مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
- الطبعة
- الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]
وَعَبْدُ اللَّهِ [بْنُ سَعِيدِ] 1 بْنِ كُلَّابٍ وَالْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ كَانُوا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، بَلْ كَانُوا أَكْمَلَ إِثْبَاتًا مِنَ الْأَشْعَرِيِّ 2 ، [فَالْعُلُوُّ عِنْدَهُمْ مِنَ الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ مِنَ الصِّفَاتِ السَّمْعِيَّةِ] 3 ، (3 وَنَقَلَ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ 3) 4 عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ كَمَا فَهِمَهُ عَنْهُمْ 5 . [وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ كُلَّابٍ هُوَ الْأُسْتَاذَ الَّذِي اقْتَدَى بِهِ الْأَشْعَرِيُّ فِي طَرِيقِهِ هُوَ وَأَئِمَّةُ أَصْحَابِهِ 6 كَالْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيِّ وَأَبِي سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ وَأَبِي حَاتِمٍ الْبُسْتِيِّ 7 . وَخَلْقٌ كَثِيرٌ يَقُولُونَ: إِنَّ اتِّصَافَهُ بِأَنَّهُ مُبَايِنٌ لِلْعَالَمِ عَالٍ عَلَيْهِ هُوَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَعْلُومَةِ بِالْعَقْلِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ فَهُوَ مِنَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ 8 وَأَكْثَرُ أَهْلِ
الْحَدِيثِ، وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَقَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الزَّاغُونِيِّ 1 ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّ كِلَيْهِمَا صِفَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ أَوَّلُ 2 قَوْلَيِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَقَوْلُ التَّمِيمِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِهِ] 3 .
وَكَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي [أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ] 4 أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ [اللَّهُ] فَوْقَ الْعَرْشِ [أَوْ فِي السَّمَاءِ] 5 . وَهَؤُلَاءِ [الَّذِينَ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ كَأَبِي الْمَعَالِي وَأَتْبَاعِهِ، فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ وَأَئِمَّةَ أَصْحَابِهِ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ.
6
وَهَؤُلَاءِ يَنْفُونَهَا، فَنَفَوْا هَذِهِ الصِّفَةَ ; لِأَنَّهَا - عَلَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ - مِنَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الصِّفَةُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ عَقْلِيَّةً] (1) قَالُوا: إِنَّهُ يُرَى لَا فِي جِهَةٍ (2) .
وَجُمْهُورُ النَّاسِ [مِنْ] (3) مُثْبِتَةِ الرُّؤْيَةِ وَنُفَاتِهَا يَقُولُونَ: إِنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، كَقَوْلِهِمْ فِي الْكَلَامِ.
وَلِهَذَا يَذْكُرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَالرُّؤْيَةِ (4) أَحَدٌ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ.
ابن تيمية يسلك طريقين من البيان في مسألة الرؤية
الطريق الأول
وَنَحْنُ [نَسْلُكُ طَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَيَانِ: أَحَدُهُمَا: نُبَيِّنُ فِيهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ رَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ مُثْبِتِيِ الرُّؤْيَةِ كَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ مِنْ قَوْلِ النُّفَاةِ.
الثَّانِي: نُبَيِّنُ فِي الْحَقِّ بَيَانًا مُطْلَقًا لَا نَذُبُّ فِيهِ عَنْ أَحَدٍ.
الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ: أَنْ] (5) نُبَيِّنَ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الطَّوَائِفِ الْمُثْبِتَةِ لِلرُّؤْيَةِ 5 أَقَلُّ خَطَأً وَأَكْثَرُ صَوَابًا مِنْ نُفَاةِ الرُّؤْيَةِ.
وَنَقُولُ لِهَؤُلَاءِ النُّفَاةِ [لِلرُّؤْيَةِ] 6 : أَنْتُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّشْنِيعَ عَلَى الْأَشْعَرِيَّةِ [وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ] 7 فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ.
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ مِنْكُمْ [نَقْلًا12348
َالطَّرِيقُ الثَّانِي
يَبْدَأُ ص 348.
وَعَقْلًا] 1 ، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ إِذَا كَانَ فِيهِ خَطَأٌ فَالْخَطَأُ [الَّذِي فِي] 2 قَوْلِكُمْ أَعْظَمُ وَأَفْحَشُ 3 [عَقْلًا وَنَقْلًا] 4 .
فَإِذَا قُلْتُمْ: هَؤُلَاءِ إِذَا أَثْبَتُوا مَرْئِيًّا لَا 5 فِي جِهَةٍ كَانَ هَذَا 6 مُكَابَرَةً لِلْعَقْلِ.
قِيلَ لَكُمْ: لَا يَخْلُو 7 إِمَّا أَنْ تُحَكِّمُوا فِي هَذَا الْبَابِ الْعَقْلَ، وَإِمَّا أَنْ لَا تُحَكِّمُوهُ 8 ، فَإِنْ لَمْ تُحَكِّمُوهُ بَطَلَ قَوْلُكُمْ، وَإِنْ حَكَّمْتُمُوهُ فَقَوْلُ مَنْ أَثْبَتَ مَوْجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ يُرَى أَقْرَبَ إِلَى الْعَقْلِ 9 مِنْ قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ مَوْجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَا يُرَى.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَى.
وَ [ذَلِكَ] لِأَنَّ 10 الرُّؤْيَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي ثُبُوتِهَا أُمُورٌ عَدَمِيَّةٌ بَلْ لَا يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِهَا 11 إِلَّا أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ.
وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي هُنَا أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يُرَى كَمَا ادَّعَى 12 ذَلِكَ مَنِ ادَّعَاهُ فَقَامَتْ عَلَيْهِ الشَّنَاعَاتُ، [فَإِنَّ ابْنَ كُلَّابٍ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ
الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: كُلُّ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ يُرَى، وَهَكَذَا قَالَتِ الْكَرَّامِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ فِيمَا أَظُنُّ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي سَلَكَهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ.
وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ فَادَّعَى أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجُوزُ أَنْ يُرَى، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ، ثُمَّ طَرَّدَ قِيَاسَهُ فَقَالَ: كُلُّ مَوْجُودٍ يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ الْإِدْرَاكَاتُ الْخَمْسُ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْمَعَالِي وَالرَّازِيِّ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمْ، وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ فَقَالُوا: لَا نُثْبِتُ فِي ذَلِكَ الشَّمَّ وَالذَّوْقَ وَاللَّمْسَ، وَنَفَوْا جَوَازَ تَعَلُّقِ هَذِهِ بِالْبَارِئِ، وَالْأَوَّلُونَ جَوَّزُوا تَعَلُّقَ الْخَمْسِ بِالْبَارِئِ، وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ أَثْبَتُوا مَا جَاءَ بِهِ السَّمْعُ مِنَ اللَّمْسِ دُونَ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ، وَكَذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ جِنْسَ الْإِدْرَاكِ كَالْبَصْرِيِّينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ كَالْبَغْدَادِيِّينَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا بِأَنَّ الْمُثْبِتَةَ، وَلَوْ أَخْطَئُوا فِي بَعْضِ كَلَامِهِمْ فَهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ نَقْلًا وَعَقْلًا مِنْ نُفَاةِ الرُّؤْيَةِ] 1 .
فَنَقُولُ 2 : مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا يُرَى وَمِنْهَا مَا لَا يُرَى، وَالْفَارِقُ بَيْنَهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُمُورًا عَدَمِيَّةً ; لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ [وَالْمَرْئِيُّ لَا يَكُونُ إِلَّا مَوْجُودًا، فَلَيْسَتْ عَدَمِيَّةً] 3 لَا تَتَعَلَّقُ 4 بِالْمَعْدُومِ، وَلَا 5 يَكُونُ الشَّرْطُ فِيهِ
إِلَّا أَمْرًا وُجُودِيًّا [لَا يَكُونُ عَدَمِيًّا، وَكُلُّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إِلَّا الْوُجُودُ دُونَ الْعَدَمِ كَانَ بِالْوُجُودِ الْأَكْمَلِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْأَنْقَصِ] 1 ، فَكُلُّ مَا كَانَ 2 وَجُودُهُ أَكْمَلَ كَانَ أَحَقَّ بِأَنْ يُرَى، وَكُلُّ مَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُرَى فَهُوَ أَضْعَفُ وُجُودًا [مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُرَى] 3 ، فَالْأَجْسَامُ الْغَلِيظَةُ أَحَقُّ بِالرُّؤْيَةِ [مِنَ الْهَوَاءِ 4 ، وَالضِّيَاءُ أَحَقُّ بِالرُّؤْيَةِ] مِنَ الظَّلَامِ ; لِأَنَّ النُّورَ أَوْلَى بِالْوُجُودِ، وَالظُّلْمَةَ أَوْلَى بِالْعَدَمِ، وَالْمَوْجُودُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ أَكْمَلُ الْمَوْجُودَاتِ وُجُودًا وَأَبْعَدُ 5 الْأَشْيَاءِ عَنِ الْعَدَمِ فَهُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يُرَى، وَإِنَّمَا لَمْ نَرَهُ 6 لِعَجْزِ أَبْصَارِنَا عَنْ رُؤْيَتِهِ لَا لِأَجْلِ امْتِنَاعِ رُؤْيَتِهِ، كَمَا أَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ أَحَقُّ بِأَنْ يُرَى مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ.
