مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
- الطبعة
- الأولى، 1406 هـ - 1986 معدد المجلدات: 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي المحقق]
الثَّامِنُ: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى مُعَيَّنٍ، فَدَعْوَى دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى عَلِيٍّ بَاطِلٌ، وَالِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ لَيْسَ احْتِجَاجًا بِالْقُرْآنِ، مَعَ أَنَّهُ بَاطِلٌ.
التَّاسِعُ: أَنَّ قَوْلَهُ: كُلُّ قَوْمٍ صِيغَةُ عُمُومٍ.
وَلَوْ أُرِيدَ أَنَّ هَادِيًا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ لَقِيلَ: لِجَمِيعِ النَّاسِ هَادٍ (1) . لَا يُقَالُ: (لِكُلِّ قَوْمٍ) ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ [غَيْرُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ] (2) ، وَهُوَ لَمْ يَقُلْ: لِجَمِيعِ الْقَوْمِ، وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ، بَلْ أَضَافَ " كُلًّا " إِلَى نَكِرَةٍ، لَمْ يُضِفْهُ إِلَى مَعْرِفَةٍ.
كَمَا فِي قَوْلِكَ: " كُلُّ النَّاسِ يَعْلَمُ أَنَّ هُنَا (3) قَوْمًا وَقَوْمًا مُتَعَدِّدِينَ، وَأَنَّ كُلَّ قَوْمٍ لَهُمْ هَادٍ لَيْسَ هُوَ هَادِيَ الْآخَرِينَ ". وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: [إِنَّ] (4) الْهَادِيَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَدَلَالَتُهُ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: " هُوَ عَلِيٌّ أَظْهَرُ.
فصل البرهان الرابع عشر " وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ " والجواب عليه
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ 5 : " الْبُرْهَانُ الرَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 24] مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ 6 عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ عَنْ وِلَايَةِ عَلِيٍّ.
وَكَذَا فِي كِتَابِ " الْفِرْدَوْسِ " عَنْ أَبِي1234
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1 . وَإِذَا سُئِلُوا عَنِ الْوِلَايَةِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً لَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ ".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ 2 ، وَالْعَزْوُ إِلَى " الْفِرْدَوْسِ " وَإِلَى أَبِي نُعَيْمٍ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ 3 .
الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ - وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ - وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ - وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ - أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ - أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ - قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ - فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ - وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ - هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ - احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ - مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ - وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ - مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ - بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ - وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ - قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ - قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ - وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ - فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ - فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ - فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ - إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ - إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ - وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ - بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾
[سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 12 - 37] .
فَهَذَا خِطَابٌ عَنِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَهَؤُلَاءِ يُسْأَلُونَ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْإِيمَانِ بِرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
وَأَيُّ مَدْخَلٍ لِحُبِّ عَلِيٍّ فِي سُؤَالِ هَؤُلَاءِ تُرَاهُمْ لَوْ أَحَبُّوهُ مَعَ هَذَا الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ أَكَانَ ذَلِكَ يَنْفَعُهُمْ أَوْ تُرَاهُمْ لَوْ أَبْغَضُوهُ أَيْنَ كَانَ بُغْضُهُمْ لَهُ فِي بُغْضِهِمْ لِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَدِينِهِ؟
وَمَا يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِهَذَا، وَيَقُولُ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَهُ بِمِثْلِ هَذَا - إِلَّا زِنْدِيقٌ مُلْحِدٌ مُتَلَاعِبٌ بِالدِّينِ قَادِحٌ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ، لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ حُبِّ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ؟ !
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عَنْ حُبِّ أَبِي بَكْرٍ، لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ أَبْعَدَ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: عَنْ حُبِّ عَلِيٍّ، وَلَا فِي الْآيَةِ 1 مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ أَرْجَحُ، بَلْ دَلَالَتُهَا 2 عَلَى ثُبُوتِهِمَا وَانْتِفَائِهِمَا 3 سَوَاءٌ، وَالْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ 4 عَلَى وُجُوبِ حُبِّ أَبِي بَكْرٍ أَقْوَى.
الرَّابِعُ: أَنَّ قَوْلَهُ " مَسْئُولُونَ " لَفْظٌ مُطْلَقٌ لَمْ يُوصَلْ [بِهِ] ضَمِيرٌ 5 يَخُصُّهُ بِشَيْءٍ، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِي ذِكْرَ حُبِّ عَلِيٍّ، فَدَعْوَى الْمُدَّعِي دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى سُؤَالِهِمْ عَنْ حُبِّ عَلِيٍّ مِنْ أَعْظَمِ الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عَنْ حُبِّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، لَمْ يَكُنْ (1) إِبْطَالُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ إِلَّا وَإِبْطَالُ السُّؤَالِ عَنْ حُبِّ عَلِيٍّ أَقْوَى وَأَظْهَرُ.
فصل البرهان الخامس عشر " وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ " والجواب عليه
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : " الْبُرْهَانُ الْخَامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 30] . رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ 3 بِإِسْنَادِهِ عَنْ 4 أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ قَالَ: بِبُغْضِهِمْ عَلِيًّا.
وَلَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ، فَيَكُونَ أَفْضَلَ مِنْهُمْ، فَيَكُونَ هُوَ الْإِمَامَ ".
وَالْجَوَابُ: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ أَوَّلًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ 5 .
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَهُ، فَمُجَرَّدُ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُ الصَّاحِبِ إِذَا خَالَفَهُ صَاحِبٌ آخَرُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ بِاتِّفَاقِ1
أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ عُلِمَ قَدْحُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي عَلِيٍّ، وَإِنَّمَا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا بِقَوْلِ آخَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّا نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ عَامَّةَ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يَكُنْ مَا يُعْرَفُونَ بِهِ مِنْ 1 لَحْنِ الْقَوْلِ هُوَ بُغْضَ عَلِيٍّ، فَتَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِهَذَا فِرْيَةٌ ظَاهِرَةٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ أَعْظَمَ مُعَادَاةً لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ عُمَرَ، بَلْ * وَلَا نَعْرِفُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَأَذَّوْنَ مِنْهُ كَمَا يَتَأَذَّوْنَ مِنْ عُمَرَ، بَلْ وَلَا نَعْرِفُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَأَذَّوْنَ مِنْهُ إِلَّا وَكَانَ بُغْضُهُمْ لِعُمَرَ أَشَدَّ * 2 .
السَّادِسُ: أَنَّهُ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ 3 ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ» . وَقَالَ: «لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» 4 . فَكَانَ مَعْرِفَةُ الْمُنَافِقِينَ فِي لَحْنِهِمْ بِبُغْضِ الْأَنْصَارِ أَوْلَى.
فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَصَحُّ مِمَّا يُرْوَى «عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ: [إِنَّهُ] 5 لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ» . فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ عَلِيٍّ 6 ، وَالْبُخَارِيُّ أَعْرَضَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، بِخِلَافِ أَحَادِيثِ الْأَنْصَارِ،
فَإِنَّهَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الصَّحِيحِ كُلُّهُمْ: الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ يَقِينًا 1 أَنَّ النَّبِيَّ قَالَهُ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ قَدْ شَكَّ فِيهِ بَعْضُهُمْ.
