مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
- الطبعة
- الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]
" «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» " 1 . فَيَكُونُ عَلِيٌّ كَافِرًا لِذَلِكَ - لَمْ تَكُنْ حُجَّتُكُمْ أَقْوَى مِنْ حُجَّتِهِمْ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا صَحِيحَةٌ.
وَأَيْضًا فَيَقُولُونَ: قَتْلُ النُّفُوسِ فَسَادٌ، فَمَنْ قَتَلَ النُّفُوسَ عَلَى طَاعَتِهِ كَانَ مُرِيدًا لِلْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ.
وَهَذَا حَالُ فِرْعَوْنَ.
وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ سُورَةُ الْقَصَصِ فَمَنْ أَرَادَ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ.
وَلَيْسَ هَذَا كَقِتَالِ الصِّدِّيقِ لِلْمُرْتَدِّينَ وَلِمَانِعِي الزَّكَاةِ ; فَإِنَّ الصِّدِّيقَ إِنَّمَا قَاتَلَهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: لَا عَلَى طَاعَتِهِ.
فَإِنَّ الزَّكَاةَ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهَا، وَعَلَى أَدَائِهَا، بِخِلَافِ مَنْ قَاتَلَ لِيُطَاعَ هُوَ.
وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا: مَنْ قَالَ أَنَا أُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَلَا أُعْطِيهَا لِلْإِمَامِ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَاتِلَهُ.
وَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَمَنْ يُجَوِّزُ الْقِتَالَ عَلَى تَرْكِ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ جَوَّزَ قِتَالَ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَيُحْكَى هَذَا عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزِ الْقِتَالَ إِلَّا عَلَى تَرْكِ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لَا عَلَى تَرْكِ طَاعَةِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، لَمْ يُجَوِّزْ قِتَالَ هَؤُلَاءِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَالَّذِينَ قَاتَلَهُمُ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانُوا مُمْتَنِعِينَ عَنْ طَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1 .
وَالْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ، فَلِهَذَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ، بِخِلَافِ مَنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَلَكِنِ امْتَنَعَ عَنْ طَاعَةِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ كَمُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُقِرِّينَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَقَالُوا: نَحْنُ نَقُومُ بِالْوَاجِبَاتِ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ فِي طَاعَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَا عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ، فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ .
وَاعْلَمْ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ جَعَلُوا قِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَقِتَالَ الْخَوَارِجِ جَمِيعًا مِنْ قِتَالِ الْبُغَاةِ، وَجَعَلُوا قِتَالَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ، وَهُوَ خِلَافُ نَصِّ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَمُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; فَإِنَّ الْخَوَارِجَ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِتَالِهِمْ، وَاتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ الصَّحَابَةُ.
وَأَمَّا الْقِتَالُ بِالْجَمَلِ وَصِفِّينَ 2 .
فَهُوَ قِتَالُ فِتْنَةٍ، وَلَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَا إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا قِتَالُ مَانِعِي الزَّكَاةِ إِذَا كَانُوا مُمْتَنِعِينَ عَنْ أَدَائِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ عَنِ 3 . .
الْإِقْرَارِ بِهَا ; فَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ قِتَالِ الْخَوَارِجِ.
(* وَأَهْلُ صِفِّينَ لَمْ يَبْدَءُوا عَلِيًّا بِالْقِتَالِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ لَا يُجَوِّزُونَ قِتَالَ الْبُغَاةِ إِلَّا أَنْ يَبْدَءُوا الْإِمَامَ [بِالْقِتَالِ] 1
، وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَا يُجَوِّزُونَ 2
قِتَالَ مَنْ قَامَ بِالْوَاجِبِ، إِذَا كَانَتْ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ قَالَتْ: 3
لَا نُؤَدِّي زَكَاتَنَا إِلَى فُلَانٍ *) 4 . ; فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ وَقِتَالِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ.
وَأَمَّا قِتَالُ الْبُغَاةِ الْمَذْكُورِينَ 5
فِي الْقُرْآنِ فَنَوْعٌ ثَالِثٌ غَيْرُ هَذَا وَهَذَا ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ ابْتِدَاءً، بَلْ أَمَرَ إِذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا حُكْمَ الْمُرْتَدِّينَ وَلَا حُكْمَ الْخَوَارِجِ 6
. وَالْقِتَالُ يَوْمَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ فِيهِ نِزَاعٌ: هَلْ هُوَ 7
مِنْ بَابِ قِتَالِ الْبُغَاةِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْقُرْآنِ؟ أَوْ هُوَ قِتَالُ فِتْنَةٍ الْقَاعِدُ فِيهِ 8
خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، فَالْقَاعِدُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ [بَعْدَهُمْ] 9 يَقُولُونَ: هُوَ قِتَالُ فِتْنَةٍ، لَيْسَ هُوَ قِتَالَ الْبُغَاةِ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ ; فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْبُغَاةِ ابْتِدَاءً لِمُجَرَّدِ بَغْيِهِمْ، بَلْ إِنَّمَا أَمَرَ إِذَا اقْتَتَلَ الْمُؤْمِنُونَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ يَعُودُ الضَّمِيرُ فِيهِ إِلَى الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يَعُودُ إِلَى طَائِفَةٍ مُؤْمِنَةٍ لَمْ تُقَاتِلْ.
بِالتَّقْدِيرِ: فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ الْمُؤْمِنَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، فَقَاتِلُوا الْبَاغِيَةَ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، فَمَتَى كَانَتْ طَائِفَةٌ بَاغِيَةٌ وَلَمْ تُقَاتِلْ لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ أَمْرٌ بِقِتَالِهَا.
ثُمَّ إِنْ كَانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ سُورَةُ الْحُجُرَاتِ بَعْدَ الْإِصْلَاحِ فَهُوَ أَوْكَدُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الِاقْتِتَالِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ.
وَحِينَئِذٍ فَأَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ إِنْ كَانُوا قَدْ بَغَوْا قَبْلَ الْقِتَالِ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُبَايِعُوا عَلِيًّا، فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ الْأَمْرُ بِقِتَالِ مَنْ بَغَى وَلَمْ يُقَاتِلْ.
وَإِنْ كَانَ بَغْيُهُمْ بَعْدَ الِاقْتِتَالِ وَالْإِصْلَاحِ وَجَبَ قِتَالُهُمْ، لَكِنَّ هَذَا لَمْ يُوجَدْ ; فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُصْلِحْ بَيْنَهُمَا 1 .
(* وَلِهَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: " هَذِهِ الْآيَةُ تَرَكَ النَّاسُ الْعَمَلَ بِهَا " يَعْنِي إِذْ ذَاكَ.
وَإِنْ كَانَ بَغْيُهُمْ 2 بَعْدَ الِاقْتِتَالِ *) 3 وَقَبْلَ الْإِصْلَاحِ، فَهُنَا إِذَا قِيلَ بِجَوَازِ الْقِتَالِ، فَهَذَا الْقَدْرُ إِنَّمَا حَصَلَ فِي أَثْنَاءِ الْقِتَالِ.
وَحِينَئِذٍ فَشِلَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ وَنَكَلُوا عَنِ الْقِتَالِ 4 لَمَّا رَفَعُوا الْمَصَاحِفَ.
فَفِي الْحَالِ الَّتِي أُمِرَ بِقِتَالِهِمْ فِيهَا لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ، وَفِي الْحَالِ الَّتِي قَاتَلُوهُمْ لَمْ يَكُنْ قِتَالُهُمْ مَأْمُورًا بِهِ.
فَإِنْ كَانَ
أُولَئِكَ بُغَاةً مُعْتَدِينَ فَهَؤُلَاءِ مُفَرِّطُونَ مُقَصِّرُونَ، وَلِهَذَا ذَلُّوا وَعَجَزُوا وَتَفَرَّقُوا، وَلَيْسَ الْإِمَامُ مَأْمُورًا بِأَنْ يُقَاتِلَ بِمِثْلِ هَؤُلَاءِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَالْبَحْثُ فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ مِنْ وَظِيفَةِ خَوَاصِّ أَهْلِ الْعِلْمِ، بِخِلَافِ الْكَلَامِ فِي تَكْفِيرِهِمْ ; فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ يَعْلَمُ فَسَادَهُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ بِالدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ كَذِبَ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرْبُ عَلِيٍّ حَرْبًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ رَسُولِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ سُورَةُ غَافِرٍ، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ سُورَةُ الصَّافَّاتِ لَوَجَبَ أَنْ يُغْلَبَ مُحَارِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ الْخَوَارِجُ لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِتَالِهِمْ، وَكَانُوا مِنْ جِنْسِ الْمُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، انْتَصَرَ عَلَيْهِمْ، كَمَا كَانَ يَنْتَصِرُ عَلَيْهِمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَالرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ تُبْتَلَى فِي حُرُوبِهِمْ، فَالْعَاقِبَةُ لَهَا.
فَلَوْ كَانَتْ مُحَارَبَتُهُ مُحَارَبَةً لِلرَّسُولِ، لَكَانَ الْمُنْتَصِرُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ هُوَ.
وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ كَانَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ يَطْلُبُ مُسَالَمَةَ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمُهَادَنَتَهُ، وَأَنْ يَكُفَّ عَنْهُ، كَمَا كَانَ مُعَاوِيَةُ يَطْلُبُ 1 ذَلِكَ مِنْهُ أَوَّلَ [الْأَمْرِ] 2 .
فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْقِتَالَ، وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا بِاجْتِهَادٍ، فَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْقِتَالِ
الَّذِي يَكُونُ مُحَارِبُ أَصْحَابِهِ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ مُحَارِبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَالْمُحَارِبُونَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ لَا يَكْفُرُونَ إِذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ.
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ سُورَةُ الْمَائِدَةِ هَلْ هِيَ فِي الْكُفَّارِ أَوْ فِي الْمُسْلِمِينَ؟ وَمَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا فِي الْمُسْلِمِينَ، يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ وَلَوْ كَانُوا كُفَّارًا مُرْتَدِّينَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَلَا نَفْيِهِمْ 1 ; بَلْ يَجِبُ قَتْلُهُمْ فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ يَجِبُ قَتْلُهُ.
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا فِي مُحَارَبَتِهِ مُجْتَهِدًا لَمْ يَكُنْ كَافِرًا، كَقَتْلِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ لِذَلِكَ الْمُسْلِمِ مُتَأَوِّلًا لَمْ يَكُنْ بِهِ كَافِرًا.
وَإِنْ كَانَ اسْتِحْلَالُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ الْمَعْصُومِ كُفْرًا، وَكَذَلِكَ تَكْفِيرُ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» " 2 . وَمَعَ هَذَا إِذَا قَالَهَا مُتَأَوِّلًا لَمْ يَكْفُرْ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ:
" «دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ وَأَمْثَالِهِ» "، وَكَقَوْلِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: " إِنَّكَ لَمُنَافِقٌ 1 تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ " فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ 2 .
(فَصْلٌ 3) . قَالَ الرَّافِضِيُّ 4 : " وَقَدْ أَحْسَنَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي قَوْلِهِ: شَرٌّ مِنْ إِبْلِيسَ مَنْ لَمْ يَسْبِقْهُ فِي سَالِفِ طَاعَتِهِ 5 ، وَجَرَى مَعَهُ فِي مَيْدَانِ مَعْصِيَتِهِ 6 . وَلَا شَكَّ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ أَعْبَدَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ 7 ، وَكَانَ يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَحْدَهُ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ، وَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ 8 وَجَعَلَهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، وَأَمَرَهُ بِالسُّجُودِ فَاسْتَكْبَرَ فَاسْتَحَقَّ اللَّعْنَةَ وَالطَّرْدَ 9 . وَمُعَاوِيَةُ لَمْ يَزَلْ فِي الْإِشْرَاكِ وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ 10 إِلَى أَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ظُهُورِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ اسْتَكْبَرَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي نَصْبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ إِمَامًا 11 ، وَبَايَعَهُ
الْكُلُّ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ 1 وَجَلَسَ مَكَانَهُ، فَكَانَ 2 شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ ".
فَيُقَالُ: هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ مِنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَالْخُرُوجِ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَكُلِّ دِينٍ، بَلْ وَعَنِ الْعَقْلِ الَّذِي يَكُونُ لِكَثِيرٍ مِنَ الْكُفَّارِ، مَا لَا يَخْفَى عَنْ مَنْ تَدَبَّرَهُ.
أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ 3 إِبْلِيسَ أَكْفَرُ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ، وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ فَمِنْ أَتْبَاعِهِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ سُورَةُ ص وَهُوَ الْآمِرُ [لَهُمْ] 4 بِكُلِّ قَبِيحٍ الْمُزَيِّنُ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَحَدٌ شَرًّا مِنْهُ؟ لَا سِيَّمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَا سِيَّمَا مِنَ الصَّحَابَةِ؟ .
وَقَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ: " شَرٌّ مِنْ إِبْلِيسَ مَنْ لَمْ يَسْبِقْهُ فِي سَالِفِ طَاعَةٍ، وَجَرَى مَعَهُ فِي مَيْدَانِ الْمَعْصِيَةِ " 5 يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ شَرٌّ مِنْ إِبْلِيسَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ فِي سَالِفِ طَاعَةٍ، وَجَرَى مَعَهُ فِي مَيْدَانِ الْمَعْصِيَةِ.
وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» " 6 .
ثُمَّ هَلْ يَقُولُ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: إِنَّ مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ؟ أَوَ لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ
الْإِسْلَامِ؟ وَقَائِلُ هَذَا كَافِرٌ كُفْرًا مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ.
وَعَلَى هَذَا فَالشِّيعَةُ دَائِمًا يُذْنِبُونَ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمْ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ.
ثُمَّ إِذَا قَالَتِ الْخَوَارِجُ: إِنَّ عَلِيًّا أَذْنَبَ فَيَكُونُ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ - لَمْ يَكُنْ لِلرَّوَافِضِ 1 حُجَّةٌ إِلَّا دَعْوَى عِصْمَتِهِ 2 . وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُقِيمُوا حُجَّةً عَلَى الْخَوَارِجِ بِإِيمَانِهِ وَإِمَامَتِهِ وَعَدَالَتِهِ، فَكَيْفَ يُقِيمُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ بِعِصْمَتِهِ؟ وَلَكِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ تَقْدِرُ أَنْ تُقِيمَ الْحُجَّةَ بِإِيمَانِهِ وَإِمَامَتِهِ، لِأَنَّ مَا تَحْتَجُّ بِهِ الرَّافِضَةُ مَنْقُوضٌ وَمُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، فَيَبْطُلُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ.
ثُمَّ إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ سُورَةُ طه، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ آدَمُ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَلَوَازِمُ هَذَا الْقَوْلِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْفَسَادِ يَفُوقُ الْحَصْرَ وَالتَّعْدَادَ.
وَأَمَّا ثَانِيًا: فَهَذَا الْكَلَامُ كَلَامٌ بِلَا حُجَّةٍ، بَلْ هُوَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ.
فَلِمَ قُلْتَ: إِنَّ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ مَنْ لَمْ يَسْبِقْهُ فِي سَالِفِ طَاعَةٍ وَجَرَى مَعَهُ فِي مَيْدَانِ مَعْصِيَةٍ؟ 3 وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَجْرِي مَعَ إِبْلِيسَ فِي مَيْدَانِ مَعْصِيَتِهِ كُلِّهَا، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِي الْآدَمِيِّينَ مَنْ يُسَاوِي إِبْلِيسَ فِي مَعْصِيَتِهِ، بِحَيْثُ يُضِلُّ النَّاسَ كُلَّهُمْ وَيُغْوِيهِمْ.
وَأَمَّا طَاعَةُ إِبْلِيسَ الْمُتَقَدِّمَةُ فَهِيَ حَابِطَةٌ بِكُفْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ 4 ، (* فَإِنَّ الرِّدَّةَ
تُحْبِطُ الْعَمَلَ، فَمَا تَقَدَّمَ 1 مِنْ طَاعَتِهِ: إِنْ كَانَ طَاعَةً فَهِيَ حَابِطَةٌ بِكُفْرِهِ وَرِدَّتِهِ *) 2 ، وَمَا يَفْعَلُهُ مِنَ الْمَعَاصِي لَا يُمَاثِلُهُ أَحَدٌ فِيهِ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ شَرًّا مِنْهُ، وَصَارَ نَظِيرُ هَذَا الْمُرْتَدَّ الَّذِي يَقْتُلُ النُّفُوسَ وَيَزْنِي وَيَفْعَلُ عَامَّةَ الْقَبَائِحِ بَعْدَ سَابِقِ طَاعَاتِهِ، فَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَلَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى تِلْكَ الطَّاعَاتِ الْحَابِطَةِ، وَشَارَكَهُ فِي قَلِيلٍ مِنْ مَعَاصِيهِ، لَا يَكُونُ شَرًّا مِنْهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَحَدٌ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ؟ .
وَهَذَا يَنْقُضُ أُصُولَ الشِّيعَةِ: حَقَّهَا وَبَاطِلَهَا.
وَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَهُ، وَكَانُوا أَحْيَانًا يَعْصُونَهُ، شَرًّا مِنَ الَّذِينَ امْتَنَعُوا عَنْ مُبَايَعَتِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ عَبَدُوا اللَّهَ قَبْلَهُمْ، وَأُولَئِكَ جَرَوْا مَعَهُمْ فِي مَيْدَانِ الْمَعْصِيَةِ.
وَيُقَالُ: ثَالِثًا: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ [كَانَ] 3 أَعْبَدَ الْمَلَائِكَةِ؟ وَأَنَّهُ كَانَ 4 يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَحْدَهُ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ؟ أَوْ أَنَّهُ 5 كَانَ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ فِي الْجُمْلَةِ؟ أَوْ أَنَّهُ كَانَ طَاوُوسَ الْمَلَائِكَةِ؟ أَوْ أَنَّهُ مَا تَرَكَ فِي السَّمَاءِ رُقْعَةً وَلَا فِي الْأَرْضِ بُقْعَةً إِلَّا وَلَهُ فِيهَا سَجْدَةٌ وَرَكْعَةٌ؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ.
فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِالنَّقْلِ الصَّادِقِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا فِي ذَلِكَ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَهَلْ يَحْتَجُّ بِمِثْلِ هَذَا فِي أُصُولِ الدِّينِ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجَاهِلِينَ؟ ! .
