مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
- الطبعة
- الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]
وَإِنْصَافٌ يَعْلَمُ أَنَّ مِثْلَ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَمِثْلَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ مِنَ الْعَسْكَرِيَّيْنِ وَأَمْثَالِهِمَا 1 .
وَأَيْضًا فَهَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنَ الْمُنْتَظَرِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ نَصٌّ مَنْقُولٌ: عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا رَيْبَ أَنَّ النَّصَّ الثَّابِتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقَدَّمٌ عَلَى 2 الْقِيَاسِ بِلَا رَيْبٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نَصٌّ وَلَمْ يَقُلْ 3 بِالْقِيَاسِ كَانَ جَاهِلًا، فَالْقِيَاسُ 4 الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ خَيْرٌ مِنَ الْجَهْلِ الَّذِي لَا عِلْمَ مَعَهُ وَلَا ظَنَّ، فَإِنْ قَالَ هَؤُلَاءِ: كُلُّ مَا يَقُولُونَهُ هُوَ ثَابِتٌ 5 عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ 6 هَذَا أَضْعَفُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: كُلُّ مَا 7 يَقُولُهُ الْمُجْتَهِدُ فَإِنَّهُ قَوْلُ 8 النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّ هَذَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ، وَقَوْلُهُمْ أَقْرَبُ مِنْ قَوْلِ الرَّافِضَةِ 9 فَإِنَّ قَوْلَ أُولَئِكَ كَذِبٌ صَرِيحٌ.
وَأَيْضًا فَهَذَا كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ 10 : عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ 11 مُتَلَقًّى عَنْ
الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُ الصَّحَابَةِ 1 مُتَلَقًّى 2 عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ: مَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ فِي غَيْرِ 3 مَجَارِي الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُهُ إِلَّا تَوْقِيفًا 4 عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ: قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ 5 أَوِ الشَّيْخِ الْعَارِفِ 6 هُوَ إِلْهَامٌ مِنَ اللَّهِ وَوَحْيٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ.
فَإِنْ قَالَ: هَؤُلَاءِ تَنَازَعُوا.
قِيلَ: وَأُولَئِكَ تَنَازَعُوا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى دَعْوَى بَاطِلَةٌ إِلَّا أَمْكَنَ مُعَارَضَتُهُمْ بِمِثْلِهَا [أَوْ بِخَيْرٍ مِنْهَا] 7 ، وَلَا يَقُولُونَ حَقًّا 8 إِلَّا كَانَ فِي أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ [مَنْ يَقُولُ] 9 مِثْلَ ذَلِكَ الْحَقِّ أَوْ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، فَإِنَّ الْبِدْعَةَ مَعَ السُّنَّةِ كَالْكُفْرِ مَعَ الْإِيمَانِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 33] .
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: الَّذِينَ أَدْخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَحَرَّفُوا
أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ لَيْسُوا فِي طَائِفَةٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فِي الرَّافِضَةِ، فَإِنَّهُمْ أَدْخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ 1 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَكْذِبْهُ غَيْرُهُمْ، وَرَدُّوا مِنَ الصِّدْقِ مَا لَمْ يَرُدَّهُ غَيْرُهُمْ، وَحَرَّفُوا الْقُرْآنَ 2 تَحْرِيفًا لَمْ يُحَرِّفْهُ غَيْرُهُمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: 3 : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 55] 4 نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ لَمَّا تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 19] عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 22] الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [سُورَةُ يس: 12] عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ 5 ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 33] 6 هُمْ 7 آلُ أَبِي طَالِبٍ 8 وَاسْمُ أَبِي طَالِبٍ عِمْرَانُ، ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 12] طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 60] :
هُمْ 1 بَنُو أُمَيَّةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 67] عَائِشَةُ، وَ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 65] لَئِنْ أَشْرَكْتَ 2 بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ فِي الْوِلَايَةِ.
وَكُلُّ هَذَا وَأَمْثَالُهُ وَجَدْتُهُ فِي كُتُبِهِمْ.
ثُمَّ مِنْ هَذَا دَخَلَتِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ وَالنُّصَيْرِيَّةُ فِي تَأْوِيلِ 3 الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، فَهُمْ أَئِمَّةُ التَّأْوِيلِ الَّذِي هُوَ تَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ.
وَمَنْ تَدَبَّرَ مَا عِنْدَهُمْ وَجَدَ فِيهِ مِنَ الْكَذِبِ فِي الْمَنْقُولَاتِ 4 وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ مِنْهَا 5 وَالتَّحْرِيفِ لِمَعَانِيهَا مَا لَا يُوجَدُ فِي صِنْفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَهُمْ قَطْعًا أَدْخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ 6 مَا لَيْسَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَحَرَّفُوا (كِتَابَهُ تَحْرِيفًا لَمْ يَصِلْ غَيْرُهُمْ إِلَى قَرِيبٍ مِنْهُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ 7 : قَوْلُهُ: " وَأَحْدَثُوا مَذَاهِبَ أَرْبَعَةً لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ 8 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا زَمَنِ صَحَابَتِهِ، وَأَهْمَلُوا أَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ ". فَيُقَالُ لَهُ: 9 مَتَى كَانَ مُخَالَفَةُ الصَّحَابَةِ وَالْعُدُولُ عَنْ أَقَاوِيلِهِمْ 10 مُنْكَرًا
عِنْدَ الْإِمَامِيَّةِ؟ وَهَؤُلَاءِ مُتَّفِقُونَ 1 عَلَى مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ وَمُوَالَاتِهِمْ وَتَفْضِيلِهِمْ عَلَى سَائِرِ الْقُرُونِ وَعَلَى 2 أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ، وَعَلَى 3 أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمُ الْخُرُوجُ عَنْ إِجْمَاعِهِمْ 4 ، بَلْ عَامَّةُ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَخْرُجَ عَنْ أَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ، فَكَيْفَ يَطْعَنُ عَلَيْهِمْ بِمُخَالَفَةِ الصَّحَابَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَيَنْسِبُهُمْ إِلَى الْكُفْرِ وَالظُّلْمِ؟ .
فَإِنْ كَانَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حُجَّةً فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ.
وَإِنْ قَالَ: أَهْلُ السُّنَّةِ يَجْعَلُونَهُ حُجَّةً وَقَدْ خَالَفُوهُ.
قِيلَ: أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ 5 أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى مُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا الْإِمَامِيَّةُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ الْعِتْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، مَعَ مُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ 6 فِي الْعِتْرَةِ النَّبَوِيَّةِ - بَنُو هَاشِمٍ - 7 عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ 8 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ
وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ 1 مَنْ يَقُولُ بِإِمَامَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ 2 وَلَا بِعِصْمَةِ أَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا بِكُفْرِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، بَلْ وَلَا مَنْ 3 يَطْعَنُ فِي إِمَامَتِهِمْ، بَلْ وَلَا مَنْ يُنْكِرُ الصِّفَاتِ، وَلَا مَنْ 4 يُكَذِّبُ بِالْقَدْرِ.
فَالْإِمَامِيَّةُ بِلَا رَيْبٍ مُتَّفِقُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ 5 الْعِتْرَةِ النَّبَوِيَّةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ لَمْ يُخَالِفْ لَا إِجْمَاعَ 6 الصَّحَابَةِ وَلَا إِجْمَاعَ الْعِتْرَةِ؟ .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ 7 : أَنَّ قَوْلَهُ: " أَحْدَثُوا مَذَاهِبَ أَرْبَعَةً لَمْ تَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يُحْدِثُوا هَذِهِ الْمَذَاهِبَ مَعَ مُخَالَفَةِ الصَّحَابَةِ فَهَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ لَمْ يَكُونُوا فِي 8 عَصْرٍ وَاحِدٍ، بَلْ أَبُو حَنِيفَةَ تُوُفِّيَ سُنَّةَ 9 خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَمَالِكٌ سَنَةَ 10 تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَالشَّافِعِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ
مَنْ يُقَلِّدُ الْآخَرَ وَلَا مَنْ يَأْمُرُ بِاتِّبَاعِ النَّاسِ لَهُ، بَلْ 1 كُلٌّ مِنْهُمْ يَدْعُو إِلَى مُتَابَعَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِذَا قَالَ: غَيْرُهُ قَوْلًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ عِنْدَهُ 2 رَدَّهُ وَلَا يُوجِبُ عَلَى النَّاسِ تَقْلِيدَهُ.
وَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ اتَّبَعَهُمُ النَّاسُ، فَهَذَا لَمْ يَحْصُلْ بِمُوَطَّأَةٍ، بَلِ اتَّفَقَ أَنَّ قَوْمًا اتَّبَعُوا هَذَا، [وَقَوْمًا اتَّبَعُوا هَذَا] 3 كَالْحُجَّاجِ الَّذِينَ طَلَبُوا مَنْ يَدُلُّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَرَأَى قَوْمٌ هَذَا دَلِيلًا خَبِيرًا 4 فَاتَّبَعُوهُ، وَكَذَلِكَ الْآخَرُونَ 5 .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ اتِّفَاقُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى بَاطِلٍ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ مِنْهُمْ 6 يُنْكِرُونَ مَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ 7 مِنَ الْخَطَأِ، فَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ كُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَا قَالَهُ، بَلْ جُمْهُورُهُمْ 8 لَا يَأْمُرُونَ الْعَامِّيَّ بِتَقْلِيدِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ.
وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ضَمِنَ الْعِصْمَةَ لِلْأُمَّةِ، فَمِنْ تَمَامِ الْعِصْمَةِ أَنْ يَجْعَلَ
عَدَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ إِنْ أَخْطَأَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فِي 1 شَيْءٍ كَانَ الْآخَرُ قَدْ أَصَابَ فِيهِ حَتَّى لَا يَضِيعَ الْحَقُّ.
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ مِنَ الْخَطَأِ مَسَائِلُ، كَبَعْضِ الْمَسَائِلِ الَّتِي أَوْرَدَهَا، كَانَ الصَّوَابُ فِي قَوْلِ الْآخَرِ، فَلَمْ يَتَّفِقْ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى ضَلَالَةٍ أَصْلًا.
وَأَمَّا خَطَأُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ الدِّينِ، فَقَدْ قَدَّمْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ هَذَا لَا يَضُرُّ كَخَطَأِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا الشِّيعَةُ فَكُلُّ مَا خَالَفُوا فِيهِ أَهْلَ السُّنَّةِ كُلُّهُمْ فَهُمْ مُخْطِئُونَ فِيهِ كَمَا أَخْطَأَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي كُلِّ مَا خَالَفُوا فِيهِ الْمُسْلِمِينَ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ 2 : أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: " إِنَّ هَذِهِ الْمَذَاهِبَ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا الصَّحَابَةِ إِنْ أَرَادَ أَنَّ الْأَقْوَالَ الَّتِي لَهُمْ 3 لَمْ تُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنِ الصَّحَابَةِ 4 ، بَلْ 5 تَرَكُوا قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ 6 وَابْتَدَعُوا خِلَافَ ذَلِكَ، فَهَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ.
فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى مُخَالَفَةِ الصَّحَابَةِ، بَلْ هُمْ -[وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ] 7 مُتَّبِعُونَ لِلصَّحَابَةِ فِي أَقْوَالِهِمْ 8 ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ 9 خَالَفَ الصَّحَابَةَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِأَقَاوِيلِهِمْ، فَالْبَاقُونَ يُوَافِقُونَهُمْ وَيُثْبِتُونَ خَطَأَ مَنْ يُخَالِفُهُمْ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ نَفْسَ أَصْحَابِهَا لَمْ
يَكُونُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ 1 فَهَذَا لَا 2 مَحْذُورَ فِيهِ.
فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ قَرْنٍ يَأْتِي يَكُونُ بَعْدَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: 3 قَوْلُهُ: " وَأَهْمَلُوا أَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ " كَذِبٌ مِنْهُ، بَلْ كُتُبُ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ مَشْحُونَةٌ بِنَقْلِ أَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهَا مَا لَيْسَ عِنْدَ الْأُخْرَى.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ 4 بِذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ: مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ جَمَعَ الْآثَارَ وَمَا اسْتَنْبَطَهُ مِنْهَا، فَأُضِيفَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، كَمَا تُضَافُ كُتُبُ الْحَدِيثِ إِلَى مَنْ جَمَعَهَا، كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ، وَكَمَا تُضَافُ الْقِرَاءَاتُ إِلَى مَنِ اخْتَارَهَا كَنَافِعٍ وَابْنِ كَثِيرٍ.
وَغَالِبُ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ مَنْقُولٌ عَمَّنْ قَبْلَهُمْ، وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ مَنْقُولًا عَمَّنْ 5 ، قَبْلَهُ لَكِنَّهُ 6 اسْتَنْبَطَهُ مِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ.
ثُمَّ قَدْ 7 جَاءَ بَعْدَهُ مَنْ تَعَقَّبَ أَقْوَالَهُ 8 فَبَيَّنَ مِنْهَا مَا كَانَ خَطَأً عِنْدَهُ 9 ، كُلُّ ذَلِكَ حِفْظًا لِهَذَا الدِّينِ، حَتَّى يَكُونَ أَهْلُهُ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ:
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 71] ، فَمَتَى وَقَعَ مِنْ أَحَدِهِمْ مُنْكَرٌ خَطَأً أَوْ عَمْدًا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
وَلَيْسَ الْعُلَمَاءُ بِأَكْثَرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ - فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 78، 79] .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ [ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ] 1 النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ 2 لِأَصْحَابِهِ عَامَ الْخَنْدَقِ: " «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ; فَأَدْرَكَتْهُمْ صَلَاةُ الْعَصْرِ 3 فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُرِدْ مِنَّا تَفْوِيتَ الصَّلَاةِ، فَصَلُّوا فِي الطَّرِيقِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَصَلُّوا الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَمَا عَنَّفَ وَاحِدَةً 4 مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ» ". 5 فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ
الْمُجْتَهِدِينَ يَتَنَازَعُونَ فِي فَهْمِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1 وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ آثِمًا 2 .
الْوَجْهُ الثَّامِنُ 3 : أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِنَّ إِجْمَاعَ الْأَئِمَّةِ 4 الْأَرْبَعَةِ حُجَّةٌ مَعْصُومَةٌ، وَلَا قَالَ: إِنَّ الْحَقَّ مُنْحَصِرٌ 5 فِيهَا وَإِنَّ مَا خَرَجَ عَنْهَا بَاطِلٌ، بَلْ إِذَا قَالَ: مَنْ لَيْسَ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ كَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَمَنْ قَبْلَهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ قَوْلًا يُخَالِفُ قَوْلَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ 6 ، رُدَّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ 7 ، وَكَانَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ هُوَ الْقَوْلُ 8 الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ 9 : قَوْلُهُ: " الصَّحَابَةُ نَصُّوا عَلَى تَرْكِ 10 الْقِيَاسِ ". يُقَالُ لَهُ: 11 الْجُمْهُورُ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ الْقِيَاسَ قَالُوا: قَدْ ثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِالرَّأْيِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ وَقَاسُوا، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُمْ ذَمُّ مَا
ذَمُّوهُ مِنَ الْقِيَاسِ.
