍ أَوْ قُوَّةِ مَكْرٍ وَاحْتِيَالٍ 5 ، فَالْحَرْبُ خُدْعَةٌ:
الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ ... هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ الْمَحَلُّ الثَّانِي
فَإِذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْسٍ مَرَّةً بَلَغَتْ 6 مِنَ الْعَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانِ 7 .
فَإِذَا لَمْ يُغْنِ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَاتِّبَاعِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَهُ، فَكَيْفَ يُغْنِي عَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَهْلُ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ أَعْدَاؤُهُ؟ !
وَإِذَا قِيلَ: إِنَّ عَلِيًّا إِنَّمَا لَمْ يَغْلِبْ مُعَاوِيَةَ وَمَنْ مَعَهُ لِأَنَّ جَيْشَهُ لَا يُطِيعُونَهُ، بَلْ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ عَلَيْهِ.
قِيلَ: فَإِذَا كَانَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُطِيعُوهُ، فَكَيْفَ يُطِيعُهُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِنَبِيِّهِ وَبِهِ؟ !
وَهَؤُلَاءِ الرَّافِضَةُ يَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ ; لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وَظُلْمِهِمْ: يَجْعَلُونَ عَلِيًّا أَكْمَلَ النَّاسِ قُدْرَةً وَشَجَاعَةً، حَتَّى يَجْعَلُوهُ هُوَ الَّذِي أَقَامَ دِينَ الرَّسُولِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ.
وَيَقُولُونَ مِثْلَ هَذَا الْكُفْرِ، إِذْ يَجْعَلُونَهُ 1 شَرِيكًا لِلَّهِ فِي إِقَامَةِ دِينِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ يَصِفُونَهُ بِغَايَةِ الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ وَالْجَزَعِ وَالتَّقِيَّةِ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَقُوَّتِهِ وَدُخُولِ النَّاسِ فِيهِ أَفْوَاجًا 2 .
وَمِنَ الْمَعْلُومِ قَطْعًا أَنَّ النَّاسَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَتْبَعُ لِلْحَقِّ مِنْهُمْ قَبْلَ دُخُولِهِمْ فِيهِ، فَمَنْ كَانَ مُشَارِكًا لِلَّهِ فِي إِقَامَةِ دِينِ مُحَمَّدٍ، حَتَّى قَهَرَ الْكُفَّارَ وَأَسْلَمَ النَّاسُ، كَيْفَ لَا يَفْعَلُ هَذَا فِي قَهْرِ طَائِفَةٍ بَغَوْا عَلَيْهِ، هُمْ أَقَلُّ مِنَ الْكُفَّارِ 3 الْمَوْجُودِينَ عِنْدَ بَعْثَةِ الرَّسُولِ، وَأَقَلُّ مِنْهُمْ شَوْكَةً، وَأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ مِنْهُمْ؟ !
فَإِنَّ الْكُفَّارَ حِينَ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا كَانُوا أَكْثَرَ مِمَّنْ نَازَعَ عَلِيًّا وَأَبْعَدَ عَنِ الْحَقِّ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْيَمَنِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالْمَغْرِبِ كُلَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا، مَا بَيْنَ مُشْرِكٍ وَكِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَصَابِئٍ، وَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ قَدْ ظَهَرَ فِيهَا الْإِسْلَامُ، وَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ ظَهَرَ فِي الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالْمَغْرِبِ.
فَكَانَ أَعْدَاءُ الْحَقِّ عِنْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَلَّ مِنْهُمْ
وَأَضْعَفَ، وَأَقَلَّ 1 عَدَاوَةً مِنْهُمْ لَهُ 2 عِنْدَ مَبْعَثِهِ، وَكَذَلِكَ كَانُوا عِنْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ أَقَلَّ مِنْهُمْ وَأَضْعَفَ، وَأَقَلَّ عَدَاوَةً مِنْهُمْ لَهُ 3 حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; فَإِنَّ جَمِيعَ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عَلِيٌّ، هُوَ جُزْءٌ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَمَنْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ الَّذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَاتَلَهُ عَلَيْهِ، كَذَّبَ بِمَا قَاتَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِذَا كَانَ عَلِيٌّ فِي هَذِهِ الْحَالِ قَدْ ضَعُفَ وَعَجَزَ عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ وَدَفْعِ الْبَاطِلِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ حِينَ الْمَبْعَثِ 4 ، وَهُوَ أَضْعَفُ وَأَعْجَزُ، وَأَعْدَاءُ الْحَقِّ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ وَأَشَدُّ عَدَاوَةً؟ !