السَّابِعُ: أَنَّ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ كَثِيرَةٌ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ» 2 . فَهَذِهِ عَلَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ.
فَعُلِمَ أَنَّ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ لَا تَخْتَصُّ بِحُبِّ شَخْصٍ أَوْ طَائِفَةٍ وَلَا بُغْضِهِمْ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنَ الْعَلَامَاتِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ عَلِيًّا لِلَّهِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ، فَذَلِكَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى إِيمَانِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ الْأَنْصَارَ ; لِأَنَّهُمْ نَصَرُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ إِيمَانِهِ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَلِيًّا وَالْأَنْصَارَ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ ; فَهُوَ مُنَافِقٌ.
وَأَمَّا مَنْ أَحَبَّ الْأَنْصَارَ أَوْ عَلِيًّا أَوْ غَيْرَهُمْ لِأَمْرٍ طَبِيعِيٍّ مِثْلِ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ كَمَحَبَّةِ أَبِي طَالِبٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَنْ غَلَا فِي الْأَنْصَارِ، أَوْ فِي عَلِيٍّ أَوْ فِي الْمَسِيحِ أَوْ فِي نَبِيٍّ فَأَحَبَّهُ وَاعْتَقَدَ فِيهِ فَوْقَ مَرْتَبَتِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُحِبَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ، إِنَّمَا أَحَبَّ مَا لَا وُجُودَ لَهُ، كَحُبِّ النَّصَارَى لِلْمَسِيحِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ.
وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ لَا تَنْفَعُهُمْ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَنْفَعُ الْحُبُّ لِلَّهِ، لَا الْحُبُّ مَعَ اللَّهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾
وَمَنْ قُدِّرَ أَنَّهُ سَمِعَ عَنْ بَعْضِ الْأَنْصَارِ أَمْرًا يُوجِبُ 1 بُغْضَهُ فَأَبْغَضَهُ لِذَلِكَ، كَانَ ضَالًّا مُخْطِئًا، وَلَمْ يَكُنْ مُنَافِقًا بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ مَنِ اعْتَقَدَ فِي بَعْضِ الصَّحَابَةِ اعْتِقَادًا غَيْرَ مُطَابِقٍ، وَظَنَّ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا فَأَبْغَضَهُ لِذَلِكَ كَانَ جَاهِلًا ظَالِمًا وَلَمْ يَكُنْ مُنَافِقًا.
وَهَذَا مِمَّا يُبَيَّنُ بِهِ كَذِبُ مَا يُرْوَى عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَجَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: " مَا كُنَّا نَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا بِبُغْضِهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ " فَإِنَّ هَذَا النَّفْيَ مِنْ أَظْهَرِ الْأُمُورِ كَذِبًا، لَا يَخْفَى بُطْلَانُ هَذَا النَّفْيِ عَلَى [آحَادِ النَّاسِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَخْفَى مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى] 2 جَابِرٍ أَوْ نَحْوِهِ.
فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَصِفَاتِهِمْ أُمُورًا مُتَعَدِّدَةً، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بُغْضُ عَلِيٍّ.
كَقَوْلِهِ 3 ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 49] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 58] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 61] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
[سُورَةُ التَّوْبَةِ: 75] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 77] . إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي يَصِفُ بِهَا الْمُنَافِقِينَ 1 ، وَذَكَرَ عَلَامَاتِهِمْ وَذَكَرَ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِلنِّفَاقِ.
وَكُلُّ مَا كَانَ مُوجِبًا لِلنِّفَاقِ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَعَلَامَةٌ لَهُ.
فَكَيْفَ يَجُوزُ لِعَاقِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَمْ يَكُنْ لِلْمُنَافِقِينَ عَلَامَةٌ [يُعْرَفُونَ بِهَا] 2 غَيْرُ 3 بُغْضِ عَلِيٍّ؟ وَقَدْ كَانَ مِنْ عَلَامَتِهِمُ التَّخَلُّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ حَافِظُوا عَلَى [هَؤُلَاءِ] 4 الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ 5 ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَإِنَّ اللَّهَ 6 شَرَعَ لِنَبِيِّهِ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّكُمْ لَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، 7 وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ 8 لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا 9 إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ 10 "
وَعَامَّةُ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ وَأَسْبَابِهِ لَيْسَتْ فِي أَحَدٍ مِنْ أَصْنَافِ الْأُمَّةِ أَظْهَرَ مِنْهَا فِي الرَّافِضَةِ، حَتَّى يُوجَدَ فِيهِمْ مِنَ النِّفَاقِ الْغَلِيظِ الظَّاهِرِ مَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ.
وَشِعَارُ دِينِهِمْ " التَّقِيَّةُ " الَّتِي هِيَ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، وَهَذَا عَلَامَةُ النِّفَاقِ.
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ - وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 166 - 167] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 74] 1 .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 10] وَفِيهَا قِرَاءَتَانِ 2 : يَكْذِبُونَ، وَيُكَذِّبُونَ 3 .
وَفِي الْجُمْلَةِ [فَعَلَامَاتُ] 4 النِّفَاقِ مِثْلُ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَإِخْلَافِ 5 الْوَعْدِ وَالْغَدْرِ لَا يُوجَدُ فِي طَائِفَةٍ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي الرَّافِضَةِ.
وَهَذَا مِنْ صِفَاتِهِمُ الْقَدِيمَةِ، حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَغْدِرُونَ بِعَلِيٍّ وَبِالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ 1 ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» 2 . وَهَذَا لِبَسْطِهِ مَوْضُوعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: لَا عَلَامَةَ لِلنِّفَاقِ إِلَّا بُغْضُ عَلِيٍّ، وَلَا يَقُولُ هَذَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَكِنَّ الَّذِي قَدْ يُقَالُ: إِنَّ بُغْضَهُ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: «لَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ» 3 ، فَهَذَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ، فَإِنَّهُ مَنْ عَلِمَ مَا قَامَ بِهِ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، ثُمَّ أَبْغَضَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ مُنَافِقٌ.
وَنِفَاقُ مَنْ يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ أَظْهَرُ ; فَإِنَّ الْأَنْصَارَ قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُمْ مَدِينَةٌ، وَهُمُ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِ الْمُهَاجِرِينَ، وَبِالْهِجْرَةِ إِلَى دَارِهِمْ عَزَّ الْإِيمَانُ، وَاسْتَظْهَرَ أَهْلُهُ، وَكَانَ لَهُمْ مِنْ نَصْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ مَدِينَةٍ غَيْرِهِمْ، وَلَا لِقَبِيلَةٍ سِوَاهُمْ، فَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ.
وَمَعَ هَذَا فَلَيْسُوا بِأَفْضَلَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، بَلِ الْمُهَاجِرُونَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ.
فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ بُغْضِ الشَّخْصِ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلَا يَشُكُّ مَنْ عَرَفَ أَحْوَالَ الصَّحَابَةِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ أَشَدَّ عَدَاوَةً لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ عَلِيٍّ، وَأَنَّ تَأْثِيرَهُ فِي نَصْرِ الْإِسْلَامِ وَإِعْزَازِهِ
وَإِذْلَالِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ أَعْظَمُ مِنْ تَأْثِيرِ عَلِيٍّ، وَأَنَّ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ أَعْدَاءَ الرَّسُولِ يُبْغِضُونَهُ أَعْظَمَ مِمَّا يُبْغِضُونَ عَلِيًّا.