وَلِهَذَا مَثَّلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُؤْيَةَ اللَّهِ بِهِ فَقَالَ: " «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» " شَبَّهَ الرُّؤْيَةَ بِالرُّؤْيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَرْئِيُّ مِثْلَ الْمَرْئِيِّ، وَمَعَ هَذَا فَإِذَا حَدَّقَ الْبَصَرُ فِي الشُّعَاعِ 7 ضَعُفَ عَنْ رُؤْيَتِهِ، لَا لِامْتِنَاعٍ فِي [ذَاتِ] 8 الْمَرْئِيِّ بَلْ لِعَجْزِ الرَّائِي، فَإِذَا كَانَ فِي
الدَّارِ الْآخِرَةِ أَكْمَلَ اللَّهُ [تَعَالَى] 1 الْآدَمِيِّينَ وَقَوَّاهُمْ حَتَّى أَطَاقُوا رُؤْيَتَهُ، وَلِهَذَا لَمَّا تَجَلَّى اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] 2 لِلْجَبَلِ خَرَّ مُوسَى صَعِقًا ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 143] . قِيلَ: أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ 3 بِأَنَّهُ لَا يَرَاكَ حَيٌّ إِلَّا مَاتَ، وَلَا يَابِسٌ إِلَّا تَدَهْدَهَ 4 ، فَهَذَا لِلْعَجْزِ 5 الْمَوْجُودِ فِي الْمَخْلُوقِ، لَا لِامْتِنَاعٍ فِي ذَاتِ الْمَرْئِيِّ، بَلْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ ذَاتِهِ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِنَقْصِ وَجُودِهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَعْدُومِ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُرَى [خَارِجَ الرَّائِي] 6 . [وَلِهَذَا كَانَ الْبَشَرُ يَعْجِزُونَ عَنْ رُؤْيَةِ الْمَلَكِ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَنْ أَيَّدَهُ اللَّهُ، كَمَا أَيَّدَ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ - وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 8، 9] قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: هُمْ لَا يُطِيقُونَ أَنْ يَرَوُا الْمَلَكَ فِي صُورَتِهِ، فَلَوْ أَنْزَلْنَا إِلَيْهِمْ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ فِي صُورَةِ بَشَرٍ، وَحِينَئِذٍ كَانَ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ هَلْ هُوَ مَلَكٌ أَوْ بَشَرٌ، فَمَا كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِإِرْسَالِ الْمَلَكِ إِلَيْهِمْ، فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ بَشَرًا مِنْ جِنْسِهِمْ يُمْكِنُهُمْ رُؤْيَتُهُ وَالتَّلَقِّي عَنْهُ، وَكَانَ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ وَالرَّحْمَةِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [سُورَةُ التَّكْوِيرِ: 22] ،
وَقَالَ: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [سُورَةُ النَّجْمِ: 2] وَقَالَ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 128] وَقَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 4] وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ] 1 .
فَإِنْ قُلْتُمْ: هَؤُلَاءِ 2 يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَرَى لَا فِي جِهَةٍ، وَهَذِهِ مُكَابَرَةٌ.
فَيُقَالُ: هَذَا قَالُوهُ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي اتَّفَقْتُمْ أَنْتُمْ 3 وَهُمْ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي جِهَةٍ.
ثُمَّ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ مَعَ الْأَشْعَرِيِّ وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ [أَصْحَابِ الْحَدِيثِ] 4 ، أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ كَالتَّمِيمِيِّينَ وَابْنِ عَقِيلٍ 5 وَغَيْرِهِمْ: فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ بِذَاتِهِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا مُتَحَيِّزٍ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا الْقَوْلُ مُكَابَرَةٌ لِلْعَقْلِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فَوْقَ الْعَالَمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَمَيَّزَ 6 مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ، [وَإِذَا تَمَيَّزَ مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ] 7 كَانَ جِسْمًا، فَإِذَا أَثْبَتُوا مَوْجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ 8 لَا يُوصَفُ بِمُحَاذَاةٍ
وَلَا مُمَاسَّةٍ 1 ، وَلَا يَتَمَيَّزُ 2 مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ كَانَ هَذَا مُكَابَرَةً.
فَيُقَالُ: لَكُمْ: أَنْتُمْ [يَا نُفَاةَ الرُّؤْيَةِ] 3 تَقُولُونَ وَمَنْ وَافَقَكُمْ مِنَ الْمُثْبِتِينَ لِلرُّؤْيَةِ: إِنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُبَايِنٌ لَهُ وَلَا مُحَايِثٌ لَهُ 4 .
فَإِذَا قِيلَ لَكُمْ: هَذَا خِلَافُ الْمَعْلُومِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ 5 ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يُثْبِتُ شَيْئَيْنِ مَوْجُودَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُبَايِنًا لِلْآخَرِ أَوْ دَاخِلًا فِيهِ، كَمَا يُثْبِتُ 6 الْأَعْيَانَ الْمُتَبَايِنَةَ وَالْأَعْرَاضَ الْقَائِمَةَ.
بِهَا وَأَمَّا إِثْبَاتُ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَلَا يَكُونُ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، فَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ الْعَقْلُ 7 اسْتِحَالَتَهُ وَبُطْلَانَهُ بِالضَّرُورَةِ.
قُلْتُمْ 8 : هَذَا النَّفْيُ حُكْمُ الْوَهْمِ لَا حُكْمُ الْعَقْلِ، وَجَعَلْتُمْ فِي الْفِطْرَةِ حَاكِمَيْنِ 9 : أَحَدُهُمَا الْوَهْمُ وَالْآخَرُ الْعَقْلُ، مَعَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الْوَهْمَ قُلْتُمْ 10 هُوَ الْقُوَّةُ الَّتِي تُدْرِكُ مَعَانِيَ جُزْئِيَّةً غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ فِي الْأَعْيَانِ الْمَحْسُوسَةِ، كَالْعَدَاوَةِ وَالصَّدَاقَةِ، كَمَا تُدْرِكُ الشَّاةَ مَعْنًى فِي الذِّئْبِ وَمَعْنًى فِي الْكَبْشِ، فَتَمِيلُ إِلَى هَذَا وَتَنْفِرُ عَنْ هَذَا.
وَإِذَا كَانَ الْوَهْمُ إِنَّمَا
يُدْرِكُ أُمُورًا 1 مُعَيَّنَةً فَهَذِهِ الْقَضَايَا الَّتِي نَتَكَلَّمُ فِيهَا قَضَايَا كُلِّيَّةٌ عَامَّةٌ، وَالْقَضَايَا الْكُلِّيَّةُ الْعَامَّةُ هِيَ لِلْعَقْلِ لَا لِلْحِسِّ وَلَا لِلْوَهْمِ الَّذِي يَتْبَعُ الْحِسَّ، فَإِنَّ الْحِسَّ لَا يُدْرِكُ إِلَّا أُمُورًا مُعَيَّنَةً، وَكَذَلِكَ الْوَهْمُ [عِنْدَكُمْ] 2 . وَقَدْ بُسِطَ الرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ 3 فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا بَيَانُ أَنَّ قَوْلَ أُولَئِكَ أَقْرَبُ مِنْ قَوْلِهِمْ.
فَيُقَالُ: إِذَا عَرَضْنَا عَلَى الْعَقْلِ وُجُودَ مَوْجُودٍ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُبَايِنٍ لَهُ وَلَا مُحَايِثٍ لَهُ 4 ، وَوُجُودَ مَوْجُودٍ مُبَايِنٍ لِلْعَالَمِ فَوْقَهُ وَهُوَ لَيْسَ بِجِسْمٍ 5 ، كَانَ تَصْدِيقُ الْعَقْلِ بِالثَّانِي أَقْوَى مِنْ تَصْدِيقِهِ بِالْأَوَّلِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي فِطْرَةِ كُلِّ أَحَدٍ، فَقَبُولُ 6 الثَّانِي أَقْرَبُ إِلَى الْفِطْرَةِ وَنُفُورُهَا عَنِ الْأَوَّلِ أَعْظَمُ فَإِنْ وَجَبَ تَصْدِيقُكُمْ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ عَنِ الْفِطْرَةِ أَبْعَدُ كَانَ تَصْدِيقُ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِمْ أَوْلَى.
وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَحْتَجُّوا عَلَى بُطْلَانِ 7 (8 قَوْلِهِمْ بِحُجَّةٍ إِلَّا وَهِيَ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِكُمْ أَدَلُّ 8) 8 .
فَإِذَا قُلْتُمْ: [وُجُودُ مَوْجُودٍ فَوْقَ الْعَالَمِ لَيْسَ بِجِسْمٍ لَا يُعْقَلُ.
قِيلَ لَكُمْ: كَمَا أَنَّ [ 9 ] وُجُودَ مَوْجُودٍ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ لَا يُعْقَلُ.
فَإِذَا قُلْتُمْ: نَفْيُ هَذَا مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ.