وَمِثْلُ الرَّافِضَةِ فِي ذَلِكَ مِثْلُ النَّصَارَى: ادَّعَوْا فِي الْمَسِيحِ الْإِلَهِيَّةَ، وَأَنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ثُمَّ يَجْعَلُونَ أَعْدَاءَهُ صَفَعُوهُ وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ وَصَلَبُوهُ، وَأَنَّهُ جَعَلَ يَسْتَغِيثُ فَلَا يُغِيثُوهُ، فَلَا [أَفْلَحُوا] بِدَعْوَى 5 تِلْكَ الْقُدْرَةِ الْقَاهِرَةِ، وَلَا بِإِثْبَاتِ هَذِهِ الذِّلَّةِ التَّامَّةِ.
وَإِنْ قَالُوا: كَانَ هَذَا بِرِضَاهُ 6 .
قِيلَ: فَالرَّبُّ إِنَّمَا يَرْضَى بِأَنْ يُطَاعَ لَا بِأَنْ يُعْصَى.
فَإِنْ كَانَ قَتْلُهُ وَصَلْبُهُ بِرِضَاهُ 7 ، كَانَ ذَلِكَ عِبَادَةً وَطَاعَةً لِلَّهِ، فَيَكُونُ الْيَهُودُ الَّذِينَ صَلَبُوهُ عَابِدِينَ
لِلَّهِ مُطِيعِينَ فِي ذَلِكَ، فَيُمْدَحُونَ عَلَى ذَلِكَ لَا يُذَمُّونَ.
وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ.
وَهَكَذَا يُوجَدُ مَنْ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ النَّصَارَى وَالرَّافِضَةِ مِنَ الْغُلَاةِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ، تَجِدُهُمْ فِي غَايَةِ الدَّعْوَى وَفِي غَايَةِ الْعَجْزِ.
كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ 1 وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَفَقِيرٌ مُخْتَالٌ ". وَفِي لَفْظٍ: " عَائِلٌ 2 مَزْهُوٌّ " وَفِي لَفْظٍ: " وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» " 3 وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ الْعَامَّةِ: الْفَقْرُ وَالزَّنْطَرَةُ 4 .
فَهَكَذَا شُيُوخُ الدَّعَاوَى وَالشَّطْحِ: يَدَّعِي أَحَدُهُمُ الْإِلَهِيَّةَ وَمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَيَعْزِلُ الرَّبَّ عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ وَالنَّبِيَّ عَنْ رِسَالَتِهِ، ثُمَّ 5 آخِرَتُهُ شَحَّاذٌ يَطْلُبُ مَا يُقِيتُهُ 6 ، أَوْ خَائِفٌ يَسْتَعِينُ بِظَالِمٍ عَلَى دَفْعِ مَظْلَمَتِهِ، فَيَفْتَقِرُ 7 إِلَى لُقْمَةٍ، وَيَخَافُ مِنْ كَلِمَةٍ، فَأَيْنَ هَذَا الْفَقْرُ وَالذُّلُّ مِنْ دَعْوَى الرُّبُوبِيَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْغِنَى وَالْعِزِّ؟ !
وَهَذِهِ حَالُ 8 الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [سُورَةُ الْحَجِّ: 31] .
وَقَالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: 41] وَقَالَ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 151] .