قَالُوا: وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ، فَالْمَذْمُومُ الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِلنَّصِّ، كَقِيَاسِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، وَقِيَاسُ إِبْلِيسَ الَّذِي عَارَضَ بِهِ أَمْرَ اللَّهِ لَهُ 1 بِالسُّجُودِ لِآدَمَ 2 ، وَقِيَاسُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا: أَتَأْكَلُونَ 3 مَا قَتَلْتُمْ وَلَا تَأْكُلُونَ مَا قَتَلَهُ 4 اللَّهُ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ 121] .
وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الَّذِي لَا يَكُونُ الْفَرْعُ فِيهِ 5 مُشَارِكًا لِلْأَصْلِ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ، فَالْقِيَاسُ يُذَمُّ إِمَّا لِفَوَاتِ شَرْطِهِ؛ وَهُوَ عَدَمُ الْمُسَاوَاةِ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ، وَإِمَّا لِوُجُودِ مَانِعِهِ؛ وَهُوَ النَّصُ الَّذِي يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلَا يَفُوتُ الشَّرْطُ إِلَّا وَالْمَانِعُ مَوْجُودٌ، وَلَا يُوجِدُ الْمَانِعُ 6 إِلَّا وَالشَّرْطُ مَفْقُودٌ.
فَأَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي يَسْتَوِي 7 فِيهِ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ وَلَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ، فَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي يُتَّبَعُ.
8
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقِيَاسَ فِيهِ فَاسِدٌ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ قَاسُوا أَقْيِسَةً فَاسِدَةً،
بَعْضُهَا بَاطِلٌ بِالنَّصِّ، وَبَعْضُهَا مِمَّا اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى بُطْلَانِهِ 1 ، لَكِنَّ بُطْلَانَ كَثِيرٍ مِنَ الْقِيَاسِ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ جَمِيعِهِ، كَمَا أَنَّ وُجُودَ الْكَذِبِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَدِيثِ لَا يُوجِبُ كَذِبَ جَمِيعِهِ.
وَمَدَارُ الْقِيَاسِ عَلَى أَنَّ الصُّورَتَيْنِ يَسْتَوِيَانِ فِي مُوجَبِ الْحُكْمِ وَمُقْتَضَاهُ 2 ، فَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْقِيَاسُ صَحِيحًا بِلَا شَكٍّ، وَلَكِنْ قَدْ يَظُنُّ الْقَايِسُ مَا لَيْسَ مَنَاطُ الْحُكْمِ مَنَاطًا فَيَغْلَطُ، وَلِهَذَا كَانَ عُمْدَةُ الْقِيَاسِ عِنْدَ الْقَايِسِينَ عَلَى بَيَانِ تَأْثِيرِ الْمُشْتَرِكِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ جَوَابَ سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ هُوَ الْوَصْفُ الْمُشْتَرِكُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، حَتَّى يَلْحَقَ هَذَا الْفَرْعُ بِهِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ لَا تَثْبُتُ صِحَّتُهُ حَتَّى تَكُونَ الصُّورَتَانِ مُشْتَرِكَتَيْنِ 3 فِي الْمُشْتَرَكِ الْمُسْتَلْزِمِ 4 لِلْحُكْمِ إِمَّا فِي الْعِلَّةِ نَفْسِهَا، وَإِمَّا فِي دَلِيلِ الْعِلَّةِ: تَارَةً بِإِبْدَاءِ الْجَامِعِ، وَتَارَةً بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، فَإِذَا عُرِفَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَرْقٌ يُؤَثِّرُ، عُلِمَ اسْتِوَاؤُهُمَا 5 فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الْجَامِعِ.
وَهُمْ يُثْبِتُونَ قِيَاسَ الطَّرْدِ، وَهُوَ إِثْبَاتٌ مِثْلُ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ.
(* وَقِيَاسُ الْعَكْسِ وَهُوَ نَفْيُ حُكْمِ الْأَصْلِ عَنِ الْفَرْعِ، لِافْتِرَاقِهِمَا فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ *) 6 فَهَذَا 7 يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُثْبِتَةَ لِلْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ
مُنْتَفِيَةٌ فِي الْفَرْعِ، وَذَاكَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُثْبَتَةِ فِي الْفَرْعِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (1) .
فصل كلام الرافضي على أمور فقهية شنيعة يقول بها أهل السنة في زعمه والرد عليه
فَصْلٌ.
2
قَالَ الرَّافِضِيُّ 3 : " وَذَهَبُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ إِلَى أُمُورٍ شَنِيعَةٍ: كَإِبَاحَةِ الْبِنْتِ الْمَخْلُوقَةِ مِنَ الزِّنَا، وَسُقُوطِ الْحَدِّ عَمَّنْ نَكَحَ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ أَوْ بِنْتَهُ 4 مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ وَالنَّسَبِ بِوَاسِطَةِ عَقْدٍ يَعْقِدُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ بُطْلَانَهُ، وَعَمَّنْ لَفَّ عَلَى ذَكَرِهِ خِرْقَةً وَزَنَى بِأُمِّهِ أَوْ بِنْتِهِ 5 ، وَعَنِ اللَّائِطِ مَعَ أَنَّهُ أَفْحَشُ مِنَ الزِّنَا وَأَقْبَحُ، وَإِلْحَاقِ نَسَبِ الْمَشْرِقِيَّةِ بِالْمَغْرِبِيِّ، فَإِذَا 6 زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ وَهِيَ فِي الْمَشْرِقِ بِرَجُلٍ هُوَ وَأَبُوهَا فِي الْمَغْرِبِ وَلَمْ يَفْتَرِقَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا 7 حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ 8 سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَوَلَدَتِ الْبِنْتُ فِي الْمَشْرِقِ 9 ، الْتَحَقَ الْوَلَدُ بِالرَّجُلِ 10 وَهُوَ وَأَبُوهَا 11 فِي الْمَغْرِبِ،1
مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إِلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ سِنِينَ مُتَعَدِّدَةٍ، بَلْ لَوْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَقَيَّدَهُ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ حَفَظَةً مُدَّةَ خَمْسِينَ سَنَةً 1 ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَى بَلَدِ 2 الْمَرْأَةِ فَرَأَى جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ أَوْلَادِهَا 3 وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهَا 4 إِلَى عِدَّةِ بُطُونٍ، الْتَحَقُوا كُلُّهُمْ بِالرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَقْرَبْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ وَلَا غَيْرَهَا أَلْبَتَّةَ.
وَإِبَاحَةِ النَّبِيذِ مَعَ مُشَارَكَتِهِ الْخَمْرَ 5 فِي الْإِسْكَارِ وَالْوُضُوءِ بِهِ، وَالصَّلَاةِ فِي جِلْدِ الْكَلْبِ، وَعَلَى الْعَذِرَةِ 6 الْيَابِسَةِ.
وَحَكَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِبَعْضِ الْمُلُوكِ، وَعِنْدَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ 7 الْحَنَفِيَّةِ، صِفَةَ صَلَاةِ الْحَنَفِيِّ 8 ، فَدَخَلَ دَارًا مَغْصُوبَةً وَتَوَضَّأَ بِالنَّبِيذِ، وَكَبَّرَ وَقَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ 9 [مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَقَرَأَ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 64] لَا غَيْرَ بِالْفَارِسِيَّةِ] 10 ثُمَّ طَأْطَأَ
رَأْسَهُ مِنْ غَيْرِ طُمَأْنِينَةٍ، وَسَجَدَ كَذَلِكَ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ بِقَدْرِ حَدِّ السَّيْفِ، ثُمَّ سَجَدَ، وَقَامَ فَفَعَلَ كَذَلِكَ 1 ثَانِيَةً، ثُمَّ أَحْدَثَ فِي مَقَامِ التَّسْلِيمِ، فَتَبَرَّأَ 2 الْمَلِكُ - وَكَانَ حَنَفِيًّا - مِنْ هَذَا 3 الْمَذْهَبِ.
