مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
- الطبعة
- الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]
مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ تَقَدُّمًا ذَاتِيًّا - فَإِنَّ الْجُزْءَ قَبْلَ الْكُلِّ، وَالْمُفْرَدَ قَبْلَ الْمُرَكَّبِ -، وَأُرِيدَ بِذَلِكَ التَّرْكِيبُ فِي الْخَارِجِ، فَهَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ.
فَإِنَّ الصِّفَةَ تَابِعَةٌ لِلْمَوْصُوفِ، فَكَيْفَ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ؟
وَإِذَا قِيلَ: هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْحَيَوَانِيَّةِ وَالنَّاطِقِيَّةِ، أَوْ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ، فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوْهَرَيْنِ قَائِمَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ مَوْصُوفٍ جَوَاهِرُ كَثِيرَةٌ بِعَدَدِ صِفَاتِهِ، فَيَكُونُ فِي الْإِنْسَانِ جَوْهَرٌ هُوَ جِسْمٌ، وَجَوْهَرٌ هُوَ حَسَّاسٌ، وَجَوْهَرٌ هُوَ نَامٍ، وَجَوْهَرٌ هُوَ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ، وَجَوْهَرٌ هُوَ نَاطِقٌ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ، بَلِ الْإِنْسَانُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، فَيُقَالُ: جِسْمٌ حَسَّاسٌ 1 نَامٍ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ نَاطِقٌ.
وَإِنْ أُرِيدَ [بِهِ] 2 أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ عَرَضَيْنِ، فَالْإِنْسَانُ جَوْهَرٌ، وَالْجَوْهَرُ لَا يَتَرَكَّبُ مِنْ أَعْرَاضٍ لَاحِقَةٍ لَهُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ سَابِقَةً لَهُ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةَ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُونَ فِي جَعْلِ الْأُمُورِ الذِّهْنِيَّةِ الْمَعْقُولَةِ فِي النَّفْسِ، فَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ أُمُورًا مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ، فَأَصْحَابُ فِيثَاغُورْسَ الْقَائِلُونَ بِالْأَعْدَادِ الْمُجَرَّدَةِ فِي الْخَارِجِ مِنْ هُنَا كَانَ غَلَطُهُمْ 3 ،
وَأَصْحَابُ أَفْلَاطُونَ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الْمُثُلَ الْأَفْلَاطُونِيَّةَ مِنْ \ هُنَا كَانَ غَلَطُهُمْ 1 ، وَأَصْحَابُ صَاحِبِهِ أَرِسْطُو الَّذِينَ أَثْبَتُوا جَوَاهِرَ مَعْقُولَةً مُجَرَّدَةً فِي الْخَارِجِ مُقَارَنَةً لِلْجَوَاهِرِ الْمَوْجُودَةِ الْمَحْسُوسَةِ، كَالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ وَالْمَاهِيَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ، مِنْ هُنَا كَانَ غَلَطُهُمْ 2 . وَهُمْ إِذَا أَثْبَتُوا هَذِهِ الْمَاهِيَّةَ، قِيلَ لَهُمْ: أَهِيَ فِي الذِّهْنِ أَمْ فِي الْخَارِجِ؟ فَفِي أَيِّهِمَا أَثْبَتُوهَا ظَهَرَ غَلَطُهُمْ، وَإِذَا قَالُوا: نُثْبِتُهَا مُطْلَقَةً، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ
عَنْ هَذَا، وَهَذَا أَوْ أَعَمَّ 1 مِنْ هَذَا وَهَذَا، قِيلَ: عَدَمُ نَظَرِ النَّاظِرِ لَا يُغَيِّرُ الْحَقَائِقَ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ: إِمَّا فِي الذِّهْنِ، وَإِمَّا فِي الْخَارِجِ.
وَمَا كَانَ أَعَمَّ مِنْهَا فَهُوَ أَيْضًا فِي الذِّهْنِ ; فَإِنَّكَ إِذَا قَدَّرْتَ مَاهِيَّةً لَا فِي الذِّهْنِ، وَلَا فِي الْخَارِجِ لَمْ تَكُنْ مُقَدِّرًا 2 إِلَّا فِي الذِّهْنِ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ فِي الذِّهْنِ، لَا أَنَّ الْمَاهِيَّةَ الَّتِي قِيلَ: عَنْهَا لَيْسَتْ فِي الذِّهْنِ - هِيَ فِي الذِّهْنِ، بَلِ الْمَاهِيَّةُ الَّتِي تَصَوَّرَهَا الْإِنْسَانُ فِي ذِهْنِهِ يُمْكِنُهُ تَقْدِيرُهَا لَيْسَتْ فِي ذِهْنِهِ، مَعَ أَنَّ تَقْدِيرَهَا لَيْسَتْ فِي ذِهْنِهِ هُوَ فِي ذِهْنِهِ، وَإِنْ كَانَ تَقْدِيرًا مُمْتَنِعًا.
بَلْ يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ الْمُقَيَّدَةِ بِكَوْنِهَا فِي الذِّهْنِ، وَبَيْنَ الْمَاهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي لَا تَتَقَدَّرُ بِذِهْنٍ وَلَا خَارِجٍ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَاهِيَّةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَكُونُ أَيْضًا إِلَّا فِي الذِّهْنِ، وَإِنْ أَعْرَضَ الذِّهْنُ عَنْ كَوْنِهَا فِي الذِّهْنِ.
فَكَوْنُهَا فِي الذِّهْنِ شَيْءٌ، وَالْعِلْمُ بِكَوْنِهَا فِي الذِّهْنِ شَيْءٌ آخَرُ.
وَهَؤُلَاءِ يَتَصَوَّرُونَ 3 أَشْيَاءَ وَيُقَدِّرُونَهَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ، لَكِنْ حَالَ مَا يَتَصَوَّرُ الْإِنْسَانُ [شَيْئًا] 4 فِي ذِهْنِهِ وَيُقَدِّرُهُ، قَدْ لَا يَشْعُرُ بِكَوْنِهِ فِي الذِّهْنِ، كَمَنْ رَأَى الشَّيْءَ فِي الْخَارِجِ، فَاشْتَغَلَ بِالْمَرْئِيِّ عَنْ كَوْنِهِ رَائِيًا لَهُ.
وَهَذَا يُشْبِهُ مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُهُمُ الْفَنَاءَ، الَّذِي يَفْنَى بِمَذْكُورِهِ عَنْ ذِكْرِهِ،
وَبِمَحْبُوبِهِ عَنْ مَحَبَّتِهِ، وَبِمَعْبُودِهِ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَمَا يُقَدِّرُ الشَّيْءَ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، كَمَا إِذَا قَدَّرَ أَنَّ الْجَبَلَ مِنْ يَاقُوتٍ، وَالْبَحْرَ مِنْ زِئْبَقٍ، فَتَقْدِيرُ الْأُمُورِ عَلَى خِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ هُوَ تَقْدِيرُ اعْتِقَادَاتٍ بَاطِلَةٍ.