وَلِهَذَا كَانَ الَّذِي قَتَلَ عُمَرَ كَافِرًا يُبْغِضُ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَيُبْغِضُ الرَّسُولَ وَأُمَّتَهُ فَقَتَلَهُ بُغْضًا لِلرَّسُولِ وَدِينِهِ وَأُمَّتِهِ.
وَالَّذِي قَتَلَ عَلِيًّا كَانَ يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَقَتَلَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُحِبُّ قَتْلَ عَلِيٍّ، وَفَعَلَ ذَلِكَ مَحَبَّةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ - فِي زَعْمِهِ - وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَالًّا مُبْتَدِعًا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النِّفَاقَ فِي بُغْضِ عُمَرَ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي بُغْضِ عَلِيٍّ.
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الرَّافِضَةُ مِنْ أَعْظَمِ الطَّوَائِفِ نِفَاقًا كَانُوا يُسَمُّونَ عُمَرَ فِرْعَوْنَ الْأُمَّةِ.
وَكَانُوا يُوَالُونَ أَبَا لُؤْلُؤَةَ - قَاتَلَهُ اللَّهُ - الَّذِي هُوَ مِنْ أَكْفِرِ الْخَلْقِ وَأَعْظَمِهِمْ عَدَاوَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (1) .
فصل البرهان السادس عشر " وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ " والجواب عليه
فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 2 : الْبُرْهَانُ السَّادِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ - أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [سُورَةُ الْوَاقِعَةِ: 10 - 11] 3 . رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ 4 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ 5 فِي هَذِهِ الْآيَةِ: سَابِقُ هَذِهِ الْأُمَّةِ1
عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
رَوَى 1 الْفَقِيهُ ابْنُ الْمَغَازِلِيِّ 2 الشَّافِعِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: سَبَقَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ إِلَى مُوسَى، وَسَبَقَ مُوسَى إِلَى هَارُونَ، وَسَبَقَ صَاحِبُ يس إِلَى عِيسَى، وَسَبَقَ عَلِيٌّ إِلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 3 . وَهَذِهِ الْفَضِيلَةُ لَمْ تَثْبُتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ 4 ".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ، فَإِنَّ الْكَذِبَ كَثِيرٌ فِيمَا يَرْوِيهِ هَذَا وَهَذَا.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَوْ صَحَّ عَنْهُ 5 لَمْ يَكُنْ حُجَّةً إِذَا خَالَفَهُ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ 6 .
الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 100]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [سُورَةُ فَاطِرٍ: 32] .
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ هُمُ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلُوا، الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ مِمَّنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ وَدَخَلَ فِيهِمْ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ سَابِقَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاحِدٌ؟ !
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: " وَهَذِهِ الْفَضِيلَةُ لَمْ تَثْبُتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ " مَمْنُوعٌ ; فَإِنَّ النَّاسَ مُتَنَازِعُونَ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ، فَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ، فَهُوَ أَسْبَقُ إِسْلَامًا مِنْ عَلِيٍّ.
وَقِيلَ: إِنَّ عَلِيًّا أَسْلَمَ قَبْلَهُ.
لَكِنْ عَلِيٌّ كَانَ صَغِيرًا، وَإِسْلَامُ الصَّبِيِّ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ إِسْلَامَ أَبِي بَكْرٍ أَكْمَلُ وَأَنْفَعُ، فَيَكُونُ هُوَ أَكْمَلَ سَبْقًا بِالِاتِّفَاقِ، وَأَسْبَقَ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ.
فَكَيْفَ يُقَالُ: عَلِيٌّ أَسْبَقُ مِنْهُ بِلَا حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فَضَّلَتِ السَّابِقِينَ 1 الْأَوَّلِينَ، وَلَمْ تَدُلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَسْبَقَ إِلَى الْإِسْلَامِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّابِقِينَ أَفْضَلُ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [سُورَةُ الْحَدِيدِ: 10] ، فَالَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الْإِنْفَاقِ وَالْقِتَالِ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ أَفْضَلُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّ الْفَتْحَ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةِ.
وَإِذَا كَانَ أُولَئِكَ السَّابِقُونَ قَدْ سَبَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَيْسَ
فِي الْآيَتَيْنِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مُطْلَقًا، بَلْ قَدْ يَسْبِقُ 1 إِلَى الْإِسْلَامِ مَنْ سَبَقَهُ غَيْرُهُ إِلَى الْإِنْفَاقِ وَالْقِتَالِ.
وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِمَّنْ أَسْلَمَ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَكْثَرِهِمْ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ، وَبِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا قَطُّ قَالَ: إِنَّ الزُّبَيْرَ وَنَحْوَهُ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ، وَالزُّبَيْرُ أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ.
وَلَا قَالَ مَنْ يُعْرَفُ مِنْ أَهْلِ [الْعِلْمِ] 2 : إِنَّ عُثْمَانَ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانُ أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ.
وَإِنْ كَانَ الْفَضْلُ بِالسَّبْقِ إِلَى الْإِنْفَاقِ وَالْقِتَالِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخَصُّ بِهَذَا، فَإِنَّهُ لَمْ يُجَاهِدْ قَبْلَهُ أَحَدٌ: لَا بِيَدِهِ وَلَا بِلِسَانِهِ، بَلْ هُوَ مِنْ حِينِ آمَنَ بِالرَّسُولِ يُنْفِقُ مَالَهُ وَيُجَاهِدُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَاشْتَرَى مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِي اللَّهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَكَانَ يُجَاهِدُ مَعَ الرَّسُولِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ 3 وَبَعْدَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ 4 . كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 52] فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَسْبَقَ النَّاسِ وَأَكْمَلَهُمْ فِي أَنْوَاعِ الْجِهَادِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ 5 فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ - أَبُو بَكْرٍ» 6 . وَالصُّحْبَةُ بِالنَّفْسِ، وَذَاتُ الْيَدِ هُوَ الْمَالُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَنُّ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ.
فصل البرهان السابع عشر " الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ " والجواب عليه
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ 1 : " الْبُرْهَانُ السَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ الْآيَاتِ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 20] . رَوَى رَزِينُ بْنُ مُعَاوِيَةَ 2 فِي " الْجَمْعِ بَيْنَ الصِّحَاحِ السِّتَّةِ " أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ لَمَّا افْتَخَرَ طَلْحَةُ بْنُ شَيْبَةَ وَالْعَبَّاسُ.
وَهَذِهِ لَمْ تَثْبُتْ 3 لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ 4 ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ ".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ.
وَرَزِينٌ 5 قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ فِي الصِّحَاحِ.
الثَّانِي: أَنَّ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ لَيْسَ كَمَا ذَكَرَهُ عَنْ رَزِينٍ، بَلِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ مَا رَوَاهُ 6 «النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَجُلٌ: لَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ.
وَقَالَ آخَرُ لَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ
أُعَمِّرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ.
وَقَالَ آخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ.
فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ، وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمْعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا» 1 [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 19] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ 2 .