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: " وَلَا شَكَّ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ أَعْبَدَ الْمَلَائِكَةِ ".
فَيُقَالُ: مَنِ الَّذِي قَالَ هَذَا مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؟ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؟ وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ عَالِمٌ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهُوَ أَمْرٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالنَّقْلِ، وَلَمْ يَنْقِلْ هَذَا أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: [لَا] 1 بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ.
فَإِنْ كَانَ قَالَهُ بَعْضُ الْوُعَّاظِ أَوِ الْمُصَنِّفِينَ فِي الرَّقَائِقِ، أَوْ بَعْضُ مَنْ يَنْقُلُ فِي التَّفْسِيرِ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ مَا لَا إِسْنَادَ لَهُ 2 ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي جُرْزَةِ بَقْلٍ 3 ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِ فِي جَعْلِ إِبْلِيسَ خَيْرًا (* مِنْ كُلِّ مَنْ عَصَى اللَّهَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَيَجْعَلُ الصَّحَابَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إِبْلِيسُ خَيْرٌ مِنْهُمْ *) 4 ؟ .
وَمَا وَصَفَ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِبْلِيسَ بِخَيْرٍ قَطُّ وَلَا بِعِبَادَةٍ 5 مُتَقَدِّمَةٍ وَلَا غَيْرِهَا (5 مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ عِبَادَةٌ لَكَانَتْ قَدْ حَبِطَتْ بِكُفْرِهِ وَرِدَّتِهِ 5) 6 .
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: " لَا شَكَّ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ الْعَرْشَ
وَحْدَهُ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ " فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ! هَلْ قَالَ ذَلِكَ 1 أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ 2 الْمُسْلِمِينَ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ؟ وَهَلْ يَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ إِلَّا مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ؟ فَإِنَّ هَذَا لَا يُعْرَفُ - لَوْ كَانَ حَقًّا - إِلَّا بِنَقْلِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ شَيْءٌ.
ثُمَّ حَمْلُ وَاحِدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْعَرْشَ 3 خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّقْلُ الصَّحِيحُ 4 . [ثُمَّ مَا بَالُهُ حَمَلَ الْعَرْشَ وَحْدَهُ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ وَلَمْ يَكُنْ 5 يَحْمِلُهُ وَحْدَهُ دَائِمًا؟] 6 وَمَنِ الَّذِي نَقَلَ أَنَّ إِبْلِيسَ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ؟ .
وَهَذَا مِنْ أَكْذَبِ الْكَذِبِ 7 ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى 8 يَقُولُ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ سُورَةُ غَافِرٍ، [فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُ حَمَلَةً لَا وَاحِدًا، وَأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، مُسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا] 9 .
وَإِذَا قِيلَ: هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْحَمْلِ [الْمُطْلَقِ] ، لَيْسَ 1 فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ لَهُ حَمَلَةٌ.
قِيلَ: قَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ لَهُ حَمَلَةٌ، كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ 2 ، «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْعَرْشَ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِحَمْلِهِ.
قَالُوا: رَبَّنَا كَيْفَ نَحْمِلُ عَرْشَكَ وَعَلَيْهِ عَظَمَتُكَ؟ فَقَالَ: قُولُوا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ 3 ، فَقَالُوهَا، فَأَطَاقُوا حَمْلَهُ» " 4 .
وَيُقَالُ: رَابِعًا: إِنَّ إِبْلِيسَ كَفَرَ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ 5 : ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ سُورَةُ ص، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ حَبِطَ بِكُفْرِهِ.
كَذَلِكَ غَيْرُهُ 6 إِذَا كَفَرَ حَبِطَ عَمَلُهُ، فَأَيْنَ تَشْبِيهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا؟ ! .
وَيُقَالُ: خَامِسًا: قَوْلُهُ: " إِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَزَلْ فِي الْإِشْرَاكِ إِلَى أَنْ أَسْلَمَ " بِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ فِيمَا قُصِدَ بِهِ الْجَمْعُ ; فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ أَسْلَمَ بَعْدَ الْكُفْرِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ سُورَةُ الْأَنْفَالِ، وَتَابَ مِنْ شِرْكِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ سُورَةُ التَّوْبَةِ.
وَإِبْلِيسُ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ فَحَبِطَ إِيمَانُهُ بِكُفْرِهِ، وَذَاكَ حَبِطَ كُفْرُهُ
بِإِيمَانِهِ 1 ، فَكَيْفَ يُقَاسُ مَنْ آمَنَ بَعْدَ الْكُفْرِ بِمَنْ كَفَرَ بَعْدَ الْإِيمَانِ؟ ! 2 .
وَيُقَالُ: سَادِسًا: قَدْ ثَبَتَ إِسْلَامُ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.
فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مُدَّعِيًا دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ لَوْ لَمْ يُعْلَمْ كَذِبُ دَعْوَاهُ، فَكَيْفَ إِذَا عُلِمَ كَذِبُ دَعْوَاهُ، وَأَنَّهُ مَا زَالَ عَلَى الْإِسْلَامِ إِلَى أَنْ مَاتَ، كَمَا عُلِمَ بَقَاءُ غَيْرِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ فَالطَّرِيقُ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ [بَقَاءُ إِسْلَامِ] 3 أَكْثَرِ النَّاسِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، يُعْلَمُ بِهِ بَقَاءُ إِسْلَامِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَالْمُدَّعِي لِارْتِدَادِ مُعَاوِيَةَ وَعُثْمَانَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَيْسَ هُوَ أَظْهَرَ حُجَّةً مِنَ الْمُدَّعِي لِارْتِدَادِ عَلِيٍّ.
فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لِارْتِدَادِ عَلِيٍّ كَاذِبًا، فَالْمُدَّعِي لِارْتِدَادِ هَؤُلَاءِ أَظْهَرُ كَذِبًا، لِأَنَّ الْحُجَّةَ عَلَى بَقَاءِ إِيمَانِ هَؤُلَاءِ أَظْهَرُ، وَشُبْهَةُ 4 الْخَوَارِجِ أَظْهَرُ مِنْ شُبْهَةِ الرَّوَافِضِ.
وَيُقَالُ: سَابِعًا: هَذِهِ الدَّعْوَى إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً، فَفِيهَا مِنَ الْقَدْحِ وَالْغَضَاضَةِ بِعَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمَا مَالَا يَخْفَى.
وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَغْلُوبًا 5 مَعَ الْمُرْتَدِّينَ، وَكَانَ الْحَسَنُ قَدْ سَلَّمَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُرْتَدِّينَ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَهَرَ الْمُرْتَدِّينَ، فَيَكُونُ نَصْرُ اللَّهِ لِخَالِدٍ عَلَى الْكُفَّارِ 6
أَعْظَمَ مِنْ نَصْرِهِ لِعَلِيٍّ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَدْلٌ لَا يَظْلِمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَيَكُونُ مَا اسْتَحَقَّهُ خَالِدٌ مِنَ النَّصْرِ أَعْظَمَ مِمَّا اسْتَحَقَّهُ عَلِيٌّ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْهُ.
[بَلْ] 1 وَكَذَلِكَ جُيُوشُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَنُوَّابِهِمْ ; [فَإِنَّهُمْ] 2 كَانُوا مَنْصُورِينَ عَلَى الْكُفَّارِ، وَعَلِيٌّ عَاجِزٌ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْكُفَّارِ أَيْضًا.
فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 139] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 35] .
وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَعَا مُعَاوِيَةَ إِلَى السَّلْمِ فِي آخِرِ 3 الْأَمْرِ، لَمَّا عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ عَنْ بِلَادِهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَبْقَى كُلُّ وَاحِدٍ [مِنْهُمَا] 4 عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 139] فَإِنْ 5 كَانَ أَصْحَابُهُ مُؤْمِنِينَ وَأُولَئِكَ مُرْتَدِّينَ وَجَبَ أَنْ يَكُونُوا الْأَعْلَيْنَ، وَهُوَ خِلَافُ الْوَاقِعِ.
[وَيُقَالُ ثَامِنًا] 6 مَنْ قَالَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَكْبَرَ عَنْ طَاعَةِ
اللَّهِ فِي نَصْبِ 1 أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِمَ قُلْتَ: إِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ وِلَايَتَهُ صَحِيحَةٌ، وَأَنَّ طَاعَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ؟ . فَإِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى ثُبُوتِ وِلَايَتِهِ وَوُجُوبِ طَاعَتِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُشْتَبِهَةِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ إِلَّا بَعْدَ بَحْثٍ وَنَظَرٍ، بِخِلَافٍ مَنْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى طَاعَتِهِ.
وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ عَصَى يَكُونُ مُسْتَكْبِرًا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
وَالْمَعْصِيَةُ تَصْدُرُ تَارَةً عَنْ شَهْوَةٍ، وَتَارَةً عَنْ كِبْرٍ، وَهَلْ يُحْكَمُ عَلَى كُلِّ عَاصٍ بِأَنَّهُ مُسْتَكْبِرٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ كَاسْتِكْبَارِ إِبْلِيسَ؟ ! .
وَيُقَالُ تَاسِعًا: قَوْلُهُ: " وَبَايَعَهُ الْكُلُّ بَعْدَ عُثْمَانَ ".
إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا حُجَّةً فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فَمُبَايَعَتُهُمْ لِعُثْمَانَ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَيْهَا أَعْظَمَ.