وَالنَّصَارَى فِيهِمْ شِرْكٌ بَيِّنٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 31] . وَهَكَذَا مَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْغَالِيَةِ مِنَ الشِّيعَةِ وَالنُّسَّاكِ: فِيهِ شِرْكٌ وَغُلُوٌّ، [كَمَا فِي النَّصَارَى شِرْكٌ وَغُلُوٌّ] 1 وَالْيَهُودُ فِيهِمْ كِبْرٌ، وَالْمُسْتَكْبِرُ مُعَاقَبٌ بِالذُّلِّ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 112] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 87] فَتَكْذِيبُهُمْ وَقَتْلُهُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ 2 كَانَ اسْتِكْبَارًا.
فَالرَّافِضَةُ فِيهِمْ شَبَهٌ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ وَجْهٍ، وَشَبَهٌ مِنَ النَّصَارَى مِنْ وَجْهٍ.
فَفِيهِمْ شِرْكٌ وَغُلُوٌّ وَتَصْدِيقٌ بِالْبَاطِلِ كَالنَّصَارَى، وَفِيهِمْ جُبْنٌ وَكِبْرٌ وَحَسَدٌ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ كَالْيَهُودِ
وَهَكَذَا غَيَّرَ الرَّافِضَةُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، تَجِدُهُمْ فِي نَوْعٍ مِنَ الضَّلَالِ وَنَوْعٍ مِنَ الْغَيِّ، فِيهِمْ شِرْكٌ وَكِبَرٌ.
لَكِنَّ الرَّافِضَةَ أَبْلَغُ مِنْ غَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا تَجِدُهُمْ مِنْ أَعْظَمِ الطَّوَائِفِ تَعْطِيلًا لِبُيُوتِ اللَّهِ وَمَسَاجِدِهِ مِنَ الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ، الَّتِي هِيَ أَحَبُّ الِاجْتِمَاعَاتِ إِلَى اللَّهِ.
وَهُمْ أَيْضًا لَا يُجَاهِدُونَ الْكُفَّارَ أَعْدَاءَ الدِّينِ، بَلْ كَثِيرًا مَا يُوَالُونَهُمْ وَيَسْتَعِينُونَ بِهِمْ (1) عَلَى عَدَاوَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ يُعَادُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُوَالُونَ أَعْدَاءَهُ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ، كَمَا يُعَادُونَ أَفْضَلَ الْخَلْقِ [مِنَ] الْمُهَاجِرِينَ (2) وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَيُوَالُونَ أَكْفَرَ الْخَلْقِ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَالنَّصِيرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ، وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ: هُمْ كُفَّارٌ، فَقُلُوبُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ إِلَيْهِمْ أَمْيَلُ مِنْهَا إِلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ وَجَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، حَتَّى الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ (3) وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ إِلَّا وَفِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا يُوجَدُ أَيْضًا شُعْبَةٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنْ أَتْبَاعِ الْمُلُوكِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْكُتَّابِ وَالتُّجَّارِ، لَكِنَّ الرَّافِضَةَ أَبْلَغُ فِي الضَّلَالِ وَالْغَيِّ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ أَهْلِ الْبِدَعِ.
فصل البرهان الخامس والعشرون " فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ " والجواب عليه
فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 4 : " الْبُرْهَانُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى:123
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54] قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: إِنَّمَا 1 نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ، وَهَذَا يَدُلُّ 2 عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ ".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى الثَّعْلَبِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِهِ [فِي] هَذِهِ الْآيَةِ 3 : " قَالَ عَلِيٌّ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: إِنَّهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ 4 أَهْلُ الْيَمَنِ ". وَذَكَرَ حَدِيثَ عِيَاضِ بْنِ غُنْمٍ: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ: " «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ» ". فَقَدْ نَقَلَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَّ عَلِيًّا فَسَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ بِأَنَّهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ.