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ الَّذِي فَضَّلَ بِهِ الْجِهَادَ عَلَى السَّدَانَةِ وَالسِّقَايَةِ - أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ فَضَّلَ السَّدَانَةَ وَالسِّقَايَةَ، وَأَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَعْلَمَ بِالْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِمَّنْ نَازَعَهُ فِيهَا.
وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَعُمَرُ قَدْ وَافَقَ رَبَّهُ فِي عِدَّةِ أُمُورٍ، يَقُولُ شَيْئًا وَيَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِمُوَافَقَتِهِ.
«قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 125] ، وَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ بِالْحِجَابِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ.
وَقَالَ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ﴾ ، فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ» 3 . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
وَهَذَا كُلُّهُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ.
وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ تَصْوِيبِ عَلِيٍّ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَأَمَّا التَّفْضِيلُ بِالْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، فَهَذَا ثَابِتٌ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا، فَلَيْسَ هَاهُنَا فَضِيلَةٌ اخْتَصَّ بِهَا عَلِيٌّ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ هَذَا لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ اخْتَصَّ بِمَزِيَّةٍ فَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِ الْإِمَامَةِ، وَلَا مُوجِبَةً لِأَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مُطْلَقًا.
فَإِنَّ الْخَضِرَ لَمَّا عَلِمَ ثَلَاثَ مَسَائِلَ لَمْ يَعْلَمْهَا مُوسَى لَمْ يَكُنْ أَفْضَلَ مِنْ مُوسَى مُطْلَقًا، وَالْهُدْهُدُ لَمَّا قَالَ لِسُلَيْمَانَ: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ: 22] لَمْ يَكُنْ أَعْلَمَ مِنْ سُلَيْمَانَ مُطْلَقًا.
الرَّابِعُ: أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَعْلَمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَعْلَمْهَا؟ فَدَعْوَى اخْتِصَاصِهِ بِعِلْمِهَا بَاطِلٌ، فَبَطَلَ الِاخْتِصَاصُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
بَلْ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ جِهَادَ أَبِي بَكْرٍ بِمَالِهِ أَعْظَمُ مِنْ جِهَادِ عَلِيٍّ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ مُوسِرًا، قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا نَفَعَنِي مَالٌ كَمَالِ أَبِي بَكْرٍ» (1) وَعَلِيٌّ كَانَ فَقِيرًا، وَأَبُو بَكْرٍ أَعْظَمُ جِهَادًا بِنَفْسِهِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (2) -.
فصل البرهان الثامن عشر " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً " والجواب عليه
فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 3 : " الْبُرْهَانُ الثَّامِنَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾12
[سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ: 12] 1 مِنْ طَرِيقِ الْحَافِظِ أَبِي نُعَيْمٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، وَبَخِلُوا أَنْ يَتَصَدَّقُوا قَبْلَ كَلَامِهِ، وَتَصَدَّقَ عَلِيٌّ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُهُ.
وَمِنْ تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ لَعَلِيٍّ ثَلَاثَةٌ لَوْ كَانَتْ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ: تَزْوِيجُهُ فَاطِمَةَ، وَإِعْطَاؤُهُ 2 الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَآيَةُ النَّجْوَى.
وَرَوَى رَزِينُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي " الْجَمْعِ بَيْنَ الصِّحَاحِ السِّتَّةِ " عَنْ عَلِيٍّ: مَا عَمِلَ بِهَذِهِ الْآيَةِ غَيْرِي، وَبِي خَفَّفَ اللَّهُ 3 عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ هُوَ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ " 4 .
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا الَّذِي ثَبَتَ فَهُوَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصَدَّقَ وَنَاجَى، ثُمَّ نُسِخَتِ الْآيَةُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا غَيْرُهُ 5 ، لَكِنَّ الْآيَةَ لَمْ تُوجِبِ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ أَمَرَهُمْ إِذَا نَاجَوْا أَنْ يَتَصَدَّقُوا، فَمَنْ لَمْ يُنَاجِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ.
وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْمُنَاجَاةُ وَاجِبَةً، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مَلُومًا إِذَا تَرَكَ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَمَنْ كَانَ فِيهِمْ 6 عَاجِزًا عَنِ الصَّدَقَةِ وَلَكِنْ لَوْ قَدَرَ لَنَاجَى
فَتَصَدَّقَ، فَلَهُ نِيَّتُهُ وَأَجْرُهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ سَبَبٌ يُنَاجِي لِأَجْلِهِ لَمْ يُجْعَلْ نَاقِصًا، وَلَكِنْ مَنْ عَرَضَ لَهُ سَبَبٌ اقْتَضَى الْمُنَاجَاةَ فَتَرَكَهُ بُخْلًا، فَهَذَا قَدْ تَرَكَ الْمُسْتَحَبَّ.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُشْهَدَ عَلَى الْخُلَفَاءِ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ هَذَا الضَّرْبِ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَتُهُمْ 1 حَاضِرِينَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، بَلْ يُمْكِنُ غَيْبَةُ بَعْضِهِمْ، وَيُمْكِنُ حَاجَةُ بَعْضِهِمْ، وَيُمْكِنُ عَدَمُ الدَّاعِي إِلَى الْمُنَاجَاةِ.
وَلَمْ يَطُلْ زَمَانُ عَدَمِ نَسْخِ الْآيَةِ، حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ لَا بُدَّ أَنْ تَعْرِضَ فِيهِ حَاجَةٌ إِلَى الْمُنَاجَاةِ.
وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ تَرْكَ الْمُسْتَحَبَّ، فَقَدْ بَيَّنَّا غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مُسْتَحَبًّا لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.
قَالَ: " فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ جِنَازَةً؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.
قَالَ: " هَلْ فِيكُمْ مَنْ عَادَ مَرِيضًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.
قَالَ: " هَلْ فِيكُمْ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ؟ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.
قَالَ: " مَا اجْتَمَعَ لِعَبْدٍ هَذِهِ الْخِصَالُ إِلَّا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» 2 . وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ لَمْ يُنْقَلْ مِثْلُهَا لِعَلِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي يَوْمٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَإِنْ كَانَ مِنْ
أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» 1 . وَلَمْ يُذْكَرْ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ 2 فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ ". فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَتَكَلَّمُ! ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: * فَإِنِّي أُؤْمِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ " وَ [مَا] هُمَا ثَمَّ» 3 . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - * 4 : «بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهَا الذِّئْبُ، فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ، فَقَالَ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَيْسَ [لَهَا] 5 رَاعٍ غَيْرِي؟ ". فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " فَإِنِّي أُؤْمِنُ بِذَلِكَ: أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ " وَهُمَا ثَمَّ» 6 .
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا نَفَعَنِي مَالٌ كَمَالِ أَبِي بَكْرٍ» 1 . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي اخْتِصَاصِهِ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ، لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهَا عَلِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، لَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ.
لَا يَبْقَيَنَّ بَابٌ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ» 2 .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: " أَمَا إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي» 3
وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ «عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: أَمَرَنَا 1 رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ 2 مِنِّي مَالًا، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ.
قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ " قُلْتُ: مِثْلُهُ.
وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ.
فَقَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
قُلْتُ: لَا أُسَابِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا» 3 .
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ 4 ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ فَسَلِمَ ". وَقَالَ: إِنَّهُ 5 كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي، فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثًا.
ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ 6 : أَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ؟ قَالُوا: لَا.
فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[فَسَلَّمَ عَلَيْهِ] 7 فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَمَعَّرُ، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، [وَاللَّهِ] 1 أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ 2 . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ 3 ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا " وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " [إِنِّي] 4 قُلْتُ [: أَيُّهَا النَّاسُ] 5 إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ» 6 .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ» 7 .
وَتَجْهِيزُ عُثْمَانَ بِأَلْفِ بَعِيرٍ أَعْظَمُ مِنْ صَدَقَةِ عَلِيٍّ بِكَثِيرٍ كَثِيرٍ، فَإِنَّ الْإِنْفَاقَ فِي الْجِهَادِ كَانَ فَرْضًا، بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ أَمَامَ النَّجْوَى فَإِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِمَنْ يُرِيدُ النَّجْوَى 8 ، فَمَنْ لَمْ يُرِدْهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ.
وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي بَعْضِ الْأَنْصَارِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سُورَةُ الْحَشْرِ: 9]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ.
فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا 1 مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ.
ثُمَّ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا 2 وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ.
فَقَالَ: " مَنْ يُضِيفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ؟ " فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَانْطَلَقَ 3 بِهِ إِلَى رَحْلِهِ 4 ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ: لَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِنَا.
فَقَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى 5 لِيَأْكُلَ 6 فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ 7 . قَالَ: فَقَعَدُوا [فَأَكَلَ الضَّيْفُ] 8 فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى 9 رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: " قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صُنْعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ ". وَفِي رِوَايَةٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ » [سُورَةُ الْحَشْرِ: 9] ) 10 .
وَبِالْجُمْلَةِ فَبَابُ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ، لَكَثِيرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فِيهِ مِنَ الْفَضِيلَةِ مَا لَيْسَ لِعَلِيٍّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فصل البرهان التاسع عشر " وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا " والجواب عليه
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ 1 : الْبُرْهَانُ التَّاسِعَ عَشَرَ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: 45] قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا 2 : «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ 3 ثُمَّ قَالَ: سَلْهُمْ يَا مُحَمَّدُ عَلَامَ بُعِثْتُمْ؟ قَالُوا: بُعِثْنَا 4 عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعَلَى الْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِكَ وَالْوِلَايَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ» . وَهَذَا صَرِيحٌ بِثُبُوتِ الْإِمَامَةِ لِعَلِيٍّ 5 ".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ بِالصِّحَّةِ.
وَقَوْلُنَا فِي هَذَا الْكَذِبِ الْقَبِيحِ وَأَمْثَالِهِ: الْمُطَالَبَةُ بِالصِّحَّةِ، لَيْسَ بِشَكٍّ مِنَّا فِي أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ مِنْ أَسْمَجِ الْكَذِبِ وَأَقْبَحِهِ، لَكِنْ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ فِي الْمُنَاظَرَةِ، وَأَنَّ هَذَا لَوْ [لَمْ] يُعْلَمْ 6 أَنَّهُ كَذِبٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ حَتَّى يَثْبُتَ صِدْقُهُ ; فَإِنَّ
الِاسْتِدْلَالَ بِمَا لَا تُعْلَمُ صِحَّتُهُ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ، وَهُوَ حَرَامٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مِثْلَ هَذَا مِمَّا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى 1 أَنَّهُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ 2 .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا مِمَّا يَعْلَمُ مَنْ لَهُ عِلْمٌ وَدِينٌ أَنَّهُ 3 مِنَ الْكَذِبِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَا يُصَدِّقُ بِهِ مَنْ لَهُ عَقْلٌ وَدِينٌ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِقُ مِثْلَ هَذَا أَهْلُ الْوَقَاحَةِ وَالْجَرَاءَةِ فِي الْكَذِبِ، فَإِنَّ الرُّسُلَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كَيْفَ يُسْأَلُونَ عَمَّا لَا يَدْخُلُ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ؟
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَطَاعَهُ، وَمَاتَ فِي حَيَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ بِوَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؟ !
وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمْ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرُنَّهُ.
هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، كَمَا 4 قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 81] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 81] 5 .
فَأَمَّا الْإِيمَانُ بِتَفْصِيلِ مَا بُعِثَ بِهِ [مُحَمَّدٌ] 1 فَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ، فَكَيْفَ يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ مُوَالَاةُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟
الرَّابِعُ: أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: 45] . لَيْسَ فِي هَذَا سُؤَالٌ لَهُمْ بِمَاذَا بُعِثُوا؟ 2 .
الْخَامِسُ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إِنَّهُمْ بُعِثُوا بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
إِنْ أَرَادَ أَنَّهُمْ لَمْ يُبْعَثُوا إِلَّا بِهَا، فَهَذَا كَذِبٌ عَلَى الرُّسُلِ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا أُصُولُ مَا بُعِثُوا بِهِ، فَهَذَا أَيْضًا كَذِبٌ فَإِنَّ أُصُولَ الدِّينِ الَّتِي بُعِثُوا بِهَا: مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأُصُولَ 3 الشَّرَائِعِ، [أَهَمُّ] 4 عِنْدَهُمْ مِنْ ذِكْرِ الْإِيمَانِ بِوَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيٍّ غَيْرِهِمْ، بَلْ وَمِنَ الْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِمُحَمَّدٍ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مُجْمَلًا، كَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الْإِقْرَارُ بِنُبُوَّاتِهِمْ مُجْمَلًا، لَكِنْ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِشَرْعِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا.
وَأَمَّا الْإِيمَانُ بِشَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى التَّفْصِيلِ، فَهُوَ
وَاجِبٌ عَلَى أُمَمِهِمْ، [فَكَيْفَ يَتْرُكُونَ ذِكْرَ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى أُمَمِهِمْ] (1) وَيَذْكُرُونَ مَا لَيْسَ هُوَ الْأَوْجَبَ؟
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِمُدَّةٍ.
قِيلَ: إِنَّهَا سَنَةٌ وَنِصْفٌ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا خَمْسُ سِنِينَ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَكَانَ عَلِيٌّ صَغِيرًا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هِجْرَةٌ وَلَا جِهَادٌ وَلَا أَمْرٌ يُوجِبُ أَنْ يَذْكُرَهُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ.