قِيلَ لَكُمْ: إِنْ كَانَ هَذَا النَّفْيُ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَذَلِكَ 1 النَّفْيُ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
فَإِذَا قُلْتُمْ: حُكْمُ الْوَهْمِ الْبَاطِلُ أَنْ يَحْكُمَ فِي أُمُورٍ غَيْرِ مَحْسُوسَةٍ حُكْمَهُ فِي أُمُورٍ مَحْسُوسَةٍ 2 .
قِيلَ: لَكُمْ 3 (* أَجْوِبَةٌ: أَحَدُهَا 4 : أَنَّ هَذَا يُبْطِلُ حُجَّتَكُمْ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ هَؤُلَاءِ، لِأَنَّ قَوْلَكُمْ إِنَّهُ يَمْتَنِعُ 5 وُجُودُ مَوْجُودٍ فَوْقَ الْعَالَمِ لَيْسَ بِجِسْمٍ لَيْسَ 6 أَقْوَى مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ يَمْتَنِعُ 7 وُجُودُ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ، [وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ مَوْجُودَيْنِ لَا مُتَبَايِنَيْنِ وَلَا مُتَحَايِثَيْنِ، وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ مَوْجُودٍ لَيْسَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجًا عَنْهُ] 8 ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَقْبَلُونَ هَذَا الْأَقْوَى لِزَعْمِكُمْ أَنَّهُ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ 9 الْبَاطِلِ لَزِمَكُمْ أَنْ لَا تَقْبَلُوا ذَلِكَ الَّذِي هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّ كِلَيْهِمَا عَلَى قَوْلِكُمْ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ الْبَاطِلِ، وَفَسَادُ قَوْلِكُمْ أَبْيَنُ فِي الْفِطْرَةِ مِنْ فَسَادِ 10 قَوْلِ مُنَازِعِيكُمْ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُمْ 11 مَرْدُودًا
فَقَوْلُكُمْ أَوْلَى بِالرَّدِّ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُكُمْ مَقْبُولًا فَقَوْلُهُمْ أَوْلَى بِالْقَبُولِ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: *) : أَنْتُمْ لَمْ تُثْبِتُوا وُجُودَ أُمُورٍ 1 لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهَا [ابْتِدَاءً] 2 حَتَّى يَصِحَّ هَذَا الْكَلَامُ، بَلْ إِنَّمَا أَثْبَتُّمْ مَا ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ [ابْتِدَاءً] 3 بِإِبْطَالِ هَذَا الْحُكْمِ الْفِطْرِيِّ 4 الَّذِي يُحِيلُ وُجُودَ مَا لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ بِحَالٍ 5 ، فَإِنْ كَانَ 6 هَذَا الْحُكْمُ لَا يَبْطُلُ حَتَّى يُثْبِتَ 7 الْأُمُورَ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَحْسُوسَةٍ 8 لَزِمَ 9 الدَّوْرُ فَلَا يَبْطُلُ هَذَا الْحُكْمُ حَتَّى يُثْبِتَ مَا لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ، وَلَا يُثْبِتُ ذَلِكَ حَتَّى يُبْطِلَ هَذَا الْحَكَّ، فَلَا يُثْبِتُ ذَلِكَ.
[وَ] يُقَالُ: [لَكُمْ] : إِنْ 10 جَازَ وُجُودُ أُمُورٍ لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهَا 11 فَوُجُودُ مَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ أَوْلَى 12 وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَطَلَ قَوْلُكُمْ.
فَمَنْ أَثْبَتَ مَوْجُودًا فَوْقَ الْعَالَمِ لَيْسَ بِجِسْمٍ يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ، كَانَ قَوْلُهُ
: أَقْرَبُ إِلَى الْعَقْلِ مِمَّنْ أَثْبَتَ مَوْجُودًا لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ وَلَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ.
فَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ 13 مَا مِنْ حُجَّةٍ يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مُنَازِعِيهِمْ 14 إِلَّا وَدَلَالَتُهَا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ أَشَدُّ وَلَكِنَّهُمْ يَتَنَاقَضُونَ.
وَالَّذِينَ وَافَقُوهُمْ عَلَى بَعْضِ غَلَطِهِمْ صَارُوا 15 يُسَلِّمُونَ 16 لَهُمْ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةَ الْبَاطِلَةَ النَّافِيَةَ [وَهُوَ إِثْبَاتُ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مُبَايِنًا لِغَيْرِهِ وَلَا مُحَايِثًا لَهُ 17 وَلَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ] 18 وَيَطْلُبُونَ 19 طَرْدَهَا، وَطَرْدُهَا يَسْتَلْزِمُ الْبَاطِلَ الْمَحْضَ.
فَوَجْهُ الْمُنَاظَرَةِ أَنَّ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةَ لَا تُسَلَّمُ 20 ، لَكِنْ يُقَالُ: إِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً بَطَلَ أَصْلُ قَوْلِ النُّفَاةِ، [وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَهِيَ أَدَلُّ عَلَى إِمْكَانِ قَوْلِ 21 أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ إِثْبَاتُ مَوْجُودٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا هُوَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ مُمْكِنًا، فَإِثْبَاتُ مَوْجُودٍ فَوْقَ الْعَالَمِ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُمْكِنًا بَطَلَ أَصْلُ قَوْلِ النُّفَاةِ] 22 ، وَثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] 23 إِمَّا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَإِمَّا خَارِجَهُ فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ بِإِثْبَاتِ مَوْجُودٍ
لَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجِهِ أَبْعَدَ عَنِ الْحَقِّ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
ثُمَّ يُقَالُ: رُؤْيَةُ مَا لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا فِي جِهَةٍ إِمَّا أَنْ يُجَوِّزَهُ الْعَقْلُ وَإِمَّا أَنْ يَمْنَعَهُ، فَإِنْ جَوَّزَهُ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ مَنَعَهُ كَانَ مَنْعُ الْعَقْلِ لِإِثْبَاتِ مَوْجُودٍ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، بَلْ هُوَ حَيٌّ بِلَا حَيَاةٍ، عَلِيمٌ بِلَا عِلْمٍ، قَدِيرٌ بِلَا قُدْرَةٍ، أَشَدَّ وَأَشَدَّ.
فَإِنْ 1 قُلْتُمْ: هَذَا الْمَنْعُ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ.
قِيلَ لَكُمْ: وَالْمَنْعُ مِنْ رُؤْيَةِ مَرْئِيٍّ لَيْسَ فِي جِهَةٍ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الثَّالِثُ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنْ [يُقَالَ:] 2 : حُكْمُ الْوَهْمِ الْبَاطِلُ عِنْدَكُمْ أَنْ يَحْكُمَ فِي أُمُورٍ غَيْرِ مَحْسُوسَةٍ 3 بِمَا يَحْكُمُ بِهِ فِي الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ.
فَيُقَالُ: 4 : الْبَارِي تَعَالَى إِمَّا أَنْ تَكُونَ رُؤْيَتُهُ مُمْكِنَةً، وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ 5 . فَإِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةً بَطَلَ قَوْلُكُمْ بِإِثْبَاتِ مَوْجُودٍ 6 غَيْرِ مَحْسُوسٍ، وَلَمْ يَبْقَ هُنَا 7 وَهْمٌ بَاطِلٌ يَحْكُمُ فِي غَيْرِ الْمَحْسُوسِ 8 بِحُكْمٍ بَاطِلٍ، فَإِنَّكُمْ لِرُؤْيَةِ الْبَارِي أَشَدُّ مَنْعًا مِنْ رُؤْيَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا
جَوَّزْتُمْ رُؤْيَتَهُ فَرُؤْيَةُ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْتُمْ: بَلْ رُؤْيَتُهُ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ.
قِيلَ: فَهُوَ حِينَئِذٍ 1 غَيْرُ مَحْسُوسٍ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ 2 حُكْمُ الْوَهْمِ، وَالْحُكْمُ بِأَنَّ كُلَّ مَرْئِيٍّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي جِهَةٍ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ.
وَأَمَّا إِذَا قَدَّرْنَا 3 مَوْجُودًا غَيْرَ مَحْسُوسٍ يُرَى لَا فِي جِهَةٍ [رُؤْيَةً] 4 غَيْرَ الرُّؤْيَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَوَاتِ الْجِهَةِ 5 ، كَانَ إِبْطَالُ هَذَا مِثْلَ إِبْطَالِ مَوْجُودٍ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، [وَإِلَّا] فَإِذَا 6 ثَبَتَ وُجُودُ هَذَا الْمَوْجُودِ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ 7 الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ مُنَاسِبَةً لَهُ، وَلَمْ تَكُنْ كَالرُّؤْيَةِ الْمَعْهُودَةِ لِلْأَجْسَامِ.
فَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَنَحْوَهَا مِنَ الْمُنَاظَرَةِ الْعَقْلِيَّةِ إِذَا سَلَكَ يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ إِلَى السُّنَّةِ أَقْرَبَ كَانَ قَوْلُهُ إِلَى الْعَقْلِ أَقْرَبَ، وَهُوَ يُوجِبُ نَصْرَ 8 الْأَقْرَبِينَ إِلَى السُّنَّةِ بِالْعَقْلِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ [بَعْضُ] الْأَقْرَبِينَ 9 إِلَى السُّنَّةِ سَلَّمُوا لِلْأَبْعَدِينَ 10 عَنْهَا مُقَدَّمَاتٌ بَيْنَهُمْ، وَهِيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَاطِلَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ مُطَابِقًا لِلْأَمْرِ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُمْكِنُ نَصْرُهُ لَا بِشَرْعٍ صَحِيحٍ وَلَا بِعَقْلِ صَرِيحٍ 11 ، لِمَنْ غَرَضُهُ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ فِي نَفْسِهِ لَا بَيَانُ رُجْحَانِ بَعْضِ الْأَقْوَالِ عَلَى بَعْضٍ.
1 [وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ رُجْحَانِ بَعْضِ الْأَقْوَالِ فَهَذَا مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَسْلُكُهُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا عَابَ بِهِ الرَّافِضَةَ كَثِيرٌ مِنَ الطَّوَائِفِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ 2 ، فَإِنَّهُمْ عَابُوا كَثِيرًا مِنْهُمْ بِأَقْوَالٍ هِيَ مَعِيبَةٌ مَذْمُومَةٌ، وَاللَّهُ قَدْ أَمَرَنَا أَلَّا نَقُولَ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَقَّ، وَأَلَّا نَقُولَ عَلَيْهِ إِلَّا بِعِلْمٍ، وَأَمَرَنَا بِالْعَدْلِ وَالْقِسْطِ، فَلَا يَجُوزُ لَنَا إِذَا قَالَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ - فَضْلًا عَنِ الرَّافِضِيِّ - قَوْلًا فِيهِ حَقٌّ أَنْ نَتْرُكَهُ أَوْ نَرُدَّهُ كُلَّهُ، بَلْ لَا نَرُدُّ إِلَّا مَا فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ دُونَ مَا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ.
وَلِهَذَا جُعِلَ هَذَا الْكِتَابُ: " مِنْهَاجُ أَهْلِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فِي نَقْضِ كَلَامِ الشِّيَعِ وَالْقَدَرِيَّةِ " فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ رَدُّوا مَا تَقَوَّلَهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالرَّافِضَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ بِكَلَامٍ فِيهِ أَيْضًا بِدْعَةٌ وَبَاطِلٌ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ يَسْتَجِيزُهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ يَجُوزُ مُقَابَلَةُ الْفَاسِدِ بِالْفَاسِدِ، لَكِنَّ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَهُمْ يَذُمُّونَ أَهْلَ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ الَّذِينَ يَرُدُّونَ بَاطِلًا بِبَاطِلٍ وَبِدْعَةً بِبِدْعَةٍ، وَيَأْمُرُونَ أَلَّا يَقُولَ الْإِنْسَانُ إِلَّا الْحَقَّ، لَا يَخْرُجُ عَنِ السُّنَّةِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَرَسُولُهُ، وَلِهَذَا لَمْ نَرُدَّ مَا تَقَوَّلَهُ: الْمُعْتَزِلَةُ وَالرَّافِضَةُ مِنْ حَقٍّ بَلْ قَبِلْنَاهُ، لَكِنْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا عَابُوا بِهِ مُخَالِفِيهِمْ مِنَ الْأَقْوَالِ فَفِي أَقْوَالِهِمْ مِنَ الْعَيْبِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ.
فَالْمُنْتَسِبُونَ إِلَى إِثْبَاتِ خِلَافَةِ الْأَرْبَعَةِ وَتَفْضِيلِ الشَّيْخَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ أَقْوَالًا فَاسِدَةً فَأَقْوَالُ الرَّافِضَةِ أَفْسَدُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْمُنَاظِرُ لِلْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ كَالْأَشْعَرِيِّ وَأَمْثَالِهِ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَقُولُونَ أَقْوَالًا بَاطِلَةً، فَفِي أَقْوَالِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ مِنَ الْبَاطِلِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا، فَالْوَاجِبُ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ أَنْ يُبَيَّنَ رُجْحَانُ قَوْلِ الْفَرِيقِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَى السُّنَّةِ بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، وَلَا نَنْصُرُ الْقَوْلَ الْبَاطِلَ الْمُخَالِفَ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ أَبَدًا، فَإِنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ وَمَذْمُومٌ، يُذَمُّ بِهِ صَاحِبُهُ، وَيَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَا لَا يُوصَفُ، كَمَا تَوَلَّدَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُبْتَدَعَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِبَسْطِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَكَانٌ آخَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى وَجْهِ الْمُنَاظَرَةِ الْعَادِلَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا الْإِنْسَانُ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، لَا بِجَهْلٍ وَظُلْمٍ.
وَأَمَّا مُنَاظَرَاتُ الطَّوَائِفِ الَّتِي كُلٌّ مِنْهَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ وَلَوْ بِقَلِيلٍ، فَأَعْظَمُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا بَيَانُ إِبْطَالِ بَعْضِهِمْ لِمَقَالَةِ بَعْضٍ.
وَأَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ الْفَائِدَةَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْكَلَامِ دُونَ غَيْرِهَا، لَكِنْ يَعْتَقِدُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ الْعَقِيدَةُ الَّتِي تَعَبَّدَ الشَّارِعُ النَّاسَ بِاعْتِقَادِهَا، وَأَنَّ لَهَا بَاطِنًا يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الِاعْتِقَادِ يُوَافِقُ الشَّرْعَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَمَا ثَبَتَ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَلَا يُنَاقِضُ بَاطِنُهُ ظَاهِرَهُ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِالْمُنَاظَرَةِ بَيَانَ رُجْحَانِ بَعْضِ الْأَقْوَالِ عَلَى بَعْضٍ] 1
وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ مُنَاظَرَةِ أَهْلِ الْكَلَامِ إِنَّمَا هِيَ فِي بَيَانِ فَسَادِ 1 مَذْهَبِ الْمُخَالِفِينَ وَبَيَانِ تَنَاقُضِهِمْ، لِأَنَّهُ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ بَاطِلًا، فَمَا 2 يُمْكِنُ أَحَدُهُمْ نَصْرَ قَوْلِهِ مُطْلَقًا فَيُبَيِّنُ فَسَادَ قَوْلِ خَصْمِهِ.
وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ 3 حَسَنَ الظَّنِّ بِمَذْهَبِهِ، قَدْ بَنَاهُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ يَعْتَقِدُهَا صَحِيحَةً، فَإِذَا أَخَذَ الْإِنْسَانُ مَعَهُ فِي تَقْرِيرِ نَقِيضِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ لَمْ يَقْبَلْ وَلَا يَبِينُ الْحَقُّ 4 ، وَيَطُولُ الْخِصَامُ كَمَا طَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْكَلَامِ.
فَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ لِذَلِكَ 5 رُجْحَانَ مَذْهَبِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ أَوْ فَسَادَ 6 مَذْهَبِهِ بِتِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرِهَا، فَإِذَا رَأَى تَنَاقُضَ قَوْلِهِ أَوْ رُجْحَانَ قَوْلِ [غَيْرِهِ] عَلَى قَوْلِهِ 7 اشْتَاقَ حِينَئِذٍ إِلَى مَعْرِفَةِ الصَّوَابِ وَبَيَانِ جِهَةِ الْخَطَأِ، فَيَبِينُ لَهُ 8 فَسَادُ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا وَصِحَّةُ نَقِيضِهَا، وَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ الْغَلَطُ.
وَهَكَذَا فِي مُنَاظَرَةِ الدَّهْرِيِّ 9 وَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالرَّافِضِيِّ
وَغَيْرِهِمْ 1 ، إِذَا سُلِكَ مَعَهُمْ هَذَا الطَّرِيقُ نَفَعَ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ فَتَبَيَّنَ لَهُمْ 2 ، وَمَا مِنْ طَائِفَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا حَقٌّ وَبَاطِلٌ، فَإِذَا خُوطِبَتْ بُيِّنَ لَهَا أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي نَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ 3 هُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنَ الَّذِي وَافَقْنَاكُمْ عَلَيْهِ، وَنُبُوَّةُ 4 مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ نُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى [عَلَيْهِمَا السَّلَامُ] 5 ، وَخِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ 6 مِنْ خِلَافَةِ عَلِيٍّ، فَمَا [ذُكِرَ] 7 مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ يَثْبُتُ بِهَا نُبُوَّةُ هَذَا [وَهَذَا] 8 إِلَّا وَهِيَ تَثْبُتُ [بِهَا] 9 نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، (10 وَمَا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ يَثْبُتُ بِهَا خِلَافَةُ عَلِيٍّ إِلَّا وَهِيَ تُثْبِتُ خِلَافَةَ هَذَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى 10) 10 ، وَيُبَيِّنُ 11 لَهُمْ أَنَّ مَا يَدْفَعُونَ بِهِ هَذَا الْحَقَّ يُمْكِنُ أَنْ يُدْفَعَ بِهِ الْحَقُّ 12 الَّذِي مَعَهُمْ، فَمَا يُقْدَحُ شَيْءٌ 13 فِي (* مَوَارِدِ النِّزَاعِ إِلَّا كَانَ قَدْحًا 14 فِي مَوَارِدِ الْإِجْمَاعِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ بِهِ مَوَارِدُ الْإِجْمَاعِ إِلَّا وَهُوَ يَثْبُتُ بِهِ 15 مَوَارِدُ النِّزَاعِ *) 16 ، وَمَا مِنْ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ [صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] 1 وَخِلَافَةِ الشَّيْخَيْنِ 2 إِلَّا وَيَرِدُ عَلَى نُبُوَّةِ غَيْرِهِ 3 وَخِلَافَةِ غَيْرِهِمَا مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَعْظَمُ 4 مِنْهُ، [وَمَا مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ غَيْرِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخِلَافَةِ غَيْرِهِمَا إِلَّا وَالدَّلِيلُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخِلَافَتِهِمَا أَقْوَى مِنْهُ] 5 .