وَأَمَّا أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ 5 عَنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ 6 ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، [عَنِ الضَّحَّاكِ] 7 ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَلِيٍّ [فِي قَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54] 8 قَالَ: عَلِمَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَقَعَ 9 مَعْنَى (10) السُّوءِ
عَلَى الْحَشْوِ الَّذِي 1 فِيهِمْ [مِنَ] الْمُنَافِقِينَ 2 وَمَنْ فِي عِلْمِهِ أَنْ يَرْتَدُّوا 3 ، فَقَالَ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ 4 : الْمُرْتَدَّةُ فِي دُورِهِمْ 5 ، ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ : بِأَبِي بَكْرٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ وَالضِّحَّاكِ وَابْنِ جُرَيْجٍ 6 ، وَذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّهُمُ الْأَنْصَارُ 7 ، وَعَنْ آخَرِينَ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ 8 ، وَرَجَّحَ هَذَا الْآخَرُ وَأَنَّهُمْ رَهْطُ أَبِي مُوسَى 9 ، قَالَ 10 : " وَلَوْلَا صِحَّةُ الْخَبَرِ بِذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ الْقَوْلُ عِنْدِي [فِي ذَلِكَ] إِلَّا قَوْلَ 11 مَنْ قَالَ: هُمْ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ " 12 قَالَ: " لَمَّا ارْتَدَّ الْمُرْتَدُّونَ جَاءَ اللَّهُ بِهَؤُلَاءِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - 13 .
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا قَوْلٌ بِلَا حُجَّةٍ، فَلَا يَجِبُ قَبُولُهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا مُعَارَضٌ بِمَا 1 هُوَ أَشْهَرُ مِنْهُ وَأَظْهَرُ، وَهُوَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَأَصْحَابِهِ، الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَهُ أَهْلَ الرِّدَّةِ.
وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ [عِنْدَ النَّاسِ] 2 كَمَا تَقَدَّمَ.
لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْكَذَّابُونَ أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الْفَضَائِلَ الَّتِي جَاءَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ يَجْعَلُونَهَا 3 لِعَلِيٍّ، وَهَذَا مِنَ الْمَكْرِ السَّيِّئِ الَّذِي لَا يَحِيقُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.
وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِشَيْخٍ أَعْرِفُهُ، وَكَانَ فِيهِ دِينٌ وَزُهْدٌ وَأَحْوَالٌ مَعْرُوفَةٌ لَكِنْ كَانَ فِيهِ تَشَيُّعٌ.
قَالَ: وَكَانَ عِنْدَهُ كِتَابٌ يُعَظِّمُهُ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ مِنَ الْأَسْرَارِ، وَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ خَزَائِنِ الْخُلَفَاءِ، وَبَالَغَ فِي وَصْفِهِ.
فَلَمَّا أَحْضَرَهُ، فَإِذَا بِهِ كِتَابٌ 4 قَدْ كُتِبَ بِخَطٍّ حَسَنٍ، وَقَدْ عَمَدُوا إِلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمِيعِهَا فِي فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَنَحْوِهِمَا جَعَلُوهَا لِعَلِيٍّ.
وَلَعَلَّ هَذَا الْكِتَابَ كَانَ مِنْ خَزَائِنِ بَنِي عُبَيْدٍ الْمِصْرِيِّينَ، فَإِنَّ خَوَاصَّهُمْ كَانُوا مَلَاحِدَةً زَنَادِقَةً غَرَضُهُمْ قَلْبُ الْإِسْلَامِ، وَكَانُوا قَدْ وَضَعُوا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُفْتَرَاةِ الَّتِي يُنَاقِضُونَ بِهَا الدِّينَ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ يَظُنُّونَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ إِنَّمَا أُخِذَتْ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، كَمَا يَظُنُّ مِثْلُ ابْنِ الْخَطِيبِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْحَالِ، وَأَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا كَانَ الْغَلَطُ يَرُوجُ عَلَيْهِمَا، أَوْ
كَانَا يَتَعَمَّدَانِ 1 الْكَذِبَ، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ قَوْلَنَا: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَامَةٌ لَنَا عَلَى [ثُبُوتِ] 2 صِحَّتِهِ، لَا أَنَّهُ 3 كَانَ صَحِيحًا بِمُجَرَّدِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، بَلْ أَحَادِيثُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ رَوَاهَا غَيْرُهُمَا 4 مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ مَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِحَدِيثٍ، بَلْ مَا مِنْ حَدِيثٍ إِلَّا وَقَدْ رَوَاهُ قَبْلَ زَمَانِهِ وَفِي زَمَانِهِ وَبَعْدَ زَمَانِهِ طَوَائِفُ، وَلَوْ لَمْ يُخْلَقِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ لَمْ يَنْقُصْ مِنَ الدِّينِ شَيْءٌ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ مَوْجُودَةً بِأَسَانِيدَ يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ وَفَوْقَ الْمَقْصُودِ.