وَالِاعْتِقَادَاتُ الْبَاطِلَةُ لَا 1 تَكُونُ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ، فَمَنْ قَدَّرَ مَاهِيَّةً لَا فِي الذِّهْنِ وَلَا فِي الْخَارِجِ، فَهُوَ مِثْلُ مَنْ قَدَّرَ مَوْجُودًا لَا وَاجِبًا وَلَا مُمْكِنًا، وَلَا قَدِيمًا وَلَا مُحْدَثًا، وَلَا قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَلَا قَائِمًا بِغَيْرِهِ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ فِي الذِّهْنِ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ لَمَّا بَيَّنَّا فَسَادَ احْتِجَاجِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ بِالتَّقْدِيرَاتِ الذِّهْنِيَّةِ عَلَى الْإِمْكَانَاتِ الْخَارِجِيَّةِ، كَمَا يَقُولُهُ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّا يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ: الْمَوْجُودُ إِمَّا دَاخِلَ الْعَالَمِ، وَإِمَّا خَارِجَ الْعَالَمِ، وَإِمَّا لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَكُلٌّ 2 مَوْجُودٍ إِمَّا مُبَايِنٌ لِغَيْرِهِ وَإِمَّا مُحَايِثٌ لَهُ، وَإِمَّا لَا مُبَايِنٌ وَمُحَايِثٌ ; فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِمْكَانِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قُلْنَا: الْمَوْجُودُ إِمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا قَائِمٌ بِالْمُتَحَيِّزِ، وَإِمَّا لَا مُتَحَيِّزٌ، وَلَا قَائِمٌ بِالْمُتَحَيِّزِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِمْكَانِ الْقِسْمِ [الثَّالِثِ] 3 وَهَذَا غَلَطٌ ; فَإِنَّ هَذَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ: الْمَوْجُودُ إِمَّا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَإِمَّا قَائِمٌ بِغَيْرِهِ، وَإِمَّا لَا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلَى إِمْكَانِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، فَإِنَّ هَذَا غَلَطٌ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: إِمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا مُحْدَثٌ، وَإِمَّا لَا قَدِيمٌ وَلَا مُحْدَثٌ، وَإِمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ، وَإِمَّا لَا وَاجِبٌ وَلَا مُمْكِنٌ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ هَذَا.
وَدَخَلَ الْغَلَطُ عَلَى هَؤُلَاءِ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ مُجَرَّدَ تَقْدِيرِ الذِّهْنِ وَفَرْضِهِ يَقْتَضِي إِمْكَانُ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الذِّهْنُ يَفْرِضُ أُمُورًا مُمْتَنِعَةً، لَا يَجُوزُ وُجُودُهَا فِي الْخَارِجِ، وَلَا تَكُونُ تِلْكَ التَّقْدِيرَاتُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا ذِكْرُ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْحَالَ يَرْجِعُ إِلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ النَّاسُ: هَلْ يُمْكِنُ [كُلُّ] 1 أَحَدٍ اجْتِهَادٌ يَعْرِفُ بِهِ الْحَقَّ؟ أَمِ 2 النَّاسُ يَنْقَسِمُونَ إِلَى قَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ وَغَيْرِ قَادِرٍ؟ .
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: الْمُجْتَهِدُ الْعَاجِزُ عَنْ مَعْرِفَةِ الصَّوَابِ: هَلْ يُعَاقِبُهُ اللَّهُ أَمْ لَا يُعَاقِبُ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ وَعَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ بَعْضِ الصَّوَابِ؟
وَإِذَا عُرِفَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ، فَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[جَمِيعُ] 3 مَا يُطْعَنُ بِهِ فِيهِمْ أَكْثَرُهُ كَذِبٌ، وَالصِّدْقُ مِنْهُ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَنْبًا أَوْ خَطَأً، وَالْخَطَأُ مَغْفُورٌ، وَالذَّنْبُ لَهُ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدٌ 4 أَنْ يَقْطَعَ بِأَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَعَلَ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يُوجِبُ النَّارَ
لَا مَحَالَةَ.
وَكَثِيرٌ مِمَّا يُطْعَنُ بِهِ عَلَى أَحَدِهِمْ يَكُونُ مِنْ مَحَاسِنِهِ وَفَضَائِلِهِ، فَهَذَا (1) جَوَابٌ مُجْمَلٌ (2) .
ثُمَّ نَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَى مَا ذَكَرَتْهُ الرَّافِضَةُ مِنَ الْمَطَاعِنِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، كَمَا ذَكَرَهُ أَفْضَلُ الرَّافِضَةِ فِي زَمَنِهِ (3) صَاحِبُ هَذَا الْكِتَابِ، لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْكَلْبِيَّ صَنَّفَ كِتَابًا فِي " الْمَثَالِبِ " (4) .
مناقشة ابن المطهر على كلامه عن مثالب أبي بكر في زعمه
قَالَ الرَّافِضِيُّ 5 " وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْهَا 6 أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَنَحْنُ 7 نَذْكُرُ مِنْهَا شَيْئًا يَسِيرًا.
مِنْهَا مَا رَوَوْهُ 8 عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَصِمُ 9 بِالْوَحْيِ، وَإِنَّ لِي شَيْطَانًا يَعْتَرِينِي، فَإِنِ اسْتَقَمْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ زِغْتُ فَقَوِّمُونِي» ، وَكَيْفَ يَجُوزُ 10 إِمَامَةُ مَنْ يَسْتَعِينُ بِالرَّعِيَّةِ عَلَى تَقْوِيمِهِ، مَعَ أَنَّ الرَّعِيَّةَ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ؟ ".1234
وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَكْبَرِ فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَدَلِّهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ [يُرِيدُ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، فَلَمْ يَكُنْ] 1 طَالِبَ رِيَاسَةٍ، وَلَا كَانَ ظَالِمًا، وَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِ اسْتَقَمْتُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَأَعِينُونِي عَلَيْهَا، وَإِنْ زِغْتُ عَنْهَا فَقَوِّمُونِي، كَمَا قَالَ أَيْضًا: [أَيُّهَا النَّاسُ] 2 أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ.
وَالشَّيْطَانُ الَّذِي يَعْتَرِيهِ يَعْتَرِي جَمِيعَ بَنِي 3 آدَمَ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا [وَقَدْ] 4 وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ قَرِينَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَقَرِينَهُ مِنَ الْجِنِّ.
وَالشَّيْطَانُ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ 5 مَجْرَى الدَّمِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: (مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ قَرِينَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَقَرِينَهُ مِنَ الْجِنِّ " قِيلَ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " وَأَنَا إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ " 6 .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ قَالَ: «لَمَّا مَرَّ بِهِ بَعْضُ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ مَعَ
صَفِيَّةَ لَيْلًا، قَالَ: " عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ 1 [بِنْتُ حُيَيٍّ] 2 " ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» " 3 .
وَمَقْصُودُ الصِّدِّيقِ بِذَلِكَ: إِنِّي لَسْتُ مَعْصُومًا كَالرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا حَقٌّ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: كَيْفَ تَجُوزُ إِمَامَةُ مَنْ يَسْتَعِينُ عَلَى تَقْوِيمِهِ بِالرَّعِيَّةِ؟ كَلَامُ جَاهِلٍ بِحَقِيقَةِ الْإِمَامَةِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ هُوَ رَبًّا لِرَعِيَّتِهِ 4 حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُمْ، وَلَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ.
وَإِنَّمَا هُوَ وَالرَّعِيَّةُ شُرَكَاءُ يَتَعَاوَنُونَ هُمْ وَهُوَ عَلَى مَصْلَحَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إِعَانَتِهِمْ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إِعَانَتِهِ، كَأَمِيرِ الْقَافِلَةِ الَّذِي يَسِيرُ بِهِمْ فِي الطَّرِيقِ: إِنْ سَلَكَ بِهِمُ الطَّرِيقَ اتَّبَعُوهُ، وَإِنْ أَخْطَأَ عَنِ الطَّرِيقِ 5 نَبَّهُوهُ وَأَرْشَدُوهُ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ صَائِلٌ يَصُولُ عَلَيْهِمْ تَعَاوَنَ هُوَ وَهُمْ عَلَى دَفْعِهِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ أَكْمَلَهُمْ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَرَحْمَةً كَانَ ذَلِكَ أَصْلَحَ لِأَحْوَالِهِمْ.