وَأَمَّا الْبَاطِلُ الَّذِي بِأَيْدِي الْمُنَازِعِينَ 6 فَتَبَيَّنَ 7 أَنَّهُ يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ بِبَاطِلٍ مِثْلِهِ، وَأَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي يَبْطُلُ بِهِ ذَلِكَ الْبَاطِلُ يَبْطُلُ بِهِ بَاطِلُهُمْ، فَمَنِ ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ فِي الْمَسِيحِ أَوْ عَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا عُورِضَ بِدَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ فِي مُوسَى وَآدَمَ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَا يَذْكُرُ شُبْهَةً يَظُنُّ بِهَا الْإِلَهِيَّةَ إِلَّا وَيُذْكَرُ فِي الْآخَرِ نَظِيرُهَا وَأَعْظَمُ مِنْهَا، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُ أَحَدِ الْمَثَلَيْنِ 8 تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُ الْآخَرِ، فَالْحَقُّ يَظْهَرُ صِحَّتُهُ بِالْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ لَهُ وَالْبَاطِلُ يَظْهَرُ فَسَادُهُ بِالْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ لَهُ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ لَا يَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِ مَحْبُوبِهِ أَوْ مَكْرُوهِهِ مِنْ حَمْدٍ وَذَمٍّ إِلَّا بِمَثَلٍ يُضْرَبُ لَهُ، فَإِنَّ حُبَّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ.
[وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ ضَرَبَ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ فِي كِتَابِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَيَانِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَرَى نَفْسَهُ وَأَعْمَالَهُ إِلَّا إِذَا مُثِّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ بِأَنْ يَرَاهَا فِي مِرْآةٍ،
وَتُمَثَّلُ لَهُ أَعْمَالُهُ بِأَعْمَالِ غَيْرِهِ] 1 ، وَلِهَذَا ضَرَبَ الْمَلَكَانِ الْمَثَلَ لِدَاوُدَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] 2 بِقَوْلِ أَحَدِهِمَا: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ - قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [سُورَةُ: ص: 23 - 24] الْآيَةَ.
وَضَرْبُ الْأَمْثَالِ مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ الْحَالُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْعَقْلِيُّ الَّذِي يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.
قَالَ 3 تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [سُورَةُ الرُّومِ: 27] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: 43] . 4 [وَهَذَا مِنَ الْمِيزَانِ الَّذِي أَنْزَلَهُ 5 اللَّهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [سُورَةُ الشُّورَى: 17] ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [سُورَةُ الْحَدِيدِ: 25] .
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبُيِّنَ أَنَّ كُلَّ قِيَاسٍ عَقْلِيٍّ شُمُولِيٍّ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ أَوْ غَيْرِ طَرِيقِهِ فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْقِيَاسِ التَّمْثِيلِيِّ وَأَنَّ مَقْصُودَ الْقِيَاسَيْنِ وَاحِدٌ، وَكِلَاهُمَا دَاخِلٌ فِي مَعْنَى الْمِيزَانِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ بَعْضُهُ بَاطِلٌ وَبَعْضُهُ تَطْوِيلٌ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، بَلْ ضَرَرُهُ فِي الْغَالِبِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ
وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْفَلْسَفَةِ مِنَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ فِي مُجَلَّدٍ كَبِيرٍ.
[الطَّرِيقُ الثَّانِي]
وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّانِي 1 : فَيُقَالُ: لِهَذَا الْمُنْكِرِ لِلرُّؤْيَةِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى نَفْيِهَا بِانْتِفَاءِ لَازِمِهَا وَهُوَ الْجِهَةُ: قَوْلُكَ لَيْسَ فِي جِهَةٍ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ فِي جِهَةٍ لَا يُرَى، فَهُوَ لَا يُرَى، وَهَكَذَا جَمِيعُ نُفَاةِ الْحَقِّ يَنْفُونَهُ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ فِي ظَنِّهِمْ، فَيَقُولُونَ لَوْ رُئِيَ لَلَزِمَ كَذَا، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ.
وَالْجَوَابُ الْعَامُّ لِمِثْلِ هَذِهِ الْحُجَجِ الْفَاسِدَةِ بِمَنْعِ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ إِمَّا مُعَيَّنَةٌ وَإِمَّا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا بَاطِلَةً أَوْ كِلْتَاهُمَا بَاطِلَةً 2 ، وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ اللَّفْظُ فِيهِمَا مُجْمَلًا يَصِحُّ بِاعْتِبَارٍ وَيَفْسُدُ بِاعْتِبَارٍ، وَقَدْ جَعَلُوا الدَّلِيلَ هُوَ ذَلِكَ اللَّفْظُ الْمُجْمَلُ، وَيُسَمِّيهِ الْمَنْطِقِيُّونَ الْحَدَّ الْأَوْسَطَ، فَيَصِحُّ فِي مُقَدِّمَةٍ بِمَعْنًى، وَيَصِحُّ فِي الْأُخْرَى بِمَعْنًى آخَرَ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ مُجْمَلٌ، فَيَظُنُّ الظَّانُّ لِمَا فِي اللَّفْظِ مِنَ الْإِجْمَالِ وَفِي الْمَعْنَى مِنِ الِاشْتِبَاهِ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ هُوَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأُخْرَى، وَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
مِثَالُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ] 3 [أَنْ يُقَالَ: لَهُ] 4 : أَتُرِيدُ بِالْجِهَةِ أَمْرًا وُجُودِيًّا أَوْ أَمْرًا عَدَمِيًّا؟
فَإِذَا أَرَدْتَ بِهِ أَمْرًا وُجُودِيًّا كَانَ التَّقْدِيرُ: كُلُّ مَا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مَوْجُودٍ لَا يُرَى.
وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ [مَمْنُوعَةٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَى إِثْبَاتِهَا بَلْ هِيَ] 1 [بَاطِلَةٌ] 2 فَإِنَّ سَطْحَ الْعَالَمِ يُمْكِنُ أَنْ يُرَى وَلَيْسَ الْعَالَمُ فِي عَالَمٍ آخَرَ.
وَإِنْ أَرَدْتَ بِالْجِهَةِ أَمْرًا عَدَمِيًّا كَانَتِ الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ مَمْنُوعَةً، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِهَةٍ بِهَذَا التَّفْسِيرِ.
وَهَذَا مِمَّا خَاطَبْتُ 3 بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الشِّيعَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فَنَفَعَهُ 4 اللَّهُ بِهِ، وَانْكَشَفَ بِسَبَبِ هَذَا التَّفْصِيلِ 5 مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ الِاشْتِبَاهِ وَالتَّعْطِيلِ 6 . وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ 7 أَنَّ مَا 8 مَعَهُمْ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ النَّافِيَةِ لِلرُّؤْيَةِ قَطْعِيَّةٌ لَا يُقْبَلُ فِي نَقِيضِهَا 9 نَصُّ الرُّسُلِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ 10 لَهُمْ أَنَّهَا 11 شُبُهَاتٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ وَمَعَانٍ مُشْتَبِهَةٍ، تَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] 12 هُوَ الْحَقُّ الْمَقْبُولُ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا [الْمَكَانُ] 13 مَوْضِعَ بَسْطِ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا النَّافِيَ إِنَّمَا أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِمْ إِشَارَةً 14 . \ 0 5
لفظ الحيز
[وَكَذَلِكَ لَفْظُ " الْحَيِّزِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ مَعْنَى مَوْجُودٍ وَمَعْنَى مَعْدُومٍ.
فَإِذَا قَالُوا: كُلُّ جِسْمٍ فِي حَيِّزٍ، فَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْحَيِّزِ أَمْرًا عَدَمِيًّا، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ.
وَالْحَيِّزُ فِي اللُّغَةِ هُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ يَنْحَازُ إِلَيْهِ الشَّيْءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 16] .