وَإِنَّمَا قَوْلُنَا: رَوَاهُ 5 الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كَقَوْلِنَا: قَرَأَهُ 6 الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ.
وَالْقُرْآنُ مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ، لَمْ يَخْتَصَّ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةُ بِنَقْلِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ التَّصْحِيحُ لَمْ يُقَلِّدْ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِيهِ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا، بَلْ جُمْهُورُ مَا صَحَّحَاهُ كَانَ قَبْلَهُمَا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ صَحِيحًا مُتَلَقًّى بِالْقَبُولِ، وَكَذَلِكَ فِي عَصْرِهِمَا وَكَذَلِكَ بَعْدَهُمَا قَدْ نَظَرَ 7 أَئِمَّةُ هَذَا الْفَنِّ فِي كِتَابَيْهِمَا، وَوَافَقُوهُمَا 8 عَلَى تَصْحِيحِ 9 مَا صَحَّحَاهُ، إِلَّا مَوَاضِعَ يَسِيرَةً، نَحْوَ عِشْرِينَ حَدِيثًا، غَالِبُهَا فِي مُسْلِمٍ، انْتَقَدَهَا عَلَيْهِمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَهَذِهِ
الْمَوَاضِعُ الْمُنْتَقَدَةُ غَالِبُهَا فِي مُسْلِمٍ، وَقَدِ انْتَصَرَ طَائِفَةٌ لَهُمَا فِيهَا، وَطَائِفَةٌ قَرَّرَتْ قَوْلَ الْمُنْتَقِدَةِ 1 .
وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ ; فَإِنَّ فِيهَا مَوَاضِعَ مُنْتَقَدَةً بِلَا رَيْبٍ، مِثْلَ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَحَدِيثِ خَلْقِ اللَّهِ الْبَرِيَّةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَحَدِيثِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ وَأَكْثَرَ.
وَفِيهَا مَوَاضِعُ لَا انْتِقَادَ فِيهَا فِي الْبُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ أَبْعَدُ الْكِتَابَيْنِ عَنِ الِانْتِقَادِ، وَلَا يَكَادُ يَرْوِي لَفْظًا فِيهِ انْتِقَادٌ، إِلَّا وَيَرْوِي اللَّفْظَ الْآخَرَ الَّذِي يُبَيِّنُ أَنَّهُ مُنْتَقَدٌ، فَمَا فِي كِتَابِهِ لَفْظٌ مُنْتَقَدٌ، إِلَّا وَفِي كِتَابِهِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ مُنْتَقَدٌ.
وَفِي الْجُمْلَةِ مَنْ نَقَدَ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَلَمْ يَرُجْ عَلَيْهِ 2 فِيهَا إِلَّا دَرَاهِمُ يَسِيرَةٌ، وَمَعَ هَذَا فَهِيَ مُغَيَّرَةٌ لَيْسَتْ مَغْشُوشَةً مَحْضَةً، فَهَذَا إِمَامٌ فِي صَنْعَتِهِ.
وَالْكِتَابَانِ سَبْعَةُ آلَافِ حَدِيثٍ وَكَسْرٌ 3 .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ أَحَادِيثَهُمَا انْتَقَدَهَا 4 الْأَئِمَّةُ الْجَهَابِذَةُ قَبْلَهُمْ وَبَعْدَهُمْ، وَرَوَاهَا خَلَائِقُ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمْ يَنْفَرِدَا لَا بِرِوَايَةٍ وَلَا بِتَصْحِيحٍ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - هُوَ الْكَفِيلُ بِحِفْظِ 5 هَذَا الدِّينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سُورَةُ الْحِجْرِ: 9] .