وَكَذَلِكَ إِمَامُ الصَّلَاةِ إِنِ اسْتَقَامَ صَلُّوا بِصَلَاتِهِ، وَإِنْ سَهَا سَبَّحُوا بِهِ فَقَوَّمُوهُ إِذَا زَاغَ.
وَكَذَلِكَ دَلِيلُ الْحَاجِّ إِنْ مَشَى بِهِمْ فِي الطَّرِيقِ مَشَوْا خَلْفَهُ، وَإِنْ غَلِطَ قَوَّمُوهُ.
وَالنَّاسُ بَعْدَ الرَّسُولِ لَا يَتَعَلَّمُونَ الدِّينَ مِنَ الْإِمَامِ 1 ، بَلِ الْأَئِمَّةُ وَالْأُمَّةُ كُلُّهُمْ يَتَعَلَّمُونَ الدِّينَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ عِنْدَ التَّنَازُعِ بِرَدِّ الْأَمْرِ إِلَى الْأَئِمَّةِ، بَلْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الْآيَةَ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 59] ، (2 فَأَمَرَ بِالرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ 2) 2 لَا إِلَى الْأَئِمَّةِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِطَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ تَبَعًا لِطَاعَةِ الرَّسُولِ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» " 3 ، وَقَالَ: " «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» " 4 ، وَقَالَ: " «مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِيعُوهُ» " 5 .
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: كَيْفَ تَجُوزُ إِمَامَةُ مَنْ يَسْتَعِينُ بِالرَّعِيَّةِ عَلَى تَقْوِيمِهِ، مَعَ أَنَّ الرَّعِيَّةَ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ؟
وَارِدٌ فِي كُلِّ مُتَعَاوِنَيْنِ وَمُتَشَارِكَيْنِ يَحْتَاجُ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ، حَتَّى الشُّرَكَاءِ فِي التِّجَارَاتِ وَالصِّنَاعَاتِ، وَإِمَامُ الصَّلَاةِ هُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، فَإِنَّ الْمَأْمُومِينَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَحْمِلُ عَنْهُمُ السَّهْوَ وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ يَسْتَعِينُ بِهِمْ إِذَا سَهَا فَيُنَبِّهُونَهُ عَلَى سَهْوِهِ وَيُقَوِّمُونَهُ، وَلَوْ زَاغَ فِي الصَّلَاةِ 1 فَخَرَجَ عَنِ الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يَتَّبِعُوهُ فِيهَا، وَنَظَائِرُهُ مُتَعَدِّدَةٌ.
ثُمَّ يُقَالُ: اسْتِعَانَةُ عَلِيٍّ بِرَعِيَّتِهِ وَحَاجَتُهُ إِلَيْهِمْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنِ اسْتِعَانَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ تَقْوِيمُ أَبِي بَكْرٍ لِرَعِيَّتِهِ وَطَاعَتُهُمْ لَهُ أَعْظَمَ مِنْ تَقْوِيمِ عَلِيٍّ لِرَعِيَّتِهِ وَطَاعَتِهِمْ لَهُ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانُوا إِذَا نَازَعُوهُ أَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَيْهِ، كَمَا أَقَامَ الْحُجَّةَ عَلَى عُمَرَ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَانُوا إِذَا أَمَرَهُمْ أَطَاعُوهُ.
وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَهُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَأَنَّهُ 2 اتَّفَقَ رَأْيُهُ وَرَأْيُ عُمَرَ عَلَى أَنْ لَا يُبَعْنَ، ثُمَّ رَأَى أَنْ يُبَعْنَ، فَقَالَ لَهُ قَاضِيهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: رَأْيُكَ مَعَ عُمَرَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ فِي الْفُرْقَةِ.
وَكَانَ يَقُولُ: اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ ; فَإِنِّي أَكْرَهُ الْخِلَافَ، حَتَّى يَكُونَ النَّاسُ جَمَاعَةً أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي.
وَكَانَتْ رَعِيَّتُهُ كَثِيرَةَ الْمَعْصِيَةِ لَهُ، وَكَانُوا يُشِيرُونَ عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ الَّذِي
يُخَالِفُهُمْ فِيهِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّ الصَّوَابَ كَانَ مَعَهُمْ، كَمَا أَشَارَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ بِأُمُورٍ، مِثْلِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ دُونَ الْمُبَايَعَةِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَنْ لَا يُقَاتِلَ بِصِفِّينَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْزِلَ مُعَاوِيَةَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّ السِّيَاسَةَ انْتَظَمَتْ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ مَا لَمْ تَنْتَظِمْ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَإِنْ كَانَ هَذَا لِكَمَالِ الْمُتَوَلِّي وَكَمَالِ الرَّعِيَّةِ، كَانُوا هُمْ وَرَعِيَّتُهُمْ أَفْضَلَ.
وَإِنْ كَانَ لِكَمَالِ الْمُتَوَلِّي وَحْدَهُ، فَهُوَ أَبْلَغُ فِي فَضْلِهِمْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِفَرْطِ نَقْصِ رَعِيَّةِ عَلِيٍّ، كَانَ رَعِيَّةُ عَلِيٍّ أَنْقَصَ مِنْ رَعِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ.
وَرَعِيَّتُهُ هُمُ الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَهُ، وَأَقَرُّوا بِإِمَامَتِهِ.
وَرَعِيَّةُ الثَّلَاثَةِ كَانُوا مُقِرِّينَ بِإِمَامَتِهِمْ.
فَإِذَا كَانَ الْمُقِرُّونَ بِإِمَامَةِ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلَ مِنَ الْمُقِرِّينَ بِإِمَامَةِ عَلِيٍّ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلَ مِنْهُ.
وَأَيْضًا فَقَدِ انْتَظَمَتِ السِّيَاسَةُ لِمُعَاوِيَةَ 1 مَا لَمْ تَنْتَظِمْ لِعَلِيٍّ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ رَعِيَّةُ مُعَاوِيَةَ خَيْرًا مِنْ رَعِيَّةِ عَلِيٍّ، وَرَعِيَّةُ مُعَاوِيَةَ شِيعَةُ عُثْمَانَ، وَفِيهِمُ النَّوَاصِبُ الْمُبْغِضُونَ لِعَلِيٍّ، فَتَكُونُ شِيعَةُ عُثْمَانَ وَالنَّوَاصِبُ أَفْضَلَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ، فَيَلْزَمُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّلَاثَةُ أَفْضَلَ مِنْ عَلِيٍّ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ شِيعَةُ عُثْمَانَ وَالنَّوَاصِبُ أَفْضَلَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَالرَّوَافِضِ.
وَأَيُّهُمَا كَانَ لَزِمَ فَسَادُ مَذْهَبِ الرَّافِضَةِ ; فَإِنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ عَلِيًّا أَكْمَلُ
مِنَ الثَّلَاثَةِ، وَأَنَّ شِيعَتَهُ الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَهُ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِينَ بَايَعُوا الثَّلَاثَةَ، فَضْلًا عَنْ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ.
وَالْمَعْلُومُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ أَنَّ الْأَمْرَ انْتَظَمَ لِلثَّلَاثَةِ وَلِمُعَاوِيَةَ مَا لَمْ يَنْتَظِمْ لِعَلِيٍّ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْإِمَامُ الْكَامِلُ وَالرَّعِيَّةُ الْكَامِلَةُ - عَلَى رَأْيِهِمْ - أَعْظَمَ اضْطِرَابًا وَأَقَلَّ انْتِظَامًا مِنَ الْإِمَامِ النَّاقِصِ وَالرَّعِيَّةِ النَّاقِصَةِ؟ بَلْ مِنَ الْكَافِرَةِ وَالْفَاسِقَةِ عَلَى رَأْيِهِمْ؟
وَلَمْ يَكُنْ فِي أَصْحَابِ عَلِيٍّ مِنَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْكَرَمِ، إِلَّا مَا هُوَ دُونَ مَا فِي رَعِيَّةِ الثَّلَاثَةِ.
فَلَمْ يَكُونُوا أَصْلَحَ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الدِّينِ.
وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ لِلشِّيعَةِ إِمَامٌ ذُو سُلْطَانٍ مَعْصُومٌ بِزَعْمِهِمْ أَعْظَمَ مِنْ عَلِيٍّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَقِيمُوا مَعَهُ كَانُوا أَنْ لَا يَسْتَقِيمُوا مَعَ مَنْ هُوَ دُونَهُ أَوْلَى وَأَحْرَى، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ شَرٌّ وَأَنْقَصُ 1 مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَهُمْ يَقُولُونَ: الْمَعْصُومُ إِنَّمَا وَجَبَتْ عِصْمَتُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ بِالْمُكَلَّفِينَ وَالْمَصْلَحَةِ لَهُمْ.
فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ مَصْلَحَةَ غَيْرِ الشِّيعَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ خَيْرٌ مِنْ مَصْلَحَةِ الشِّيعَةِ، وَاللُّطْفَ لَهُمْ أَعْظَمُ مِنَ اللُّطْفِ لِلشِّيعَةِ، عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ 2 مِنْ إِثْبَاتِ الْعِصْمَةِ بَاطِلٌ.
وَتَبَيَّنَ حِينَئِذٍ حَاجَةُ الْأَئِمَّةِ إِلَى الْأُمَّةِ، وَأَنَّ الصِّدِّيقَ هُوَ الَّذِي قَالَ الْحَقَّ وَأَقَامَ الْعَدْلَ أَكْثَرَ 3 مِنْ غَيْرِهِ.
كلام الرافضي على أبي بكر رضي الله عنه والرد عليه
فَصْلٌ 1 قَالَ الرَّافِضِيُّ: 2 " وَقَالَ: أَقِيلُونِي فَلَسْتُ 3 بِخَيْرِكُمْ، وَعَلِيٌّ فِيكُمْ 4 . فَإِنْ كَانَتْ إِمَامَتُهُ حَقًّا كَانَتِ اسْتِقَالَتُهُ مِنْهَا مَعْصِيَةً، وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً لَزِمَ الطَّعْنُ ". وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَلَا لَهُ إِسْنَادٌ مَعْلُومٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: " وَعَلِيٌّ فِيكُمْ "، بَلِ الَّذِي ثَبَتَ 5 عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ: بَايِعُوا أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: بَلْ أَنْتَ سَيِّدُنَا، وَخَيْرُنَا 6 ، وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ " عُمَرُ: كُنْتُ 7 وَاللَّهِ لَأَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي، لَا يُقَرِّبُنِي ذَلِكَ إِلَى إِثْمٍ، أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ تَأَمُّرِي 8 عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ 9 . ثُمَّ لَوْ قَالَ: " وَعَلِيٌّ فِيكُمْ " لَاسْتَخْلَفَهُ مَكَانَ عُمَرَ، فَإِنَّ أَمْرَهُ كَانَ مُطَاعًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنْ كَانَتْ إِمَامَتُهُ حَقًّا كَانَتِ اسْتِقَالَتُهُ مِنْهَا مَعْصِيَةً ".
فَيُقَالُ: إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ، فَإِنَّ كَوْنَهَا حَقًّا إِمَّا بِمَعْنَى كَوْنِهَا جَائِزَةً، وَالْجَائِزُ يَجُوزُ تَرْكُهُ، وَإِمَّا بِمَعْنَى كَوْنِهَا وَاجِبَةً إِذَا لَمْ يُوَلُّوا غَيْرَهُ، وَلَمْ يُقِيلُوهُ.
وَأَمَّا إِذَا أَقَالُوهُ وَوَلَّوْا غَيْرَهُ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ.
وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَعْقِدُ بَيْعًا أَوْ إِجَارَةً، وَيَكُونُ الْعَقْدُ حَقًّا، ثُمَّ يَطْلُبُ الْإِقَالَةَ وَهُوَ لِتَوَاضُعِهِ وَثِقَلِ الْحِمْلِ عَلَيْهِ قَدْ يَطْلُبُ الْإِقَالَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُ، وَتَوَاضُعُ الْإِنْسَانِ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ.
فَصْلٌ 1
قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : وَقَالَ عُمَرُ: كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وَقَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ 3 شَرَّهَا، فَمَنْ عَادَ إِلَى مِثْلِهَا فَاقْتُلُوهُ، وَلَوْ كَانَتْ إِمَامَتُهُ صَحِيحَةً لَمْ يَسْتَحِقَّ فَاعِلُهَا الْقَتْلَ، فَيَلْزَمُ تَطَرُّقُ الطَّعْنِ إِلَى عُمَرَ.
وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً لَزِمَ الطَّعْنُ عَلَيْهِمَا مَعًا " 4 .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ سَيَأْتِي.
قَالَ فِيهِ: " فَلَا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ: " إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً فَتَمَّتْ.
أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ " 5 وَمَعْنَاهُ أَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ بُودِرَ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَرَيُّثٍ وَلَا انْتِظَارٍ ; لِكَوْنِهِ
كَانَ مُتَعَيِّنًا لِهَذَا الْأَمْرِ.
كَمَا قَالَ عُمَرُ: " لَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ ".
وَكَانَ ظُهُورُ فَضِيلَةِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مَنْ سِوَاهُ، وَتَقْدِيمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَمْرًا ظَاهِرًا مَعْلُومًا.
فَكَانَتْ دَلَالَةُ النُّصُوصِ عَلَى تَعْيِينِهِ تُغْنِي عَنْ مُشَاوَرَةٍ وَانْتِظَارٍ وَتَرَيُّثٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ مُبَايَعَتُهُ إِلَّا بَعْدَ الْمُشَاوَرَةِ وَالِانْتِظَارِ وَالتَّرَيُّثِ، فَمَنْ بَايَعَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ عَنْ غَيْرِ انْتِظَارٍ وَتَشَاوُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَهَذَا قَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا فِي خُطْبَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحِ، الَّتِي خَطَبَ بِهَا مَرْجِعَهُ مِنَ الْحَجِّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ.