وَعَلَى الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُرَادُ بِالْمُتَحَيِّزِ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ ; وَلِهَذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُونَ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْمَخْلُوقَ: إِمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا قَائِمٌ بِالْمُتَحَيِّزِ، فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: بَلْ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ إِمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا قَائِمٌ بِالْمُتَحَيِّزِ وَيُثْبِتُونَ مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ مِنْ إِثْبَاتِ الْمُجَرَّدَاتِ الْمُفَارَقَاتِ الَّتِي لَا يُشَارُ إِلَيْهَا، بَلْ هِيَ مَعْقُولَاتٌ مُجَرَّدَةٌ، إِنَّمَا تَثْبُتُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ.
وَمَا يَذْكُرُهُ الشَّهْرَسْتَانِيُّ وَالرَّازِيُّ وَنَحْوُهُمَا مِنْ أَنَّ مُتَكَلِّمِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ هَذِهِ الْمُجَرَّدَاتِ لَيْسَ كَمَا زَعَمُوا، بَلْ كُتُبُهُمْ مَشْحُونَةٌ بِمَا يُبَيِّنُ انْتِفَاءَهَا 1 كَمَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالرَّازِيُّ أَوْرَدَ فِي " مُحَصِّلِهِ " سُؤَالًا عَلَى الْحَيِّزِ فَقَالَ 2 : " أَمَّا الْأَكْوَانُ
فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ حُصُولَ الْجَوْهَرِ فِي حُصُولِ الْحَيِّزِ 1 أَمْرٌ ثُبُوتِيٌّ.
فَقِيلَ: هَذَا الْحَيِّزُ إِنْ كَانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ الْجَوْهَرِ فِي الْمَعْدُومِ؟ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَمْرٌ يُشَارُ 2 إِلَيْهِ.
فَهُوَ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ، فَإِنْ كَانَ جَوْهَرًا كَانَ الْجَوْهَرُ حَاصِلًا فِي الْجَوْهَرِ، وَهُوَ قَوْلٌ بِالتَّدَاخُلِ، وَهُوَ مُحَالٌ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُفَسَّرَ ذَلِكَ بِالْمُمَاسَّةِ، وَلَا نِزَاعَ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَ عَرَضًا فَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْجَوْهَرِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ الْجَوْهَرِ فِيهِ؟ ".
وَقَدْ رَدَّ الطُّوسِيُّ هَذَا فَقَالَ 3 : " هَذَا غَلَطٌ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِ اللَّفْظِ، فَإِنَّ لَفْظَةَ 4 " فِي " يَدُلُّ فِي قَوْلِنَا: الْجِسْمُ فِي الْجِسْمِ - بِمَعْنَى التَّدَاخُلِ - وَالْجِسْمُ فِي الْمَكَانِ، وَالْعَرَضُ فِي الْجِسْمِ، عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ; فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْجِسْمِ مَعَ جِسْمٍ آخَرَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَالثَّانِي يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْجِسْمِ فِي الْمَكَانِ، وَالثَّالِثُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْعَرَضِ حَالًّا فِي الْجِسْمِ.
وَالْمَكَانُ هُوَ الْقَابِلُ لِلْأَبْعَادِ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ الَّذِي لَا يُمَانِعُ الْأَجْسَامَ عِنْدَ قَوْمٍ، وَعَرَضٌ هُوَ سَطْحُ الْجِسْمِ [الْحَاوِي] 5 الْمُحِيطُ بِالْجِسْمِ ذِي الْمَكَانِ عِنْدَ قَوْمٍ وَهُوَ بَدِيهِيُّ الْأَيْنِيَّةِ 6 خَفِيُّ الْحَقِيقَةِ.
وَالْمَكَانُ إِنْ كَانَ عَدَمِيًّا لَمْ يَكُنْ حُصُولُ الْجَوْهَرِ فِي الْأَمْرِ الْعَدَمِيِّ 1 حُصُولَهُ فِي الْمَعْدُومِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ فِي الْعَدَمِ وَإِنْ كَانَ جَوْهَرًا، فَالْجَوْهَرُ عِنْدَ الْقَوْمِ الْأُوَلِ يَنْقَسِمُ إِلَى مُقَاوِمٍ لِلدَّاخِلِ عَلَيْهِ مُمَانِعٍ إِيَّاهُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّدَاخُلُ، وَإِلَى 2 غَيْرِ مُقَاوِمٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ وَهُوَ الْمَكَانُ وَالْجَوْهَرُ الْمُمَانِعُ 3 يُمْكِنُ أَنْ يُدَاخِلَ غَيْرَ الْمُمَانِعِ، وَذَلِكَ هُوَ كَوْنُ الْجَوْهَرِ فِي الْمَكَانِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْقَوْمِ الثَّانِي فَحُصُولُ الْجَوْهَرِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ عَرَضٌ بِمَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى 4 الَّذِي يُرَادُ بِهِ فِي قَوْلِهِمْ حُصُولُ الْعَرَضِ فِي الْجَوْهَرِ، بِمَعْنَى الْحُلُولِ فِيهِ ".
قُلْتُ: قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبُيِّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: " قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ حُصُولَ الْجَوْهَرِ فِي الْحَيِّزِ أَمْرٌ ثُبُوتِيٌّ " لَيْسَ كَمَا قَالَهُ ; بَلْ يُقَالُ: إِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ حُصُولَ الْجَوْهَرِ فِي الْحَيِّزِ أَمْرٌ ثُبُوتِيٌّ، أَنَّهُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ تَقُومُ بِالْمَحِيزِ، فَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى هَذَا، بَلْ وَلَا هَذَا قَوْلَ مُحَقِّقِيهِمْ، بَلِ التَّحَيُّزُ عِنْدَهُمْ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَاتِ الْمُتَحَيِّزِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: " الْمُتَحَيِّزُ هُوَ الْجِرْمُ، أَوِ الَّذِي لَهُ حَظٌّ مِنَ الْمِسَاحَةِ، وَالَّذِي لَا يُوجَدُ بِحَيْثُ وُجُودُهُ جَوْهَرٌ " 5 .
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ 1 : " مَا هُوَ فِي تَقْدِيرِ مَكَانٍ مَا وَمَا يَشْغَلُ الْحَيِّزَ، وَمَعْنَى شَغْلِ الْحَيِّزِ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي فَرَاغٍ أَخْرَجَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ فَرَاغًا ".
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " الْحَيِّزُ تَقْدِيرُ مَكَانِ الْجَوْهَرِ ".
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ - الْمُلَقَّبُ بِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ -: " الْحَيِّزُ هُوَ الْمُتَحَيِّزُ نَفْسُهُ، ثُمَّ إِضَافَةُ الْحَيِّزِ إِلَى الْجَوْهَرِ كَإِضَافَةِ الْوُجُودِ إِلَيْهِ " 2 .
قَالَ: " فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا قُلْتُمْ: إِنَّ الْمُتَحَيِّزَ مُتَحَيِّزٌ بِمَعْنًى، كَمَا أَنَّ الْكَائِنَ كَائِنٌ بِمَعْنًى.
قُلْنَا: تَحَيُّزُهُ نَفْسُهُ أَوْ صِفَةُ نَفْسِهِ - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْأَحْوَالِ - وَكَوْنُهُ مُتَحَيِّزًا رَاجِعٌ إِلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ جِرْمًا، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَكْوَانُهُ بِأَعْرَاضِهِ، وَلَوْ كَانَ تَحَيُّزُهُ حُكْمًا مُعَلَّلًا لَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ حُكْمُ الِاخْتِلَافِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْأَكْوَانِ، فَلَمَّا لَمْ يَخْتَلِفْ كَوْنُهُ جِرْمًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْأَكْوَانِ وَالِاخْتِصَاصِ بِالْجِهَاتِ، فَمَا كَانَ بِمُقْتَضَى الْأَكْوَانِ كَانَ فِي حُكْمِ الِاخْتِلَافِ ".
قَالَ: " فَإِنْ قِيلَ: الْجَوْهَرُ لَا يَخْلُو عَنِ الْأَكْوَانِ كَمَا لَا يَخْلُو عَنْ وَصْفِ التَّحَيُّزِ.
قُلْنَا: قَدْ أَوْضَحْنَا أَنَّ تَحَيُّزَهُ صِفَةُ نَفْسِهِ، فَنَقُولُ: صِفَةُ النَّفْسِ تُلَازِمُ لِلنَّفْسِ وَلَا تُعْقَلُ النَّفْسُ دُونَهَا، وَكَوْنُ الْجَوْهَرِ مُتَحَيِّزًا بِمَثَابَةِ كَوْنِهِ ذَاتًا أَوْ شَيْئًا.
وَالتَّحَيُّزُ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ يَجِبُ لُزُومُهَا مَا بَقِيَتِ النَّفْسُ، وَالْكَوْنُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ " 1 . ثُمَّ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّحَيُّزَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْمُتَحَيِّزِ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ وَصْفًا ثُبُوتِيًّا.
وَإِنْ أَرَادَ بِكَوْنِهِ ثُبُوتِيًّا أَنَّهُ أَمْرٌ إِضَافِيٌّ إِلَى الْحَيِّزِ فَالْأُمُورُ الْإِضَافِيَّةُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ عَدَمِيَّةٌ إِذَا كَانَتْ بَيْنَ مَوْجُودَيْنِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ بَيْنَ مَوْجُودٍ وَمَعْدُومٍ! ؟ وَقَوْلُهُ: " إِنَّ الْحَيِّزَ إِذَا كَانَ مَعْدُومًا، فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ الْجَوْهَرِ فِي الْمَعْدُومِ؟ ".