وَأَنْتُمْ لَا تَرَوْنَ الْمُمْتَنِعَ عَنْ طَاعَةِ عُثْمَانَ كَافِرًا، بَلْ مُؤْمِنًا تَقِيًّا.
وَيُقَالُ عَاشِرًا: اجْتِمَاعُ النَّاسِ عَلَى مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ [عَلَى قَوْلِكُمْ] 2 أَكْمَلَ، وَأَنْتُمْ وَغَيْرُكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ عَلِيًّا تَخَلَّفَ عَنْهَا مُدَّةً.
فَيَلْزَمُ [عَلَى قَوْلِكُمْ] 3 أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ مُسْتَكْبِرًا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي نَصْبِ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهِ إِمَامًا، فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ كُفْرُ عَلِيٍّ بِمُقْتَضَى حُجَّتِكُمْ، أَوْ بُطْلَانُهَا فِي نَفْسِهَا.
وَكُفْرُ عَلِيٍّ بَاطِلٌ، فَلَزِمَ 4 بُطْلَانُهَا.
وَيُقَالُ: حَادِي عَشَرَ قَوْلُكُمْ: " بَايَعَهُ الْكُلُّ بَعْدَ عُثْمَانَ ". مِنْ أَظْهَرِ الْكَذِبِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِمَّا النِّصْفُ، وَإِمَّا أَقَلُّ
أَوْ أَكْثَرُ لَمْ يُبَايِعُوهُ، وَلَمْ يُبَايِعْهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَلَا ابْنُ عُمَرَ وَلَا غَيْرُهُمَا.
وَيُقَالُ: ثَانِي عَشَرَ: قَوْلُكُمْ: " إِنَّهُ جَلَسَ مَكَانَهُ ".
كَذِبٌ ; فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَطْلُبِ الْأَمْرَ لِنَفْسِهِ ابْتِدَاءً، وَلَا ذَهَبَ إِلَى عَلِيٍّ لِيَنْزِعَهُ عَنْ 1 إِمَارَتِهِ، وَلَكِنِ امْتَنَعَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَنْ 2 مُبَايَعَتِهِ، وَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَالِيًا عَلَى مَنْ كَانَ وَالِيًا عَلَيْهِ 3 فِي زَمَنِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ.
وَلَمَّا جَرَى حُكْمُ الْحَكَمَيْنِ إِنَّمَا كَانَ مُتَوَلِّيًا عَلَى رَعِيَّتِهِ فَقَطْ.
فَإِنْ أُرِيدَ بِجُلُوسِهِ فِي مَكَانِهِ أَنَّهُ اسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ دُونَهُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، فَهَذَا صَحِيحٌ، لَكِنَّ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أُنَازِعْهُ شَيْئًا هُوَ فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي مَا يُوجِبُ عَلَيَّ دُخُولِي 4 فِي طَاعَتِهِ.
وَهَذَا الْكَلَامُ سَوَاءٌ كَانَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا لَا يُوجِبُ كَوْنَ صَاحِبِهِ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ، وَمَنْ جَعَلَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ، فَمَا أَبْقَى غَايَةً فِي الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْعُدْوَانِ عَلَى خَيْرِ الْقُرُونِ 5 فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَالْهَوَى إِذَا بَلَغَ بِصَاحِبِهِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ فَقَدْ أَخْرَجَ صَاحِبَهُ عَنْ رِبْقَةِ الْعَقْلِ، فَضْلًا عَنِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ، وَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُذِلَّ أَصْحَابَ مِثْلِ هَذَا
الْكَلَامِ (1) ، وَيَنْتَصِرَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ - مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّهِ وَغَيْرِهِمْ - مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ الظَّالِمِينَ (2) .
كلام الرافضي على يوم مقتل الحسين رضي الله عنه والرد عليه
(فَصْلٌ) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ 3 : " وَتَمَادَى بَعْضُهُمْ فِي التَّعَصُّبِ حَتَّى اعْتَقَدَ 4 إِمَامَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَعَ مَا صَدَرَ عَنْهُ 5 مِنَ الْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ مِنْ قَتْلِ الْإِمَامِ الْحُسَيْنِ وَنَهْبِ أَمْوَالِهِ وَسَبْيِ نِسَائِهِ وَدَوَرَانِهِمْ 6 فِي الْبِلَادِ عَلَى الْجَمَالِ بِغَيْرِ قَتَبٍ، وَمَوْلَانَا زَيْنُ الْعَابِدِينَ مَغْلُولُ الْيَدَيْنِ، وَلَمْ يَقْنَعُوا بِقَتْلِهِ حَتَّى رَضُّوا أَضْلَاعَهُ وَصَدْرَهُ بِالْخُيُولِ، وَحَمَلُوا رُءُوسَهُمْ عَلَى الْقَنَا مَعَ أَنَّ مَشَايِخَهُمْ رَوَوْا 7 أَنَّ يَوْمَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ مَطَرَتِ 8 السَّمَاءُ دَمًا.
وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ فِي " شَرْحِ الْوَجِيزِ " وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ فِي " الطَّبَقَاتِ " أَنَّ الْحُمْرَةَ ظَهَرَتْ فِي السَّمَاءِ يَوْمَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ وَلَمْ تُرَ 9 قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَيْضًا: مَا رُفِعَ حَجَرٌ فِي الدُّنْيَا12
إِلَّا وَتَحْتَهُ دَمٌ عَبِيطٌ، وَلَقَدْ مَطَرَتِ 1 السَّمَاءُ مَطَرًا بَقِيَ 2 أَثَرُهُ فِي الثِّيَابِ 3 مُدَّةً حَتَّى تَقَطَّعَتْ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ قَاتِلِي 4 الْحُسَيْنِ إِلَّا وَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا 5 : إِمَّا بِالْقَتْلِ وَإِمَّا بِالْعَمَى 6 أَوْ سَوَادِ الْوَجْهِ أَوْ زَوَالِ الْمُلْكِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ.
وَكَانَ 7 رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكْثِرُ الْوَصِيَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ 8 فِي وَلَدَيْهِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَيَقُولُ لَهُمْ: هَؤُلَاءِ وَدِيعَتِي 9 عِنْدَكُمْ.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [سُورَةُ الشُّورَى: 23] .
وَالْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُهُ: " وَتَمَادَى بَعْضُهُمْ فِي التَّعَصُّبِ حَتَّى اعْتَقَدَ إِمَامَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ".
إِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ 10 ، كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، فَهَذَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ 11 الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنِ اعْتَقَدَ مِثْلَ هَذَا بَعْضُ الْجُهَّالِ، كَمَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْجُهَّالِ مِنَ الْأَكْرَادِ 1 وَنَحْوِهِمْ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ يَزِيدَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ 2 ، وَبَعْضُهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ [الْمَهْدِيِّينَ] 3 ، فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ يُحْكَى قَوْلُهُمْ.
وَهُمْ مَعَ هَذَا الْجَهْلِ خَيْرٌ مِنْ جُهَّالِ الشِّيعَةِ وَمَلَاحِدَتِهِمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ إِلَهِيَّةَ عَلِيٍّ أَوْ نُبُوَّتَهُ، أَوْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ بَاطِنَ الشَّرِيعَةِ يُنَاقِضُ 4 ظَاهِرَهَا، كَمَا تَقُولُهُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ 5 وَالنُّصَيْرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ خَوَاصِّهِمُ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ، وَيُنْكِرُونَ الْمَعَادَ، بَلْ غُلَاتُهُمْ يَجْحَدُونَ الصَّانِعَ، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَنَّهُ نَسَخَ شَرِيعَتَهُ، وَيَعْتَقِدُونَ فِي أَئِمَّتِهِمْ، كَالَّذِي يُسَمُّونَهُ الْمَهْدِيَّ وَأَوْلَادِهِ، مِثْلِ الْمُعِزِّ وَالْحَاكِمِ وَأَمْثَالِهِمْ: أَنَّهُمْ أَئِمَّةٌ مَعْصُومُونَ.
فَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ عِصْمَةَ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي الْعَبَّاسِ كُلِّهِمْ كَانَ خَيْرًا مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ; فَإِنَّ خُلَفَاءَ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي الْعَبَّاسِ مُسْلِمُونَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَذُنُوبُهُمْ مِنْ جِنْسِ ذُنُوبِ الْمُسْلِمِينَ، لَيْسُوا كُفَّارًا مُنَافِقِينَ.
وَهَؤُلَاءِ الْبَاطِنِيَّةُ هُمْ فِي الْبَاطِنِ أَكْفَرُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
فَمَنِ اعْتَقَدَ عِصْمَةَ هَؤُلَاءِ كَانَ أَعْظَمَ جَهْلًا وَضَلَالًا مِمَّنِ اعْتَقَدَ عِصْمَةَ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ
وَبَنِي الْعَبَّاسِ، بَلْ وَلَوِ اعْتَقَدَ مُعْتَقِدٌ عِصْمَةَ سَائِرِ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِينَ هُمْ مُسْلِمُونَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لَكَانَ خَيْرًا مِمَّنِ اعْتَقَدَ عِصْمَةَ هَؤُلَاءِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْجَهْلَ الَّذِي يُوجَدُ فِيمَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ أَهْلِ السُّنَّةِ، يُوجَدُ فِي الشِّيعَةِ مِنَ الْجَهْلِ مَا هُوَ أَعْظَمُ [مِنْهُ] 1 ، لَا سِيَّمَا وَجَهْلُ أُولَئِكَ أَصْلُهُ جَهْلُ نِفَاقٍ وَزَنْدَقَةٍ لَا جَهْلُ تَأْوِيلٍ وَبِدْعَةٍ.