وَالْأَنْبِيَاءُ لَمْ [يَكُنْ] (2) يُذْكَرُ عَلِيٌّ فِي كُتُبِهِمْ أَصْلًا، وَهَذِهِ كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ [الْمَوْجُودَةِ] (3) الَّتِي أَخْرَجَ النَّاسُ مَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ذِكْرُ عَلِيٍّ، بَلْ ذَكَرُوا أَنَّ فِي التَّابُوتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ عِنْدَ الْمُقَوْقِسِ صُوَرُ الْأَنْبِيَاءِ - صُورَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مَعَ صُورَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَنَّهُ بِهَا يُقِيمُ اللَّهُ أَمْرَهُ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ ذُكِرَ عَلِيٌّ عِنْدَهُمْ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كُلًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بُعِثُوا بِالْإِقْرَارِ بِوِلَايَةِ [عَلِيٍّ] (4) وَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ لِأُمَمِهِمْ وَلَا نَقَلَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟
فصل البرهان العشرون " وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ " والجواب عليه
فَصْلٌ قَالَ الرَّافِضِيُّ 5 : " الْبُرْهَانُ الْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [سُورَةُ الْحَاقَّةِ: 12] فِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ1234
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سَأَلْتُ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ يَا عَلِيُّ» 1 . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: [يَا عَلِيُّ] 2 إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُدْنِيَكَ 3 وَأُعَلِّمَكَ، 4 يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُدْنِيَكَ وَأُعَلِّمَكَ 5 لِتَعِيَ، وَأُنْزِلَتْ عَلَيَّ 6 هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ فَأَنْتَ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ» 7 . وَهَذِهِ الْفَضِيلَةُ لَمْ تَحْصُلْ لِغَيْرِهِ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ ".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: بَيَانُ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ.
وَالثَّعْلَبِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ يَرْوِيَانِ مَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ 8 348. الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ - لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [سُورَةُ الْحَاقَّةِ: 11 - 12] لَمْ يُرَدْ بِهِ أُذُنُ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ فَقَطْ، فَإِنَّ هَذَا خِطَابٌ لِبَنِي آدَمَ.
وَحَمْلُهُمْ فِي السَّفِينَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ - وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: 9
41 -، 42] وَقَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سُورَةُ لُقْمَانَ: 31] ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ لِيَعِيَ ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ؟
نَعَمْ أُذُنُ عَلِيٍّ مِنَ الْأُذُنِ الْوَاعِيَةِ، كَأُذُنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا اخْتِصَاصَ لِعَلِيٍّ بِذَلِكَ.
وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ: أَنَّ الْآذَانَ الْوَاعِيَةَ لَيْسَتْ أُذُنَ عَلِيٍّ وَحْدَهَا.
أَتَرَى أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَتْ وَاعِيَةً؟ وَلَا أُذُنَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَمَّارٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَالْمِقْدَادِ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَسَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُوَافَقُونَ عَلَى فَضِيلَتِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ؟
وَإِذَا كَانَتِ الْأُذُنُ الْوَاعِيَةُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةُ لَمْ تَحْصُلْ لِغَيْرِهِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الرَّافِضِيَّ الْجَاهِلَ الظَّالِمَ يَبْنِي أَمْرَهُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ بَاطِلَةٍ ; فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ فِي طَوَائِفِ أَهْلِ الْبِدَعِ أَوْهَى مِنْ حُجَجِ الرَّافِضَةِ، بِخِلَافِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ، فَإِنَّ لَهُمْ حُجَجًا وَأَدِلَّةً قَدْ تُشْبِهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ.
أَمَّا الرَّافِضَةُ فَلَيْسَ لَهُمْ حُجَّةٌ قَطُّ تَنْفُقُ إِلَّا عَلَى جَاهِلٍ أَوْ ظَالِمٍ صَاحِبِ هَوًى، يَقْبَلُ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا.
وَلِهَذَا يُقَالُ فِيهِمْ لَيْسَ لَهُمْ عَقْلٌ وَلَا نَقْلٌ، وَلَا دِينٌ صَحِيحٌ، وَلَا دُنْيَا مَنْصُورَةٌ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لَوْ عَلَّقَ حُكْمًا بِأَجْهَلِ النَّاسِ لَتَنَاوَلَ الرَّافِضَةَ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ: إِنِّي أَبْغَضُ أَجْهَلَ النَّاسِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا لَوْ وَصَّى لَأَجْهَلِ النَّاسِ فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ ; لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا قُرْبَةً فَإِذَا وَصَّى لِقَوْمٍ يَدْخُلُ فِيهِمُ الْكَافِرُ جَازَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَعَلَ الْكُفْرَ وَالْجَهْلَ جِهَةً وَشَرْطًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
ثُمَّ الرَّافِضِيُّ يَدَّعِي فِي شَيْءٍ أَنَّهُ مِنْ فَضَائِلِ عَلِيٍّ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الْفَضَائِلِ الْمُشْتَرَكَةِ ; فَإِنَّ فَضَائِلَ عَلِيٍّ الثَّابِتَةَ 1 عَامَّتُهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَإِنَّ عَامَّتَهَا خَصَائِصُ لَمْ يُشَارَكَا فِيهَا.
ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ تُوجِبُ الْإِمَامَةَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَضِيلَةَ الْجُزْئِيَّةَ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ لَيْسَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِلْفَضِيلَةِ الْمُطْلَقَةِ وَلَا لِلْإِمَامَةِ، وَلَا مُخْتَصَّةً بِالْإِمَامِ 2 ، بَلْ تَثْبُتُ لِلْإِمَامِ وَلِغَيْرِهِ، وَلِلْفَاضِلِ الْمُطْلَقِ وَلِغَيْرِهِ.
فَبَنَى 3 هَذَا الرَّافِضِيُّ أَمْرَهُ عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ الثَّلَاثِ، وَالثَّلَاثُ بَاطِلَةٌ 4 . ثُمَّ يُرْدِفُهَا بِالْمُقَدِّمَةِ الرَّابِعَةِ، وَتِلْكَ فِيهَا نِزَاعٌ، لَكِنْ نَحْنُ لَا نُنَازِعُهُ فِيهَا، بَلْ نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَنْ كَانَ أَفْضَلَ كَانَ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ، لَكِنَّ الرَّافِضِيَّ لَا حُجَّةَ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ 5 .
فصل البرهان الحادي والعشرون " سورة هل أتى " والجواب عليه
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ 1 : " الْبُرْهَانُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: سُورَةُ هَلْ أَتَى فِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ قَالَ: «مَرِضَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ 2 ، فَعَادَهُمَا جَدُّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَامَّةُ الْعَرَبِ، فَقَالُوا 3 : يَا أَبَا الْحَسَنِ، لَوْ نَذَرْتَ عَلَى وَلَدَيْكَ.
فَنَذَرَ صَوْمَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَكَذَا نَذَرَتْ 4 أُمُّهُمَا فَاطِمَةُ وَجَارِيَتُهُمْ فِضَّةٌ، فَبَرِئَا، وَلَيْسَ عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ 5 ، فَاسْتَقْرَضَ عَلِيٌّ ثَلَاثَةَ آصُعٍ 6 مِنْ شَعِيرٍ، فَقَامَتْ فَاطِمَةُ إِلَى صَاعٍ فَطَحَنَتْهُ، وَخَبَزَتْ 7 مِنْهُ خَمْسَةَ أَقْرَاصٍ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قُرْصًا 8 ، وَصَلَّى عَلِيٌّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَتَى الْمَنْزِلَ فَوُضِعَ الطَّعَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ ; إِذْ أَتَاهُمْ 9 مِسْكِينٌ، فَقَالَ (10) : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مِسْكِينٌ مِنْ مَسَاكِينِ الْمُسْلِمِينَ، أَطْعِمُونِي أَطْعَمَكُمُ اللَّهُ مِنْ مَوَائِدِ الْجَنَّةِ.