وَهَذِهِ الْخُطْبَةُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ 1 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ 2 : " كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَمَا 3 أَنَا فِي مَنْزِلِهِ 4 بِمِنًى، وَهُوَ عِنْدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، إِذْ رَجَعَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ 5 ،
فَقَالَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ فِي فُلَانٍ يَقُولُ: لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ 1 بَايَعْتُ فُلَانًا، فَوَاللَّهِ، مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا فَلْتَةً فَتَمَّتْ؟ فَغَضِبَ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ 2 : إِنِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ، فَقَالَ 3 عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَفْعَلْ ; فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، وَإِنَّهُمْ 4 هُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ فِي النَّاسِ، وَأَنَا 5 أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وَأَنْ لَا يَعُوهَا، وَأَنْ لَا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدِمَ الْمَدِينَةَ ; فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ فَتَقُولَ مَقَالَتَكَ 6 مُتَمَكِّنًا 7 ، فَيَعِي أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ وَيَضَعُونَهَا 8 عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَقَالَ 9 عُمَرُ: أَمَا وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فِي عَقِبِ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَجَّلْتُ بِالرَّوَاحِ 10 حِينَ زَاغَتِ
الشَّمْسُ، حَتَّى أَجِدَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ جَالِسًا إِلَى رُكْنِ الْمِنْبَرِ، فَجَلَسْتُ حَوْلَهُ تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ، فَلَمْ أَنْشِبْ أَنْ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ 1 ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مُقْبِلًا قُلْتُ: لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ [بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ] 2 : لَيَقُولَنَّ الْعَشِيَّةَ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ اسْتُخْلِفَ.
فَأَنْكَرَ عَلَيَّ، وَقَالَ: مَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ؟ فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ 3 قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا، لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي، فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَعْقِلَهَا فَلَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا 4 أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ 5 الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: [وَاللَّهِ] 6 مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى [إِذَا أُحْصِنَ] 7 مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ، ثُمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ
اللَّهِ: [أَنْ] 1 لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ 2 ، أَلَا إِنَّ 3 رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَّارِي عِيسَى 4 ابْنَ مَرْيَمَ، وَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» " ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ 5 يَقُولُ: وَاللَّهِ، لَوْ مَاتَ عُمَرُ لَبَايَعْتُ 6 فُلَانًا، فَلَا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً 7 فَتَمَّتْ 8 ، أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ فِيكُمْ 9 مَنْ تُقْطَعُ الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ
أَبِي بَكْرٍ 1 ، مَنْ بَايَعَ رَجُلًا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا 2 ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا 3 حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ 4 الْأَنْصَارَ خَالَفُونَا وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَخَالَفَ عَنَّا عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا 5 ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ.
فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْهُمْ لَقِيَنَا مِنْهُمْ رَجُلَانِ صَالِحَانِ، فَذَكَرَا مَا تَمَالَأَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ، فَقَالَا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقُلْنَا: نُرِيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ 6 مِنَ الْأَنْصَارِ.
فَقَالَا: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ [لَا] 7 تَقْرَبُوهُمُ.
اقْضُوا أَمْرَكُمْ.
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، لَنَأْتِيَنَّهُمْ.
فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ 8 بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ.
فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ.
فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ قَالُوا: يُوَعَكُ 9 .
فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ 1 الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ 2 مِنْ قَوْمِكُمْ، [فَإِذَا هُمْ] 3 يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا 4 مِنْ أَصْلِنَا وَأَنْ يَحْضُنُونَا 5 مِنَ الْأَمْرِ، فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ 6 أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَكُنْتُ زَوَّرْتُ 7 مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِكَ 8 . فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّي وَأَوْقَرَ.
وَاللَّهِ، مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي إِلَّا قَالَ فِي بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا، حَتَّى سَكَتَ.
فَقَالَ: مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَلَنْ يُعْرَفَ 9 هَذَا الْأَمْرُ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ
نَسَبًا وَدَارًا، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ.
فَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا.
فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ غَيْرَهَا، كَانَ وَاللَّهِ، أَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي لَا يُقَرِّبُنِي ذَلِكَ مِنْ إِثْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُسَوِّلَ لِي 1 نَفْسِي عِنْدَ الْمَوْتِ شَيْئًا لَا أَجِدُهُ 2 الْآنَ.
فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ 3 ، مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ حَتَّى فَرِقْتُ مِنْ الِاخْتِلَافِ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ.
فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعْتُهُ 4 الْأَنْصَارُ، وَنَزَوْنَا 5 عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلٌ [مِنْهُمْ] 6 : قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ.
فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ.
قَالَ عُمَرُ: وَإِنَّا وَاللَّهِ
مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ 1 عَلَى مَا لَا نَرْضَى 2 ، وَإِمَّا أَنْ نُخَالِفَهُمْ 3 فَيَكُونَ فَسَادٌ، فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَلَى غَيْرِ 4 مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُتَابِعُ 5 هُوَ وَلَا الَّذِي 6 بَايَعَهُ تَغِرَّةَ أَنْ يُقْتَلَا " 7 قَالَ مَالِكٌ 8 : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَقِيَاهُمَا 9 . عُوَيْمِرُ 10 (ط.
الْمَعَارِفِ 1/327. بْنُ سَاعِدَةَ وَمَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ - وَهُمَا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا 11 - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ
الَّذِي قَالَ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ: الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ 1 عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ، وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ 2 فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ، مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ 3 : " وَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي قَلْبِي 4 إِلَّا ذَاكَ - وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَلَيُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] 5 فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[فَقَبَّلَهُ] 6 فَقَالَ 7 : بِأَبِي وَأُمِّي 8 ، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ.
فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ، فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ 9 : أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا 10 فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى 11 : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾
[سُورَةُ الزُّمَرِ: 30] ، وَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 144] قَالَ: فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ، وَاجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ، مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي، خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ، فَقَالَ فِي كَلَامِهِ: نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ، فَقَالَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: لَا وَاللَّهِ، لَا نَفْعَلُ مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا.
وَلَكِنَّا الْأُمَرَاءُ، وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ.
هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا، وَأَعْرَبُهُمْ 1 أَحْسَابًا، فَبَايِعُوا عُمَرَ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ.
فَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا، وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ.
فَقَالَ قَائِلٌ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ 2 . فَقَالَ عُمَرُ: قَتَلَهُ اللَّهُ 3 ".
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَتْ 4 : " مَا كَانَ 5 مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهَا، لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ، وَإِنَّ فِيهِمْ
لَنِفَاقًا، فَرَدَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَى، وَعَرَّفَهُمُ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ ". وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ 1 : أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الْآخِرَةَ 2 حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَذَلِكَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَتَشَّهَدَ وَأَبُو بَكْرٍ صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، قَالَ: كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى يَدْبُرَنَا، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ ; فَإِنْ يَكُنْ 3 مُحَمَّدٌ 4 قَدْ مَاتَ فَإِنَّ اللَّهَ 5 قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ 6 نُورًا تَهْتَدُونَ بِهِ، بِهِ هَدَى اللَّهُ مُحَمَّدًا 7 ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَانِيَ اثْنَيْنِ، وَإِنَّهُ 8 أَوْلَى الْمُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ، وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ 9 الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ ". وَعَنْهُ 10 : " قَالَ: سَمِعْتُ 11 عُمَرَ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ: اصْعَدِ الْمِنْبَرَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى صَعِدَ [الْمِنْبَرَ] 12 فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَامَّةً ".
وَفِي طَرِيقٍ (1) أُخْرَى لِهَذِهِ الْخُطْبَةِ (2) : " أَمَّا بَعْدُ فَاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ الَّذِي عِنْدَهُ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ، وَهَذَا الْكِتَابُ الَّذِي (3) هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ (4) ، فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا، لِمَا هَدَى اللَّهُ (5) بِهِ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (6) ".