وَأَبَاحُوا الْمَغْصُوبَ لَوْ غَيَّرَ 4 الْغَاصِبُ الصِّفَةَ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّ سَارِقًا دَخَلَ بِدَارِ شَخْصٍ 5 لَهُ فِيهِ 6 دَوَابُّ وَرَحًى وَطَعَامٌ، فَطَحَنَ السَّارِقُ الطَّعَامَ بِالدَّوَابِّ وَالْأَرْحِيَةِ 7 مَلَكَ ذَلِكَ الطَّحِينَ بِذَلِكَ 8 ، فَلَوْ جَاءَ الْمَالِكُ وَنَازَعَهُ كَانَ الْمَالِكُ ظَالِمًا، وَالسَّارِقُ مَظْلُومًا 9 ، فَلَوْ تَقَاتَلَا فَإِنْ قُتِلَ الْمَالِكُ كَانَ هَدَرًا 10 وَإِنْ قُتِلَ السَّارِقُ كَانَ شَهِيدًا.
وَأَوْجَبُوا الْحَدَّ عَلَى الزَّانِي إِذَا كَذَّبَ الشُّهُودَ 11 ، وَأَسْقَطُوهُ 12 إِذَا صَدَّقَهُمْ، فَأُسْقِطَ 13 الْحَدُّ مَعَ اجْتِمَاعِ الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ، وَهَذَا
ذَرِيعَةٌ إِلَى إِسْقَاطِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا فَصَدَّقَ 1 الشُّهُودَ يَسْقُطْ 2 عَنْهُ الْحَدُّ وَإِبَاحَةِ 3 أَكْلَ الْكَلْبِ وَاللِّوَاطَ بِالْعَبِيدِ، 4 وَإِبَاحَةِ الْمَلَاهِي كَالشِّطْرَنْجِ وَالْغِنَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ [الَّتِي لَا يَحْتَمِلُهَا هَذَا الْمُخْتَصَرُ] 5 .
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا] : 6 أَنَّهُ [فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا هُوَ كَذِبٌ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا سَائِرُهَا] 7 فَلَيْسَ 8 فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةٌ إِلَّا وَجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى خِلَافِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَهَا بَعْضُهُمْ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ خَطَأً فَالصَّوَابُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَالصَّوَابُ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَيْضًا.
فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَخْرُجُ الصَّوَابُ عَنْ قَوْلِ 9 أَهْلِ السُّنَّةِ.
الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: الرَّافِضَةُ يُوجَدُ فِيهِمْ مِنَ الْمَسَائِلِ مَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ يَعْرِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ، مِنْهَا مَا يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ: مِثْلَ تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ 10 ، فَيُعَطِّلُونَ 11 الْمَسَاجِدَ الَّتِي أَمَرَ
اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ عَنِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ 1 وَيُعَمِّرُونَ الْمَشَاهِدَ الَّتِي حَرَّمَ 2 اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِنَاءَهَا، وَيَجْعَلُونَهَا بِمَنْزِلَةِ دُورِ الْأَوْثَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ زِيَارَتَهَا كَالْحَجِّ، كَمَا صَنَّفَ الْمُفِيدُ (كِتَابًا سَمَّاهُ " مَنَاسِكَ حَجِّ الْمَشَاهِدِ "، وَفِيهِ مِنَ الْكَذِبِ وَالشِّرْكِ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ كَذِبِ النَّصَارَى وَشِرْكِهِمْ 3 ، وَمِنْهَا تَأْخِيرُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ 4 ، مُضَاهَاةً لِلْيَهُودِ، وَمِنْهَا وَتَحْرِيمُ 5 ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَحْرِيمُ نَوْعٍ مِنَ السَّمَكِ، وَتَحْرِيمُ بَعْضِهِمْ لَحْمَ الْجَمَلِ 6 ، وَاشْتِرَاطُ بَعْضِهِمْ فِي الطَّلَاقِ الشُّهُودَ [عَلَى الطَّلَاقِ] ، وَإِيجَابُهُمْ 7 أَخْذَ خُمُسِ مَكَاسِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَعْلُهُمُ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْبِنْتِ دُونَ الْعَمِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعَصَبَةِ 8 وَالْجَمْعُ الدَّائِمُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ 9 ، وَمِثْلُ صَوْمِ 10 بَعْضِهِمْ بِالْعَدَدِ لَا بِالْهِلَالِ، يَصُومُونَ قَبْلَ الْهِلَالِ وَيُفْطِرُونَ قَبْلَهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ 11 مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُعْلَمُ عِلْمًا يَقِينِيًّا 12 أَنَّهَا خِلَافُ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِي
بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1 وَأَنْزَلَ بِهِ (كِتَابَهُ.
[وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ بَعْضِ أُمُورِهِمْ 2 الَّتِي هِيَ مِنْ أَظْهَرِ الْأُمُورَ إِنْكَارًا فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ] 3 وَلَهُمْ مَقَالَاتٌ 4 بَاطِلَةٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَافَقَهُمْ 5 عَلَيْهَا بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ: مِثْلُ إِحْلَالِ الْمُتْعَةِ وَأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ لَا يَقَعُ وَإِنْ قُصِدَ إِيقَاعُهُ عِنْدَ الشَّرْطِ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالْكِنَايَاتِ 6 وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِشْهَادُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْمَسَائِلُ لَهَا مَأْخَذٌ عِنْدَ مَنْ قَالَهَا مِنَ الْفُقَهَاءِ وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ أَنْفُسُهُمْ يُثْبِتُونَ خَطَأَهَا 7 ، فَلَا يَخْرُجُ بَيَانُ الصَّوَابِ عَنْهُمْ، كَمَا لَا يَخْرُجُ الصَّوَابُ عَنْهُمْ 8 ، فَالْمَخْلُوقَاتُ مِنْ مَاءِ الزِّنَا يُحَرِّمُهَا جُمْهُورُهُمْ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَحَكَى ذَلِكَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ 9 .
وَأَحْمَدُ لَمْ يَكُنْ يَظُنُّ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ نِزَاعًا 1 حَتَّى أَفْتَى بِقَتْلِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَالَّذِينَ قَالُوهَا كَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ رَأَوُا النَّسَبَ مُنْتَفِيًا لِعَدَمِ الْإِرْثِ 2 ، فَانْتَفَتْ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، وَالتَّحْرِيمُ 3 مِنْ أَحْكَامِهِ، وَالَّذِينَ أَنْكَرُوهَا 4 قَالُوا: أَحْكَامُ الْأَنْسَابِ 5 تَخْتَلِفُ، فَيَثْبُتُ لِبَعْضِ الْأَنْسَابِ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا لَا يَثْبُتُ لِبَعْضٍ، فَبَابُ التَّحْرِيمِ يَتَنَاوَلُ مَا شَمَلَهُ اللَّفْظُ وَلَوْ مَجَازًا حَتَّى تَحْرُمَ بِنْتُ الْبِنْتِ، بَلْ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، فَالْمَخْلُوقَةُ مِنْ مَائِهِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ، بِخِلَافِ الْإِرْثِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْمَيِّتِ مِنْ وَلَدِهِ، فَيَثْبُتُ لِوَلَدِ الْبَنِينَ دُونَ وَلَدِ الْبَنَاتِ.
وَأَمَّا عَقْدُهُ عَلَى ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ جَعَلَ ذَلِكَ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ لِوُجُودِ صُورَةِ الْعَقْدِ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ شُبْهَةً، بَلْ قَالُوا: هَذَا مِمَّا يُوجِبُ تَغْلِيظَ الْحَدِّ عُقُوبَةً 6 لِكَوْنِهِ فَعَلَ مُحَرَّمَيْنِ: الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ 7 .