فَسَمِعَهُ عَلِيٌّ، فَأَمَرَ بِإِعْطَائِهِ، فَأَعْطَوْهُ الطَّعَامَ وَمَكَثُوا يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ لَمْ يَذُوقُوا شَيْئًا إِلَّا الْمَاءَ الْقَرَاحَ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي قَامَتْ فَاطِمَةُ فَخَبَزَتْ 1 صَاعًا، وَصَلَّى عَلِيٌّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَتَى الْمَنْزِلَ 2 فَوُضِعَ 3 الطَّعَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَتَاهُمْ يَتِيمٌ، فَوَقَفَ بِالْبَابِ، وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَتِيمٌ مِنْ أَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ اسْتُشْهِدَ وَالِدِي يَوْمَ الْعَقَبَةِ، أَطْعِمُونِي أَطْعَمَكُمُ اللَّهُ مِنْ مَوَائِدِ الْجَنَّةِ، فَسَمِعَهُ عَلِيٌّ، فَأَمَرَ بِإِعْطَائِهِ، فَأَعْطَوْهُ الطَّعَامَ، وَمَكَثُوا يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ 4 لَمْ يَذُوقُوا إِلَّا 5 الْمَاءَ الْقَرَاحَ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَامَتْ فَاطِمَةُ إِلَى الصَّاعِ الثَّالِثِ، فَطَحَنَتْهُ وَخَبَزَتْهُ 6 ، وَصَلَّى عَلِيٌّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ أَتَى الْمَنْزِلَ فَوُضِعَ الطَّعَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ، إِذْ أَتَى أَسِيرٌ فَقَالَ: أَتَأْسِرُونَنَا 7 وَتُشَرِّدُونَنَا وَلَا تُطْعِمُونَنَا، أَطْعِمُونِي فَإِنِّي أَسِيرُ مُحَمَّدٍ أَطْعَمَكُمُ اللَّهُ مِنْ مَوَائِدِ الْجَنَّةِ.
فَسَمِعَهُ عَلِيٌّ، فَأَمَرَ بِإِعْطَائِهِ، فَأَعْطَوْهُ الطَّعَامَ،
وَمَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا 1 لَمْ يَذُوقُوا شَيْئًا إِلَّا الْمَاءَ الْقَرَاحَ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ ; وَقَدْ وَفَّوْا نُذُورَهُمْ 2 ، أَخَذَ عَلِيٌّ الْحَسَنَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى 3 ، وَالْحُسَيْنَ بِيَدِهِ 4 الْيُسْرَى، وَأَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُمْ يَرْتَعِشُونَ كَالْفِرَاخِ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ، فَلَمَّا بَصَرَهُمَا 5 النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، مَا أَشَدَّ مَا يَسُوءُنِي 6 مَا أَرَى بِكُمْ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى مَنْزِلِ 7 ابْنَتِي فَاطِمَةَ، فَانْطَلَقُوا إِلَيْهَا، وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا 8 ، قَدْ 9 لَصَقَ بَطْنُهَا بِظَهْرِهَا (10) مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ، وَغَارَتْ عَيْنَاهَا، فَلَمَّا رَآهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَاغَوْثَاهُ، بِاللَّهِ 10 أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ يَمُوتُونَ جُوعًا! فَهَبَطَ جِبْرِيلُ 11 عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، خُذْ
مَا هَنَّأَكَ اللَّهُ فِي أَهْلِ بَيْتِكَ.
فَقَالَ: " مَا آخُذُ يَا جِبْرِيلُ؟ فَأَقْرَأَهُ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ﴾ » 1 [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: 1] .
وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى فَضَائِلَ جَمَّةٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهَا أَحَدٌ، وَلَا يَلْحَقْهُ أَحَدٌ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ ".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمُجَرَّدُ رِوَايَةِ الثَّعْلَبِيِّ وَالْوَاحِدِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ.
وَلَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ وَالْفَضَائِلِ، وَاحْتَجَّ أَحَدُهُمَا بِحَدِيثٍ 2 لَمْ يَذْكُرْ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ، إِلَّا رِوَايَةَ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ لَهُ فِي تَفْسِيرِهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ وَلَا حُجَّةً عَلَى مُنَازِعِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَادَتِهِمْ يَرْوُونَ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُمْ، وَكَثِيرٌ 3 مِنْ ذَلِكَ لَا يَعْرِفُونَ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ ضَعِيفٌ، وَيَرْوُونَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ مَا يَعْلَمُ غَيْرُهُمْ أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ; لِأَنَّ وَصْفَهُمُ 4 النَّقْلَ لِمَا نُقِلَ أَوْ حِكَايَةَ أَقْوَالِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا وَهَذَا - بَاطِلًا، وَرُبَّمَا تَكَلَّمُوا عَلَى صِحَّةِ بَعْضِ الْمَنْقُولَاتِ وَضَعْفِهَا، وَلَكِنْ لَا يَطَّرِدُونَ هَذَا وَلَا يَلْتَزِمُونَهُ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْكَذِبِ الْمَوْضُوعِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، الَّذِي هُمْ أَئِمَّةُ هَذَا الشَّأْنِ وَحُكَّامُهُ.
وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ هُوَ الْمَنْقُولُ فِي
هَذَا الْبَابِ، وَلِهَذَا لَمْ يُرْوَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي النَّقْلِ 1 ، لَا فِي الصِّحَاحِ، وَلَا فِي الْمَسَانِدِ 2 ، وَلَا فِي الْجَوَامِعِ، وَلَا السُّنَنِ 3 ، وَلَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُونَ فِي الْفَضَائِلِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَتَسَامَحُونَ فِي رِوَايَةِ أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ، كَالنَّسَائِيِّ فَإِنَّهُ صَنَّفَ 4 خَصَائِصَ عَلِيٍّ، وَذَكَرَ فِيهَا 5 عِدَّةَ أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ، وَلَمْ يَرْوِ 6 هَذَا وَأَمْثَالَهُ 7 .
وَكَذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " الْخَصَائِصِ " 8 ، وَخَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ 9 ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي " جَامِعِهِ " رَوَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ، كَثِيرٌ مِنْهَا ضَعِيفٌ، وَلَمْ يَرْوِ مِثْلَ هَذَا لِظُهُورِ كَذِبِهِ.
وَأَصْحَابُ السِّيَرِ، كَابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ، يَذْكُرُونَ مِنْ فَضَائِلِهِ أَشْيَاءَ ضَعِيفَةً، وَلَمْ يَذْكُرُوا مِثْلَ هَذَا، وَلَا رَوَوْا مَا قُلْنَا فِيهِ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ النَّقْلِ، مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، الَّذِينَ يَنْقُلُونَهَا بِالْأَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ، كَتَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ،
وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ وَتَفْسِيرِ بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ وَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ الطُّوسِيِّ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَكَابِرِ، الَّذِينَ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ 1 لِسَانُ صِدْقٍ، وَتَفَاسِيرُهُمْ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا فِي التَّفْسِيرِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الدَّلَائِلَ عَلَى كَذِبِ هَذَا كَثِيرَةٌ.
مِنْهَا: أَنَّ عَلِيًّا إِنَّمَا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا إِلَّا بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ.
وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وُلِدَا بَعْدَ ذَلِكَ، سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَتَزَوَّجْ فَاطِمَةَ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ وَلَمْ يُولَدْ لَهُ وَلَدٌ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ.
وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ الْمُتَوَاتِرِ، الَّذِي يَعْرِفُهُ [كَلُّ] 2 مَنْ عِنْدَهُ طَرَفٌ مِنَ الْعِلْمِ 3 بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ.
وَسُورَةُ " هَلْ أَتَى " مَكِّيَّةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالنَّقْلِ، لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّهَا مَدَنِيَّةٌ.
وَهِيَ عَلَى طَرِيقَةِ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ فِي تَقْرِيرِ أُصُولِ الدِّينِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَذِكْرِ الْخَلْقِ وَالْبَعْثِ.
وَلِهَذَا [قِيلَ:] 4 إِنَّهُ كَانَ النَّبِيُّ 5 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَؤُهَا مَعَ: (ألم تَنْزِيلُ) 6
فِي فَجْرِ يَوْمِ الْجُمْعَةِ ; لِأَنَّ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ.
وَهَاتَانِ السُّورَتَانِ مُتَضَمِّنَتَانِ لِابْتِدَاءِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَخَلْقِ الْإِنْسَانِ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ فَرِيقٌ الْجَنَّةَ وَفَرِيقٌ النَّارَ.
وَإِذَا كَانَتِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلِيٌّ بِفَاطِمَةَ، تَبَيَّنَ أَنَّ نَقْلَ 1 أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ مَرَضِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْمَيْنِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ سِيَاقَ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَلْفَاظَهُ مِنْ وَضْعِ جُهَّالِ الْكَذَّابِينَ.
فَمِنْهُ قَوْلُهُ: " فَعَادَهُمَا جَدُّهُمَا وَعَامَّةُ الْعَرَبِ " فَإِنَّ عَامَّةَ 2 الْعَرَبِ لَمْ يَكُونُوا بِالْمَدِينَةِ، وَالْعَرَبُ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَأْتُونَهُمَا يَعُودُونَهُمَا.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: " فَقَالُوا 3 : يَا أَبَا الْحَسَنِ، لَوْ نَذَرْتَ عَلَى وَلَدَيْكَ ". وَعَلِيٌّ لَا يَأْخُذُ الدِّينَ مِنْ أُولَئِكَ الْعَرَبِ، بَلْ يَأْخُذُهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَ هَذَا أَمْرًا بِطَاعَةٍ فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ مِنْ أُولَئِكَ الْعَرَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَاعَةً لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ يَفْعَلُ مَا يَأْمُرُونَ بِهِ.
ثُمَّ كَيْفَ يُقْبَلُ مِنْهُمْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ؟ !
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: إِنَّهُ 4 لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» 5 ".
وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ: «إِنَّ النَّذْرَ يَرُدُّ ابْنَ آدَمَ إِلَى الْقَدَرِ * فَيُعْطَى عَلَى النَّذْرِ مَا لَا يُعْطَى غَيْرُهُ» 1 . وَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنِ النَّذْرِ وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يَرُدُّ ابْنَ آدَمَ إِلَى الْقَدَرِ * 2 .
فَإِنْ كَانَ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَسَائِرُ أَهْلِهِمَا 3 لَمْ يَعْلَمُوا مِثْلَ هَذَا، وَعَلِمَهُ عُمُومُ الْأُمَّةِ، فَهَذَا قَدْحٌ فِي عِلْمِهِمْ، فَأَيْنَ الْمُدَّعِي لِلْعِصْمَةِ؟
وَإِنْ كَانُوا 4 عَلِمُوا ذَلِكَ، وَفَعَلُوا مَا لَا طَاعَةَ فِيهِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلَا فَائِدَةَ لَهُمَا فِيهِ، بَلْ قَدْ نَهَيَا عَنْهُ: إِمَّا نَهْيَ تَحْرِيمٍ، وَإِمَّا نَهْيَ تَنْزِيلٍ - كَانَ هَذَا قَدْحًا إِمَّا 5 فِي دِينِهِمْ 6 وَإِمَّا فِي عَقْلِهِمْ وَعِلْمِهِمْ.
فَهَذَا الَّذِي يَرْوِي مِثْلَ هَذَا فِي فَضَائِلِهِمْ جَاهِلٌ، يَقْدَحُ فِيهِمْ مِنْ حَيْثُ يَمْدَحُهُمْ، وَيُخْفِضُهُمْ مِنْ حَيْثُ يَرْفَعُهُمْ، وَيَذُمُّهُمْ مِنْ حَيْثُ يَحْمَدُهُمْ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَيْتِ لِلرَّافِضَةِ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ مَحَبَّتَكُمْ لَنَا صَارَتْ مَعَرَّةً عَلَيْنَا.
وَفِي الْمَثَلِ السَّائِرِ 7 " عَدُوٌّ عَاقِلٌ خَيْرٌ مِنْ صَدِيقٍ جَاهِلٍ "
وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا مَدَحَ عَلَى الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، لَا عَلَى نَفْسِ عَقْدِ النَّذْرِ، وَالرَّجُلُ يُنْهَى عَنِ الظِّهَارِ، وَإِنْ ظَاهَرَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ لِلظِّهَارِ، وَإِذَا عَاوَدَ مُدِحَ 1 عَلَى فِعْلِ * الْوَاجِبِ، وَهُوَ التَّكْفِيرُ، لَا عَلَى نَفْسِ الظِّهَارِ الْمُحَرَّمِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَفَارَقَهَا بِالْمَعْرُوفِ، مُدِحَ عَلَى فِعْلِ مَا أَوْجَبَهُ الطَّلَاقُ، لَا نَفْسِ الطَّلَاقِ الْمَكْرُوهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ أَوِ اشْتَرَى فَأَعْطَى مَا عَلَيْهِ، مُدِحَ عَلَى فِعْلِ * 2 مَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ، لَا عَلَى نَفْسِ الْعَقْدِ الْمُوجِبِ.
وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا جَارِيَةٌ اسْمُهَا فِضَّةٌ، بَلْ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَا نَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ جَارِيَةٌ اسْمُهَا فِضَّةٌ، وَلَا ذَكَرَ ذَلِكَ [أَحَدٌ مِنْ] 3 أَهْلِ الْعِلْمِ، الَّذِينَ ذَكَرُوا أَحْوَالَهُمْ: دَقَّهَا وَجُلَّهَا.
وَلَكِنْ فِضَّةٌ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ ابْنِ عَقِبِ الَّذِي يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ مُعَلِّمَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَأَنَّهُ أُعْطِيَ تُفَّاحَةً كَانَ فِيهَا عِلْمُ الْحَوَادِثِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَكَاذِيبِ الَّتِي تَرُوجُ 4 عَلَى الْجُهَّالِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُمَا 5 لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مُعَلِّمٌ، وَلَمْ يَكُنْ 6 فِي الصَّحَابَةِ أَحَدٌ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ عَقِبٍ.
وَهَذِهِ الْمَلَاحِمُ الْمَنْظُومَةُ 7 الْمَنْسُوبَةُ إِلَى ابْنِ عَقِبٍ، هِيَ مِنْ نَظْمِ بَعْضِ