كلام الرافضي على أبي بكر رضي الله عنه عند الاحتضار والرد عليه
(فَصْلٌ) 7 قَالَ الرَّافِضِيُّ 8 : " وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ مَوْتِهِ: لَيْتَنِي كُنْتُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ لِلْأَنْصَارِ فِي هَذَا الْأَمْرِ حَقٌّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي شَكٍّ مِنْ إِمَامَتِهِ وَلَمْ تَقَعْ صَوَابًا ". وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ 9 عَلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ إِسْنَادًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنِ احْتَجَّ فِي أَيِّ مَسْأَلَةٍ كَانَتْ بِشَيْءٍ مِنَ النَّقْلِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ إِسْنَادًا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَطْعَنُ فِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ بِمُجَرَّدِ حِكَايَةٍ لَا إِسْنَادَ لَهَا؟ ثُمَّ يُقَالُ: هَذَا يَقْدَحُ فِيمَا تَدَّعُونَهُ 10 مِنَ النَّصِّ عَلَى عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ123456
نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ لِلْأَنْصَارِ فِيهِ حَقٌّ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ.
(فَصْلٌ) 1 قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " وَقَالَ عِنْدَ احْتِضَارِهِ: لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي! يَا لَيْتَنِي 3 كُنْتُ تِبْنَةً فِي لَبِنَةٍ، مَعَ أَنَّهُمْ [قَدْ] 4 نَقَلُوا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَا مِنْ مُحْتَضِرٍ يَحْتَضِرُ إِلَّا وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ» 5 ". وَالْجَوَابُ: أَنَّ تَكَلُّمَهُ بِهَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، بَلْ هُوَ بَاطِلٌ بِلَا رَيْبٍ، بَلِ الثَّابِتُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا احْتُضِرَ، وَتَمَثَّلَتْ عِنْدَهُ عَائِشَةُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ قَوْلِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [سُورَةُ ق: 19] .
وَلَكِنْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي صِحَّتِهِ: لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي! وَنَحْوُ هَذَا قَالَهُ خَوْفًا - إِنْ صَحَّ النَّقْلُ عَنْهُ.
وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ مَنْقُولٌ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوهُ خَوْفًا وَهَيْبَةً مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أُحَاسَبَ وَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ أَنْ أَصِيرَ تُرَابًا، لَاخْتَرْتُ أَنْ أَصِيرَ تُرَابًا.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ، وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي " حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ " 1 قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ 2 ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى.
قَالَ 3 : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " لَوْ وَقَفْتُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَقِيلَ لِي: اخْتَرْ فِي أَيِّهِمَا تَكُونُ، أَوْ تَكُونُ رَمَادًا، لَاخْتَرْتُ أَنْ أَكُونَ رَمَادًا " 4 .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ 5 : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَكُونَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَكِنَّ هَاهُنَا رَجُلٌ وَدَّ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ لَمْ يُبْعَثْ، يَعْنِي نَفْسَهُ.
وَالْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا 6 : هَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ أَمْ لَا؟ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
لَكِنَّ
الْكَلَامَ الصَّادِرَ عَنْ خَوْفِ الْعَبْدِ مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى إِيمَانِهِ بِاللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِمَنْ خَافَهُ حِينَ أَمَرَ أَهْلَهُ بِتَحْرِيقِهِ وَتَذْرِيَةِ نِصْفِهِ فِي الْبَرِّ وَنِصْفِهِ فِي الْبَحْرِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ.
وَقَالَ: «وَاللَّهِ، لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ; فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ.
وَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ، فَغَفَرَ لَهُ» ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ 1 .
فَإِذَا كَانَ مَعَ شَكِّهِ فِي الْقُدْرَةِ وَالْمَعَادِ، إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ غُفِرَ لَهُ بِخَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ، عُلِمَ أَنَّ الْخَوْفَ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْمَغْفِرَةِ لِلْأُمُورِ الْحَقِيقِيَّةِ، إِذَا قُدِّرَ أَنَّهَا ذُنُوبٌ.
(فَصْلٌ) 2 قَالَ الرَّافِضِيُّ 3 : " وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْتَنِي فِي ظُلَّةِ بَنِي سَاعِدَةَ ضَرَبْتُ بِيَدِي عَلَى يَدِ 4 أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، فَكَانَ 5 هُوَ الْأَمِيرَ، وَكُنْتُ
الْوَزِيرَ ". قَالَ (1) : " وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَالِحًا يَرْتَضِي لِنَفْسِهِ الْإِمَامَةَ " (2) .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا إِنْ كَانَ قَالَهُ (3) فَهُوَ أَدَلُّ دَلِيلٍ (4) عَلَى أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ هُوَ الْإِمَامَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَائِلَ هَذَا إِنَّمَا يَقُولُهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ أَنْ يُضَيِّعَ حَقَّ الْوِلَايَةِ، وَأَنَّهُ إِذَا وَلَّى غَيْرَهُ، وَكَانَ وَزِيرًا لَهُ، كَانَ أَبْرَأَ لِذِمَّتِهِ، فَلَوْ كَانَ عَلِيٌّ هُوَ الْإِمَامَ، لَكَانَتْ تَوْلِيَتُهُ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ إِضَاعَةً لِلْإِمَامَةِ أَيْضًا، وَكَانَ يَكُونُ وَزِيرًا لِظَالِمٍ غَيْرِهِ، وَكَانَ قَدْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، وَهَذَا لَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ، وَيَطْلُبُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ.
وَهَذَا كَمَا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ وَصَّى بِدُيُونٍ، فَاعْتَقَدَ الْوَارِثُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لَهَا شَخْصٌ، فَأَرْسَلَهَا إِلَيْهِ مَعَ رَسُولِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا لَيْتَنِي (5) أَرْسَلْتُهَا مَعَ مَنْ هُوَ أَدْيَنُ مِنْهُ، خَوْفًا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ الْأَوَّلُ مُقَصِّرًا فِي الْوَفَاءِ، تَفْرِيطًا أَوْ خِيَانَةً.
وَهُنَاكَ شَخْصٌ حَاضِرٌ يَدَّعِي أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلدَّيْنِ دُونَ ذَلِكَ الْغَائِبِ، فَلَوْ عَلِمَ الْوَارِثُ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ ; لَكَانَ يُعْطِيهِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْإِرْسَالِ بِهِ إِلَى ذَلِكَ الْغَائِبِ.
كلام الرافضي على عدم خروج أبي بكر وعمر مع جيش أسامة والرد عليه
(فَصْلٌ) 6 قَالَ الرَّافِضِيُّ 7 : " وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي12345
مَرَضِ مَوْتِهِ، مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، مُكَرِّرًا لِذَلِكَ: «أَنْفِذُوا 1 جَيْشَ أُسَامَةَ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَخَلِّفَ عَنْ جَيْشِ أُسَامَةَ، وَكَانَ الثَّلَاثَةُ مَعَهُ، وَمُنِعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مِنْ ذَلِكَ» ".
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْمُتَّفَقِ عَلَى أَنَّهُ كَذِبٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ يَعْرِفُ السِّيرَةَ 2 ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ أَبَا بَكْرٍ أَوْ عُثْمَانَ فِي جَيْشِ أُسَامَةَ، وَإِنَّمَا رُوِيَ ذَلِكَ فِي عُمَرَ، وَكَيْفَ يُرْسِلُ أَبَا بَكْرٍ فِي جَيْشِ أُسَامَةَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَهُ يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ مُدَّةَ مَرَضِهِ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ مَرَضِهِ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ إِلَى الْخَمِيسِ إِلَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَمْ يُقَدِّمْ فِي الصَّلَاةِ بِالْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ، وَلَمْ تَكُنِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّاهَا أَبُو بَكْرٍ بِالْمُسْلِمِينَ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةً وَلَا صَلَاتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، حَتَّى يُظَنَّ مَا تَدَّعِيهِ الرَّافِضَةُ مِنَ التَّلْبِيسِ، وَأَنَّ عَائِشَةَ قَدَّمَتْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، بَلْ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ مُدَّةَ مَرَضِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ مُتَّفِقُونَ 3 عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ، وَعَلَى أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ عِدَّةَ 4 أَيَّامٍ.