وَكَذَلِكَ اللِّوَاطُ، أَكْثَرُ السَّلَفِ يُوجِبُونَ قَتْلَ فَاعِلِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا.
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ 1 . يُقْتَلُ الْمَفْعُولُ بِهِ مُطْلَقًا إِذَا كَانَ بَالِغًا.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ حَدَّهُ حَدُّ الزَّانِي 2 .، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا.
وَإِذَا قِيلَ: الْفَاعِلُ كَالزَّانِي فَقِيلَ: يُقْتَلُ الْمَفْعُولُ بِهِ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: لَا يُقْتَلُ، وَقِيلَ: بِالْفَرْقِ كَالْفَاعِلِ.
وَسُقُوطُ الْحَدِّ مِنْ مُفْرَدَاتِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَأَمَّا إِلْحَاقُ النَّسَبِ فِي تَزْوِيجِ الْمَشْرِقِيَّةِ بِالْمَغْرِبِيِّ فَهَذَا 3 . أَيْضًا مِنْ مَفَارِيدِ 4 . أَبِي حَنِيفَةَ.
وَأَصْلُهُ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّ النَّسَبَ عِنْدَهُ يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ.
فَهُوَ يُقَسِّمُ 5 . الْمَقْصُودَ بِهِ، فَإِذَا ادَّعَتِ امْرَأَتَانِ وَلَدًا 6 . أَلْحَقَهُ بِهِمَا بِمَعْنَى: أَنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِ مِيرَاثَهُ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْهُمَا.
وَكَذَلِكَ فِيمَا إِذَا طَلَّقَ الْمَرْأَةَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ وَطْئِهَا، فَجَعَلَ الْوَلَدَ لَهُ: بِمَعْنَى أَنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَائِهِ.
وَحَقِيقَةُ مَذْهَبِهِ 1 . أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ فِي الْحُكْمِ بِالنَّسَبِ ثُبُوتَ الْوِلَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، بَلِ الْوَلَدُ عِنْدَهُ لِلزَّوْجِ الَّذِي هُوَ لِلْفِرَاشِ 2 . مَعَ قَطْعِهِ أَنَّهُ لَمْ يُحْبِلْهَا.
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ وَمَاتَ، وَلَمْ تُعْرَفِ الْمُطَلَّقَةُ فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا أَحْمَدُ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا 3 .، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَتَوَقَّفَ فِي الْأَمْرِ فَلَمْ يَحْكُمْ أ، ب: 4 . بِشَيْءٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ لَهُ: 5 . الْأَمْرُ أَوْ يَصْطَلِحَا.
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يُخَالِفُونَهُ وَيَقُولُونَ: إِذَا عُلِمَ انْتِفَاءُ الْوِلَادَةِ لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُ النَّسَبِ وَلَا حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ بَعْضُ الْأَحْكَامِ مَعَ انْتِفَاءِ الْوِلَادَةِ.
كَمَا يَقُولُ فِيمَا إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ: أَنْتَ ابْنِي، يَجْعَلُ ذَلِكَ كِنَايَةً فِي عِتْقِهِ لَا إِقْرَارًا بِنَسَبِهِ.
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: هُوَ إِقْرَارٌ عُلِمَ كَذِبُهُ فِيهِ، فَلَا 6 : يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ.
فَالشَّنَاعَةُ الَّتِي شَنَّعَ بِهَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَتْ حَقًّا، فَجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ يُوَافِقُونَ عَلَيْهَا.
وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلًا 7 . لَمْ تَضُرَّهُمْ شَيْئًا 8 . مَعَ
أَنَّهُ يُشَنِّعُ تَشْنِيعَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَاءِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَجْتَمِعْ بِامْرَأَتِهِ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَقَلُّ النَّاسِ عَقْلًا، فَكَيْفَ بِمِثْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وَلَكِنَّهُ يُثْبِتُ حُكْمَ النَّسَبِ بِدُونِ الْوِلَادَةِ، وَهُوَ أَصْلٌ انْفَرَدَ بِهِ وَخَالَفَهُ فِيهِ فِيهِ: (1) . الْجُمْهُورُ وَخَطَّئُوا مَنْ قَالَ بِهِ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ النَّسَبَ إِذَا أَمْكَنَ وَطْءُ الزَّوْجِ لَهَا، كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ إِلَّا إِذَا دَخَلَ بِهَا.
وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ (2) . مَالِكٍ وَغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ حِلِّ الْأَنْبِذَةِ (3) . قَدْ عُلِمَ أَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ يُحَرِّمُونَ ذَلِكَ وَيُبَالِغُونَ فِيهِ حَتَّى يَحُدُّونَ الشَّارِبَ الْمُتَأَوِّلَ، وَلَهُمْ فِي فِسْقِهِ قَوْلَانِ: مَذْهَبُ (4) . مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَفْسُقُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا يَفْسُقُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَقُولُ بِالتَّحْرِيمِ.
وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْإِنْصَافِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، كَأَبِي اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَنَحْوِهِ.
الكلام على زعم الرافضي بأن أهل السنة يبيحون النبيذ
وَقَوْلُ [هَذَا الرَّافِضِيِّ] 5 . " وَإِبَاحَةُ النَّبِيذِ مَعَ مُشَارَكَتِهِ الْخَمْرَ فِي1234
الْإِسْكَارِ " احْتِجَاجٌ مِنْهُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِالْقِيَاسِ، فَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا بَطَلَ إِنْكَارُهُ 1 . وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا بَطَلَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ.
وَلَوِ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ 2 . حَرَامٌ» " 3 لَكَانَ أَجْوَدَ.
وَأَمَّا الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يُنْكِرُونَهُ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا.
وَإِنَّمَا أُخِذَ ذَلِكَ لِحَدِيثٍ لِحَدِيثٍ: 4 . رُوِيَ فِي هَذَا هَذَا: 5 . الْبَابِ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ م: 6 . وَفِيهِ: " «تَمْرَةٌ 7 . طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» ". وَالْجُمْهُورُ مِنْهُمْ مَنْ يُضَعِّفُ 8 . هَذَا الْحَدِيثَ 9 .، وَيَقُولُونَ: إِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ مَنْسُوخٌ
بِآيَةِ الْوُضُوءِ وَآيَةِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَمْ يَصِرْ نَبِيذًا، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ 1 . بَاقِيًا لَمْ يَتَغَيَّرْ، أَوْ تَغَيَّرْ تَغَيُّرًا يَسِيرًا أَوْ تَغَيُّرًا كَثِيرًا، مَعَ كَوْنِهِ مَاءً عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ، كَمَاءِ الْبَاقِلَاءِ وَمَاءِ الْحِمَّصِ وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي أَكْثَرِ 2 . الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَهُوَ أَقْوَى فِي الْحُجَّةِ مِنَ الْقَوْلِ الْآخَرِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ 3 . ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 43] 4 . نَكِرَةٌ 5 . فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَيَعُمُّ مَا تَغَيَّرَ بِإِلْقَاءِ هَذِهِ الطَّاهِرَاتِ 6 . فِيهِ، كَمَا يَعُمُّ مَا تَغَيَّرَ بِأَصْلِ خِلْقَتِهِ، أَوْ بِمَا لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ 7 ، إِذْ شُمُولُ اللَّفْظِ لَهُمَا سَوَاءٌ كَمَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِمَاءِ الْبَحْرِ.
وَقَدْ 8 . قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قِيلَ لَهُ «أَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ [فَإِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطَشْنَا.
فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] 9 " وَهُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ 10 ، فَمَاءُ الْبَحْرِ طَهُورٌ، مَعَ
كَوْنِهِ فِي غَايَةِ الْمُلُوحَةِ وَالْمَرَارَةِ وَالزُّهُومَةِ (1) . فَالْمُتَغَيِّرُ بِالطَّاهِرَاتِ أَحْسَنُ حَالًا مِنْهُ، لَكِنَّ ذَاكَ تَغَيُّرٌ أَصْلِيٌّ وَهَذَا طَارِئٌ.