وَهَذَا مِثْلُ غَالِبِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي مَذَاهِبِ 6 الْأَئِمَّةِ مِثْلِ الْقُدُورِيِّ وَالتَّنْبِيهِ وَالْخِرَقِيِّ 7 وَالْجَلَّابِ، غَالِبُ مَا فِيهَا إِذَا
قِيلَ: ذَكَرَهُ فُلَانٌ، عُلِمَ أَنَّهُ مَذْهَبُ ذَلِكَ الْإِمَامِ، وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ سَائِرُ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَنْقُلُونَ مَذْهَبَهُ بِالتَّوَاتُرِ.
وَهَذِهِ الْكُتُبُ فِيهَا مَسَائِلُ انْفَرَدَ بِهَا بَعْضُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَفِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَهُمْ، لَكِنْ غَالِبًا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَجُمْهُورُ مَا فِيهِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، الَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ عِنَايَةً بِأَلْفَاظِ الرَّسُولِ وَضَبْطًا لَهَا وَمَعْرِفَةً بِهَا مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ لِأَلْفَاظِ أَئِمَّتِهِمْ، وَعُلَمَاءُ الْحَدِيثِ أَعْلَمُ بِمَقَاصِدِ الرَّسُولِ [فِي أَلْفَاظِهِ] 1 مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ بِمَقَاصِدِ أَئِمَّتِهِمْ، وَالنِّزَاعُ بَيْنَهُمْ 2 فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ تَنَازُعِ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ فِي مَذَاهِبِ أَئِمَّتِهِمْ.
وَالرَّافِضَةُ - لِجَهْلِهِمْ - يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إِذَا قَبِلُوا مَا فِي نُسْخَةٍ مِنْ ذَلِكَ، وَجَعَلُوا فَضَائِلَ الصِّدِّيقِ لِعَلِيٍّ، أَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، الَّذِينَ حَفِظَ اللَّهُ بِهِمُ الذِّكْرَ.
الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَوَاتَرَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّ الَّذِي قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي قَاتَلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ الْمُدَّعِيَ لِلنُّبُوَّةِ وَأَتْبَاعَهُ بَنِي حَنِيفَةَ وَأَهْلَ الْيَمَامَةِ.
قَدْ قِيلَ: كَانُوا نَحْوَ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ أَكْثَرَ 3 ، وَقَاتَلَ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّ، وَكَانَ قَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بِنَجْدٍ، وَاتَّبَعَهُ مِنْ أَسَدٍ وَتَمِيمٍ وَغَطَفَانَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ادَّعَتِ النُّبُوَّةَ سَجَاحٌ، امْرَأَةٌ تَزَوَّجَهَا مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، فَتَزَوَّجَ الْكَذَّابُ بِالْكَذَّابَةِ.
وَأَيْضًا فَكَانَ مِنَ الْعَرَبِ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَتَّبِعْ مُتَنَبِّئًا كَذَّابًا.
وَمِنْهُمْ قَوْمٌ أَقَرُّوا بِالشَّهَادَتَيْنِ، لَكِنِ امْتَنَعُوا مِنْ أَحْكَامِهِمَا كَمَانِعِي الزَّكَاةِ.
وَقِصَصُ هَؤُلَاءِ مَشْهُورَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ يَعْرِفُهَا كُلُّ مَنْ لَهُ بِهَذَا الْبَابِ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ.
وَالْمُقَاتِلُونَ لِلْمُرْتَدِّينَ [هُمْ مِنَ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَيُحِبُّونَهُ] 1 ، وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالدُّخُولِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَكَذَلِكَ الَّذِينَ قَاتَلُوا سَائِرَ الْكُفَّارِ مِنَ الرُّومِ وَالْفُرْسِ.
وَهَؤُلَاءِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَنِ اتَّبَعَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ.
وَلِهَذَا رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ هَؤُلَاءِ، فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَقَالَ: " هُمْ قَوْمُ هَذَا " 2 .