وَأَقَلُّ مَا قِيلَ: إِنَّهُ صَلَّى بِهِمْ سَبْعَةَ عَشْرَةَ صَلَاةً، صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَخَطَبَ بِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
هَذَا مِمَّا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي بِهِمْ إِلَى فَجْرِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ: صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْفَجْرِ، وَكَشَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السِّتَارَةَ، فَرَآهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا رَأَوْهُ كَادُوا يُفَتَنُونَ فِي صَلَاتِهِمْ، ثُمَّ أَرْخَى السِّتَارَةَ.
وَكَانَ ذَلِكَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِهِ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى قَرِيبًا مِنَ الزَّوَالِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ صَلَّى بِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ 1 الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَ 2 فَيَكُونُ قَدْ صَلَّى بِهِمْ مُدَّةَ مَرَضِهِ كُلَّهَا، لَكِنْ 3 «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لَمَّا وَجَدَ خِفَّةً فِي نَفْسِهِ، فَتَقَدَّمَ وَجَعَلَ أَبَا بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 4 ، وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ» ، وَقَدْ كَشَفَ السِّتَارَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، وَهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَوَجْهُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَنَّهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، فُسِّرَ بِذَلِكَ لَمَّا رَأَى اجْتِمَاعَ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَلَمْ يَرَوْهُ بَعْدَهَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا كَانَتْ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ.
وَقِيلَ: صَلَّى خَلْفَهُ غَيْرَهَا.
فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْخُرُوجِ فِي الْغَزَاةِ وَهُوَ يَأْمُرُهُ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ؟ !
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جَهَّزَ جَيْشَ أُسَامَةَ قَبْلَ أَنْ يَمْرَضَ، فَإِنَّهُ أَمَّرَهُ عَلَى جَيْشٍ عَامَّتُهُمُ الْمُهَاجِرُونَ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي آخِرِ عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانُوا 1 ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أَهْلِ مُؤْتَةَ، وَعَلَى جَانِبِ فِلَسْطِينَ، حَيْثُ أُصِيبَ أَبُوهُ، وَجَعْفَرٌ، وَابْنُ رَوَاحَةَ، فَتَجَهَّزَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ لِلْغَزْوِ، وَخَرَجَ فِي ثِقَلِهِ إِلَى الْجَرْفِ، وَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا لِشَكْوَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسَامَةَ فَقَالَ: " «اغْدُ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ وَالنَّصْرِ وَالْعَافِيَةِ.
ثُمَّ أَغِرْ 2 حَيْثُ أَمَرْتُكَ أَنْ تُغِيرَ " قَالَ أُسَامَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَصْبَحْتَ ضَعِيفًا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَافَاكَ، فَأْذَنْ لِي فَأَمْكُثُ حَتَّى يَشْفِيَكَ اللَّهُ، فَإِنِّي إِنْ خَرَجْتُ وَأَنْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ خَرَجْتُ وَفِي نَفْسِي مِنْكَ قُرْحَةٌ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْكَ النَّاسَ " فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، فَلَمَّا جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ لِلْخِلَافَةِ أَنْفَذَهُ مَعَ ذَلِكَ الْجَيْشِ، غَيْرَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ فِي 3 أَنْ يَأْذَنَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْإِقَامَةِ ; لِأَنَّهُ ذُو رَأْيٍ نَاصِحٍ لِلْإِسْلَامِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَسَارَ أُسَامَةُ لِوَجْهِهِ الَّذِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَصَابَ فِي ذَلِكَ 4 الْعَدُوِّ مُصِيبَةً عَظِيمَةً، وَغَنِمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَتَلَ قَاتِلَ أَبِيهِ، وَرَدَّهُمُ اللَّهُ سَالِمِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ» .
وَإِنَّمَا أَنْفَذَ جَيْشَ أُسَامَةَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ: لَا أَحُلُّ رَايَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَشَارَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنْ يَرُدَّ الْجَيْشَ خَوْفًا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ خَافُوا أَنْ يَطْمَعَ النَّاسُ فِي الْجَيْشِ بِمَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَامْتَنَعَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ رَدِّ الْجَيْشِ وَأَمَرَ بِإِنْفَاذِهِ، فَلَمَّا رَآهُمُ النَّاسُ يَغْزُونَ عَقِبَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ، وَشَدَّ بِهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَذَلَّ بِهِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ مَعْرِفَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَإِيمَانِهِ وَيَقِينِهِ وَتَدْبِيرِهِ [وَرَأْيِهِ] 1 .
[كلام الرافضي على أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يوله أبدا والرد عليه]
(فَصْلٌ) 2 قَالَ الرَّافِضِيُّ 3 : " وَأَيْضًا لَمْ يُوَلِّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ أَلْبَتَّةَ عَمَلًا فِي وَقْتِهِ، بَلْ وَلَّى عَلَيْهِ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ تَارَةً وَأُسَامَةَ أُخْرَى، وَلَمَّا أَنْفَذَهُ 4 بِسُورَةِ " بَرَاءَةَ " رَدَّهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَرْتَضِي 5 الْعَاقِلُ إِمَامَةَ مَنْ لَا يَرْتَضِيهِ النَّبِيُّ 6 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِأَدَاءِ عَشْرِ آيَاتٍ مِنْ " بَرَاءَةَ "؟ ! ".
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْكَذِبِ ; فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالْمَغَازِي وَالسِّيَرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ عَامَ تِسْعٍ، وَهُوَ أَوَّلُ حَجٍّ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ حَجٌّ فِي الْإِسْلَامِ، إِلَّا الْحَجَّةَ الَّتِي أَقَامَهَا عَتَّابُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنَّ مَكَّةَ فُتِحَتَ سَنَةَ ثَمَانِ، أَقَامَ الْحَجَّ ذَلِكَ الْعَامَ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْحَجِّ، بَعْدَ رُجُوعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَفِيهَا أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ بِالْمُنَادَاةِ فِي الْمَوْسِمِ: «أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ» ، وَلَمْ يُؤَمِّرِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ، فَوَلَايَةُ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ مِنْ خَصَائِصِهِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُؤَمِّرْ عَلَى الْحَجِّ أَحَدًا كَتَأْمِيرِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ عَلَى الصَّلَاةِ أَحَدًا كَاسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ مِنْ رَعِيَّتِهِ فِي هَذِهِ الْحِجَّةِ، فَإِنَّهُ لَحِقَهُ فَقَالَ: أَمِيرٌ أَوْ 1 مَأْمُورٌ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: بَلْ مَأْمُورٌ، وَكَانَ عَلِيٌّ يُصَلِّي خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ مَعَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ، وَيَأْتَمِرُ لِأَمْرِهِ كَمَا يَأْتَمِرُ لَهُ سَائِرُ مَنْ مَعَهُ، وَنَادَى عَلِيٌّ مَعَ النَّاسِ 2 فِي هَذِهِ الْحِجَّةِ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ.
وَأَمَّا وَلَايَةُ غَيْرِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَتْ مِمَّا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، كَوَلَايَةِ عَلِيٍّ
وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِعَلِيٍّ وَلَايَةٌ إِلَّا وَلِغَيْرِهِ مِثْلُهَا، بِخِلَافِ وَلَايَةِ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّهَا مِنْ خَصَائِصِهِ، وَلَمْ يُوَلِّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي بَكْرٍ لَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَلَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ.