وَهَؤُلَاءِ أَصْلُ جَهْلِهِمْ لَمْ يَكُنْ جَهْلَ نِفَاقٍ وَزَنْدَقَةٍ، بَلْ جَهْلَ بِدْعَةٍ وَتَأْوِيلٍ وَقِلَّةِ عِلْمٍ بِالشَّرِيعَةِ.
وَلِهَذَا إِذَا تَبَيَّنَ لِهَؤُلَاءِ حَقِيقَةُ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ [مُحَمَّدًا] 2 رَسُولَهُ رَجَعُوا عَنْ جَهْلِهِمْ وَبِدْعَتِهِمْ.
وَأَمَّا أَئِمَّةُ الْمَلَاحِدَةِ فَيَعْلَمُونَ فِي الْبَاطِنِ أَنَّ مَا يَقُولُونَهُ مُنَاقِضٌ لِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ يُخَالِفُونَهُ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ وَضَعَ نَامُوسًا بِعَقْلِهِ وَفَضِيلَتِهِ، فَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نَضَعَ نَامُوسًا كَمَا وَضَعَ نَامُوسًا، إِذْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ عِنْدَهُمْ مُكْتَسَبَةً، وَهِيَ [عِنْدَهُمْ] 3 مِنْ جِنْسِ فَضِيلَةِ الْعُلَمَاءِ الْعُبَّادِ، وَالشَّرَائِعُ مِنْ جِنْسِ سِيَاسَةِ الْمُلُوكِ الْعَادِيَّةِ، فَيُجَوِّزُونَ أَنْ تُنْسَخَ شَرِيعَتُهُ بِشَرِيعَةٍ يَضَعُهَا الْوَاحِدُ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْعَامَّةِ، فَأَمَّا الْخَاصَّةُ إِذَا عَلِمُوا بَاطِنَهَا فَإِنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُمُ الْوَاجِبَاتُ وَتُبَاحُ لَهُمُ الْمَحْظُورَاتُ.
وَهَؤُلَاءِ وَنَحْوُهُمْ أَكْثَرُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، بَلْ إِذَا قُدِّرَ قَوْمٌ يَعْتَقِدُونَ عِصْمَةَ الْوَاحِدِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَوْ بَنِي الْعَبَّاسِ، أَوْ أَنَّهُ لَا ذُنُوبَ لَهُمْ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ4
لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، كَمَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ أَتْبَاعِ بَنِي أُمَيَّةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الْخَلِيفَةَ يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْهُ الْحَسَنَاتِ وَيَتَجَاوَزُ لَهُ عَنِ السَّيِّئَاتِ ; فَهَؤُلَاءِ مَعَ ضَلَالِهِمْ أَقَلُّ ضَلَالًا مِمَّنْ يَقُولُ بِإِمَامَةِ الْمُنْتَظَرِ وَالْعَسْكَرِيِّينَ وَنَحْوِهِمْ.
وَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا 1 الْعِصْمَةَ وَالْإِمَامَةَ فِي مَعْدُومٍ أَوْ فِيمَنْ [لَيْسَ] 2 لَهُ سُلْطَانٌ يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَلَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ أَكْثَرُ مِمَّا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأُولَئِكَ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْإِمَامَ لَهُ حَسَنَاتٌ 3 كَثِيرَةٌ تَغْمُرُ سَيِّئَاتِهِ.
وَهَذَا مُمْكِنٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ حَسَنَاتٌ تَغْمُرُ سَيِّئَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يُشْهَدُ بِهِ لِمُعَيَّنٍ إِلَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْيِينِ.
أَمَّا كَوْنُ وَاحِدٍ مِمَّنْ يُوجَدُ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَأَدْيَنُ مَعْصُومًا عَنِ الْخَطَأِ فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا ; بَلْ دَعْوَى الْعِصْمَةِ فِيمَنْ سِوَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْوَى بَاطِلَةٌ قَطْعًا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ أُولَئِكَ مَعَ جَهَالَتِهِمْ 4 هُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ وَأَقَلُّ جَهْلًا مِنْ هَؤُلَاءِ الرَّوَافِضِ 5 ، وَأَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ يَزِيدَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَكُنْ جَهْلُهُ وَضَلَالُهُ أَعْظَمَ مِنْ جَهْلِ وَضَلَالِ مَنِ اعْتَقَدَ الْإِلَهِيَّةَ وَالنُّبُوَّةَ فِي شُيُوخِ الشِّيعَةِ، لَا سِيَّمَا شُيُوخِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ، الَّذِينَ هُمْ أَكْفَرُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَتْبَاعُهُمْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِمُ الْإِلَهِيَّةَ.
وَأَمَّا عُلَمَاءُ أَهْلِ 1 السُّنَّةِ الَّذِينَ لَهُمْ قَوْلٌ [يُحْكَى] 2 فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ يَزِيدَ وَأَمْثَالَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ 3 ، كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بَلْ أَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ: " «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ 4 ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا» " 5 . وَإِنْ أَرَادَ بِاعْتِقَادِهِمْ 6 إِمَامَةَ يَزِيدَ، أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ كَانَ 7 مَلِكَ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ وَخَلِيفَتَهُمْ فِي زَمَانِهِ 8 صَاحِبَ السَّيْفِ، كَمَا كَانَ أَمْثَالُهُ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي الْعَبَّاسِ، فَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَمَنْ نَازَعَ فِي هَذَا كَانَ مُكَابِرًا ; فَإِنَّ يَزِيدَ بُويِعَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ مُعَاوِيَةَ، وَصَارَ مُتَوَلِّيًا عَلَى أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتُشْهِدَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَهِيَ أَوَّلُ سَنَةٍ فِي مُلْكِ يَزِيدَ.
وَالْحُسَيْنُ اسْتُشْهِدَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَلَّى عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْبِلَادِ.
ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا 9 جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَزِيدَ مَا جَرَى مِنَ الْفِتْنَةِ، وَاتَّبَعَهُ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْحِجَازِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ إِظْهَارُهُ طَلَبَ الْأَمْرِ لِنَفْسِهِ 10 بَعْدَ
مَوْتِ يَزِيدَ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ تَسَمَّى بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَايَعَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ إِلَّا أَهْلَ الشَّامِ.
وَلِهَذَا إِنَّمَا تُعَدُّ وِلَايَتُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِ يَزِيدَ، وَأَمَّا فِي حَيَاةِ يَزِيدَ فَإِنَّهُ امْتَنَعَ عَنْ مُبَايَعَتِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ بَذَلَ الْمُبَايَعَةَ لَهُ، فَلَمْ يَرْضَ يَزِيدُ إِلَّا بِأَنْ يَأْتِيَهُ أَسِيرًا، فَجَرَتْ بَيْنَهُمَا فِتْنَةٌ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَزِيدُ مَنْ حَاصَرَهُ بِمَكَّةَ، فَمَاتَ يَزِيدُ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ بَايَعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ.
وَتَوَلَّى بَعْدَ يَزِيدَ ابْنُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ 1 وَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ 2 ، بَلْ أَقَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ نَحْوَهَا، وَكَانَ فِيهِ صَلَاحٌ وَزُهْدٌ، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَدًا، فَتَأَمَّرَ بَعْدَهُ مَرْوَانُ [بْنُ الْحَكَمِ] 3 عَلَى الشَّامِ، وَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ 4 ، ثُمَّ تَأَمَّرَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَسَارَ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَائِبِ أَخِيهِ عَلَى الْعِرَاقِ، فَقَتَلَهُ حَتَّى مَلَكَ الْعِرَاقَ، وَأَرْسَلَ الْحَجَّاجَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ [فَحَاصَرَهُ] 5 وَقَاتَلَهُ، حَتَّى قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَاسْتَوْثَقَ الْأَمْرُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ لِأَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَفُتِحَ فِي أَيَّامِهِ بُخَارَى وَغَيْرُهَا مِنْ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَتَحَهَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ نَائِبُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الَّذِي كَانَ نَائِبَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى الْعِرَاقِ، مَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ، وَقَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ مَلِكَ التُّرْكِ خَاقَانَ وَهَزَمُوهُ وَأَسَرُوا أَوْلَادَهُ، وَفَتَحُوا أَيْضًا بِلَادَ السِّنْدِ، وَفَتَحُوا أَيْضًا بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ، وَغَزَوُا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَحَاصَرُوهَا مُدَّةً، وَكَانَتْ لَهُمُ الْغَزَوَاتُ الشَّاتِيَةُ 6 وَالصَّائِفَةُ.
ثُمَّ لَمَّا انْتَقَلَ الْأَمْرُ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ 1 تَوَلَّوْا عَلَى بِلَادِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا كَانَ قَدْ تَوَلَّى عَلَيْهِ بَنُو أُمَيَّةَ، إِلَّا بِلَادَ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّ الْأَنْدَلُسَ تَوَلَّى عَلَيْهِ بَنُو أُمَيَّةَ، وَبِلَادُ الْقَيْرَوَانِ كَانَتْ دَوْلَةً بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ.