فَيُقَالُ: لَهُ: إِنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِكَوْنِهِ فِي الْمَعْدُومِ إِلَّا وَجُودَهُ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ آخَرَ يُحِيطُ بِهِ، لَمْ يُرِيدُوا أَنَّهُ يَكُونُ مَعْدُومًا مَعَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا.
وَأَيْضًا، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ مُرَادَهُمْ: هَلِ الْحَيِّزُ عِنْدَهُمْ وُجُودٌ أَوْ عَدَمٌ، كَيْفَ يُحْكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مُتَحَيِّزٌ أَوْ قَائِمٌ بِالْمُتَحَيِّزِ، مَعَ عِلْمِهِ وَحِكَايَتِهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مُحْدَثٌ، فَيَمْتَنِعُ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَا سِوَاهُ إِمَّا مُتَحَيِّزًا أَوْ حَالًّا فِي الْمُتَحَيِّزِ، مَعَ أَنَّ الْمُتَحَيِّزَ هَذَا فِي حَيِّزٍ وُجُودِيٍّ سِوَى اللَّهِ، وَهُوَ مُحْدَثٌ، فَإِنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ هُنَا ثَلَاثَةٌ مَوْجُودَةٌ مُحْدَثَةٌ:
مُتَحَيِّزٌ وَحَيِّزٌ وَقَائِمٌ بِالْمُتَحَيِّزِ، فَتَكُونُ الْمَوْجُودَاتُ سِوَى اللَّهِ ثَلَاثَةً وَهِيَ مُحْدَثَةٌ عِنْدَهُمْ.
وَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ: إِنَّ مَا سِوَى اللَّهِ: إِمَّا مُتَحَيِّزٌ، وَإِمَّا قَائِمٌ بِمُتَحَيِّزٍ.
وَأَمَّا اعْتِرَاضُ الطُّوسِيِّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مِنِّي عَلَى أَنَّ التَّحَيُّزَ هُوَ الْمَكَانُ، وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ، بَلِ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَكَانِ هُوَ نِزَاعٌ بَيْنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ أَصْحَابِ أَفْلَاطُنَ وَأَصْحَابِ أَرِسْطُو، فَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: هُوَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ تَحِلُّ بِهِ الْأَجْسَامُ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، بَلْ كُلُّ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ جِسْمٌ، إِذِ الْجَوْهَرُ الَّذِي لَهُ هُوَ جِسْمٌ، لَيْسَ عِنْدَهُمْ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرَ هَذَيْنِ، وَمَنْ أَثْبَتَ مِنْهُمْ جَوْهَرًا غَيْرَ جِسْمٍ فَإِنَّهُ مُحْدَثٌ عِنْدَهُمْ، لِأَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ، سَوَاءٌ قَالُوا بِدَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ يُحْدِثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، أَوْ لَمْ يَقُولُوا بِدَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ.
وَالْمُتَكَلِّمُونَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ فَهُوَ جِسْمٌ أَوْ قَائِمٌ بِجِسْمٍ قَدْ يَتَنَاقَضُونَ، حَيْثُ يُثْبِتُ أَكْثَرُهُمُ الْخَلَاءَ أَمْرًا مَوْجُودًا، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ بَلْ يُفْرَضُ فِيهِ التَّقْدِيرُ فَرْضًا، وَهَذَا الْخَلَاءُ هُوَ الْجَوْهَرُ الَّذِي يُثْبِتُهُ أَفْلَاطُنُ.
وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ عِنْدَ أَهْلِ الْمِلَلِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودٌ قَدِيمٌ مَعَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مَسْبُوقٌ بِعَدَمِ نَفْسِهِ، وَإِنْ قِيلَ مَعَ ذَلِكَ بِدَوَامِ كَوْنِهِ خَالِقًا، فَخَلْقُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ دَائِمًا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا
سِوَاهُ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا كَائِنًا 1 بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، لَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ قَدِيمٌ بِقِدَمِ اللَّهِ تَعَالَى مُسَاوِيًا لَهُ، بَلْ هَذَا مُمْتَنِعٌ بِصَرَائِحِ الْعُقُولِ مُخَالِفٌ لِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَرِسْطُو وَأَصْحَابُهُ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَكَانَ هُوَ السَّطْحُ الْبَاطِنُ مِنَ الْجِسْمِ الْحَاوِي الْمُلَاقِي لِلسَّطْحِ الظَّاهِرِ مِنَ الْجِسْمِ الْمَحْوِي، وَهُوَ عَرَضٌ عِنْدَ هَؤُلَاءِ.
وَقَوْلُهُ: " إِنَّهُ بَدِيهِيُّ الْأَيْنِيَّةِ 2 خَفِيُّ الْحَقِيقَةِ " أَيْ عِنْدِ هَؤُلَاءِ، وَأَمَّا عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ خَفِيٌّ، بَلْ لَفْظُ " الْمَكَانِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يَكُونُ الشَّيْءُ فَوْقَهُ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ، كَمَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ فَوْقَ السَّطْحِ، وَيُرَادُ بِهِ مَا يَكُونُ الشَّيْءُ فَوْقَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَيْهِ، مِثْلُ كَوْنِ السَّمَاءِ فَوْقَ الْجَوِّ، وَكَوْنِ الْمَلَائِكَةِ فَوْقَ الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ، وَكَوْنِ الطَّيْرِ فَوْقَ الْأَرْضِ.
وَمِنْ هَذَا قَوْلُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
تَعَالَى عُلُوًّا فَوْقَ عَرْشٍ إِلَهُنَا ... وَكَانَ مَكَانُ اللَّهِ أَعْلَى وَأَعْظَمَا 3 مَعَ عِلْمِ حَسَّانَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَمَا سِوَاهُ مِنْ عَرْشٍ وَغَيْرِهِ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ، وَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ مَكَانًا.
وَالسَّلَفُ وَالصَّحَابَةُ، بَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْمَعُ مِثْلَ
هَذَا وَيُقِرُّ عَلَيْهِ، كَمَا أَنْشَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ ... مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوَّمِينَا 1 فِي قِصَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَمَّا وَطِئَ سُرِّيَّتَهُ وَرَأَتْهُ امْرَأَتُهُ فَقَامَتْ إِلَيْهِ لِتُؤْذِيَهُ فَلَمْ يُقِرَّ بِمَا فَعَلَ، فَقَالَتْ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ "؟» فَأَنْشَدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ فَظَنَّتْ أَنَّهُ قُرْآنٌ فَسَكَتَتْ وَأُخْبِرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَحْسَنَهُ.
وَقَدْ يُرَادُ بِالْمَكَانِ مَا يَكُونُ مُحِيطًا بِالشَّيْءِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ ; فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْمَكَانِ مُجَرَّدُ السَّطْحِ الْبَاطِنِ، أَوْ يُرَادَ بِهِ جَوْهَرٌ لَا يُحَسُّ بِحَالٍ، فَهَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ ذَلِكَ بِلَفْظِ " الْمَكَانِ ". وَذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ أَرِسْطُو بِلَفْظِ " الْمَكَانِ " عَرَضٌ ثَابِتٌ، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا هُوَ الْمُرَادَ بِلَفْظِ " الْمَكَانِ " فِي كَلَامِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، وَلَا فِي كَلَامِ جَمَاهِيرِ الْأُمَمِ: عُلَمَائِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ.
وَأَمَّا مَا أَرَادَهُ أَفْلَاطُنُ فَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يُنْكِرُونَ وُجُودَهُ فِي الْخَارِجِ، وَبَسْطُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تَدَاخُلِ الْأَجْسَامِ فِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النُّظَّارِ.
وَقَوْلُ الرَّازِيِّ فِي التَّدَاخُلِ: " ذَلِكَ مُحَالٌ " هُوَ مَوْضِعُ مَنْعٍ، مَشْهُورٌ وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ النُّظَّارِ: إِنَّ الْجَوْهَرَ فِي الْحَيِّزِ بِمَعْنَى التَّدَاخُلِ، سَوَاءٌ فُسِّرَ الْحَيِّزُ
بِالْأَمْرِ الْعَدَمِيِّ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْكَلَامِ، أَوْ فُسِّرَ بِالْمَكَانِ الْوُجُودِيِّ الَّذِي (هُوَ) 1 سَطْحُ الْحَاوِي، أَوْ جَوْهَرٌ عَقْلِيٌّ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ 2 ، أَوْ فُسِّرَ الْحَيِّزُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الْمَعْقُولِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 16] وَهَذَا الْحَيِّزُ هُوَ جِسْمٌ يَحُوزُ الْمُتَحَيِّزَ، لَيْسَ هُوَ عَدَمِيًّا وَلَا عَرَضًا، وَلَا يَجُوزُ الْجَوْهَرُ الْعَقْلِيُّ الْمُتَنَازَعُ فِي وُجُودِهِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ أَيُّ مَعْنًى أُرِيدَ بِلَفْظِ الْحَيِّزِ فَقَوْلُ النُّظَّارِ: " إِنَّ الْجَوْهَرَ فِي الْحَيِّزِ لَيْسَ بِمَعْنَى التَّدَاخُلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَفِي وَجُودِهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ الْكَلَامِ فِي مَسْأَلَةِ التَّدَاخُلِ فِي هَذَا الْمَقَامِ] 3 .