فَهَذَا أَمْرٌ يُعْرَفُ بِالتَّوَاتُرِ وَالضَّرُورَةِ: أَنَّ الَّذِينَ أَقَامُوا الْإِسْلَامَ وَثَبَتُوا عَلَيْهِ حِينَ الرِّدَّةِ، وَقَاتَلُوا الْمُرْتَدِّينَ وَالْكُفَّارَ، هُمْ دَاخِلُونَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54] .
وَأَمَّا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مِمَّنْ يُحِبُّ اللَّهَ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ، لَكِنْ لَيْسَ بِأَحَقَّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَلَا * كَانَ جِهَادُهُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُرْتَدِّينَ أَعْظَمَ مِنْ جِهَادِ هَؤُلَاءِ، وَلَا حَصَلَ بِهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ لِلدِّينِ أَعْظَمُ * 3 مِمَّا حَصَلَ بِهَؤُلَاءِ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمْ لَهُ سَعْيٌ مَشْكُورٌ وَعَمَلٌ مَبْرُورٌ وَآثَارٌ صَالِحَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ يَجْزِيهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ خَيْرَ جَزَاءٍ، فَهُمُ
الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ، الَّذِينَ قَضَوْا بِالْحَقِّ، وَبِهِ كَانُوا يَعْدِلُونَ.
وَأَمَّا أَنْ يَأْتِيَ إِلَى أَئِمَّةِ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ كَانَ نَفْعُهُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا أَعْظَمَ، فَيَجْعَلَهُمْ كُفَّارًا أَوْ فُسَّاقًا 1 ظَلَمَةً، وَيَأْتِيَ إِلَى مَنْ لَمْ يَجْرِ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ مِثْلُ مَا جَرَى عَلَى يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، * فَيَجْعَلَهُ اللَّهَ أَوْ شَرِيكًا لِلَّهِ، أَوْ شَرِيكَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوِ الْإِمَامَ الْمَعْصُومَ الَّذِي لَا يُؤْمِنُ إِلَّا مَنْ * 2 جَعَلَهُ مَعْصُومًا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ عَنْ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَيَجْعَلَ الْكُفَّارَ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِي قَاتَلَهُمْ أُولَئِكَ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَيَجْعَلَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَيَحُجُّونَ الْبَيْتَ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْقُرْآنِ يَجْعَلُهُمْ 3 كُفَّارًا لِأَجْلِ قِتَالِ هَؤُلَاءِ.
فَهَذَا عَمَلُ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَالْإِلْحَادِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، عَمَلُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا دِينَ وَلَا إِيمَانَ.
وَالْعُلَمَاءُ دَائِمًا يَذْكُرُونَ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَعَ الرَّفْضَ كَانَ زِنْدِيقًا مُلْحِدًا، مَقْصُودُهُ إِفْسَادُ [دِينِ] 4 الْإِسْلَامِ.
وَلِهَذَا [صَارَ] 5 الرَّفْضُ مَأْوَى الزَّنَادِقَةِ الْمُلْحِدِينَ مِنَ الْغَالِيَةِ وَالْمُعَطِّلَةِ 6 ، كَالنَّصِيرِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ.
وَأَوَّلُ الْفِكْرَةِ 7 آخِرُ الْعَمَلِ، فَالَّذِي ابْتَدَعَ الرَّفْضَ كَانَ مَقْصُودُهُ إِفْسَادَ 8
دِينِ الْإِسْلَامِ، وَنَقْضَ عُرَاهُ، وَقَلْعَهُ بِعُرُوشِهِ آخِرًا، لَكِنْ صَارَ يَظْهَرُ مِنْهُ مَا يُكِنُّهُ 1 مِنْ ذَلِكَ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
وَهَذَا مَعْرُوفٌ عَنِ 2 ابْنِ سَبَأٍ وَأَتْبَاعِهِ 3 ، وَهُوَ الَّذِي ابْتَدَعَ النَّصَّ فِي عَلِيٍّ، وَابْتَدَعَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ.