وَهَذَا الْفَرْقُ لَا يَعُودُ إِلَى اسْمِ الْمَاءِ، وَمَنِ اعْتَبَرَهُ جَعَلَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ وَنَحْوِهِ، وَلَكِنْ أُبِيحَ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنِ الْمُغَيِّرَاتِ (2) . وَالْأَصْلُ ثُبُوتُ الْأَحْكَامِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ لَا عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا دَاخِلًا فِي اللَّفْظِ دَخَلَ الْآخَرُ (3) ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهَذِهِ دَلَالَةٌ لَفْظِيَّةٌ لَا قِيَاسِيَّةٌ، حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهَا الْمَشَقَّةُ وَعَدَمُهَا.
الكلام على قول الرافضي بإباحة أهل السنة للصلاة في جلد الكلب
وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي جِلْدِ الْكَلْبِ، فَإِنَّمَا يُجَوِّزُ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا كَانَ 4 . مَدْبُوغًا.
وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، لَيْسَ هَذَا 5 مِنْ مَفَارِيدِهِ، وَحُجَّتُهُمْ 6 قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ". 7 وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ اجْتِهَادٍ وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الشَّنَاعَاتِ 8 وَلَوْ قِيلَ123
: لِهَذَا الْمُنْكِرِ: هَاتِ دَلِيلًا قَاطِعًا قَاطِعًا: 1 عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، لَمْ يَجِدْهُ، بَلْ لَوْ طُولِبَ بِدَلِيلٍ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَلْبِ لِيَرُدَّ بِهِ عَلَى مَالِكٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ [عَنْهُ فَإِنَّهُ يَكْرَهُهُ وَلَا يُحَرِّمُهُ] 2 لَمْ يَكُنْ هَذَا الرَّدُّ مِنْ صِنَاعَتِهِ، مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ - بَلْ وَسَائِرَ السِّبَاعِ - لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ.
لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ] 3 أَنَّهُ «نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ» 4 وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 5 : " «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» " ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ [مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ] 6 وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
7
وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْكَلْبِ دَلَّتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةَ تَعْجَزُ عَنْ إِقَامَةِ دَلِيلٍ يَرُدُّونَ بِهِ عَلَى مَالِكٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 1
وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْعَذِرَةِ الْيَابِسَةِ بِلَا حَائِلٍ، فَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَكِنْ إِذَا أَصَابَتِ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ، فَذَهَبَتْ بِالشَّمْسِ أَوِ الرِّيحِ أَوِ الِاسْتِحَالَةِ، فَمَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ 2 . طَهَارَةُ الْأَرْضِ وَجَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا 3 . هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ مَنْ لَا يُطَهِّرُهَا بِذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ صِفَةِ 4 الصَّلَاةِ الَّتِي يُجِيزُهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَفَعَلَهَا عِنْدَ بَعْضِ الْمُلُوكِ حَتَّى رَجَعَ عَنْ مَذْهَبِهِ، فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى فَسَادِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ ; لِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ، لَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمْ يُخْطِئْ 5 أَحَدٌ مِنْهُمْ.
وَهَذِهِ الصَّلَاةُ يُنْكِرُهَا جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ، كَمَذْهَبِ مَالِكٍ 6 وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
وَالْمَلِكُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ، وَإِنَّمَا رَجَعَ إِلَى مَا ظَهَرَ عِنْدَهُ أَنَّهُ سُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ
وَأَعْدَلِهِمْ (1) وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ قِيَامًا عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ لَا سِيَّمَا الرَّافِضَةُ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَمَرَ بِلَعْنَتِهِمْ وَلَعْنَةِ (2) أَمْثَالِهِمْ فِي بِلَادِهِ، وَكَانَ الْحَاكِمُ الْعُبَيْدِيُّ بِمِصْرَ كَتَبَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ فَأَحْرَقَ كِتَابَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِهِ، وَنَصَرَ أَهْلَ السُّنَّةِ نَصْرًا مَعْرُوفًا عَنْهُ.
(3)
الكلام على زعم الرافضي بأن أهل السنة أباحوا المغصوب لو غير الغاصب الصفة
قَوْلُهُ: " وَأَبَاحُوا الْمَغْصُوبَ لَوْ غَيَّرَ الْغَاصِبُ الصِّفَةَ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّ سَارِقًا دَخَلَ مَدَارًا لَشَخْصٍ 4 لَهُ 5 فِيهِ دَوَابٌّ وَرَحًى وَطَعَامٌ، فَطَحَنَ السَّارِقُ طَعَامَ صَاحِبِ الْمَدَارِ بِدَوَابِّهِ وَأَرْحِيَتِهِ، مَلَكَ 6 الطَّحِينَ بِذَلِكَ، فَلَوْ جَاءَ الْمَالِكُ وَنَازَعَهُ، كَانَ الْمَالِكُ ظَالِمًا وَالسَّارِقُ مَظْلُومًا، فَلَوْ تَقَاتَلَا فَإِنْ قُتِلَ الْمَالِكُ كَانَ هَدَرًا 7 وَإِنْ قُتِلَ السَّارِقُ كَانَ شَهِيدًا ". فَيُقَالُ: أَوَّلًا: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ 8 لَيْسَتْ قَوْلَ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ 9 .123
وَإِنَّمَا قَالَهَا مَنْ يُنَازِعُهُ فِيهَا جُمْهُورُهُمْ، وَيَرُدُّونَ قَوْلَهُ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَهِيَ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ 1 ، وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَنَازِعُونَ 2 فِي الْغَاصِبِ إِذَا غَيَّرَ الْمَغْصُوبَ بِمَا أَزَالَ اسْمَهُ، كَطَحْنِ الْحَبِّ الْحَبِّ: 3 ، فَقِيلَ: هَذَا بِمَنْزِلَةِ إِتْلَافِهِ فَيَجِبُ لِلْمَالِكِ 4 الْقِيمَةُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ: بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ، وَالزِّيَادَةُ لَهُ 5 وَالنَّقْصُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَهُوَ قَوْلُ 6 الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: بَلْ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَخْذِ الْعَيْنِ وَالْمُطَالَبَةِ بِالنَّقْصِ إِنْ نَقَصَ 7 ، وَبَيْنَ الْمُطَالَبَةِ بِالْبَدَلِ وَتَرْكِ الْعَيْنِ لِلْغَاصِبِ، [وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ] 8 ، وَإِذَا أَخَذَ الْعَيْنَ فَقِيلَ: يَكُونُ 9 الْغَاصِبُ شَرِيكًا بِمَا أَحْدَثَهُ فِيهِ مِنَ الصَّنْعَةِ.
وَقِيلَ: لَا شَيْءَ لَهُ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَالْقَوْلُ الَّذِي أَنْكَرَهُ خِلَافُ قَوْلِ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
ثُمَّ إِنَّهُ كَذَبَ فِي نَقْلِهِ بِقَوْلِهِ 10 : " لَوْ تَقَاتَلَا كَانَ الْمَالِكُ ظَالِمًا "، فَإِنَّ
الْمَالِكَ إِنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا لَا يَعْتَقِدُ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ، لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا، وَلَمْ تَجُزْ مُقَاتَلَتُهُ، بَلْ إِذَا تَنَازَعَا تَرَافَعَا 1 إِلَى مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، إِذَا كَانَ اعْتِقَادُ هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ مِلْكُهُ، وَاعْتِقَادُ الْآخَرِ أَنَّهَا مِلْكُهُ.