فَيَزِيدُ فِي وِلَايَتِهِ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ، مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَخْلَفِينَ فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنَّهُ مَاتَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ بَايَعَهُ بِمَكَّةَ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ، لَمْ يَتَوَلَّ عَلَى جَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا أَنَّ وَلَدَ الْعَبَّاسِ لَمْ يَتَوَلَّوْا عَلَى جَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَوْلَادِهِ فَإِنَّهُمْ تَوَلَّوْا عَلَى جَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الثَّلَاثَةُ وَمُعَاوِيَةُ تَوَلَّوْا عَلَى جَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَتَوَلَّ عَلَى جَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
فَكَوْنُ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ إِمَامًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ سُلْطَانٌ وَمَعَهُ السَّيْفُ يُوَلِّي وَيَعْزِلُ، وَيُعْطِي وَيَحْرِمُ، وَيَحْكُمُ وَيُنَفِّذُ 2 ، وَيُقِيمُ الْحُدُودَ وَيُجَاهِدُ الْكُفَّارَ، وَيَقْسِمُ الْأَمْوَالَ - أَمْرٌ مَشْهُورٌ 3 مُتَوَاتِرٌ لَا يُمْكِنُ جَحْدُهُ.
وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ إِمَامًا وَخَلِيفَةً وَسُلْطَانًا، كَمَا أَنَّ إِمَامَ الصَّلَاةِ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ.
فَإِذَا رَأَيْنَا رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ كَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ إِمَامٌ أَمْرًا مَشْهُودًا مَحْسُوسًا لَا يُمْكِنُ الْمُكَابَرَةُ فِيهِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ بَرًّا أَوْ فَاجِرًا، أَوْ مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا، فَذَاكَ أَمْرٌ آخَرُ.
فَأَهْلُ السُّنَّةِ إِذَا اعْتَقَدُوا إِمَامَةَ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ: يَزِيدَ، أَوْ عَبْدِ الْمَلِكِ، أَوِ الْمَنْصُورِ، أَوْ غَيْرِهِمْ - كَانَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَمَنْ نَازَعَ فِي هَذَا فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَنْ نَازَعَ فِي وِلَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَفِي مُلْكِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُلُوكِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ مَعْصُومًا، فَلَيْسَ هَذَا اعْتِقَادَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ 1 ، وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ عَادِلًا فِي كُلِّ أُمُورِهِ، مُطِيعًا لِلَّهِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، لَيْسَ هَذَا اعْتِقَادَ أَحَدٍ 2 مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ وُجُوبُ طَاعَتِهِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً لِلَّهِ، لَيْسَ هُوَ اعْتِقَادَ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَكِنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ هَؤُلَاءِ يُشَارِكُونَ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِمْ فِيهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، فَتُصَلَّى خَلْفَهُمُ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدَانِ 3 وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُقِيمُونَهَا هُمْ، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُصَلَّ خَلْفَهُمْ أَفْضَى إِلَى تَعْطِيلِهَا، وَنُجَاهِدُ مَعَهُمُ الْكُفَّارَ، وَنَحُجُّ مَعَهُمُ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، وَيُسْتَعَانُ بِهِمْ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ حَجَّ 4 فِي رُفْقَةٍ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَقَدْ جَاءُوا يَحُجُّونَ، لَمْ يَضُرَّهُ هَذَا شَيْئًا، وَكَذَلِكَ الْغَزْوُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، إِذَا فَعَلَهَا الْبَرُّ وَشَارَكَهُ فِي ذَلِكَ الْفَاجِرُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ فِعْلُهَا 5 إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ
الْوَالِي الَّذِي يَفْعَلُهَا فِيهِ مَعْصِيَةٌ؟ ! وَيُسْتَعَانُ بِهِمْ أَيْضًا فِي الْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ وَالْقَسْمِ ; فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَاقِلٌ 1 أَنْ يُنَازِعَ فِي أَنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَقَسْمِهِمْ، وَيُعَاوِنُونَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلَا يُعَاوِنُونَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
وَلِلنَّاسِ نِزَاعٌ فِي تَفَاصِيلَ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا، مِثْلَ إِنْفَاذِ حُكْمِ الْحَاكِمِ الْفَاسِقِ إِذَا كَانَ الْحُكْمُ عَدْلًا، وَمِثْلَ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ هَلْ تُعَادُ أَمْ لَا؟ وَالصَّوَابُ 2 الْجَامِعُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِعَدْلٍ أَوْ قَسَمَ بِعَدْلٍ نَفَذَ حُكْمُهُ وَقَسْمُهُ 3 ، وَمَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ أُعِينَ عَلَى ذَلِكَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَوْلِيَةُ إِمَامٍ [بَرٍّ] لَمْ [يَجُزْ] تَوْلِيَةُ فَاجِرٍ وَلَا مُبْتَدِعٍ 4 يُظْهِرُ بِدْعَتَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَلَا يَجُوزُ 5 تَوْلِيَتُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا تَوْلِيَةُ أَحَدِ رَجُلَيْنِ كِلَاهُمَا فِيهِ بِدْعَةٌ وَفُجُورٌ، كَانَ تَوْلِيَةُ أَصْلَحِهِمَا وِلَايَةً هُوَ الْوَاجِبُ.
وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ فِي الْغَزْوِ إِلَّا تَأْمِيرُ أَحَدِ رَجُلَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِيهِ دِينٌ وَضَعْفٌ عَنِ الْجِهَادِ، وَالْآخَرُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي الْجِهَادِ مَعَ ذُنُوبٍ لَهُ، كَانَ تَوْلِيَةُ هَذَا الَّذِي وِلَايَتُهُ أَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ، خَيْرًا مِنْ تَوْلِيَةِ مَنْ وِلَايَتُهُ أَضَرُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ
وَالْجَمَاعَةِ وَغَيْرِهِمَا إِلَّا خَلْفَ الْفَاجِرِ وَالْمُبْتَدِعِ صُلِّيَتْ خَلْفَهُ وَلَمْ تُعَدْ، وَإِنْ أَمْكَنَ الصَّلَاةُ خَلْفَ غَيْرِهِ 1 ، وَكَانَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ هَجْرٌ لَهُ، لِيَرْتَدِعَ هُوَ وَأَمْثَالُهُ بِهِ عَنِ الْبِدْعَةِ وَالْفُجُورِ، فُعِلَ ذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ صُلِّيَ خَلْفَهُ، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ.
فَفِي الْجُمْلَةِ أَهْلُ السُّنَّةِ يَجْتَهِدُونَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سُورَةُ التَّغَابُنِ: 16] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» " 2 ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَلَاحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّلَاحِ وَنَهَى عَنِ الْفَسَادِ، فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ فِيهِ صَلَاحٌ وَفَسَادٌ رَجَّحُوا الرَّاجِحَ مِنْهُمَا، فَإِذَا كَانَ صَلَاحُهُ أَكْثَرَ مِنْ فَسَادِهِ رَجَّحُوا فِعْلَهُ، وَإِنْ كَانَ فَسَادُهُ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاحِهِ رَجَّحُوا تَرْكَهُ.
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا.
فَإِذَا تَوَلَّى خَلِيفَةٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ، كَيَزِيدَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَالْمَنْصُورِ وَغَيْرِهِمْ، * فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ مَنْعُهُ مِنَ الْوِلَايَةِ وَقِتَالُهُ حَتَّى يُوَلَّى 3 غَيْرُهُ * 4 كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَرَى السَّيْفَ، فَهَذَا رَأْيٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ مَفْسَدَةَ هَذَا 5 أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ.
وَقَلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا كَانَ
مَا تَوَلَّدَ عَلَى فِعْلِهِ مِنَ الشَّرِّ أَعْظَمَ مِمَّا تَوَلَّدَ مِنَ الْخَيْرِ.
كَالَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى يَزِيدَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَابْنِ الْأَشْعَثِ الَّذِي خَرَجَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْعِرَاقِ، وَكَابْنِ الْمُهَلَّبِ الَّذِي خَرَجَ عَلَى ابْنِهِ 1 بِخُرَاسَانَ، وَكَأَبِي مُسْلِمٍ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِمْ بِخُرَاسَانَ [أَيْضًا] 2 ، وَكَالَّذِينَ 3 خَرَجُوا عَلَى الْمَنْصُورِ بِالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ.
وَغَايَةُ هَؤُلَاءِ إِمَّا أَنْ يَغْلِبُوا وَإِمَّا أَنْ يُغْلَبُوا، ثُمَّ يَزُولُ مُلْكُهُمْ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ عَاقِبَةٌ ; فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ وَأَبَا مُسْلِمٍ هُمَا اللَّذَانِ 4 قَتَلَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَكِلَاهُمَا قَتَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْحَرَّةِ وَابْنُ الْأَشْعَثِ وَابْنُ الْمُهَلَّبِ وَغَيْرُهُمْ 5 فَهُزِمُوا وَهُزِمَ أَصْحَابُهُمْ، فَلَا أَقَامُوا دِينًا وَلَا أَبْقَوْا دُنْيَا.
وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَأْمُرُ بِأَمْرٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ صَلَاحُ الدِّينِ وَلَا صَلَاحُ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ فَاعِلُ ذَلِكَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ 6 الْمُتَّقِينَ وَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَيْسُوا أَفْضَلَ مِنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُحْمَدُوا مَا فَعَلُوهُ 7 مِنَ الْقِتَالِ، وَهُمْ أَعْظَمُ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَحْسَنُ نِيَّةً مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْحَرَّةِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ خَلْقٌ.
وَكَذَلِكَ
أَصْحَابُ ابْنِ الْأَشْعَثِ كَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ [كُلِّهِمْ] 1 .
وَقَدْ قِيلَ لِلشَّعْبِيِّ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ: أَيْنَ كُنْتَ يَا عَامِرُ؟ قَالَ: كُنْتُ حَيْثُ يَقُولُ الشَّاعِرُ
عَوَى الذِّئْبُ فَاسْتَأْنَسْتُ بِالذِّئْبِ إِذْ عَوَى ... وَصَوَّتَ إِنْسَانٌ فَكِدْتُ أَطِيرُ.
أَصَابَتْنَا فِتْنَةٌ لَمْ نَكُنْ فِيهَا بَرَرَةً أَتْقِيَاءَ، وَلَا فَجَرَةً أَقْوِيَاءَ.
وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ عَذَابُ اللَّهِ، فَلَا تَدْفَعُوا عَذَابَ اللَّهِ بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالِاسْتِكَانَةِ وَالتَّضَرُّعِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 76] وَكَانَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ يَقُولُ: اتَّقَوُا الْفِتْنَةَ بِالتَّقْوَى.
فَقِيلَ لَهُ: أَجْمِلْ لَنَا التَّقْوَى.
فَقَالَ: أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ تَخَافُ عَذَابَ اللَّهِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.
وَكَانَ أَفَاضِلُ الْمُسْلِمِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْخُرُوجِ وَالْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُمْ يَنْهَوْنَ عَامَ الْحَرَّةِ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَى يَزِيدَ، وَكَمَا كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْخُرُوجِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ.
وَلِهَذَا اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَارُوا يَذْكُرُونَ هَذَا فِي عَقَائِدِهِمْ، وَيَأْمُرُونَ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ
الْأَئِمَّةِ وَتَرْكِ قِتَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَاتَلَ فِي الْفِتْنَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ.
وَبَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ يَشْتَبِهُ بِالْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْبَابِ وَاعْتَبَرَ أَيْضًا اعْتِبَارَ أُولِي الْأَبْصَارِ، عَلِمَ أَنَّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ خَيْرُ الْأُمُورِ.
وَلِهَذَا لَمَّا أَرَادَ الْحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَخْرُجَ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ لَمَّا كَاتَبُوهُ كُتُبًا كَثِيرَةً أَشَارَ عَلَيْهِ أَفَاضِلُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، كَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ لَا يَخْرُجَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ مِنْ قَتِيلٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْلَا الشَّفَاعَةُ لَأَمْسَكْتُكَ وَمَنَعْتُكَ مِنَ الْخُرُوجِ.
وَهُمْ فِي ذَلِكَ قَاصِدُونَ نَصِيحَتَهُ طَالِبُونَ لِمَصْلَحَتِهِ وَمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ إِنَّمَا يَأْمُرُ بِالصَّلَاحِ لَا بِالْفَسَادِ، لَكِنَّ الرَّأْيَ يُصِيبُ تَارَةً وَيُخْطِئُ أُخْرَى.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَالَهُ أُولَئِكَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْخُرُوجِ لَا مَصْلَحَةُ دِينٍ وَلَا مَصْلَحَةُ دُنْيَا 1 ، بَلْ تَمَكَّنَ أُولَئِكَ الظَّلَمَةُ الطُّغَاةُ مِنْ سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قَتَلُوهُ مَظْلُومًا شَهِيدًا، وَكَانَ فِي خُرُوجِهِ وَقَتْلِهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَمْ يَكُنْ حَصَلَ 2 لَوْ قَعَدَ فِي بَلَدِهِ، فَإِنَّ مَا قَصَدَهُ مِنْ تَحْصِيلِ الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ، بَلْ زَادَ الشَّرُّ بِخُرُوجِهِ وَقَتْلِهِ، وَنَقَصَ
الْخَيْرُ بِذَلِكَ، وَصَارَ ذَلِكَ 1 سَبَبًا لِشَرٍّ عَظِيمٍ.
وَكَانَ قَتْلُ الْحُسَيْنِ مِمَّا أَوْجَبَ الْفِتَنَ، كَمَا كَانَ قَتْلُ عُثْمَانَ مِمَّا أَوْجَبَ الْفِتَنَ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ وَتَرْكِ قِتَالِهِمْ وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ هُوَ أَصْلَحُ الْأُمُورِ لِلْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُخْطِئًا لَمْ يَحْصُلْ بِفِعْلِهِ صَلَاحٌ بَلْ فَسَادٌ.
وَلِهَذَا أَثْنَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْحَسَنِ بِقَوْلِهِ: " «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» " 2 وَلَمْ يُثْنِ عَلَى أَحَدٍ لَا بِقِتَالٍ فِي فِتْنَةٍ وَلَا بِخُرُوجٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا نَزْعِ يَدٍ مِنْ طَاعَةٍ وَلَا مُفَارَقَةٍ لِلْجَمَاعَةِ.
وَأَحَادِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثَّابِتَةُ فِي الصَّحِيحِ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا.
كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ إِلَى جَنْبِهِ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ مَرَّةً وَيَقُولُ: " إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ". فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ سَيِّدٌ، وَحَقَّقَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ [عَظِيمَتَيْنِ] 3 مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ كَانَ مَحْبُوبًا 4 مَمْدُوحًا يُحِبُّهُ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ الَّتِي أَثْنَى بِهَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَوْ كَانَ الْقِتَالُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا لَمْ يُثْنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَحَدٍ 1 بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ.
وَلِهَذَا لَمْ يُثْنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَحَدٍ 2 بِمَا جَرَى مِنَ الْقِتَالِ يَوْمَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ فَضْلًا عَمَّا جَرَى فِي الْمَدِينَةِ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَمَا جَرَى بِمَكَّةَ فِي حِصَارِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَا جَرَى فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ وَابْنِ الْمُهَلَّبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفِتَنِ.
وَلَكِنْ تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالنَّهْرَوَانِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ عَلَيْهِ بِحَرُورَاءَ ; فَهَؤُلَاءِ اسْتَفَاضَتِ السُّنَنُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ، وَلَمَّا قَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرِحَ بِقِتَالِهِمْ، وَرَوَى الْحَدِيثَ فِيهِمْ.
وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ، وَكَذَلِكَ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ بَعْدَهُمْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقِتَالُ [عِنْدَهُمْ] 3 كَقِتَالِ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ، وَلَا حَمِدَهُ أَفَاضِلُ الدَّاخِلِينَ فِيهِ، بَلْ نَدِمُوا عَلَيْهِ وَرَجَعُوا عَنْهُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ ذَكَرَ فِي الْحَسَنِ مَا ذَكَرَهُ، وَحَمِدَ مِنْهُ مَا حَمِدَهُ، [فَكَانَ مَا ذَكَرَهُ وَمَا حَمِدَهُ] 4 مُطَابِقًا لِلْحَقِّ الْوَاقِعِ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً ; فَإِنَّ إِصْلَاحَ اللَّهِ بِالْحَسَنِ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ
كَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتُشْهِدَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَالْحَسَنُ حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عُمُرُهُ نَحْوَ سَبْعِ سِنِينَ، فَإِنَّهُ وُلِدَ عَامَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَبُو بَكْرَةَ أَسْلَمَ عَامَ الطَّائِفِ، تَدَلَّى بِبَكْرَةٍ فَقِيلَ لَهُ أَبُو بَكْرَةَ 1 . وَالطَّائِفُ كَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.
فَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَسَنِ كَانَ بَعْدَ مَا مَضَى ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثِينَ سَنَةً الَّتِي هِيَ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَضَى لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَهً، فَإِنَّهُ قَالَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمِمَّا يُنَاسِبُ هَذَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ 2 مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ «عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ وَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا» " 3 . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَمْعُهُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَأُسَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ يُحِبُّهُمَا [وَدُعَاؤُهُ اللَّهَ أَنْ يُحِبَّهُمَا] 4 . وَحُبُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهَذَيْنِ 5 مُسْتَفِيضٌ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ 6 : «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَالْحَسَنَ [بْنَ عَلِيٍّ] 1 عَلَى عَاتِقِهِ [وَهُوَ] 2 يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ» " 3 . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ [شَأْنُ] 4 الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ [قَالُوا] 5 : وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ 6 بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ؟ 7 وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: نَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى رَجُلٍ يَسْحَبُ ثِيَابَهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: انْظُرْ مَنْ هَذَا؟ لَيْتَ هَذَا
عِنْدِي! قَالَ لَهُ إِنْسَانٌ: أَمَا تَعْرِفُ هَذَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ.
قَالَ: فَطَأْطَأَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأْسَهُ، وَنَقَرَ بِيَدَيْهِ 1 عَلَى الْأَرْضِ، وَقَالَ: لَوْ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَأَحَبَّهُ 2 .