فَالرَّافِضَةُ 4 الْإِمَامِيَّةُ هُمْ أَتْبَاعُ الْمُرْتَدِّينَ، وَغِلْمَانُ الْمُلْحِدِينَ، وَوَرَثَةُ الْمُنَافِقِينَ، لَمْ يَكُونُوا أَعْيَانَ الْمُرْتَدِّينَ الْمُلْحِدِينَ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ، أَيَقُولُ الْقَائِلُ: أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وَلَفْظُهَا يُصَرِّحُ بِأَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ . أَفَلَيْسَ هَذَا صَرِيحًا فِي أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا رَجُلًا، فَإِنَّ الرَّجُلَ 5 لَا يُسَمَّى قَوْمًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا.
وَلَوْ قَالَ: الْمُرَادُ هُوَ وَشِيعَتُهُ.
لَقِيلَ: إِذَا كَانَتِ الْآيَةُ أَدْخَلَتْ مَعَ عَلِيٍّ غَيْرَهُ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوا الْكُفَّارَ وَالْمُرْتَدِّينَ أَحَقُّ بِالدُّخُولِ فِيهَا مِمَّنْ لَمْ يُقَاتِلْ إِلَّا أَهْلَ الْقِبْلَةِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ، الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَحَقُّ بِالدُّخُولِ فِيهَا مِنَ الرَّافِضَةِ، الَّذِينَ يُوَالُونَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ، وَيُعَادُونَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَ عَلِيٍّ كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ.
قِيلَ: وَالَّذِينَ قَاتَلُوهُ أَيْضًا كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ.
فَكِلَا
الْعَسْكَرَيْنِ كَانَتِ الْيَمَانِيَّةُ وَالْقَيْسِيَّةُ فِيهِمْ كَثِيرَةً 1 جِدًّا، وَأَكْثَرُ أَذْوَاءِ الْيَمَنِ كَانُوا مَعَ مُعَاوِيَةَ، كَذِي كُلَاعٍ 2 وَذِي عَمْرٍو، وَذِي رُعَيْنٍ، وَنَحْوِهِمْ.
وَهُمُ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ: الذَّوِينُ.
كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَمَا أَعْنِي بِذَلِكَ أَصْغَرَيْهِمْ ... وَلَكِنِّي أُرِيدُ بِهِ الذَّوِينَا.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ لَفْظٌ مُطْلَقٌ، لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ.
وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِمَنْ قَامَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كَائِنًا مَا كَانَ، لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَبِي بَكْرٍ وَلَا بِعَلِيٍّ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِإِحْدَاهُمَا، لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ أَفْضَلَ مِمَّنْ يُشَارِكُهُ فِيهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَسْتَوْجِبَ بِذَلِكَ الْإِمَامَةَ.
بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ أَحَدٌ [عَنِ الدِّينِ] 3 إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَقَامَ اللَّهُ قُوْمًا يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ.
وَالرِّدَّةُ قَدْ تَكُونُ عَنْ أَصْلِ الْإِسْلَامِ، كَالْغَالِيَةِ مِنَ النَّصِيرِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَهَؤُلَاءِ مُرْتَدُّونَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَكَالْعَبَّاسِيَّةِ 4 .
وَقَدْ تَكُونُ الرِّدَّةُ عَنْ بَعْضِ الدِّينِ، كَحَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَاللَّهُ تَعَالَى يُقِيمُ قَوْمًا يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، وَيُجَاهِدُونَ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الدِّينِ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، كَمَا يُقِيمُ مَنْ يُجَاهِدُ الرَّافِضَةَ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الدِّينِ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، فِي كُلِّ زَمَانٍ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، الَّذِينَ يُجَاهِدُونَ الْمُرْتَدِّينَ [وَأَتْبَاعَ الْمُرْتَدِّينَ] (1) ، وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
فصل البرهان السادس والعشرون " وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ " والجواب عليه
فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " الْبُرْهَانُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سُورَةُ الْحَدِيدِ: 19] رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ 3 أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:1