وَأَيْضًا فَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ غَصَبَ الْحَبَّ ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَّهُ طَحَنَهُ، وَبَيْنَ مَنْ قَصَدَ بِطَحْنِهِ تَمَلُّكَهُ 2 ، فَإِنَّ مُعَاقَبَةَ هَذَا بِنَقِيضِ 3 قَصْدِهِ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الَّتِي أَنْكَرَهَا كُلُّهَا مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، لَيْسَ فِيهَا لِغَيْرِهِ إِلَّا مَسْأَلَةُ الْمَخْلُوقَةِ مِنْ مَاءِ 4 الزِّنَا لِلشَّافِعِيِّ.
فَيُقَالُ لَهُ: الشِّيعَةُ تَقُولُ: إِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أَصَحُّ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ إِذَا اضْطَرَّ الْإِنْسَانُ إِلَى اسْتِفْتَاءِ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ اسْتَفْتَى الْحَنَفِيَّةَ، وَيُرَجِّحُونَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَلَى أَبِي يُوسُفَ، فَإِنَّهُمْ لِنُفُورِهِمْ عَنِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ يَنْفِرُونَ عَمَّنْ كَانَ أَكْثَرَ تَمَسُّكًا بِالْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ.
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الشَّنَاعَاتُ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَانَ تَكْثِيرُ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ تَنَاقُضًا مِنْهُمْ، وَكَانُوا قَدْ رَجَّحُوا مَذْهَبًا وَفَضَّلُوهُ عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنُوا فِيهِ 5
مِنَ الضَّعْفِ وَالنَّقْصِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَنْقَصَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَمَا هَذَا التَّنَاقُضُ بَعِيدٌ مِنْهُمْ (1) ، فَإِنَّهُمْ لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وَظُلْمِهِمْ يَمْدَحُونَ وَيَذُمُّونَ بِلَا عِلْمٍ وَلَا عَدْلٍ، فَإِنْ كَانَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ الرَّاجِحُ، كَانَ مَا ذَكَرُوهُ مِنِ اخْتِصَاصِهِ بِالْمَسَائِلِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهَا (2) لِغَيْرِهِ تَنَاقُضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الرَّاجِحَ كَانَ تَرْجِيحُهُ عَلَى بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ بَاطِلًا، فَيَلْزَمُ (3) بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ (4) الشِّيعَةُ عَلَى الْبَاطِلِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ جَهْلٍ وَهَوًى، فَيَتَكَلَّمُونَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِمَا يُنَاسِبُ أَغْرَاضَهُمْ، سَوَاءً كَانَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا.
وَقَصْدُهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ ذَمُّ جَمِيعِ طَوَائِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَيُنْكِرُونَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ (5) مَا يَظُنُّونَهُ مَذْمُومًا فِيهِ، سَوَاءٌ صَدَقُوا فِي النَّقْلِ أَوْ كَذَبُوا، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الذَّمِّ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، وَإِنْ كَانَ فِي مَذْهَبِهِمْ مِنَ الْمَعَايِبِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ مِنْ مَعَايِبِ غَيْرِهِمْ.
التعليق على مزاعمه عن مقالة أهل السنة في الحدود
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَأَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى الزَّانِي إِذَا كَذَّبَ الشُّهُودَ، وَأَسْقَطَهُ إِذَا صَدَّقَهُمْ، فَأَسْقَطَ الْحَدَّ مَعَ اجْتِمَاعِ الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ، وَهَذَا ذَرِيعَةٌ إِلَى إِسْقَاطِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا فَصَدَّقَ الشُّهُودَ يَسْقُطْ 6 عَنْدَ الْحَدِّ ".12345
فَيُقَالُ: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ فِيهَا الْجُمْهُورُ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ (1) وَمَأْخَذُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ سَقَطَ حُكْمُ الشَّهَادَةِ، وَلَا يُؤْخَذُ بِالْإِقْرَارِ إِلَّا إِذَا كَانَ (2) أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَيَقُولُونَ: الْإِقْرَارُ يُؤَكِّدُ حُكْمَ الشَّهَادَةِ وَلَا يُبْطِلُهَا (3) ; لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهَا لَا مُخَالِفٌ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ كَزِيَادَةِ عَدَدِ الشُّهُودِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ وَكَإِقْرَارِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَهُوَ قَوْلُهُمْ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ هُوَ الصَّوَابُ (4) فَهُوَ قَوْلُهُمْ.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ يُنْكِرُونَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ، وَيَرُدُّونَ عَلَى مَنْ قَالَهَا بِحُجَجٍ وَأَدِلَّةٍ لَا تَعْرِفُهَا الْإِمَامِيَّةُ.
الرد على مزاعمه عن إباحة أهل السنة لأكل الكلب واللواط والملاهي
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَإِبَاحَةِ أَكْلِ الْكَلْبِ، وَاللِّوَاطِ بِالْعَبِيدِ، وَإِبَاحَةِ الْمَلَاهِي كَالشَّطْرَنْجِ وَالْغِنَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يَحْتَمِلُهَا هَذَا الْمُخْتَصَرُ ".
فَيُقَالُ: نَقْلُ هَذَا عَنْ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَذِبٌ، وَكَذَلِكَ نَقْلُهُ عَنْ جُمْهُورِهِمْ.
بَلْ فِيهِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُقِرِّينَ بِخِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ،1234
وَفِيهِ 1 مَا هُوَ كَذِبٌ عَلَيْهِمْ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ الَّذِي قَالَهُ بَعْضُ هَؤُلَاءِ أَنْكَرَهُ جُمْهُورُهُمْ فَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى ضَلَالَةٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْمَوْجُودَ فِي الشِّيعَةِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ الشَّنِيعَةِ 2 الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَعْظَمُ وَأَشْنَعُ 3 مِمَّا يُوجَدُ فِي أَيِّ طَائِفَةٍ فُرِضَتْ مِنْ طَوَائِفِ السُّنَّةِ، فَمَا مِنْ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ السُّنَّةِ 4 يُوجَدُ فِي قَوْلِهَا مَا هُوَ 5 ضَعِيفٌ إِلَّا وَيُوجَدُ مَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ وَأَشْنَعُ مِنْ أَقْوَالِ الشِّيعَةِ 6 .
فَتَبَيَّنَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الْكَذِبَ الَّذِي 7 يُوجَدُ فِيهِمْ، وَالتَّكْذِيبَ بِالْحَقِّ، وَفَرْطَ الْجَهْلِ، وَالتَّصْدِيقَ بِالْمُحَالَاتِ، وَقِلَّةَ الْعَقْلِ، وَالْغُلُوَّ فِي اتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ 8 ، وَالتَّعَلُّقَ بِالْمَجْهُولَاتِ لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي طَائِفَةٍ أُخْرَى.
وَأَمَّا مَا حَكَاهُ مِنْ إِبَاحَةِ اللِّوَاطِ بِالْعَبِيدِ، فَهُوَ كَذِبٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ 9 السُّنَّةِ، وَأَظُنُّهُ قَصَدَ التَّشْنِيعَ بِهِ عَلَى مَالِكٍ، فَإِنِّي رَأَيْتُ مِنَ الْجُهَّالِ مَنْ يَحْكِي هَذَا عَنْ مَالِكٍ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا يُحْكَى عَنْهُ فِي حُشُوشِ
النِّسَاءِ 1 ، فَإِنَّهُ لَمَّا حُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِبَاحَةُ ذَلِكَ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ، ظَنَّ الْجَاهِلُ أَنَّ أَدْبَارَ الْمَمَالِيكِ كَذَلِكَ.
وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْغَلَطِ عَلَى مَنْ هُوَ 2 دُونَ مَالِكٍ، فَكَيْفَ عَلَى مَالِكٍ مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَشَرَفِ مَذْهَبِهِ وَكَمَالِ صِيَانَتِهِ عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَأَحْكَامِهِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَبْلَغِ الْمَذَاهِبِ إِقَامَةً لِلْحُدُودِ، وَنَهْيًا عَنِ الْمُنْكَرَاتِ وَالْبِدَعِ 3 .
وَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي أَنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ إِتْيَانَ الْمَمَالِيكِ أَنَّهُ يَكْفُرُ، كَمَا أَنَّ هَذَا قَوْلُ جَمِيعِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اسْتِحْلَالَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِحْلَالِ وَطْءِ أَمَتِهِ الَّتِي هِيَ بِنْتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَوْ أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَوْ هِيَ مَوْطُوءَةُ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ، فَكَمَا أَنَّ مَمْلُوكَتَهُ إِذَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً بِرَضَاعٍ أَوْ صَهْرٍ لَا تُبَاحُ لَهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَمْلُوكُهُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ، فَإِنَّ هَذَا الْجِنْسَ مُحَرَّمٌ 4 مُطْلَقًا لَا يُبَاحُ بِعَقْدِ نِكَاحٍ وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ، بِخِلَافِ وَطْءِ الْإِنَاثِ.
وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَعُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ أَنَّ اللُّوطِيَّ 5 يُقْتَلُ رَجْمًا،
مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ، سَوَاءً تَلَوَّطَ بِمَمْلُوكِهِ أَوْ غَيْرِ مَمْلُوكِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَهُمُ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ.
كَمَا فِي السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «اقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ 1 . .
وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَنْصُوصَةِ عَنْهُ 2 .، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
فَمَنْ يَكُنْ مَذْهَبُهُ أَنَّ هَذَا أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا، كَيْفَ يُحْكَى عَنْهُ أَنَّهُ أَبَاحَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَمْ يُبِحْهُ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ 3 بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ.
وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَشْيَاءِ يَتَّفِقُونَ 4 . عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَيَتَنَازَعُونَ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى فَاعِلِهَا: هَلْ يُحَدُّ أَوْ يُعَزَّرُ بِمَا دُونَ الْحَدِّ كَمَا لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ الَّتِي هِيَ ابْنَتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَإِبَاحَةِ الْمَلَاهِي كَالشَّطْرَنْجِ وَالْغِنَاءِ ".
فَيُقَالُ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ 5 . أَنَّ الشَّطْرَنْجَ حَرَامٌ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - 1 . أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشَّطْرَنْجِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ 2 .؟ .
وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْهَا مَعْرُوفٌ عَنْ أَبِي مُوسَى وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَتَنَازَعُوا فِي أَيِّهِمَا أَشَدُّ 3 . تَحْرِيمًا: الشَّطْرَنْجُ أَوَالنَّرْدُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: الشَّطْرَنْجُ أَشَدُّ مِنَ النَّرْدِ.
وَهَذَا مَنْقُولٌ 4 . عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهَذَا لِأَنَّهَا تَشْغَلُ الْقَلْبَ بِالْفِكْرِ الَّذِي يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ أَكْثَرَ مِنَ النَّرْدِ.
وَقَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: النَّرْدُ أَشَدُّ، فَإِنَّ الْعِوَضَ يَدْخُلُ فِيهَا أَكْثَرَ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَمْ يَقُلْ 5 .: إِنَّ 6 . الشَّطْرَنْجَ حَلَالٌ، وَلَكِنْ قَالَ: النَّرْدُ حَرَامٌ وَالشَّطْرَنْجُ دُونَهَا، وَلَا يَتَبَيَّنُ لِي 7 . أَنَّهَا حَرَامٌ، فَتَوَقَّفَ فِي التَّحْرِيمِ.
وَلِأَصْحَابِهِ فِي تَحْرِيمِهَا قَوْلَانِ 8 .: فَإِنْ كَانَ التَّحْلِيلُ هُوَ الرَّاجِحُ فَلَا ضَرَرَ،
وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ هُوَ الرَّاجِحُ فَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَخْرُجُ الْحَقُّ عَنْهُمْ.
قَوْلُهُ: " وَإِبَاحَةِ الْغِنَاءِ ".
فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مِنَ الْكَذِبِ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَعَازِفِ 1 . الَّتِي هِيَ آلَاتُ اللَّهْوِ كَالْعُودِ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ أَتْلَفَهَا مُتْلِفٌ عِنْدَهُمْ لَمْ يَضْمَنْ صُورَةَ التَّالِفِ، بَلْ يَحْرُمُ عِنْدَهُمُ اتِّخَاذُهَا.
وَهَلْ يَضْمَنُ الْمَادَّةَ: عَلَى قَوْلَيْنِ 2 . مَشْهُورِينَ لَهُمْ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ أَوْعِيَةَ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ مَا يَقُومُ بِهِ الْمُحَرَّمُ 3 . مِنَ الْمَادَّةِ لَمْ يَضْمَنْهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، كَمَا أَتْلَفَ مُوسَى الْعِجْلَ الْمُتَّخَذَ مِنَ الذَّهَبِ 4 . .
وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنْ يَحْرِقَ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا عَلَيْهِ» 5
وَكَمَا أَمَرَهُمْ عَامَ خَيْبَرَ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي كَانَ 1 . فِيهَا لُحُومُ الْحُمُرِ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فِي إِرَاقَةِ 2 . مَا فِيهَا 3 .، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ.
وَكَمَا أَمَرَ لَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِشَقِّ الظُّرُوفِ وَكَسْرِ الدِّنَانِ 4 . .
وَكَمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - 5 . أَمَرَا بِتَحْرِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ.
وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - فِي
إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ قَالُوا: هَذِهِ عُقُوبَاتٌ مَالِيَّةٌ وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ، وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: لَمْ يَنْسَخْ ذَلِكَ 1 . شَيْءٌ، فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ 2 . إِلَّا بِنَصٍّ مُتَأَخِّرٍ عَنِ الْأَوَّلِ يُعَارِضُهُ، وَلَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ 3 .، بَلِ الْعُقُوبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ تُسْتَعْمَلُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، بَلْ هِيَ أَوْلَى بِالِاسْتِعْمَالِ، فَإِنَّ إِتْلَافَ الْأَبْدَانِ وَالْأَعْضَاءِ أَعْظَمُ مِنْ إِتْلَافِ الْأَمْوَالِ، فَإِذَا كَانَ جِنْسُ الْأَوَّلِ مَشْرُوعًا، فَجِنْسُ الثَّانِي بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَقَدْ تَنَازَعُوا أَيْضًا فِي الْقِصَاصِ فِي الْأَمْوَالِ: إِذَا خَرَقَ 4 . لَهُ ثَوْبًا هَلْ لَهُ أَنْ يَخْرِقَ 5 . نَظِيرَهُ مِنْ ثِيَابِهِ، فَيُتْلِفَ مَالَهُ كَمَا أَتْلَفَ مَالَهُ، عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ.
فَمَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ: لِأَنَّهُ فَسَادٌ 6 . وَمَنْ قَالَ: يَجُوزُ، قَالَ: إِتْلَافُ النَّفْسِ وَالطَّرَفِ أَشَدُّ فَسَادًا، وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى وَجْهِ الْعَدْلِ وَالِاقْتِصَاصِ، لِمَا فِيهِ مِنْ كَفِّ الْعُدْوَانِ، [وَشِفَاءِ نَفْسِ الْمَظْلُومِ] 7 . . وَمَنْ مَنَعَ قَالَ: النُّفُوسُ لَوْ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا الْقِصَاصُ لَمْ تُنْكَفِ النُّفُوسُ 8 . فَإِنَّ الْقَاتِلَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُؤَدِّي دِيَةً، أَقْدَمَ 9 . عَلَى الْقَتْلِ وَأَدَّى 10 . الدِّيَةِ.