وَهَذَانِ اللَّذَانِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مَحَبَّتِهِ، وَدَعَا اللَّهَ لَهُمَا بِالْمَحَبَّةِ، وَكَانَ يُعْرَفُ حُبُّهُ لِكُلِّ [وَاحِدٍ] 3 مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا، لَمْ يَكُنْ رَأْيُهُمَا الْقِتَالَ فِي تِلْكَ الْحُرُوبِ، بَلْ أُسَامَةُ قَعَدَ عَنِ الْقِتَالِ يَوْمَ صِفِّينَ: لَمْ يُقَاتِلْ مَعَ هَؤُلَاءِ وَلَا [مَعَ] هَؤُلَاءِ 4 .
وَكَذَلِكَ الْحَسَنُ كَانَ دَائِمًا 5 يُشِيرُ عَلَى أَبِيهِ وَأَخِيهِ بِتَرْكِ الْقِتَالِ، وَلَمَّا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ تَرَكَ الْقِتَالَ، وَأَصْلَحَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ.
وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي آخِرِ الْأَمْرِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي فِعْلِهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُقْتَلْ إِلَّا مَظْلُومًا شَهِيدًا، تَارِكًا لِطَلَبِ الْإِمَارَةِ 6 ، طَالِبًا لِلرُّجُوعِ: إِمَّا إِلَى بَلَدِهِ، أَوْ إِلَى الثَّغْرِ 7 ، أَوْ إِلَى الْمُتَوَلِّي عَلَى النَّاسِ يَزِيدَ.
وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: إِنَّ عَلِيًّا وَالْحُسَيْنَ إِنَّمَا تَرَكَا الْقِتَالَ [فِي آخِرِ الْأَمْرِ] 1 لِلْعَجْزِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْصَارٌ 2 ، فَكَانَ فِي الْمُقَاتَلَةِ قَتْلُ النُّفُوسِ بِلَا حُصُولِ الْمَصْلَحَةِ الْمَطْلُوبَةِ.
قِيلَ لَهُ: وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ الْحِكْمَةُ الَّتِي رَاعَاهَا الشَّارِعُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّهْيِ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَى الْأُمَرَاءِ، وَنَدَبَ إِلَى تَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُونَ لِذَلِكَ يَرَوْنَ أَنَّ مَقْصُودَهُمُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، كَالَّذِينَ خَرَجُوا بِالْحَرَّةِ وَبِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ عَلَى يَزِيدَ وَالْحَجَّاجِ وَغَيْرِهِمَا.
لَكِنْ إِذَا لَمْ يُزَلِ الْمُنْكَرُ إِلَّا بِمَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ، صَارَ 3 إِزَالَتُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُنْكَرًا، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْمَعْرُوفُ إِلَّا بِمُنْكَرٍ مَفْسَدَتُهُ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ ذَلِكَ الْمَعْرُوفِ، كَانَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الْمَعْرُوفِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُنْكَرًا.
وَبِهَذَا الْوَجْهِ صَارَتِ الْخَوَارِجُ تَسْتَحِلُّ السَّيْفَ 4 عَلَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ، حَتَّى قَاتَلَتْ عَلِيًّا وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ وَافَقَهُمْ فِي الْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ بِالسَّيْفِ [فِي الْجُمْلَةِ] 5 مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، كَالَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ، وَأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ] 6 وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ أَهْلَ الدِّيَانَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقْصِدُونَ تَحْصِيلَ مَا يَرَوْنَهُ دِينًا.
لَكِنْ قَدْ يُخْطِئُونَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَا رَأَوْهُ دِينًا لَيْسَ بِدِينٍ 1 ، كَرَأْيِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ ; فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ رَأْيًا هُوَ خَطَأٌ وَبِدْعَةٌ، وَيُقَاتِلُونَ النَّاسَ عَلَيْهِ، بَلْ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، فَيَصِيرُونَ مُخْطِئِينَ فِي رَأْيِهِمْ، وَفِي قِتَالِ 2 مَنْ خَالَفَهُمْ أَوْ تَكْفِيرِهِمْ وَلَعْنِهِمْ.
وَهَذِهِ حَالُ 3 عَامَّةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، كَالْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى إِنْكَارِ حَقِيقَةِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى 4 ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ كَلَامٌ إِلَّا مَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنَّهُ لَا يُرَى، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَامْتَحَنُوا النَّاسَ لَمَّا مَالَ إِلَيْهِمْ بَعْضُ وُلَاةِ الْأُمُورِ، فَصَارُوا يُعَاقِبُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي رَأْيِهِمْ: إِمَّا بِالْقَتْلِ، وَإِمَّا بِالْحَبْسِ، وَإِمَّا بِالْعَزْلِ وَمَنْعِ الرِّزْقِ.
وَكَذَلِكَ قَدْ 5 فَعَلَتِ الْجَهْمِيَّةُ ذَلِكَ 6 غَيْرَ مَرَّةٍ، وَاللَّهُ يَنْصُرُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ.
وَالرَّافِضَةُ شَرٌّ مِنْهُمْ: إِذَا تَمَكَّنُوا فَإِنَّهُمْ يُوَالُونَ الْكُفَّارَ وَيَنْصُرُونَهُمْ، وَيُعَادُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كُلَّ مَنْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَى رَأْيِهِمْ.
وَكَذَلِكَ مَنْ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْبِدَعِ: إِمَّا مِنْ بِدَعِ الْحُلُولِيَّةِ: حُلُولِيَّةِ الذَّاتِ أَوِ الصِّفَاتِ، وَإِمَّا مِنْ بِدَعِ النُّفَاةِ أَوِ الْغُلُوِّ فِي الْإِثْبَاتِ، وَإِمَّا [مِنْ] 7 بِدَعِ الْقَدَرِيَّةِ أَوِ الْإِرْجَاءِ
أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - تَجِدُهُ يَعْتَقِدُ اعْتِقَادَاتٍ فَاسِدَةً، وَيُكَفِّرُ مَنْ خَالَفَهُ أَوْ يَلْعَنُهُ.
وَالْخَوَارِجُ الْمَارِقُونَ أَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَفِي قِتَالِهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: مَنْ يُقَاتِلُ 1 عَلَى اعْتِقَادِ رَأْيٍ يَدْعُو إِلَيْهِ مُخَالِفٍ لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، كَأَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَالْحَرَّةِ وَالْجَمَاجِمِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنْ يَظُنُّ أَنَّهُ بِالْقِتَالِ تَحْصُلُ الْمَصْلَحَةُ الْمَطْلُوبَةُ، فَلَا يَحْصُلُ بِالْقِتَالِ ذَلِكَ، بَلْ تَعْظُمُ الْمَفْسَدَةُ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ، فَيَتَبَيَّنُ لَهُمْ فِي آخِرِ الْأَمْرِ مَا كَانَ الشَّارِعُ دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ.
وَفِيهِمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ نُصُوصُ الشَّارِعِ، أَوْ لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ.
وَفِيهِمْ مَنْ يَظُنُّهَا مَنْسُوخَةً كَابْنِ حَزْمٍ.
وَفِيهِمْ مَنْ يَتَأَوَّلُهَا كَمَا يَجْرِي لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ.
فَإِنَّ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ [الثَّلَاثَةِ] 2 يَتْرُكُ مَنْ يَتْرُكُ 3 مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ الْعَمَلَ بِبَعْضِ النُّصُوصِ ; إِمَّا أَنْ لَا يَعْتَقِدَ ثُبُوتَهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِمَّا أَنْ يَعْتَقِدَهَا غَيْرَ دَالَّةٍ عَلَى مَوْرِدِ الِاسْتِدْلَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَعْتَقِدَهَا مَنْسُوخَةً.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ أَسْبَابَ هَذِهِ الْفِتَنِ تَكُونُ مُشْتَرَكَةً، فَيَرِدُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنَ الْوَارِدَاتِ مَا يَمْنَعُ الْقُلُوبَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَقَصْدِهِ.
وَلِهَذَا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْجَاهِلِيَّةُ لَيْسَ فِيهَا مَعْرِفَةُ الْحَقِّ وَلَا قَصْدُهُ، وَالْإِسْلَامُ جَاءَ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، بِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَقَصْدِهِ.
فَيَتَّفِقُ أَنَّ بَعْضَ
الْوُلَاةِ يَظْلِمُ بِاسْتِئْثَارٍ 1 فَلَا تَصْبِرُ النُّفُوسُ عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا يُمْكِنُهَا دَفْعُ ظُلْمِهِ إِلَّا بِمَا هُوَ أَعْظَمُ فَسَادًا مِنْهُ.
وَلَكِنْ لِأَجْلِ مَحَبَّةِ الْإِنْسَانِ لِأَخْذِ حَقِّهِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ، لَا يَنْظُرُ فِي الْفَسَادِ الْعَامِّ الَّذِي يَتَوَلَّدُ عَنْ فِعْلِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» " 2 .
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا؟ قَالَ: " سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» " 3 .
وَفِي رِوَايَةٍ [لِلْبُخَارِيِّ] 4 عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْوَلِيدِ قَالَ: «دَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَنْصَارَ إِلَى أَنْ يَقْطَعَ لَهُمُ الْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: لَا إِلَّا أَنْ تَقْطَعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