[فَصْلٌ التعليق على قوله وأن أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَإِخْبَارَهُ حَادِثٌ لِاسْتِحَالَةِ أَمْرِ الْمَعْدُومِ وَنَهْيِهِ وَإِخْبَارِهِ]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا قَوْلُهُ 4 : " وَأَنَّ 5 أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَإِخْبَارَهُ حَادِثٌ لِاسْتِحَالَةِ أَمْرِ الْمَعْدُومِ وَنَهْيِهِ وَإِخْبَارِهِ ". فَيُقَالُ: هَذِهِ مَسْأَلَةُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالنَّاسُ فِيهَا مُضْطَرِبُونَ، وَقَدْ بَلَغُوا فِيهَا إِلَى تِسْعَةِ 6 أَقْوَالٍ: [وَعَامَّةُ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي الْكَلَامِ وَأُصُولِ
الدِّينِ لَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُهَا إِلَّا بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ إِذْ لَمْ يَعْرِفُوا غَيْرَ مَا ذَكَرُوهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ قَوْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ ثَلَاثَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ أَرْبَعَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ خَمْسَةً، وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ قَوْلَ السَّلَفِ] 1
- أَحَدُهَا: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَا يُفِيضُ عَلَى النُّفُوسِ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَفِيضُ: إِمَّا مِنَ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ ; وَهَذَا قَوْلُ الصَّابِئَةِ وَالْمُتَفَلْسِفَةِ الْمُوَافِقِينَ لَهُمْ [كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ] 2 ، وَمَنْ دَخَلَ مَعَ هَؤُلَاءِ مِنْ مُتَصَوِّفَةِ الْفَلَاسِفَةِ وَمُتَكَلِّمِيهِمْ كَأَصْحَابِ وَحْدَةِ الْوُجُودِ.
وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الْكُتُبِ " الْمُضْنُونِ بِهَا عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا " (* بَلْ " الْمُضْنُونِ الْكَبِيرِ وَالْمُضْنُونِ الصَّغِيرِ " *) 3 وَرِسَالَةِ " مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ " وَأَمْثَالِهِ مَا 4 قَدْ يُشَارُ بِهِ إِلَى هَذَا، وَهُوَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِ يَقُولُ ضِدَّ هَذَا، لَكِنَّ كَلَامَهُ يُوَافِقُ هَؤُلَاءِ تَارَةً وَتَارَةً يُخَالِفُهُ 5 ، وَآخِرُ أَمْرِهِ اسْتَقَرَّ عَلَى مُخَالَفَتِهِمْ وَمُطَالَعَةِ 6 الْأَحَادِيثِ 7 النَّبَوِيَّةِ.
وَثَانِيهَا: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: (* إِنَّهُ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ اللَّهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ 8 . وَهَذَا
قَوْلُ هَذَا الْإِمَامِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِنَ الرَّافِضَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالزَّيْدِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ.
وَثَالِثُهَا: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ *) 1 : إِنَّهُ 2 مَعْنًى وَاحِدٌ قَدِيمٌ قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَالِاسْتِخْبَارُ، إِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ 3 كَانَ تَوْرَاةً 4 ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ كُلَّابٍ وَمَنْ وَافَقَهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ 5 .
وَرَابِعُهَا: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ أَزَلِيَّةٌ مُجْتَمِعَةٌ فِي الْأَزَلِ، وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ.
ذَكَرَهُ الْأَشْعَرِيُّ فِي " الْمَقَالَاتِ " عَنْ طَائِفَةٍ 6 . وَهُوَ الَّذِي يُذْكَرُ عَنِ السَّالِمِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ.
وَهَؤُلَاءِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّ تِلْكَ الْأَصْوَاتَ الْقَدِيمَةَ هِيَ الصَّوْتُ
الْمَسْمُوعُ 1 مِنَ الْقَارِئِ 2 ، أَوْ هِيَ بَعْضُ الصَّوْتِ 3 الْمَسْمُوعِ مِنَ الْقَارِئِ، وَأَمَّا جُمْهُورُهُمْ مَعَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ 4 فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، قَالُوا: هَذَا مُخَالِفٌ 5 لِضَرُورَةِ الْعَقْلِ.
وَخَامِسُهَا 6 : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ لَكِنْ تَكَلَّمَ بِهِ 7 بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا، وَكَلَامُهُ حَادِثٌ 8 فِي ذَاتِهِ كَمَا أَنَّ فِعْلَهُ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا وَلَا فَاعِلًا.
وَهَذَا قَوْلُ الْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ 9 قَوْلُ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ وَأَمْثَالِهِ مِنِ الشِّيعَةِ.
(* وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ حَادِثٌ وَلَيْسَ بِمُحْدَثٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هُوَ مُحْدَثٌ [أَيْضًا] 10 . وَقَدْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْهُمْ فِي " الْمَقَالَاتِ " وَذَكَرَ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي مُعَاذٍ التُّومَنِيِّ وَبَيْنَ زُهَيْرٍ الْأَثَرِيِّ 11 . وَالْكَرَّامِيَّةُ يَقُولُونَ: حَادِثٌ لَا مُحْدَثٌ *) 12 .
وَسَادِسُهَا 1 : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ وَمَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ 2 بِكَلَامٍ يَقُومُ بِهِ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ [بِهِ] بِصَوْتٍ 3 يُسْمَعُ، وَأَنَّ نَوْعَ الْكَلَامِ [أَزَلِيٌّ 4 ] قَدِيمٌ، م وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَ 5 الصَّوْتِ الْمُعَيَّنِ قَدِيمًا.
وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ.
6
(* وَسَابِعُهَا: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: كَلَامُهُ يَرْجِعُ إِلَى مَا يَحْدُثُ مِنْ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: لَمْ يَزَلْ ذَاكَ حَادِثًا فِي ذَاتِهِ، كَمَا يَقُولُهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ صَاحِبُ " الْمُعْتَبَرِ " وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ، وَ [أَبُو عَبْدِ اللَّهِ] الرَّازِيُّ يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ 7 فِي مِثْلِ " الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ ".
وَثَامِنُهَا: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: كَلَامُهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى قَائِمًا بِذَاتِهِ وَهُوَ مَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِقَوْلِ ابْنِ كُلَّابٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ 8 . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ الْبَاطِنِيَّةِ مُتَشَيِّعِهِمْ وَمُتَصَوِّفِيهِمْ.
وَتَاسِعُهَا: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: [كَلَامُ اللَّهِ] (1) مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ وَبَيْنَ مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَصْوَاتِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْمَعَالِي وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْأَشْعَرِيَّةِ *) (2) .
تفصيل القول في مقالة أهل السنة
وَبِالْجُمْلَةِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، أَهْلُ الْحَدِيثِ وَمَنِ انْتَسَبَ إِلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ [مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَئِمَّةِ أَتْبَاعِهِمْ] 3 ، وَالطَّوَائِفُ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْجَمَاعَةِ 4 كَالْكُلَّابِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالسَّالِمِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ 5 غَيْرُ مَخْلُوقٍ [وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ] 6 . وَهَذَا هُوَ الْمُتَوَاتِرُ 7 [الْمُسْتَفِيضُ] 8 عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ [مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمْ] 9 . 10 [" وَالنُّقُولُ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَتَابِعِي تَابِعِيهِمْ، وَفِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ يَذْكُرُونَ فِيهَا مَقَالَاتِ السَّلَفِ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ عَنْهُمْ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ كِتَابِ " الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ " لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ12
الْجُعْفِيِّ 1 وَلِعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ، وَكَذَلِكَ " نَقْضُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ 2 وَالرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ " لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ 3 ، وَكِتَابُ " السُّنَّةِ " لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - 4 وَلِأَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ 5 وَلِلْخَلَّالِ 6 ، وَكِتَابُ " خَلْقِ
أَفْعَالِ الْعِبَادِ " لِلْبُخَارِيِّ 1 وَكِتَابُ " التَّوْحِيدِ " لِأَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ 2 ، وَكِتَابُ " السُّنَّةِ " لِأَبِي الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ 3 ، وَلِأَبِي الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيِّ 4 ، وَلِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ 5 ، " وَالْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ " لِأَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ 6 .،
وَ " السُّنَّةُ " لِأَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ 1 \ 65.، وَ " الْإِبَانَةُ " لِابْنِ بَطَّةَ 2 .، وَ " شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ " لِأَبِي الْقَاسِمِ اللَّالْكَائِيِّ 3 .، وَ " السُّنَّةُ " لِأَبِي حَفْصِ بْنِ شَاهِينَ 4 .، وَ " أُصُولُ السُّنَّةِ " لِأَبِي عُمَرَ