فَأَمَّا تَأْمِيرُ أُسَامَةَ عَلَيْهِ فَمِنَ 1 الْكَذِبِ الْمُتَّفَقِ عَلَى كَذِبِهِ.
وَأَمَّا قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَرْسَلَ عَمْرًا فِي سَرِيَّةٍ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ 2 ، وَكَانَتْ إِلَى بَنِي عُذْرَةَ، وَهُمْ أَخْوَالُ عَمْرٍو، فَأَمَّرَ عَمْرًا لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ، لِلْقَرَابَةِ الَّتِي لَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِأَبِي عُبَيْدَةَ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
وَقَالَ: " «تَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا» " فَلَمَّا لَحِقَ عَمْرًا قَالَ: أُصَلِّي بِأَصْحَابِي وَتُصِلِّي بِأَصْحَابِكَ، قَالَ: بَلْ أَنَا أُصَلِّي بِكُمْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مَدَدٌ لِي.
فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَنِي أَنْ أُطَاوِعَكَ، فَإِنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُكَ.
قَالَ: فَإِنَّى أَعْصِيكَ، فَأَرَادَ عَمْرُو أَنْ يُنَازِعَهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَفْعَلَ 3 ، وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ أَنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ لِلْأَمْرِ، فَكَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَ عَمْرٍو، مَعَ عِلْمِ كُلِّ أَحَدٍ 4 أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ أَفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو 5 .
وَكَانَ ذَلِكَ لِفَضْلِهِمْ 1 وَصَلَاحِهِمْ ; لِأَنَّ عَمْرًا كَانَتْ إِمَارَتُهُ قَدْ تَقَدَّمَتْ لِأَجْلِ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَأَلُّفِ 2 قَوْمِهِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ أَقَارِبَهُ، وَيَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْمَفْضُولِ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ، كَمَا أُمِّرَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ لِيَأْخُذَ بِثَأْرِ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، لَمَّا قُتِلَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، فَكَيْفَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُؤَمِّرْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَحَدًا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ؟ ! بَلْ قَدْ عُلِمَ بِالنَّقْلِ الْعَامِّ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ عِنْدَهُ أَقْرَبَ إِلَيْهِ 3 وَلَا أَخَصَّ بِهِ، وَلَا أَكْثَرَ اجْتِمَاعًا بِهِ لَيْلًا ونَهَارًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً، مِنْ أَبِي بَكْرٍ،
وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَتَكَلَّمُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَهُ، فَيَأْمُرُ وَيَنْهَى، وَيَخْطُبُ وَيُفْتِي، يُوَقِّرُهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ رَاضِيًا بِمَا يَفْعَلُ.
وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَقَدُّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ، بَلْ بِإِذْنٍ مِنْهُ قَدْ عَلِمَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مَعُونَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَبْلِيغًا عَنْهُ، وَتَنْفِيذًا لِأَمْرِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِالرَّسُولِ وَأَحَبَّهُمْ 1 إِلَى الرَّسُولِ وَأَتْبَعَهُمْ لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِضِيِّ: إِنَّهُ لَمَّا أَنْفَذَهُ بِبَرَاءَةَ رَدَّهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَهَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ كَذِبٌ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ، ذَهَبَ كَمَا أَمَرَهُ، وَأَقَامَ الْحَجَّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، عَامَ تِسْعٍ، لِلنَّاسِ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى قَضَى الْحَجَّ، وَأَنْفَذَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ، وَكَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، وَكَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ عُهُودٌ مُطْلَقَةٌ، فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: «أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» ، فَنَادَى بِذَلِكَ مَنْ أَمَرَهُ أَبُو بَكْرٍ بِالنِّدَاءِ ذَلِكَ الْعَامَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ نَادَى بِذَلِكَ فِي الْمَوْسِمِ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنْ لَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ أَرْدَفَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِيَنْبِذَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ الْعُهُودَ.
قَالُوا: وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ لَا يَعْقِدَ الْعُهُودَ وَلَا يَفْسَخُهَا إِلَّا الْمُطَاعُ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ.
فَبَعَثَ عَلِيًّا لِأَجْلِ فَسْخِ الْعُهُودِ الَّتِي كَانَتْ مَعَ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً، لَمْ يَبْعَثْهُ لِشَيْءٍ آخَرَ، وَلِهَذَا كَانَ عَلِيٌّ يُصَلِّي خَلْفَ
أَبِي بَكْرٍ، وَيَدْفَعُ بِدَفْعِهِ فِي الْحَجِّ، كَسَائِرِ رَعِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي الْمَوْسِمِ.
وَكَانَ هَذَا بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَاسْتِخْلَافِهِ لَهُ فِيهَا عَلَى مَنْ تَرَكَهُ بِالْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ لَهُ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» ؟
ثُمَّ بَعْدَ هَذَا أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْمَوْسِمِ، وَأَرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ مَأْمُورًا عَلَيْهِ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَانَ هَذَا مِمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً لَهُ، إِلَّا مُدَّةَ مَغِيبِهِ عَنِ الْمَدِينَةِ فَقَطْ.
ثُمَّ أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَامَ تِسْعٍ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ هَذَا بَعَثَ عَلِيًّا وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَرَجَعَ عَلِيٌّ وَأَبُو مُوسَى إِلَيْهِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ أَهَلَّ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَمَّا مُعَاذٌ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَّا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
كلام الرافضي على أبي بكر رضي الله عنه أنه قطع يسار سارق والرد عليه
(فَصْلٌ) 1
قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " وَقَطَعَ يَسَارَ سَارِقٍ 3 ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْقَطْعَ لِلْيَدِ الْيُمْنَى " 4 .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ يَجْهَلُ هَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْكَذِبِ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُجِيزُ ذَلِكَ 5 ، لَكَانَ ذَلِكَ قَوْلًا سَائِغًا ;
لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِي ظَاهِرِهِ مَا يُعَيِّنُ الْيَمِينَ، لَكِنَّ تَعْيِينَ (1) الْيَمِينِ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا " وَبِذَلِكَ مَضَتِ السُّنَّةُ.
وَلَكِنْ أَيْنَ النَّقْلُ بِذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَطَعَ الْيُسْرَى؟ وَأَيْنَ الْإِسْنَادُ الثَّابِتُ؟ بِذَلِكَ وَهَذِهِ كُتُبُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْآثَارِ مَوْجُودَةً لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ، وَلَا نَقَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالِاخْتِلَافِ ذَلِكَ (2) قَوْلًا، مَعَ تَعْظِيمِهِمْ لِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
كلام الرافضي على أبي بكر أنه أحرق الفجاءة السلمي بالنار والرد عليه
(فَصْلٌ) 3 قَالَ الرَّافِضِيُّ 4 : " وَأَحْرَقَ الْفُجَاءَةَ السُّلَمِيَّ بِالنَّارِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ 5 الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ ". الْجَوَابُ: أَنَّ الْإِحْرَاقَ بِالنَّارِ عَنْ عَلِيٍّ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ مِنْهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، [وَأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ] فِي الصَّحِيحِ 6 . أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِقَوْمٍ زَنَادِقَةٍ مِنْ غُلَاةِ الشِّيعَةِ، فَحَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ بِالنَّارِ ; لَنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعَذَّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلَضَرَبْتُ أَعْنَاقَهُمْ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» " 7 .12